Muslim99Muslim99
← Tafsir library

5. Al-Maaida

The Table · Medinan · 120 ayahs

سُورَةُ المَائـِدَةِ

Reading Al-Bahr al-Muhit by Abu Hayyan al-Gharnati

Ayahs 61–70 of 120

61

وَإِذَا جَآءُوكُمْ قَالُوٓا۟ ءَامَنَّا وَقَد دَّخَلُوا۟ بِٱلْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا۟ بِهِۦ ۚ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا۟ يَكْتُمُونَ

And when they come to you, they say, "We believe." But they have entered with disbelief [in their hearts], and they have certainly left with it. And Allah is most knowing of what they were concealing.

﴿وأضَلُّ عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة: ٦٠] أيْ: عَنْ وسَطِ السَّبِيلِ وقَصْدِهِ، أيْ: هم حائِرُونَ لا يَهْتَدُونَ إلى مُسْتَقِيمِ الطَّرِيقِ.

﴿وإذا جاؤُكم قالُوا آمَنّا وقَدْ دَخَلُوا بِالكُفْرِ وهم قَدْ خَرَجُوا بِهِ﴾ ضَمِيرُ الغَيْبَةِ في جاءُوكم لِلْيَهُودِ والمُعاصِرِينَ لِلرَّسُولِ وخاصَّةً بِالمُنافِقِينَ مِنهم؛ قالَهُ: ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، والسُّدِّيُّ، وهو عَلى حَذْفِ مُضافٍ. إذْ ظاهِرُ الضَّمِيرِ أنَّهُ عائِدٌ عَلى مَن قَبْلَهُ، التَّقْدِيرُ: وإذا جاءُوكم أهْلُهم أوْ نِساؤُهم. وتَقَدَّمَ مِن قَوْلِنا: أنْ يَكُونَ مَن لَعَنَهُ اللَّهُ إلى آخِرِهِ عِبارَةً عَنِ المُخاطَبِينَ في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ ياأهْلَ الكِتابِ﴾ [المائدة: ٥٩] وأنَّهُ مِمّا وُضِعَ الظّاهِرُ مَوْضِعَ المُضْمَرِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: أنْتُمْ، فَلا يَحْتاجُ هَذا إلى حَذْفِ مُضافٍ.

كانَ جَماعَةٌ مِنَ اليَهُودِ يَدْخُلُونَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ، يُظْهِرُونَ لَهُ الإيمانَ نِفاقًا فَأخْبَرَ اللَّهُ تَعالى بِشَأْنِهِمْ وأنَّهم يَخْرُجُونَ كَما دَخَلُوا، لَمْ يَتَعَلَّقُوا بِشَيْءٍ مِمّا سَمِعُوا مِن تَذْكِيرٍ ومَوْعِظَةٍ، فَعَلى هَذا، الخِطابُ في جاءُوكم لِلرَّسُولِ، ﷺ، وقِيلَ: لِلْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ كانُوا بِحَضْرَةِ الرَّسُولِ. وهاتانِ الجُمْلَتانِ حالانِ، وبِالكُفْرِ، وبِهِ حالانِ أيْضًا؛ أيْ: مُلْتَبِسِينَ. ولِذَلِكَ دَخَلَتْ قَدْ تَقْرِيبًا لَها مِن زَمانِ الحالِ ولِمَعْنًى آخَرَ وهو: أنَّ أماراتِ النِّفاقِ كانَتْ لائِحَةً عَلَيْهِمْ، وكانَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ، مُتَوَقِّعًا لِإظْهارِ ما تَكَتَّمُوهُ، فَدَخَلَ حَرْفُ التَّوَقُّعِ وخالَفَ بَيْنَ جُمْلَتَيِ الحالِ اتِّساعًا في الكَلامِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَوْلُهُ: وهم، تَخْلِيصٌ مِنِ احْتِمالِ العِبارَةِ أنْ يَدْخُلَ قَوْمٌ بِالكُفْرِ وهم قَدْ خَرَجُوا بِهِ، فَأزالَ الِاحْتِمالَ قَوْلُهُ تَعالى: وهم قَدْ خَرَجُوا بِهِ؛ أيْ: هم بِأعْيانِهِمْ. انْتَهى. والعامِلُ في الحالَيْنِ آمَنّا؛ أيْ: قالُوا ذَلِكَ وهَذِهِ حالُهم. وقِيلَ: مَعْنى هم لِلتَّأْكِيدِ في إضافَةِ الكُفْرِ إلَيْهِمْ، ونَفى أنْ يَكُونَ مِنَ الرَّسُولِ ما يُوجِبُ كُفْرَهم مِن سُوءِ مُعامَلَتِهِ لَهم، بَلْ كانَ يَلْطُفُ بِهِمْ ويُعامِلُهم بِأحْسَنِ مُعامَلَةٍ. فالمَعْنى: أنَّهم هُمُ الَّذِينَ خَرَجُوا بِالكُفْرِ بِاخْتِيارِ أنْفُسِهِمْ، لا أنَّكَ أنْتَ الَّذِي تَسَبَّبْتَ لِبَقائِهِمْ في الكُفْرِ. والَّذِي نَقُولُ: إنَّ الجُمْلَةَ الِاسْمِيَّةَ الواقِعَةَ حالًا المُصَدَّرَةَ بِضَمِيرِ ذِي الحالِ المُخْبَرَ عَنْها بِفِعْلٍ أوِ اسْمٍ يَتَحَمَّلُ ضَمِيرَ ذِي الحالِ - آكَدُ مِنَ الجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ، مِن جِهَةِ أنَّهُ يَتَكَرَّرُ فِيها المُسْنَدُ إلَيْهِ فَيَصِيرُ نَظِيرَ: قامَ زَيْدٌ زَيْدٌ. ولَمّا كانُوا حِينَ جاءُوا الرَّسُولَ أوِ المُؤْمِنِينَ قالُوا: آمَنّا مُلْتَبِسِينَ بِالكُفْرِ، كانَ يَنْبَغِي لَهم أنْ لا يَخْرُجُوا بِالكُفْرِ، لِأنَّ رُؤْيَتَهُ، ﷺ، كافِيَةٌ في الإيمانِ. ألا تَرى إلى قَوْلِ بَعْضِهِمْ حِينَ رَأى الرَّسُولَ: عَلِمْتُ أنَّ وجْهَهُ لَيْسَ بِوَجْهِ كَذّابٍ، مَعَ ما يَظْهَرُ لَهم مِن خَوارِقِ الآياتِ وباهِرِ الدِّلالاتِ، فَكانَ المُناسِبُ أنَّهم وإنْ كانُوا دَخَلُوا بِالكُفْرِ أنْ لا يَخْرُجُوا بِهِ، بَلْ يَخْرُجُونَ بِالرَّسُولِ مُؤْمِنِينَ ظاهِرًا وباطِنًا. فَأكَّدَ وصْفَهم بِالكُفْرِ بِأنْ كَرَّرَ المُسْنَدَ إلَيْهِ تَنْبِيهًا عَلى تَحَقُّقِهِمْ بِالكُفْرِ وتَمادِيهِمْ عَلَيْهِ، وأنَّ رُؤْيَةَ الرَّسُولِ لَمْ تُجْدِ عَنْهم، ولَمْ يَتَأثَّرُوا لَها. وكَذَلِكَ إنْ كانَ ضَمِيرُ الخِطابِ في: وإذا جاءُوكم قالُوا آمَنّا، كانَ …

