Muslim99Muslim99
← Tafsir library

5. Al-Maaida

The Table · Medinan · 120 ayahs

سُورَةُ المَائـِدَةِ

Reading Irshad al-'Aql al-Salim by Abu al-Su'ud

Ayahs 71–80 of 120

71

وَحَسِبُوٓا۟ أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌۭ فَعَمُوا۟ وَصَمُّوا۟ ثُمَّ تَابَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا۟ وَصَمُّوا۟ كَثِيرٌۭ مِّنْهُمْ ۚ وَٱللَّهُ بَصِيرٌۢ بِمَا يَعْمَلُونَ

And they thought there would be no [resulting] punishment, so they became blind and deaf. Then Allah turned to them in forgiveness; then [again] many of them became blind and deaf. And Allah is Seeing of what they do.

﴿وَحَسِبُوا ألا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾؛ أيْ: حَسِبَ بَنُو إسْرائِيلَ أنْ لا يُصِيبَهم مِنَ اللَّهِ تَعالى بِما أتَوْا مِنَ الدّاهِيَةِ الدَّهْياءِ، والخُطَّةِ الشَّنْعاءِ، بَلاءٌ وعَذابٌ.

وَقُرِئَ: ( لا تَكُونُ ) بِالرَّفْعِ عَلى أنَّ ( أنْ ) هي المُخَفَّفَةُ مِن ( أنَّ )، واسْمُها ضَمِيرُ الشَّأْنِ المَحْذُوفُ، وأصْلُهُ: أنَّهُ لا تَكُونُ فِتْنَةٌ، وتَعْلِيقُ فِعْلِ الحُسْبانِ بِها، وهي لِلتَّحْقِيقِ لِتَنْزِيلِهِ مَنزِلَةَ العِلْمِ لِكَمالِ قُوَّتِهِ، وأنَّ بِما في حَيِّزِها سادٌّ مَسَدَّ مَفْعُولَيْهِ.

﴿فَعَمُوا﴾ عَطْفٌ عَلى " حَسِبُوا "، والفاءُ لِلدَّلالَةِ عَلى تَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها؛ أيْ: أمِنُوا بَأْسَ اللَّهِ تَعالى، فَتَمادَوْا في فُنُونِ الغَيِّ والفَسادِ، وعَمُوا عَنِ الدِّينِ بَعْدَ ما هَداهُمُ الرُّسُلُ إلى مَعالِمِهِ الظّاهِرَةِ، وبَيَّنُوا لَهم مَناهِجَهُ الواضِحَةَ.

﴿وَصَمُّوا﴾ عَنِ اسْتِماعِ الحَقِّ الَّذِي ألْقَوْهُ عَلَيْهِمْ، ولِذَلِكَ فَعَلُوا بِهِمْ ما فَعَلُوا، وهَذا إشارَةٌ إلى المَرَّةِ الأُولى مِن مَرَّتَيْ إفْسادِ بَنِي إسْرائِيلَ، حِينَ خالَفُوا أحْكامَ التَّوْراةِ، ورَكِبُوا المَحارِمَ، وقَتَلُوا شَعْياءَ. وقِيلَ: حَبَسُوا أرْمِياءَ عَلَيْهِما السَّلامُ، لا إلى عِبادَتِهِمُ العِجْلَ كَما قِيلَ، فَإنَّها وإنْ كانَتْ مَعْصِيَةً عَظِيمَةً ناشِئَةً عَنْ كَمالِ العَمى والصَّمَمِ، لَكِنَّها في عَصْرِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، ولا تَعَلُّقَ لَها بِما حُكِيَ عَنْهم مِمّا فَعَلُوا بِالرُّسُلِ الَّذِينَ جاءُوهم بَعْدَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِأعْصارٍ.

﴿ثُمَّ تابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ حِينَ تابُوا، ورَجَعُوا عَمّا كانُوا عَلَيْهِ مِنَ الفَسادِ بَعْدَ ما كانُوا بِبابِلَ دَهْرًا طَوِيلًا تَحْتَ قَهْرِ بُخْتَ نَصَّرَ، أسارى في غايَةِ الذُّلِّ والمَهانَةِ، فَوَجَّهَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ مَلِكًا عَظِيمًا مَن مُلُوكِ فارِسَ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ لِيَعْمُرَهُ، ونَجّى بَقايا بَنِي إسْرائِيلَ مَن أسْرِ بُخْتَ نَصَّرَ بَعْدَ مَهْلِكِهِ، ورَدَّهم إلى وطَنِهِمْ، وتَراجَعَ مَن تَفَرَّقَ مِنهم في الأكْنافِ فَعَمَرُوهُ ثَلاثِينَ سَنَةً، فَكَثُرُوا وكانُوا كَأحْسَنِ ما كانُوا عَلَيْهِ.

وَقِيلَ: لَمّا ورِثَ بَهْمَنُ ابْنُ إسْفَنْدَيارَ المُلْكَ مِن جِدِّهِ كَسْتاسَفْ، ألْقى اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ في قَلْبِهِ شَفَقَةً عَلَيْهِمْ، فَرَدَّهم إلى الشّامِ ومَلَّكَ عَلَيْهِمْ دانْيالَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فاسْتَوْلَوْا عَلى مَن كانَ فِيها مِن أتْباعِ بُخْتَ نَصَّرَ، فَقامَتْ فِيهِمُ الأنْبِياءُ، فَرَجَعُوا إلى أحْسَنِ ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ الحالِ، وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الكَرَّةَ عَلَيْهِمْ﴾ .