Al-Maaida 5:61Listen in Qur'an →
62

وَتَرَىٰ كَثِيرًۭا مِّنْهُمْ يُسَٰرِعُونَ فِى ٱلْإِثْمِ وَٱلْعُدْوَٰنِ وَأَكْلِهِمُ ٱلسُّحْتَ ۚ لَبِئْسَ مَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ

And you see many of them hastening into sin and aggression and the devouring of [what is] unlawful. How wretched is what they have been doing.

﴿وتَرى كَثِيرًا مِنهم يُسارِعُونَ في الإثْمِ والعُدْوانِ وأكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ يَحْتَمِلُ تَرى أنْ تَكُونَ بَصَرِيَّةً، فَيَكُونَ يُسارِعُونَ صِفَةً: وأنْ تَكُونَ عِلْمِيَّةً، فَيَكُونَ مَفْعُولًا ثانِيًا. والمُسارَعَةُ: الشُّرُوعُ بِسُرْعَةٍ. والإثْمُ: الكَذِبُ. والعُدْوانُ: الظُّلْمُ. يَدُلُّ قَوْلُهُ عَنْ قَوْلِهِمُ الإثْمَ عَلى ذَلِكَ، ولَيْسَ حَقِيقَةَ الإثْمِ الكَذِبُ، إذِ الإثْمُ هو المُتَعَلِّقُ بِصاحِبِ المَعْصِيَةِ، أوِ الإثْمُ ما يَخْتَصُّ بِهِمْ، والعُدْوانُ ما يَتَعَدّى بِهِمْ إلى غَيْرِهِمْ. أوِ الإثْمُ الكُفْرُ، والعُدْوانُ الِاعْتِداءُ. أوِ الإثْمُ ما كَتَمُوهُ مِنَ الإيمانِ، والعُدْوانُ ما يُتَعَدّى فِيها. وقِيلَ: العُدْوانُ تَعَدِّيهِمْ حُدُودَ اللَّهِ أقْوالٌ خَمْسَةٌ. والجُمْهُورُ عَلى أنَّ السُّحْتَ هو الرَّشا، وقِيلَ: هو الرِّبا، وقِيلَ: هو الرَّشا وسائِرُ مَكْسَبِهِمُ الخَبِيثِ. وعَلَّقَ الرُّؤْيَةَ بِالكَثِيرِ مِنهم، لِأنَّ بَعْضَهم كانَ لا يَتَعاطى ذَلِكَ المَجْمُوعَ أوْ بَعْضَهُ، وأكْثَرُ اسْتِعْمالِ المُسارَعَةِ في الخَيْرِ فَكَأنَّ هَذِهِ المَعاصِي عِنْدَهم مِن قَبِيلِ الطّاعاتِ، فَلِذَلِكَ يُسارِعُونَ فِيها؛ والإثْمُ يَتَناوَلُ كُلَّ مَعْصِيَةٍ يَتَرَتَّبُ عَلَيْها العِقابُ، فَجُرِّدَ مِن ذَلِكَ العُدْوانُ وأكْلُ السُّحْتِ، وخُصّا بِالذِّكْرِ تَعْظِيمًا لِهاتَيْنِ المَعْصِيَتَيْنِ وهُما: ظُلْمُ غَيْرِهِمْ، والمَطْعَمُ الخَبِيثُ الَّذِي يَنْشَأُ عَنْهُ عَدَمُ قَبُولِ الأعْمالِ الصّالِحَةِ؛ وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: العِدْوانِ؛ بِكَسْرِ ضَمَّةِ العَيْنِ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ في ما بَعْدَ بِئْسَ في قَوْلِهِ: ﴿بِئْسَما اشْتَرَوْا بِهِ﴾ [البقرة: ٩٠] .

Al-Maaida 5:62Listen in Qur'an →
63

لَوْلَا يَنْهَىٰهُمُ ٱلرَّبَّٰنِيُّونَ وَٱلْأَحْبَارُ عَن قَوْلِهِمُ ٱلْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ ٱلسُّحْتَ ۚ لَبِئْسَ مَا كَانُوا۟ يَصْنَعُونَ

Why do the rabbis and religious scholars not forbid them from saying what is sinful and devouring what is unlawful? How wretched is what they have been practicing.

﴿لَوْلا يَنْهاهُمُ الرَّبّانِيُّونَ والأحْبارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الإثْمَ وأكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ ما كانُوا يَصْنَعُونَ﴾ لَوْلا: تَحْضِيضٌ يَتَضَمَّنُ تَوْبِيخَ العُلَماءِ والعِبادِ عَلى سُكُوتِهِمْ عَنِ النَّهْيِ عَنْ مَعاصِي اللَّهِ تَعالى والأمْرِ بِالمَعْرُوفِ. وقالَ العُلَماءُ: ما في القُرْآنِ آيَةٌ أشَدُّ تَوْبِيخًا مِنها لِلْعُلَماءِ؛ وقالَ الضَّحّاكُ: ما في القُرْآنِ أخْوَفُ مِنها، ونَحْوُهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والإثْمُ هُنا ظاهِرُهُ الكُفْرُ، أوْ يُرادُ بِهِ سائِرُ أقْوالِهِمُ الَّتِي يَتَرَتَّبُ عَلَيْها الإثْمُ؛ وقَرَأ الجَرّاحُ وأبُو واقِدٍ: الرِّبِّيُّونَ؛ مَكانَ الرَّبّانِيُّونَ، وابْنُ عَبّاسٍ: بِئْسَ ما كانُوا يَصْنَعُونَ؛ بِغَيْرِ لامِ قَسَمٍ. والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في كانُوا عائِدٌ عَلى الرَّبّانِيِّينَ والأحْبارِ، إذْ هُمُ المُحَدَّثُ عَنْهم والمُوَبَّخُونَ بِعَدَمِ النَّهْيِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كُلُّ عامِلٍ لا يُسَمّى صانِعًا، ولا كُلُّ عَمَلٍ يُسَمّى صِناعَةً حَتّى يَتَمَكَّنَ فِيهِ ويَتَدَرَّبَ ويُنْسَبَ إلَيْهِ، وكانَ المَعْنى في ذَلِكَ: إنَّ مُواقِعَ المَعْصِيَةِ مَعَهُ الشَّهْوَةُ الَّتِي تَدْعُوهُ إلَيْها وتَحْمِلُهُ عَلى ارْتِكابِها، وأمّا الَّذِي يَنْهاهُ فَلا شَهْوَةَ مَعَهُ في فِعْلِ غَيْرِهِ، فَإذا أفْرَطَ في الإنْكارِ كانَ أشَدَّ حالًا مِنَ المُواقِعِ، وظَهَرَ بِذَلِكَ الفَرْقُ بَيْنَ ذَمِّ مُتَعاطِي الذَّنْبِ، وبَيْنَ تارِكِ النَّهْيِ عَنْهُ، حَيْثُ جَعَلَ ذَلِكَ عَمَلًا وهَذا صِناعَةً. وقَدْ يُقالُ: إنَّهُ غايَرَ في ذَلِكَ لِتَفَنُّنِ الفَصاحَةِ، ولِتَرْكِ تَكْرارِ اللَّفْظِ. وفي الحَدِيثِ: (ما مِن رَجُلٍ يُجاوِرُ قَوْمًا فَيَعْمَلُ بِالمَعاصِي بَيْنَ ظَهْرانَيْهِمْ فَلا يَأْخُذُونَ عَلى يَدَيْهِ إلّا أوْشَكَ أنْ يَعُمَّهُمُ اللَّهُ مِنهُ بِعِقابٍ) وأُوحِيَ إلى يُوشَعَ بِهَلاكِ أرْبَعِينَ ألْفًا مِن خِيارِ قَوْمِهِ، وسِتِّينَ ألْفًا مِن شِرارِهِمْ؛ فَقالَ: يا رَبِّ ما بالُ الأخْيارِ ؟ فَقالَ: إنَّهم لَمْ يَغْضَبُوا لِغَضَبِي، وواكَلُوهم وشارَبُوهم. وقالَ مالِكُ بْنُ دِينارٍ: أوْحى اللَّهُ إلى المَلائِكَةِ أنْ عَذِّبُوا قَرْيَةَ كَذا، فَقالَتِ المَلائِكَةُ: إنَّ فِيها عَبْدَكَ العابِدَ فَقالَ: أسْمِعُونِي ضَجِيجَهُ، فَإنَّهُ لَمْ يَتَمَعَّرْ وجْهُهُ؛ أيْ: لَمْ يَحْمَرَّ غَضَبًا. وكَتَبَ بَعْضُ العُلَماءِ إلى عابِدٍ تَزَهَّدَ وانْقَطَعَ في البادِيَةِ: إنَّكَ تَرَكْتَ المَدِينَةَ مُهاجَرَ رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ، ومَهْبِطَ وحْيِهِ وآثَرْتَ البَداوَةَ؛ فَقالَ: كَيْفَ لا أتْرُكُ مَكانًا أنْتَ رَئِيسُهُ، وما رَأيْتُ وجْهَكَ تَمَعَّرَ في ذاتِ اللَّهِ قَطُّ يَوْمًا. أوْ كَلامًا هَذا مَعْناهُ أوْ قَرِيبٌ مِن مَعْناهُ. وأمّا زَمانُنا هَذا وعُلَماؤُنا وعُبّادُنا فَحالُهم مَعْرُوفٌ فِيهِ، ولَمْ نَرَ في أعْصارِنا مَن يُقارِبُ السَّلَفَ في ذَلِكَ غَيْرَ رَجُلٍ واحِدٍ وهو أُسْتاذُنا أبُو جَعْفَرِ بْنُ الزُّبَيْرِ، فَإنَّ لَهُ مَقاماتٍ في ذَلِكَ مَعَ مُلُوكِ بِلادِهِ ورُؤَسائِهِمْ حُمِدَتْ فِيها آثارُهُ، فَفي بَعْضِها ضُرِبَ ونُهِبَتْ أمْوالُهُ وخُرِّبَتْ دِيارُهُ، وفي بَعْضِها أنْجاهُ مِنَ المَوْتِ فِرارُهُ، وفي بَعْضِها جُعِلَ السِّجْنُ قَرارَهُ.

Al-Maaida 5:63Listen in Qur'an →
64

وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ يَدُ ٱللَّهِ مَغْلُولَةٌ ۚ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا۟ بِمَا قَالُوا۟ ۘ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَآءُ ۚ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًۭا مِّنْهُم مَّآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَٰنًۭا وَكُفْرًۭا ۚ وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ ٱلْعَدَٰوَةَ وَٱلْبَغْضَآءَ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَٰمَةِ ۚ كُلَّمَآ أَوْقَدُوا۟ نَارًۭا لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا ٱللَّهُ ۚ وَيَسْعَوْنَ فِى ٱلْأَرْضِ فَسَادًۭا ۚ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلْمُفْسِدِينَ

And the Jews say, "The hand of Allah is chained." Chained are their hands, and cursed are they for what they say. Rather, both His hands are extended; He spends however He wills. And that which has been revealed to you from your Lord will surely increase many of them in transgression and disbelief. And We have cast among them animosity and hatred until the Day of Resurrection. Every time they kindled the fire of war [against you], Allah extinguished it. And they strive throughout the land [causing] corruption, and Allah does not like corrupters.