وَأمّا ما قِيلَ: مِن أنَّ المُرادَ: قَبُولُ تَوْبَتِهِمْ عَنْ عِبادَةِ العِجْلِ؛ فَقَدْ عَرَفْتَ أنَّ ذَلِكَ لا تَعَلُّقَ لَهُ بِالمَقامِ، ولَمْ يُسْنِدِ التَّوْبَةَ إلَيْهِمْ كَسائِرِ أحْوالِهِمْ مِنَ الحُسْبانِ والعَمى والصَّمَمِ؛ تَجافِيًا عَنِ التَّصْرِيحِ بِنِسْبَةِ الخَيْرِ إلَيْهِمْ، وإنَّما أُشِيرَ إلَيْها في ضِمْنِ بَيانِ تَوْبَتِهِ تَعالى عَلَيْهِمْ، تَمْهِيدًا لِبَيانِ نَقْضِهِمْ إيّاها بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ عَمُوا وصَمُّوا﴾ وهو إشارَةٌ إلى المَرَّةِ الآخِرَةِ مِن مَرَّتَيْ إفْسادِهِمْ، وهو اجْتِراؤُهم عَلى قَتْلِ زَكَرِيّا ويَحْيى، وقَصْدُهم قَتْلَ عِيسى عَلَيْهِمُ السَّلامُ، لا إلى طَلَبِهِمُ الرُّؤْيَةَ كَما قِيلَ، لِما عَرَفْتَ سِرَّهُ، فَإنَّ فُنُونَ الجِناياتِ الصّادِرَةِ عَنْهم لا تَكادُ تَتَناهى، خَلا أنَّ انْحِصارَ ما حُكِيَ عَنْهم هَهُنا في المَرَّتَيْنِ، وتَرَتُّبَهُ عَلى حِكايَةِ ما فَعَلُوا …

Al-Maaida 5:71Listen in Qur'an →
72

لَقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓا۟ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ مَرْيَمَ ۖ وَقَالَ ٱلْمَسِيحُ يَٰبَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ رَبِّى وَرَبَّكُمْ ۖ إِنَّهُۥ مَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِ ٱلْجَنَّةَ وَمَأْوَىٰهُ ٱلنَّارُ ۖ وَمَا لِلظَّٰلِمِينَ مِنْ أَنصَارٍۢ

They have certainly disbelieved who say, "Allah is the Messiah, the son of Mary" while the Messiah has said, "O Children of Israel, worship Allah, my Lord and your Lord." Indeed, he who associates others with Allah - Allah has forbidden him Paradise, and his refuge is the Fire. And there are not for the wrongdoers any helpers.

﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ هو المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ شُرُوعٌ في تَفْصِيلِ قَبائِحِ النَّصارى، وإبْطالِ أقْوالِهِمُ الفاسِدَةِ بَعْدَ تَفْصِيلِ قَبائِحِ اليَهُودِ، وهَؤُلاءِ هُمُ الَّذِينَ قالُوا: إنَّ مَرْيَمَ ولَدَتْ إلَهًا. قِيلَ: هُمُ المَلِكانِيَّةُ والمارِ يَعْقُوبِيَّةُ مِنهم. وقِيلَ: هُمُ اليَعْقُوبِيَّةُ خاصَّةً. قالُوا: ومَعْنى هَذا: أنَّ اللَّهَ تَعالى حَلَّ في ذاتِ عِيسى واتَّحَدَ بِذاتِهِ، تَعالى عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا.

﴿وَقالَ المَسِيحُ﴾ حالٌ مِن فاعِلِ " قالُوا "، بِتَقْدِيرِ قَدْ مُفِيدَةٌ لِمَزِيدِ تَقْبِيحِ حالِهِمْ بِبَيانِ تَكْذِيبِهِمْ لِلْمَسِيحِ، وعَدَمِ انْزِجارِهِمْ عَمّا أصَرُّوا عَلَيْهِ بِما أوْعَدَهم بِهِ؛ أيْ: قالُوا ذَلِكَ.

وَقَدْ قالَ المَسِيحُ مُخاطِبًا لَهم: ﴿يا بَنِي إسْرائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي ورَبَّكُمْ﴾ فَإنِّي عَبْدٌ مَرْبُوبٌ مَثَلُكم، فاعْبُدُوا خالِقِي وخالِقَكم، ﴿إنَّهُ﴾؛ أيِ: الشَّأْنُ.

﴿مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ﴾؛ أيْ: شَيْئًا في عِبادَتِهِ، أوْ فِيما يَخْتَصُّ بِهِ مِن صِفاتِ الأُلُوهِيَّةِ.

﴿فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الجَنَّةَ﴾ فَلَنْ يَدْخُلَها أبَدًا، كَما لا يَصِلُ المُحَرَّمُ عَلَيْهِ إلى المُحَرَّمِ، فَإنَّها دارُ المُوَحِّدِينَ. وإظْهارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ في مَوْضِعِ الإضْمارِ لِتَهْوِيلِ الأمْرِ وتَرْبِيَةِ المَهابَةِ.

﴿وَمَأْواهُ النّارُ﴾ فَإنَّها هي المُعَدَّةُ لِلْمُشْرِكِينَ، وهَذا بَيانٌ لِابْتِلائِهِمْ بِالعِقابِ إثْرَ بَيانِ حِرْمانِهِمُ الثَّوابَ.

﴿وَما لِلظّالِمِينَ مِن أنْصارٍ﴾؛ أيْ: ما لَهم مِن أحَدٍ يَنْصُرُهم بِإنْقاذِهِمْ مِنَ النّارِ، إمّا بِطْرِيقِ المُغالَبَةِ، أوْ بِطْرِيقِ الشَّفاعَةِ، والجَمْعُ لِمُراعاةِ المُقابَلَةِ بِالظّالِمِينَ، واللّامُ إمّا لِلْعَهْدِ والجَمْعُ بِاعْتِبارِ مَعْنى مِن، كَما أنَّ الإفْرادَ في الضَّمائِرِ الثَّلاثَةِ بِاعْتِبارِ لَفْظِها، وإمّا لِلْجِنْسِ وهم داخِلُونَ فِيهِ دُخُولًا أوَّلِيًّا، ووَضْعُهُ عَلى الأوَّلِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِلتَّسْجِيلِ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم ظَلَمُوا بِالإشْراكِ، وعَدَلُوا عَنْ طَرِيقِ الحَقِّ.

والجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ، وهو إمّا مِن تَمامِ كَلامِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وإمّا وارِدٌ مِن جِهَتِهِ تَعالى لِمَقالَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، وتَقْرِيرًا لِمَضْمُونِها. وقَدْ قِيلَ: إنَّهُ مِن كَلامِهِ عَزَّ وجَلَّ عَلى مَعْنى: أنَّهم ظَلَمُوا وعَدَلُوا عَنْ سَبِيلِ الحَقِّ، فِيما تَقَوَّلُوا عَلى عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ؛ فَلِذَلِكَ لَمْ يُساعِدْهم عَلَيْهِ ولَمْ يَنْصُرْ قَوْلَهم، ورَدَّهُ وأنْكَرَهُ، وإنْ كانُوا مُعَظِّمِينَ لَهُ بِذَلِكَ ورافِعِينَ مِن مِقْدارِهِ، أوْ مِن قَوْلِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى مَعْنى: لا يَنْصُرُكم أحَدٌ فِيما تَقُولُونَ ولا يُساعِدُكم عَلَيْهِ؛ لِاسْتِحالَتِهِ وبُعْدِهِ عَنِ المَعْقُولِ.

وَأنْتَ خَبِيرٌ بِأنَّ التَّعْبِيرَ عَمّا حُكِيَ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن مُقابَلَتِهِ لِقَوْلِهِمُ الباطِلِ بِصَرِيحِ الرَّدِّ والإنْكارِ، والوَعِيدِ بِحِرْمانِ الجَنَّةِ ودُخُولِ النّارِ بِمُجَرَّدِ عَدَمِ مُساعَدَتِهِ عَلى ذَلِكَ، ونَفْيُ نُصْرَتِهِ لَهُ مَعَ خُلُوِّهِ عَنِ الفائِدَةِ، تَصْوِيرٌ لِلْقَوِيِّ بِصُورَةِ الضَّعِيفِ، وتَهْوِينٌ لِلْخَطْبِ مِن مَقامِ تَهْوِيلِهِ، بَلْ رُبَّما يُوهِمُ ذَلِكَ بِحَسَبِ الظّاهِرِ ما لا يَلِيقُ بِشَأْنِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن تَوَهُّمِ المُساعَدَةِ والنُّصْرَةِ، لا سِيَّما مَعَ مُلاحَظَةِ قَوْلِهِ: وإنْ كانُوا مُعَظِّمِينَ لَهُ ... إلَخْ. إلّا أنْ يُحْمَلَ الكَلامُ عَلى التَّهَكُّمِ …

Al-Maaida 5:72Listen in Qur'an →
73

لَّقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓا۟ إِنَّ ٱللَّهَ ثَالِثُ ثَلَٰثَةٍۢ ۘ وَمَا مِنْ إِلَٰهٍ إِلَّآ إِلَٰهٌۭ وَٰحِدٌۭ ۚ وَإِن لَّمْ يَنتَهُوا۟ عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ

They have certainly disbelieved who say, "Allah is the third of three." And there is no god except one God. And if they do not desist from what they are saying, there will surely afflict the disbelievers among them a painful punishment.

﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ كُفْرِ طائِفَةٍ أُخْرى مِنهم، ومَعْنى قَوْلِهِمْ: " ثالِثُ ثَلاثَةٍ "، ورابِعُ أرْبَعَةٍ، ونَحْوِ ذَلِكَ، أحَدُ هَذِهِ الأعْدادِ مُطْلَقًا، لا الثّالِثُ والرّابِعُ خاصَّةً، ولِذَلِكَ مَنَعَ الجُمْهُورُ أنْ يُنْصَبَ ما بَعْدَهُ بِأنْ يُقالَ: ثالِثٌ ثَلاثَةً ورابِعٌ أرْبَعَةً، وإنَّما يَنْصِبُهُ إذا كانَ ما بَعْدَهُ دُونَهُ بِمَرْتَبَةٍ، كَما في قَوْلِكَ: عاشِرٌ تِسْعَةً - وتاسِعٌ ثَمانِيَةً.

قِيلَ: إنَّهم يَقُولُونَ: إنَّ الإلَهِيَّةَ مُشْتَرِكَةٌ بَيْنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، وعِيسى، ومَرْيَمَ، وكُلُّ واحِدٍ مِن هَؤُلاءِ إلَهٌ، ويُؤَكِّدُهُ قَوْلُهُ تَعالى لِلْمَسِيحِ: ﴿أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اتَّخِذُونِي وأُمِّيَ إلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ﴾، فَقَوْلُهُ تَعالى: " ثالِثُ ثَلاثَةٍ "؛ أيْ: أحَدُ ثَلاثَةِ آلِهَةٍ.

وَهُوَ المُتَبادِرُ مِن ظاهِرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما مِن إلَهٍ إلا إلَهٍ واحِدٌ﴾؛ أيْ: والحالُ أنَّهُ لَيْسَ في الوُجُودِ ذاتُ واجِبٍ مُسْتَحِقٍّ لِلْعِبادَةِ، مِن حَيْثُ إنَّهُ مَبْدَأُ جَمِيعِ المَوْجُوداتِ، إلّا إلَهٌ مَوْصُوفٌ بِالوَحْدانِيَّةِ، مُتَعالٍ عَنْ قَبُولِ الشِّرْكَةِ، و" مِن " مَزِيدَةٌ لِلِاسْتِغْراقِ.

وَقِيلَ: إنَّهم يَقُولُونَ: اللَّهُ جَوْهَرٌ واحِدٌ ثَلاثَةُ أقانِيمَ، أُقْنُومُ الأبِ، وأُقْنُومُ الِابْنِ، وأُقْنُومُ رُوحِ القُدُسِ، وأنَّهم يُرِيدُونَ بِالأوَّلِ: الذّاتَ، وقِيلَ: الوُجُودَ، وبِالثّانِي: العِلْمَ، وبِالثّالِثِ: الحَياةَ؛ فَمَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: " ﴿وَما مِن إلَهٍ إلا إلَهٍ واحِدٌ﴾ ": إلّا إلَهٌ واحِدٌ بِالذّاتِ، مُنَزَّهٌ عَنْ شائِبَةِ التَّعَدُّدِ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ.