﴿وقالَتِ اليَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ نَزَلَتْ في فِنْحاصَ؛ قالَهُ: ابْنُ عَبّاسٍ. وقالَ مُقاتِلٌ: فِيهِ وفي ابْنِ صُورِيّا، وعازِرَ بْنِ أبِي عازِرَ قالُوا ذَلِكَ. ونُسِبَ ذَلِكَ إلى اليَهُودِ، لِأنَّ هَؤُلاءِ عُلَماؤُهم وهم أتْباعُهم في ذَلِكَ. واليَدُ، في الجارِحَةِ: حَقِيقَةٌ، وفي غَيْرِها: مَجازٌ، فَيُرادُ بِها: النِّعْمَةُ، تَقُولُ العَرَبُ: كَمْ يَدٌ لِي عِنْدَ فُلانٍ، والقُوَّةُ والمُلْكُ والقُدْرَةُ. قُلْ: إنَّ الفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ؛ قالَ الشّاعِرُ:

؎وأنْـتَ عَلَـى أعْبَـاءِ مُلْكِـكَ ذُو يَــدِ

أيْ ذُو قُدْرَةٍ، والتَّأْيِيدُ والنَّصْرُ، يَدُ اللَّهِ مَعَ القاضِي حِينَ يَقْضِي، والقاسِمِ حِينَ يَقْسِمُ. وتَأْتِي صِلَةً ”﴿مِمّا عَمِلَتْ أيْدِينا أنْعامًا﴾ [يس: ٧١]“؛ أيْ: مِمّا عَمِلْنا ﴿أوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٧] أيِ: الَّذِي لَهُ عُقْدَةُ النِّكاحِ. وظاهِرُ قَوْلِ اليَهُودِ إنَّ لِلَّهِ يَدًا فَإنْ كانُوا أرادُوا الجارِحَةَ فَهو مُناسِبُ مَذْهَبِهِمْ إذْ هو التَّجْسِيمُ، زَعَمُوا أنَّ رَبَّهم أبْيَضُ الرَّأْسِ واللِّحْيَةِ، قاعِدٌ عَلى كُرْسِيٍّ. وزَعَمُوا أنَّهُ فَرَغَ مِن خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ يَوْمَ الجُمُعَةِ، واسْتَلْقى عَلى ظَهْرِهِ واضِعًا إحْدى رِجْلَيْهِ عَلى الأُخْرى لِلِاسْتِراحَةِ. ورَدَّ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ﴾ [الأحقاف: ٣٣] ﴿وما مَسَّنا مِن لُغُوبٍ﴾ [ق: ٣٨] وظاهِرُ مَساقِ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّهم أرادُوا بِغَلِّ اليَدِ وبَسْطِها المَجازَ عَنِ البُخْلِ والجُودِ، ومِنهُ ﴿ولا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلى عُنُقِكَ ولا تَبْسُطْها كُلَّ البَسْطِ﴾ [الإسراء: ٢٩] ولا يَقْصِدُ مَن يَتَكَلَّمُ بِهَذا الكَلامِ إثْباتَ يَدٍ ولا غَلٍّ ولا بَسْطٍ، ولا فَرْقَ عِنْدَهُ بَيْنَ هَذا الكَلامِ وبَيْنَ ما وقَعَ مَجازًا عَنْهُ، كَأنَّهُما كَلامانِ مُتَعاقِبانِ عَلى حَقِيقَةٍ واحِدَةٍ، حَتّى إنَّهُ يَسْتَعْمِلُهُ في مَلِكٍ لا يُعْطِي عَطاءً قَطُّ، ولا يَمْنَعُهُ إلّا بِإشارَتِهِ مِن غَيْرِ اسْتِعْمالِ يَدٍ وبَسْطِها وقَبْضِها. وقالَ حَبِيبٌ في المُعْتَصِمِ:

؎تَعَوَّدَ بَسْطَ الكَفِّ حَتّى لَوَ انَّهُ ∗∗∗ ثَناها لِقَبْضٍ لَمْ تُجِبْهُ أنامِلُهْ

كَنّى بِذَلِكَ عَنِ المُبالَغَةِ في الكَرَمِ. وسَبَبُ مُقالَةِ اليَهُودِ ذَلِكَ عَلى ما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو أنَّ اللَّهَ كانَ يَبْسُطُ لَهُمُ الرِّزْقَ، فَلَمّا عَصَوْا أمْرَ الرَّسُولِ وكَفَرُوا بِهِ كَفَّ عَنْهم ما كانَ يَبْسُطُ لَهم فَقالُوا ذَلِكَ. وقالَ قَتادَةُ: لَمّا اسْتَقْرَضَ مِنهم قالُوا ذَلِكَ وهو بَخِيلٌ. وقِيلَ: لَمّا اسْتَعانَ بِهِمْ في الدِّياتِ. وهَذِهِ الأسْبابُ مُناسِبَةٌ لِسِياقِ الآيَةِ. وقالَ قَتادَةُ أيْضًا: لَمّا أعانَ النَّصارى ”بُخْتَ نَصَّرَ“ المَجُوسِيَّ عَلى تَخْرِيبِ بَيْتِ المَقْدِسِ؛ قالَتِ اليَهُودُ: لَوْ كانَ صَحِيحًا لَمَنَعَنا مِنهُ، فَيَدُهُ مَغْلُولَةٌ. وقالَ الحَسَنُ: مَغْلُولَةٌ عَنْ عَذابِهِمْ فَهي في مَعْنى: ﴿نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨] وهَذانِ القَوْلانِ يَدْفَعُهُما قَوْلُهُ: ﴿بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ﴾ . وقالَ الكَلْبِيُّ: كانُوا مُخْصِبِينَ وقالُوا ذَلِكَ عِنادًا واسْتِهْزاءً وتَهَكُّمًا. انْتَهى. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهم: يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ خَبَرٌ، وأبْعَدَ مَن ذَهَبَ إلى أنَّهُ اسْتِفْهامٌ: أيَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ حَيْثُ قَتَّرَ المَعِيشَةَ عَلَيْنا ؟ وإلى أنَّها مَمْسُوكَةٌ عَنِ العَطاءِ ذَهَبَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، والفَرّاءُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ، والزَّجّاجُ. أوْ عَنْ عَذابِهِمْ إلّا تَحِلَّةَ …

Al-Maaida 5:64Listen in Qur'an →
65

وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ ٱلْكِتَٰبِ ءَامَنُوا۟ وَٱتَّقَوْا۟ لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّـَٔاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَٰهُمْ جَنَّٰتِ ٱلنَّعِيمِ

And if only the People of the Scripture had believed and feared Allah, We would have removed from them their misdeeds and admitted them to Gardens of Pleasure.