﴿وَإنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمّا يَقُولُونَ﴾ مِنَ الكُفْرِ الشَّنِيعِ ولَمْ يُوَحِّدُوا.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ سادٍّ مَسَدَّ جَوابِ الشَّرْطِ؛ أيْ: وبِاللَّهِ إنْ لَمْ يَنْتَهُوا لِيَمَسَّنَّهم، وإنَّما وُضِعَ مَوْضِعَ ضَمِيرِ " هُمُ " المَوْصُولِ، لِتَكْرِيرِ الشَّهادَةِ عَلَيْهِمْ بِالكُفْرِ.

فَمِن في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِنهُمْ﴾ بَيانِيَّةٌ، أوْ لِيَمَسَّنَّ الَّذِينَ بَقُوا مِنهم عَلى ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ، فَمِن تَبْعِيضِيَّةٌ. وإنَّما جِيءَ بِالفِعْلِ المُنْبِئِ عَنِ الحُدُوثِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ الِاسْتِمْرارَ عَلَيْهِ بَعْدَ وُرُودِ ما يُنَحّى عَلَيْهِ بِالقَلْعِ مِن نَصِّ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ وغَيْرِهِ، كُفْرٌ جَدِيدٌ وغُلُوٌّ زائِدٌ عَلى ما كانُوا عَلَيْهِ مِن أصْلِ الكُفْرِ.

﴿عَذابٌ ألِيمٌ﴾؛ أيْ: نَوْعٌ شَدِيدُ الألَمِ مِنَ العَذابِ.

Al-Maaida 5:73Listen in Qur'an →
74

أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى ٱللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُۥ ۚ وَٱللَّهُ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ

So will they not repent to Allah and seek His forgiveness? And Allah is Forgiving and Merciful.

وَهَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَلا يَتُوبُونَ إلى اللَّهِ ويَسْتَغْفِرُونَهُ﴾ لِإنْكارِ الواقِعِ واسْتِبْعادِهِ لا لِإنْكارِ الوُقُوعِ، وفِيهِ تَعْجِيبٌ مِن إصْرارِهِمْ، والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ يَقْتَضِيهِ المَقامُ؛ أيْ: ألا يَنْتَهُونَ عَنْ تِلْكَ العَقائِدِ الزّائِغَةِ، والأقاوِيلِ الباطِلَةِ، فَلا يَتُوبُونَ إلى اللَّهِ تَعالى ويَسْتَغْفِرُونَهُ بِالتَّوْحِيدِ، والتَّنْزِيهِ عَمّا نَسَبُوهُ إلَيْهِ مِنَ الِاتِّحادِ والحُلُولِ، فَمَدارُ الإنْكارِ والتَّعْجِيبِ عَدَمُ الِانْتِهاءِ وعَدَمُ التَّوْبَةِ مَعًا، أوْ أيَسْمَعُونَ هَذِهِ الشَّهاداتِ المُكَرَّرَةَ والتَّشْدِيداتِ المُقَرَّرَةَ، فَلا يَتُوبُونَ عَقِيبَ ذَلِكَ، فَمَدارُهُما عَدَمُ التَّوْبَةِ عَقِيبَ تَحَقُّقِ ما يُوجِبُها مِن سَماعِ تِلْكَ القَوارِعِ الهائِلَةِ.

وَقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ مِن فاعِلِ " يَسْتَغْفِرُونَهُ "، مُؤَكِّدَةٌ لِلْإنْكارِ والتَّعْجِيبِ مِن إصْرارِهِمْ عَلى الكُفْرِ، وعَدَمِ مُسارَعَتِهِمْ إلى الِاسْتِغْفارِ؛ أيْ: والحالُ أنَّهُ تَعالى مُبالِغٌ في المَغْفِرَةِ، فَيَغْفِرُ لَهم عِنْدَ اسْتِغْفارِهِمْ ويَمْنَحُهم مِن فَضْلِهِ.

Al-Maaida 5:74Listen in Qur'an →
75

مَّا ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌۭ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ ٱلرُّسُلُ وَأُمُّهُۥ صِدِّيقَةٌۭ ۖ كَانَا يَأْكُلَانِ ٱلطَّعَامَ ۗ ٱنظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ ٱلْءَايَٰتِ ثُمَّ ٱنظُرْ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ

The Messiah, son of Mary, was not but a messenger; [other] messengers have passed on before him. And his mother was a supporter of truth. They both used to eat food. Look how We make clear to them the signs; then look how they are deluded.

﴿ما المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إلا رَسُولٌ﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِتَحْقِيقِ الحَقِّ الَّذِي لا مَحِيدَ عَنْهُ، وبَيانِ حَقِيقَةِ حالِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ وحالِ أُمِّهِ، بِالإشارَةِ أوَّلًا إلى أشْرَفِ ما لَهُما مِن نُعُوتِ الكَمالِ، الَّتِي بِها صارا مِن زُمْرَةِ أكْمَلِ أفْرادِ الجِنْسِ، وآخِرًا إلى الوَصْفِ المُشْتَرَكِ بَيْنَهُما وبَيْنَ جَمِيعِ أفْرادِ البَشَرِ، بَلْ أفْرادِ الحَيَوانِ، اسْتِنْزالُهم بِطَرِيقِ التَّدْرِيجِ عَنْ رُتْبَةِ الإصْرارِ عَلى ما تَقَوَّلُوا عَلَيْهِما، وإرْشادًا لَهم إلى التَّوْبَةِ والِاسْتِغْفارِ؛ أيْ: هو مَقْصُورٌ عَلى الرِّسالَةِ لا يَكادُ يَتَخَطّاها.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ صِفَةٌ لِرَسُولٍ مُنْبِئَةٌ عَنِ اتِّصافِهِ بِما يُنافِي الأُلُوهِيَّةِ، فَإنَّ خُلُوَّ الرُّسُلِ السّالِفَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مُنْذِرٌ بِخُلُوِّهِ المُقْتَضِي لِاسْتِحالَةِ أُلُوهِيَّتِهِ؛ أيْ: ما هو إلّا رَسُولٌ كالرُّسُلِ الخالِيَةِ مِن قَبْلِهِ، خَصَّهُ اللَّهُ تَعالى بِبَعْضٍ مِنَ الآياتِ، كَما خَصَّ كُلًّا مِنهم بِبَعْضٍ آخَرَ مِنها، فَإنْ أحْيى المَوْتى عَلى يَدِهِ، فَقَدَ أحْيى العَصا في يَدِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وجُعِلَتْ حَيَّةً تَسْعى، وهو أعْجَبُ مِنهُ، وإنَّ خُلِقَ مِن غَيْرِ أبٍ، فَقَدْ خُلِقَ آدَمُ مِن غَيْرِ أبٍ ولا أُمٍّ، وهو أغْرَبُ مِنهُ، وكُلُّ ذَلِكَ مِن جَنابِهِ عَزَّ وجَلَّ، وإنَّما مُوسى وعِيسى مَظاهِرُ لِشُئُونِهِ وأفْعالِهِ.

﴿وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ﴾؛ أيْ: وما أُمُّهُ أيْضًا كَسائِرِ النِّساءِ اللّاتِي يُلازِمْنَ الصِّدْقَ أوِ التَّصْدِيقَ، ويُبالِغْنَ في الِاتِّصافِ بِهِ، فَما رُتْبَتُهُما إلّا رُتْبَةُ بَشَرَيْنِ، أحَدُهُما نَبِيٌّ والآخَرُ صَحابِيٌّ؛ فَمِن أيْنَ لَكم أنْ تَصِفُوهُما بِما لا يُوصَفُ بِهِ سائِرُ الأنْبِياءِ وخَواصُّهم ؟

﴿كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ﴾ اسْتِئْنافٌ مُبَيِّنٌ لِما أُشِيرَ إلَيْهِ مِن كَوْنِهِما كَسائِرِ أفْرادِ البَشَرِ في الِاحْتِياجِ إلى ما يَحْتاجُ إلَيْهِ كُلُّ فَرْدٍ مِن أفْرادِهِ، بَلْ مِن أفْرادِ الحَيَوانِ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الآياتِ﴾ تَعْجِيبٌ مِن حالِ الَّذِينَ يَدَّعُونَ لَهُما الربوبية، ولا يَرْعَوُونَ عَنْ ذَلِكَ بَعْدَ ما بَيَّنَ لَهم حَقِيقَةَ حالِهِما بَيانًا لا يَحُومُ حَوْلَهُ شائِبَةُ رَيْبٍ. وكَيْفَ مَعْمُولٌ لِنُبَيِّنُ، والجُمْلَةُ في حَيِّزِ النَّصْبِ مُعَلَّقَةٌ لِانْظُرْ؛ أيْ: انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الآياتِ الباهِرَةَ، المُنادِيَةَ بِبُطْلانِ ما تَقَوَّلُوا عَلَيْهِما، نِداءً يَكادُ يَسْمَعُهُ صُمُّ الجِبالِ.

﴿ثُمَّ انْظُرْ أنّى يُؤْفَكُونَ﴾؛ أيْ: كَيْفَ يُصْرَفُونَ عَنِ اسْتِماعِها والتَّأمُّلِ فِيها، والكَلامُ فِيهِ كَما فِيما قَبْلَهُ، وتَكْرِيرُ الأمْرِ بِالنَّظَرِ لِلْمُبالَغَةِ في التَّعْجِيبِ، و" ثُمَّ " لِإظْهارِ ما بَيْنَ العَجَبَيْنِ مِنَ التَّفاوُتِ؛ أيْ: إنَّ بَيانَنا لِلْآياتِ أمْرٌ بَدِيعٌ في بابِهِ بالِغٌ لِأقاصِي الغاياتِ القاصِيَةِ مِنَ التَّحْقِيقِ والإيضاحِ، وإعْراضَهم عَنْها مَعَ انْتِفاءِ ما يُصَحِّحُهُ بِالمَرَّةِ، وتَعاضُدِ ما يُوجِبُ قَبُولَها أعْجَبُ وأبْدَعُ.

Al-Maaida 5:75Listen in Qur'an →
76

قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّۭا وَلَا نَفْعًۭا ۚ وَٱللَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ

Say, "Do you worship besides Allah that which holds for you no [power of] harm or benefit while it is Allah who is the Hearing, the Knowing?"

﴿قُلْ﴾ أمْرٌ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِإلْزامِهِمْ وتَبْكِيتِهِمْ إثْرَ تَعْجِيبِهِ مِن أحْوالِهِمْ.

﴿أتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾؛ أيْ: مُتَجاوِزِينَ إيّاهُ، وتَقْدِيمُهُ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما لا يَمْلِكُ لَكم ضَرًّا ولا نَفْعًا﴾ لِما مَرَّ مِرارًا مِنَ الِاهْتِمامِ بِالمُقَدَّمِ والتَّشْوِيقِ إلى المُؤَخَّرِ، والمَوْصُولُ عِبارَةٌ عَنْ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وإيثارُهُ عَلى كَلِمَةِ " مَن "، لِتَحْقِيقِ ما هو المُرادُ مِن كَوْنِهِ بِمَعْزِلٍ مِنَ الأُلُوهِيَّةِ رَأْسًا، بِبَيانِ انْتِظامِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ في سِلْكِ الأشْياءِ الَّتِي لا قُدْرَةَ لَها عَلى شَيْءٍ أصْلًا، وهو عَلَيْهِ السَّلامُ وإنْ كانَ يَمْلِكُ ذَلِكَ بِتَمْلِيكِهِ تَعالى إيّاهُ، لَكِنَّهُ لا يَمْلِكُهُ مِن ذاتِهِ، ولا يَمْلِكُ مِثْلَ ما يَضُرُّ بِهِ اللَّهُ تَعالى مِنَ البَلايا والمَصائِبِ، وما يَنْفَعُ بِهِ مِنَ الصِّحَّةِ.