﴿ولَوْ أنَّ أهْلَ الكِتابِ آمَنُوا واتَّقَوْا لَكَفَّرْنا عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ ولَأدْخَلْناهم جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ . قِيلَ: المُرادُ أسْلافُهم، ودَخَلَ فِيها المُعاصِرُونَ بِالمَعْنى. والغَرَضُ الإخْبارُ عَنْ أُولَئِكَ الَّذِينَ أطْفَأ اللَّهُ نِيرانَهم وأذَلَّهم بِمَعاصِيهِمْ، والَّذِي يَظْهَرُ أنَّهم مُعاصِرُو الرَّسُولِ ﷺ، وفي ذَلِكَ تَرْغِيبٌ لَهم في الدُّخُولِ في الإسْلامِ. وذَكَرَ شَيْئَيْنِ وهُما: الإيمانُ، والتَّقْوى. ورَتَّبَ عَلَيْهِمْ شَيْئَيْنِ: قابَلَ الإيمانَ بِتَكْفِيرِ السَّيِّئاتِ إذِ الإسْلامُ يَجُبُّ ما قَبْلَهُ، وتَرَتَّبَ عَلى التَّقْوى وهي امْتِثالُ الأوامِرِ واجْتِنابُ المَناهِي دُخُولُ جَنَّةِ النَّعِيمِ، وإضافَةُ الجَنَّةِ إلى النَّعِيمِ تَنْبِيهًا عَلى ما كانُوا يَسْتَحِقُّونَهُ مِنَ العَذابِ لَوْ لَمْ يُؤْمِنُوا ويَتَّقُوا. وقِيلَ: واتَّقَوْا؛ أيِ: الكُفْرَ بِمُحَمَّدٍ، ﷺ، وبِ عِيسى، عَلَيْهِ السَّلامُ. وقِيلَ: المَعاصِي الَّتِي لُعِنُوا بِسَبَبِها. وقِيلَ: الشِّرْكُ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ولَوْ أنَّهم آمَنُوا بِمُحَمَّدٍ، ﷺ، وبِما جاءَ بِهِ، وقَرَنُوا إيمانَهم بِالتَّقْوى الَّتِي هي الشَّرِيطَةُ في الفَوْزِ بِالإيمانِ، لَكَفَّرْنا عَنْهم تِلْكَ السَّيِّئاتِ، فَلَمْ نُؤاخِذْهم بِها، ولَأدْخَلْناهم مَعَ المُسْلِمِينَ الجَنَّةَ. وفِيهِ إعْلامٌ بِعِظَمِ مَعاصِي اليَهُودِ والنَّصارى وكَثْرَةِ سَيِّئاتِهِمْ، ودَلالَةٌ عَلى سِعَةِ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى وفَتْحِهِ بابَ التَّوْبَةِ عَلى كُلِّ عاصٍ وإنْ عَظُمَتْ مَعاصِيهِ وبَلَغَتْ مَبالِغَ سَيِّئاتِ اليَهُودِ والنَّصارى، وأنَّ الإيمانَ لا يُنْجِي ولا يُسْعِدُ إلّا مَشْفُوعًا بِالتَّقْوى؛ كَما قالَ الحَسَنُ: هَذا العَمُودُ فَأيْنَ الأطْنابُ. انْتَهى كَلامُهُ؛ وفِيهِ مِنَ الِاعْتِزالِ. وقَرَنُوا إيمانَهم بِالتَّقْوى الَّتِي هي الشَّرِيطَةُ في الفَوْزِ بِالإيمانِ، وقَوْلُهُ: وأنَّ الإيمانَ لا يُنْجِي ولا يُسْعِدُ إلّا مَشْفُوعًا بِالتَّقْوى.

Al-Maaida 5:65Listen in Qur'an →
66

وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا۟ ٱلتَّوْرَىٰةَ وَٱلْإِنجِيلَ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْهِم مِّن رَّبِّهِمْ لَأَكَلُوا۟ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم ۚ مِّنْهُمْ أُمَّةٌۭ مُّقْتَصِدَةٌۭ ۖ وَكَثِيرٌۭ مِّنْهُمْ سَآءَ مَا يَعْمَلُونَ

And if only they upheld [the law of] the Torah, the Gospel, and what has been revealed to them from their Lord, they would have consumed [provision] from above them and from beneath their feet. Among them are a moderate community, but many of them - evil is that which they do.