وَتَقْدِيمُ الضَّرَرِ عَلى النَّفْعِ؛ لِأنَّ التَّحَرُّزَ عَنْهُ أهَمُّ مِن تَحَرِّي النَّفْعِ، ولِأنَّ أدْنى دَرَجاتِ التَّأْثِيرِ دَفْعُ الشَّرِّ، ثُمَّ جَلْبُ الخَيْرِ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ حالٌ مِن فاعِلِ " أتَعْبُدُونَ "، مُؤَكِّدٌ لِلْإنْكارِ والتَّوْبِيخِ، ومُقَرِّرٌ لِلْإلْزامِ والتَّبْكِيتِ، والرّابِطُ هو الواوُ؛ أيْ: أتُشْرِكُونَ بِاللَّهِ تَعالى ما لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ مِن ضَرِّكم ونَفْعِكم، والحالُ أنَّ اللَّهَ تَعالى هو المُخْتَصُّ بِالإحاطَةِ التّامَّةِ بِجَمِيعِ المَسْمُوعاتِ، والمَعْلُوماتِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الأقْوالِ الباطِلَةِ، والعَقائِدِ الزّائِغَةِ، والأعْمالِ السَّيِّئَةِ، وبِالقُدْرَةِ الباهِرَةِ عَلى جَمِيعِ المَقْدُوراتِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها مَضارُّكم ومَنافِعُكم في الدُّنْيا والآخِرَةِ.

Al-Maaida 5:76Listen in Qur'an →
77

قُلْ يَٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَٰبِ لَا تَغْلُوا۟ فِى دِينِكُمْ غَيْرَ ٱلْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوٓا۟ أَهْوَآءَ قَوْمٍۢ قَدْ ضَلُّوا۟ مِن قَبْلُ وَأَضَلُّوا۟ كَثِيرًۭا وَضَلُّوا۟ عَن سَوَآءِ ٱلسَّبِيلِ

Say, "O People of the Scripture, do not exceed limits in your religion beyond the truth and do not follow the inclinations of a people who had gone astray before and misled many and have strayed from the soundness of the way."

﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ﴾ تَلْوِينٌ لِلْخِطابِ وتَوْجِيهٌ لَهُ إلى فَرِيقَيْ أهْلِ الكِتابِ بِطَرِيقِ الِالتِفاتِ عَلى لِسانِ النَّبِيِّ ﷺ بَعْدَ إبْطالِ مَسْلَكِ كُلٍّ مِنهُما، لِلْمُبالَغَةِ في زَجْرِهِمْ عَمّا سَلَكُوهُ مِنَ المَسْلَكِ الباطِلِ، وإرْشادِهِمْ إلى الأُمَمِ المُنْئاةِ.

﴿لا تَغْلُوا في دِينِكُمْ﴾؛ أيْ: لا تَتَجاوَزُوا الحَدَّ، وهو نَهْيٌ لِلنَّصارى عَنْ رَفْعِ عِيسى عَنْ رُتْبَةِ الرِّسالَةِ إلى ما تَقَوَّلُوا في حَقِّهِ مِنَ العَظِيمَةِ، ولِلْيَهُودِ عَنْ وضْعِهِمْ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَنْ رُتْبَتِهِ العَلِيَّةِ إلى ما تَقَوَّلُوا عَلَيْهِ مِنَ الكَلِمَةِ الشَّنْعاءِ. وقِيلَ: هو خاصٌّ بِالنَّصارى، كَما في سُورَةِ النِّساءِ، فَذَكَّرَهم بِعُنْوانِ أهْلِيَّةِ الكِتابِ لِتَذْكِيرِ أنَّ الإنْجِيلَ أيْضًا يَنْهاهم عَنِ الغُلُوِّ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿غَيْرَ الحَقِّ﴾ نَصْبٌ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: لا تَغْلُوا في دِينِكم غُلُوًّا غَيْرَ الحَقِّ؛ أيْ: غُلُوًّا باطِلًا، أوْ حالٌ مِن ضَمِيرِ الفاعِلِ؛ أيْ: لا تَغْلُوا مُجاوِزِينَ الحَقَّ، أوْ مِن دِينِكم؛ أيْ: لا تَغْلُوا في دِينِكم حالَ كَوْنِهِ باطِلًا. وقِيلَ: نُصِبَ عَلى الِاسْتِثْناءِ المُتَّصِلِ، وقِيلَ: عَلى المُنْقَطِعِ.

﴿وَلا تَتَّبِعُوا أهْواءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِن قَبْلُ﴾ هم أسْلافُهم وأئِمَّتُهُمُ الَّذِينَ قَدْ ضَلُّوا مِنَ الفَرِيقَيْنِ، أوْ مِنَ النَّصارى عَلى القَوْلَيْنِ، قَبْلَ مَبْعَثِ النَّبِيِّ ﷺ في شَرِيعَتِهِمْ.

﴿وَأضَلُّوا كَثِيرًا﴾؛ أيْ: قَوْمًا كَثِيرًا مِمَّنْ شايَعَهم في الزَّيْغِ والضَّلالِ، أوْ إضْلالًا كَثِيرًا، والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ.

﴿وَضَلُّوا﴾ عِنْدَ بَعْثَةِ النَّبِيِّ ﷺ، وتَوْضِيحِ مَحَجَّةِ الحَقِّ وتَبْيِينِ مَناهِجِ الإسْلامِ.

﴿عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ﴾ حِينَ كَذَّبُوهُ وحَسَدُوهُ وبَغَوْا عَلَيْهِ. وقِيلَ: الأوَّلُ: إشارَةٌ إلى ضَلالِهِمْ عَنْ مُقْتَضى العَقْلِ، والثّانِي: إلى ضَلالِهِمْ عَمّا جاءَ بِهِ الشَّرْعُ.

Al-Maaida 5:77Listen in Qur'an →
78

لُعِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِنۢ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ عَلَىٰ لِسَانِ دَاوُۥدَ وَعِيسَى ٱبْنِ مَرْيَمَ ۚ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوا۟ وَّكَانُوا۟ يَعْتَدُونَ

Cursed were those who disbelieved among the Children of Israel by the tongue of David and of Jesus, the son of Mary. That was because they disobeyed and [habitually] transgressed.

﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾؛ أيْ: لَعَنَهُمُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، وبِناءُ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ لِلْجَرْيِ عَلى سَنَنِ الكِبْرِياءِ.

﴿مِن بَنِي إسْرائِيلَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنَ المَوْصُولِ، أوْ مِن فاعِلِ كَفَرُوا.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلى لِسانِ داوُدَ وعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِلُعِنَ؛ أيْ: لَعَنَهُمُ اللَّهُ تَعالى في الزَّبُورِ والإنْجِيلِ عَلى لِسانِهِما. وقِيلَ: إنَّ أهْلَ أيْلَةَ لَمّا اعْتَدَوْا في السَّبْتِ، دَعا عَلَيْهِمْ داوُدُ عَلَيْهِ السَّلامُ وقالَ: اللَّهُمَّ العَنْهم واجْعَلْهم آيَةً؛ فَمَسَخَهُمُ اللَّهُ قِرَدَةً. وأصْحابُ المائِدَةِ لَمّا كَفَرُوا، قالَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ: اللَّهُمَّ عَذِّبْ مَن كَفَرَ بَعْدَما أكَلَ مِنَ المائِدَةِ عَذابًا لَمْ تُعَذِّبْهُ أحَدًا مِنَ العالَمِينَ، والعَنْهم كَما لَعَنْتَ أصْحابَ السَّبْتِ؛ فَأصْبَحُوا خَنازِيرَ، وكانُوا خَمْسَةَ آلافِ رَجُلٍ ما فِيهِمُ امْرَأةٌ ولا صَبِيٌّ.

﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى اللَّعْنِ المَذْكُورِ، وإيثارُهُ عَلى الضَّمِيرِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى كَمالِ ظُهُورِهِ، وامْتِيازِهِ عَنْ نَظائِرِهِ، وانْتِظامِهِ بِسَبَبِهِ في سِلْكِ الأُمُورِ المُشاهَدَةِ، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإيذانِ بِكَمالِ فَظاعَتِهِ، وبُعْدِ دَرَجَتِهِ في الشَّناعَةِ والهَوْلِ، وهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِما عَصَوْا وكانُوا يَعْتَدُونَ﴾ والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ واقِعَةٌ مَوْقِعَ الجَوابِ عَمّا نَشَأ مِنَ الكَلامِ، كَأنَّهُ قِيلَ: بِأيِّ سَبَبٍ وقَعَ ذَلِكَ ؟ فَقِيلَ: ذَلِكَ اللَّعْنُ الهائِلُ الفَظِيعُ بِسَبَبِ عِصْيانِهِمْ واعْتِدائِهِمُ المُسْتَمِرِّ، كَما يُفِيدُهُ الجَمْعُ بَيْنَ صِيغَتَيِ الماضِي والمُسْتَقْبَلِ.

Al-Maaida 5:78Listen in Qur'an →
79

كَانُوا۟ لَا يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍۢ فَعَلُوهُ ۚ لَبِئْسَ مَا كَانُوا۟ يَفْعَلُونَ

They used not to prevent one another from wrongdoing that they did. How wretched was that which they were doing.

وَيُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ﴾ فَإنَّهُ اسْتِئْنافٌ مُفِيدٌ بِعِبارَتِهِ؛ لِاسْتِمْرارِ عَدَمِ التَّناهِي عَنِ المُنْكَرِ، ولا يُمْكِنُ اسْتِمْرارُهُ إلّا بِاسْتِمْرارِ تَعاطِي المُنْكَراتِ، ولَيْسَ المُرادُ بِالتَّناهِي: أنْ يَنْهى كُلُّ واحِدٍ مِنهُمُ الآخَرَ عَمّا يَفْعَلُهُ مِنَ المُنْكَرِ، كَما هو المَعْنى المَشْهُورُ لِصِيغَةِ التَّفاعُلِ، بَلْ مُجَرَّدُ صُدُورِ النَّهْيِ عَنْ أشْخاصٍ مُتَعَدِّدَةٍ مِن غَيْرِ اعْتِبارِ أنْ يَكُونَ كُلُّ واحِدٍ مِنهم ناهِيًا ومَنهِيًّا مَعًا، كَما في تَراءَوُا الهِلالَ.

وَقِيلَ: التَّناهِي بِمَعْنى: الِانْتِهاءِ، يُقالُ: تَناهى عَنِ الأمْرِ وانْتَهى عَنْهُ: إذا امْتَنَعَ عَنْهُ وتَرَكَهُ؛ فالجُمْلَةُ حِينَئِذٍ مُفَسِّرَةٌ لِما قَبْلَها مِنَ المَعْصِيَةِ والِاعْتِداءِ، ومُفِيدَةٌ لِاسْتِمْرارِهِما صَرِيحًا، وعَلى الأوَّلِ مُفِيدَةٌ لِاسْتِمْرارِ انْتِفاءِ النَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ، بِأنْ لا يُوجَدَ فِيما بَيْنَهم مَن يَتَوَلّاهُ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ، ومِن ضَرُورَتِهِ اسْتِمْرارُ فِعْلِ المُنْكَرِ حَسْبَما سَبَقَ، وعَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ فَما يُفِيدُهُ تَنْكِيرُ المُنْكَرِ مِنَ الوَحْدَةِ نَوْعِيَّةٌ لا شَخْصِيَّةٌ، فَلا يَقْدَحُ وصْفُهُ بِالفِعْلِ الماضِي في تَعَلُّقِ النَّهْيِ بِهِ، لِما أنَّ مُتَعَلِّقَ الفِعْلِ إنَّما هو فَرْدٌ مِن أفْرادِ ما يَتَعَلَّقُ بِهِ النَّهْيُ، والِانْتِهاءُ مِن مُطْلَقِ المُنْكَرِ بِاعْتِبارِ تَحَقُّقِهِ في ضِمْنِ أيِّ فَرْدٍ كانَ مِن أفْرادِهِ، عَلى أنَّ المُضِيَّ المُعْتَبَرَ في الصِّفَةِ إنَّما هو بِالنِّسْبَةِ إلى زَمانِ النُّزُولِ، لا إلى زَمانِ النَّهْيِ، حَتّى يَلْزَمَ كَوْنُ النَّهْيِ بَعْدَ الفِعْلِ، فَلا حاجَةَ إلى تَقْدِيرِ المُعاوَدَةِ، أوِ المَثَلِ، أوْ جَعْلِ الفِعْلِ عِبارَةً عَنِ الإرادَةِ، عَلى أنَّ المُعاوَدَةَ كالنَّهْيِ لا تَتَعَلَّقُ بِالمُنْكَرِ المَفْعُولِ، فَلا بُدَّ مِنَ المَصِيرِ إلى أحَدِ ما ذُكِرَ مِنَ الوَجْهَيْنِ، أوْ إلى تَقْدِيرِ المَثَلِ، أوْ إلى جَعْلِ الفِعْلِ عِبارَةً عَنْ إرادَتِهِ، وفي كُلِّ ذَلِكَ تَعَسُّفٌ لا يَخْفى.