﴿ولَوْ أنَّهم أقامُوا التَّوْراةَ والإنْجِيلَ وما أُنْزِلَ إلَيْهِمْ مِن رَبِّهِمْ لَأكَلُوا مِن فَوْقِهِمْ ومِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ﴾ هَذا اسْتِدْعاءٌ لِإيمانِهِمْ، وتَنْبِيهٌ لَهم عَلى اتِّباعِ ما في كُتُبِهِمْ، وتَرْغِيبٌ لَهم في عاجِلِ الدُّنْيا وبَسْطِ الرِّزْقِ عَلَيْهِمْ فِيها، إذْ أكْثَرُ ما في التَّوْراةِ مِنَ المَوْعُودِ بِهِ عَلى الطّاعاتِ هو الإحْسانُ إلَيْهِمْ في الدُّنْيا. ولَمّا رَغَّبَهم في الآيَةِ قَبْلُ في مَوْعُودِ الآخِرَةِ مِن تَكْفِيرِ السَّيِّئاتِ وإدْخالِهِمُ الجَنَّةَ، رَغَّبَهم في هَذِهِ الآيَةِ في مَوْعُودِ الدُّنْيا لِيَجْمَعَ لَهم بَيْنَ خَيْرَيِ الدُّنْيا والآخِرَةِ، وكانَ تَقْدِيمُ مَوْعُودِ الآخِرَةِ أهَمَّ لِأنَّهُ هو الدّائِمُ الباقِي، والَّذِي بِهِ النَّجاةُ السَّرْمَدِيَّةُ، والنَّعِيمُ الَّذِي لا يَنْقَضِي. ومَعْنى إقامَةِ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ: هو إظْهارُ ما انْطَوَتْ عَلَيْهِ مِنَ الأحْكامِ والتَّبْشِيرِ بِالرَّسُولِ والأمْرِ بِاتِّباعِهِ، كَقَوْلِهِمْ: أقامُوا السُّوقَ؛ أيْ: حَرَّكُوها وأظْهَرُوها، وذَلِكَ تَشْبِيهٌ بِالقائِمِ مِنَ النّاسِ إذْ هي أظْهَرُ هَيْآتِهِ. وفي قَوْلِهِ: والإنْجِيلَ؛ دَلِيلٌ عَلى دُخُولِ النَّصارى في لَفْظِ أهْلِ الكِتابِ. وظاهِرُ قَوْلِهِ: وما أُنْزِلَ إلَيْهِمْ مِن رَبِّهِمْ؛ العُمُومُ في الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ مِثْلَ: كِتابِ أشْعِياءَ، وكِتابِ حَزْقِيلَ، وكِتابِ دانْيالَ، فَإنَّها مَمْلُوءَةٌ مِنَ البِشارَةِ بِمَبْعَثِ الرَّسُولِ. وقِيلَ: ما أُنْزِلَ إلَيْهِمْ مِن رَبِّهِمْ هو القُرْآنُ. وظاهِرُ قَوْلِهِ: لَأكَلُوا مِن فَوْقِهِمْ ومِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ، أنَّهُ اسْتِعارَةٌ عَنْ سُبُوغِ النِّعَمِ عَلَيْهِمْ، وتَوْسِعَةِ الرِّزْقِ عَلَيْهِمْ، كَما يُقالُ: قَدْ عَمَّهُ الرِّزْقُ مِن فَرْقِهِ إلى قَدَمِهِ ولا فَوْقَ ولا تَحْتَ حَكاهُ الطَّبَرِيُّ والزَّجّاجُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والسُّدِّيُّ: لَأعْطَتْهُمُ السَّماءُ مَطَرَها وبَرَكَتَها، والأرْضُ نَباتَها كَما قالَ تَعالى: ﴿لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ والأرْضِ﴾ [الأعراف: ٩٦] وذَكَرَ النَّقّاشُ مِن فَوْقِهِمْ مِن رِزْقِ الجَنَّةِ، ومِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ مِن رِزْقِ الدُّنْيا إذْ هو مِن نَباتِ الأرْضِ؛ وقِيلَ: مِن فَوْقِهِمْ: كَثْرَةُ الأشْجارِ المُثْمِرَةِ، ومِن تَحْتِ أرْجُلِهِمُ: الزَّرْعُ المُغِلَّةُ. وقِيلَ: مِن فَوْقِهِمُ: الجِنانُ اليانِعَةُ الثِّمارِ يَجْتَنُونَ ما تَهَدَّلَ مِنها مِن رُءُوسِ الشَّجَرِ، ويَلْتَقِطُونَ ما تَساقَطَ مِنها عَلى الأرْضِ، وتَحْتَ أرْجُلِهِمْ؛ وقالَ تاجُ القُرّاءِ: مِن فَوْقِهِمْ ما يَأْتِيهِمْ مِن كُبَرائِهِمْ ومُلُوكِهِمْ، ومِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ ما يَأْتِيهِمْ مِن سِفْلَتِهِمْ وعَوامِّهِمْ، وعَبَّرَ بِالأكْلِ عَنِ الأخْذِ، لِأنَّهُ أجَلُّ مَنافِعِهِ وأبْلَغُ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ في دَيْمُومَةِ الحَياةِ.

﴿مِنهم أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ﴾ الضَّمِيرُ في مِنهم يَعُودُ عَلى أهْلِ الكِتابِ. والأُمَّةُ هُنا يُرادُ بِها الجَماعَةُ القَلِيلَةُ لِلْمُقابِلَةِ لَها بِقَوْلِهِ: وكَثِيرٌ مِنهم. والِاقْتِصادُ مِنَ القَصْدِ وهو الِاعْتِدالُ، وهو افْتَعَلَ بِمَعْنى اعْتَمَلَ واكْتَسَبَ؛ أيْ: كانَتْ أوَّلًا جائِزَةً ثُمَّ اقْتَصَدَتْ. قِيلَ: هم مُؤْمِنُو الفَرِيقَيْنِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ وأصْحابُهُ، وثَمانِيَةٌ وأرْبَعُونَ مِنَ النَّصارى. واقْتِصادُهم هو الإيمانُ بِاللَّهِ تَعالى. وقالَ مُجاهِدٌ: المُقْتَصِدَةُ مُسْلِمَةُ أهْلِ الكِتابِ قَدِيمًا وحَدِيثًا، ونَحْوُهُ قَوْلُ ابْنُ زَيْدٍ: هم أهْلُ طاعَةِ اللَّهِ مِن أهْلِ الكِتابِ. وذَكَرَ الزَّجّاجُ وغَيْرُهُ: أنَّها …

Al-Maaida 5:66Listen in Qur'an →
67

۞ يَٰٓأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ۖ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُۥ ۚ وَٱللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلْكَٰفِرِينَ

O Messenger, announce that which has been revealed to you from your Lord, and if you do not, then you have not conveyed His message. And Allah will protect you from the people. Indeed, Allah does not guide the disbelieving people.

﴿يا أيُّها الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ﴾ هَذا نِداءٌ بِالصِّفَةِ الشَّرِيفَةِ الَّتِي هي أشْرَفُ أوْصافِ الجِنْسِ الإنْسانِيِّ، وأمْرٌ بِتَبْلِيغِ ما أُنْزِلَ إلَيْهِ، ﷺ، وهو قَدْ بَلَّغَ ما أُنْزِلَ إلَيْهِ، فَهو أمْرٌ بِالدَّيْمُومَةِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: جَمِيعَ ما أُنْزِلَ إلَيْكَ، وأيَّ شَيْءٍ أُنْزِلَ غَيْرَ مُراقِبٍ في تَبْلِيغِهِ أحَدًا، ولا خائِفٍ أنْ يَنالَكَ مَكْرُوهٌ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أمْرٌ مِنَ اللَّهِ لِرَسُولِهِ بِالتَّبْلِيغِ عَلى الِاسْتِيفاءِ والكَمالِ، لِأنَّهُ قَدْ قالَ: بَلِّغْ، فَإنَّما أُمِرَ في هَذِهِ الآيَةِ أنْ لا يَتَوَقَّفَ عَلى شَيْءٍ مَخافَةَ أحَدٍ، وذَلِكَ أنَّ رِسالَتَهُ، عَلَيْهِ السَّلامُ، تَضَمَّنَتِ الطَّعْنَ عَلى أنْواعِ الكَفَرَةِ وفَسادِ أحْوالِهِمْ، فَكانَ يَلْقى مِنهم عَنَتًا، ورُبَّما خافَهم أحْيانًا قَبْلَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ عَنْهُ، عَلَيْهِ السَّلامُ،: «لَمّا بَعَثَنِي اللَّهُ بِرِسالَتِهِ ضِقْتُ بِها ذَرْعًا وعَرَفْتُ أنَّ مِنَ النّاسِ مَن يُكَذِّبُنِي فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ» . وقِيلَ: هو أمْرٌ بِتَبْلِيغٍ خاصٍّ؛ أيْ: ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِنَ الرَّجْمِ والقِصاصِ الَّذِي غَيَّرَهُ اليَهُودُ في التَّوْراةِ والنَّصارى في الإنْجِيلِ. وقِيلَ: أمْرٌ بِتَبْلِيغِ أمْرِ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ ونِكاحِها. وقِيلَ: بِتَبْلِيغِ الجِهادِ والحَثِّ عَلَيْهِ، وأنْ لا يَتْرُكَهُ لِأجْلِ أحَدٍ. وقِيلَ: أمْرٌ بِتَبْلِيغِ مَعائِبِ آلِهَتِهِمْ، إذْ كانَ قَدْ سَكَتَ عِنْدَ نُزُولِ قَوْلِهِ: ﴿ولا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ١٠٨] الآيَةَ - عَنْ عَيْبِها، وكُلُّ واحِدٍ مِن هَذا التَّبْلِيغِ الخاصِّ قِيلَ إنَّها نَزَلَتْ بِسَبَبِهِ، والَّذِي يَظْهَرُ أنَّهُ تَعالى أمَّنَهُ مِن مَكْرِ اليَهُودِ والنَّصارى، وأمَرَهُ بِتَبْلِيغِ ما أُنْزِلَ إلَيْهِ في أمْرِهِمْ وغَيْرِهِ مِن غَيْرِ مُبالاةٍ بِأحَدٍ، لِأنَّ الكَلامَ قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ وبَعْدَها هو مَعَهم، فَيَبْعُدُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الآيَةُ أجْنَبِيَّةً عَمّا قَبْلَها وعَمّا بَعْدَها.

﴿وإنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ﴾ أيْ: وإنْ لَمْ تَفْعَلْ بِتَبْلِيغِ ما أُنْزِلَ إلَيْكَ، وظاهِرُ هَذا الجَوابِ لا يُنافِي الشَّرْطَ، إذْ صارَ المَعْنى: وإنْ لَمْ تَفْعَلْ لَمْ تَفْعَلْ، والجَوابُ لا بُدَّ أنْ يُغايِرَ الشَّرْطَ حَتّى يَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ. فَقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ إذا لَمْ يَمْتَثِلْ أمْرَ اللَّهِ في تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ وكَتَمَها كُلَّها كَأنَّهُ لَمْ يُبْعَثْ رَسُولًا، كانَ أمْرًا شَنِيعًا. وقِيلَ: إنْ لَمْ تُبَلِّغْ مِنها أدْنى شَيْءٍ وإنْ كَلِمَةً واحِدَةً فَأنْتَ كَمَن رَكِبَ الأمْرَ الشَّنِيعَ الَّذِي هو كِتْمانُ كُلِّها، كَما عَظَّمَ قَتْلَ النَّفْسِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَكَأنَّما قَتَلَ النّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: ٣٢] والثّانِي: أنْ يُرادَ فَإنْ لَمْ تَفْعَلْ ذَلِكَ ما يُوجِبُهُ كِتْمانُ الوَحْيِ كُلِّهِ مِنَ العِقابِ، فَوُضِعَ السَّبَبُ مَوْضِعَ المُسَبَّبِ، ويُعَضِّدُهُ قَوْلُهُ، عَلَيْهِ السَّلامُ،: (فَأوْحى اللَّهُ إلَيَّ إنْ لَمْ تُبَلِّغْ رِسالاتِي لَأُعَذِّبَنَّكَ) . وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ أيْ: إنْ تَرَكْتَ شَيْئًا فَكَأنَّكَ قَدْ تَرَكْتَ الكُلَّ، وصارَ ما بَلَّغْتَ غَيْرَ مُعْتَدٍّ بِهِ. فَمَعْنى: وإنْ لَمْ تَفْعَلْ، وإنْ لَمْ تَسْتَوْفِ. ونَحْوُ هَذا قَوْلُ الشّاعِرِ:

؎سُئِلْتَ فَلَمْ تَبْخَلْ ولَمْ تُعْطِ نائِلًا فَسِيّانَ لا ذَمٌّ عَلَيْكَ ولا حَمْدُ

أيْ إنْ لَمْ تُعْطِ ما يُعَدُّ نائِلًا وألّا تَتَكاذَبَ. . . . . . …

Al-Maaida 5:67Listen in Qur'an →
68

قُلْ يَٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَٰبِ لَسْتُمْ عَلَىٰ شَىْءٍ حَتَّىٰ تُقِيمُوا۟ ٱلتَّوْرَىٰةَ وَٱلْإِنجِيلَ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ ۗ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًۭا مِّنْهُم مَّآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَٰنًۭا وَكُفْرًۭا ۖ فَلَا تَأْسَ عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَٰفِرِينَ

Say, "O People of the Scripture, you are [standing] on nothing until you uphold [the law of] the Torah, the Gospel, and what has been revealed to you from your Lord." And that which has been revealed to you from your Lord will surely increase many of them in transgression and disbelief. So do not grieve over the disbelieving people.

﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ حَتّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ والإنْجِيلَ وما أُنْزِلُ إلَيْكم مِن رَبِّكُمْ﴾ «قالَ رافِعُ بْنُ سَلّامِ بْنِ مِشْكَمٍ ومالِكُ بْنُ الصَّيْفِ ورافِعُ بْنُ حُرَيْمَلَةَ»: يا مُحَمَّدُ ألَسْتَ تَزْعُمُ أنَّكَ عَلى مِلَّةِ إبْراهِيمَ، وأنَّكَ تُؤْمِنُ بِالتَّوْراةِ ونُبُوَّةِ مُوسى، وأنَّ ذَلِكَ حَقٌّ ؟ قالَ: ”بَلى ولَكِنَّكم أحْدَثْتُمْ وغَيَّرْتُمْ وكَتَمْتُمْ“ فَقالُوا: إنّا نَأْخُذُ بِما في أيْدِينا فَإنَّهُ الحَقُّ، ولا نُصَدِّقُكَ، ولا نَتَّبِعُكَ فَنَزَلَتْ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى إقامَةِ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ وما أُنْزِلَ، فَأغْنى عَنْ إعادَتِهِ. ونَفْيُ أنْ يَكُونُوا عَلى شَيْءٍ جَعَلَ ما هم عَلَيْهِ عَدَمًا صِرْفًا لِفَسادِهِ وبُطْلانِهِ فَنَفاهُ مِن أصْلِهِ، أوْ لا حَظَّ فِيهِ، صِفَةٌ مَحْذُوفَةٌ؛ أيْ: عَلى شَيْءٍ يُعْتَدُّ بِهِ، فَيَتَوَجَّهُ النَّفْيُ إلى الصِّفَةِ دُونَ المَوْصُوفِ.