﴿لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾ تَقْبِيحٌ لِسُوءِ أعْمالِهِمْ، وتَعْجِيبٌ مِنهُ بِالتَّوْكِيدِ القَسَمِيِّ، كَيْفَ لا وقَدْ أدّاهم إلى ما شُرِحَ مِنَ اللَّعْنِ الكَبِيرِ، ولَيْسَ في تَسَبُّبِهِ بِذَلِكَ دَلالَةٌ عَلى خُرُوجِ كَفْرِهِمْ عَنِ السَّبَبِيَّةِ، مَعَ الإشارَةِ إلى سَبَبِيَّتِهِ لَهُ فِيما سَبَقَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: " ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ "؛ فَإنَّ إجْراءَ الحُكْمِ عَلى المَوْصُولِ مُشْعِرٌ بِعِلِّيَّةِ ما في حَيِّزِ الصِّلَةِ لَهُ، لِما أنَّ ما ذُكِرَ في حَيِّزِ السَّبَبِيَّةِ مُشْتَمِلٌ عَلى كُفْرِهِمْ أيْضًا.

Al-Maaida 5:79Listen in Qur'an →
80

تَرَىٰ كَثِيرًۭا مِّنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ۚ لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَن سَخِطَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِى ٱلْعَذَابِ هُمْ خَٰلِدُونَ

You see many of them becoming allies of those who disbelieved. How wretched is that which they have put forth for themselves in that Allah has become angry with them, and in the punishment they will abide eternally.

﴿تَرى كَثِيرًا مِنهُمْ﴾؛ أيْ: مِن أهْلِ الكِتابِ، كَكَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ وأضْرابِهِ، حَيْثُ خَرَجُوا إلى مُشْرِكِي مَكَّةَ لِيَتَّفِقُوا عَلى مُحارَبَةِ النَّبِيِّ ﷺ، والرُّؤْيَةُ بَصَرِيَّةٌ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ حالٌ مِن " كَثِيرًا " لِكَوْنِهِ مَوْصُوفًا؛ أيْ: يُوالُونَ المُشْرِكِينَ بُغْضًا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ والمُؤْمِنِينَ. وقِيلَ: مِن مُنافِقِي أهْلِ الكِتابِ يَتَوَلَّوْنَ اليَهُودَ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، ومُجاهِدٍ، والحَسَنِ. وقِيلَ: يُوالُونَ المُشْرِكِينَ ويُصافُونَهم.

﴿لَبِئْسَ ما قَدَّمَتْ لَهم أنْفُسُهُمْ﴾ لَبِئْسَ شَيْئًا قَدَّمُوا لِيَرُدُّوا عَلَيْهِ يَوْمَ القِيامَةِ.

﴿أنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ هو المَخْصُوصُ بِالذَّمِّ عَلى حَذْفِ المُضافِ، وإقامَةِ المُضافِ إلَيْهِ مُقامَهُ تَنْبِيهًا عَلى كَمالِ التَّعَلُّقِ، والِارْتِباطِ بَيْنَهُما كَأنَّهُما شَيْءٌ واحِدٌ، ومُبالَغَةً في الذَّمِّ؛ أيْ: مُوجِبُ سَخَطِهِ تَعالى. ومَحَلُّهُ الرَّفْعُ عَلى الِابْتِداءِ، والجُمْلَةُ قَبْلَهُ خَبَرُهُ، والرّابِطُ عِنْدَ مَن يَشْتَرِطُهُ هو العُمُومُ، أوْ لا حاجَةَ إلَيْهِ؛ لِأنَّ الجُمْلَةَ عَيْنُ المُبْتَدَأِ، أوْ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ يُنْبِئُ عَنْهُ الجُمْلَةُ المُتَقَدِّمَةُ، كَأنَّهُ قِيلَ: ما هو، أوْ أيُّ شَيْءٍ هو ؟ فَقِيلَ: هو أنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ. وقِيلَ: المَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ، و" ما " اسْمٌ تامٌّ مَعْرِفَةٌ في مَحَلِّ رَفْعٍ بِالفاعِلِيَّةِ لِفِعْلِ الذَّمِّ، " وقَدَّمَتْ لَهم أنْفُسُهم " جُمْلَةٌ في مَحَلِّ الرَّفْعِ عَلى أنَّها صِفَةٌ لِلْمَخْصُوصِ بِالذَّمِّ قائِمَةٌ مَقامَهُ، والتَّقْدِيرُ: لَبِئْسَ الشَّيْءُ شَيْءٌ قَدَّمَتْهُ لَهم أنْفُسُهم، فَقَوْلُهُ تَعالى: " ﴿أنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ " بَدَلٌ مِن شَيْءٍ المَحْذُوفِ، وهَذا مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ.

﴿وَفِي العَذابِ﴾؛ أيْ: عَذابِ جَهَنَّمَ.

﴿هم خالِدُونَ﴾ أبَدَ الآبِدِينَ.

Al-Maaida 5:80Listen in Qur'an →

Commentary: Irshad al-'Aql al-Salim by Abu al-Su'ud. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.