﴿ولَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنهم ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ طُغْيانًا وكُفْرًا﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الجُمْلَةِ.

﴿فَلا تَأْسَ عَلى القَوْمِ الكافِرِينَ﴾ أيْ: لا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ. فَأقامَ الظّاهِرَ مَقامَ المُضْمَرِ تَنْبِيهًا عَلى العِلَّةِ المُوجِبَةِ لِعَدَمِ التَّأسُّفِ، أوْ هو عامٌّ فَيَنْدَرِجُونَ فِيهِ. وقِيلَ: في قَوْلِهِ: ﴿حَتّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ﴾ جَمَعَ في الضَّمِيرِ، والمَقْصُودُ التَّفْصِيلُ؛ أيْ: حَتّى يُقِيمَ أهْلُ التَّوْراةِ التَّوْراةَ، ويُقِيمَ أهْلُ الإنْجِيلِ الإنْجِيلَ، ولا يُحْتاجُ إلى ذَلِكَ إنْ أُرِيدَ ما في الكِتابَيْنِ مِنَ التَّوْحِيدِ، فَإنَّ الشَّرائِعَ فِيهِ مُتَساوِيَةٌ.

Al-Maaida 5:68Listen in Qur'an →
69

إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَٱلَّذِينَ هَادُوا۟ وَٱلصَّٰبِـُٔونَ وَٱلنَّصَٰرَىٰ مَنْ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ وَعَمِلَ صَٰلِحًۭا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ

Indeed, those who have believed [in Prophet Muhammad] and those [before Him] who were Jews or Sabeans or Christians - those [among them] who believed in Allah and the Last Day and did righteousness - no fear will there be concerning them, nor will they grieve.

﴿إنِ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هادُوا والصّابِئُونَ والنَّصارى مَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وعَمِلَ صالِحًا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ تَقَدَّمَ في البَقَرَةِ تَفْسِيرُ مِثْلِ هَذِهِ الآيَةِ. وقَرَأ عُثْمانُ، وأُبَيٌّ، وعائِشَةُ، وابْنُ جُبَيْرٍ، والجَحْدَرِيُّ: والصّابِئِينَ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وبِها قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ. وقَرَأ الحَسَنُ، والزُّهْرِيُّ: والصّابِيُونَ؛ بِكَسْرِ الباءِ وضَمِّ الياءِ، وهو مِن تَخْفِيفِ الهَمْزِ كَقِراءَةِ: يَسْتَهْزِئُونَ؛ وقَرَأ القُرّاءُ السَّبْعَةُ: والصّابِئُونَ؛ بِالرَّفْعِ، وعَلَيْهِ مَصاحِفُ الأمْصارِ، والجُمْهُورُ. وفي تَوْجِيهِ هَذِهِ القِراءَةِ وُجُوهٌ: أحَدُها: مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ والخَلِيلِ ونُحاةِ البَصْرَةِ: أنَّهُ مَرْفُوعٌ بِالِابْتِداءِ، وهو مَنَوِيٌّ بِهِ التَّأْخِيرُ، ونَظِيرُهُ: إنَّ زَيْدًا وعَمْرٌو قائِمٌ؛ التَّقْدِيرُ: وإنَّ زَيْدًا قائِمٌ وعَمْرٌو قائِمٌ، فَحُذِفَ خَبَرُ عَمْرٍو لِدَلالَةِ خَبَرِ إنَّ عَلَيْهِ، والنِّيَّةُ بِقَوْلِهِ: وعَمْرٌو، التَّأْخِيرُ. ويَكُونُ عَمْرٌو قائِمٌ بِخَبَرِهِ هَذا المُقَدَّرِ مَعْطُوفًا عَلى الجُمْلَةِ مِن إنَّ زَيْدًا قائِمٌ، وكِلاهُما لا مَوْضِعَ لَهُ مِنَ الإعْرابِ. الوَجْهُ الثّانِي: أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى مَوْضِعِ اسْمِ إنَّ لِأنَّهُ قَبْلَ دُخُولِ إنَّ كانَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ، وهَذا مَذْهَبُ الكِسائِيِّ والفَرّاءِ. أمّا الكِسائِيُّ فَإنَّهُ أجازَ رَفْعَ المَعْطُوفِ عَلى المَوْضِعِ سَواءٌ كانَ الِاسْمُ مِمّا خَفِيَ فِيهِ الإعْرابُ، أوْ مِمّا ظَهَرَ فِيهِ. وأمّا الفَرّاءُ فَإنَّهُ أجازَ ذَلِكَ بِشَرْطِ خَفاءِ الإعْرابِ. واسْمُ إنَّ هُنا خَفِيَ فِيهِ الإعْرابُ. الوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّهُ مَرْفُوعٌ مَعْطُوفٌ عَلى الضَّمِيرِ المَرْفُوعِ في هادُوا؛ ورُوِيَ هَذا عَنِ الكِسائِيِّ. ورُدَّ بِأنَّ العَطْفَ عَلَيْهِ يَقْتَضِي أنَّ الصّابِئِينَ تَهَوَّدُوا، ولَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ. الوَجْهُ الرّابِعُ: أنْ تَكُونَ إنَّ بِمَعْنى نَعَمْ، حَرْفُ جَوابٍ، وما بَعْدَهُ مَرْفُوعٌ بِالِابْتِداءِ؛ فَيَكُونُ والصّابِئُونَ مَعْطُوفًا عَلى ما قَبْلَهُ مِنَ المَرْفُوعِ، وهَذا ضَعِيفٌ. لِأنَّ ثُبُوتَ أنَّ بِمَعْنى نَعَمْ فِيهِ خِلافٌ بَيْنَ النَّحْوِيِّينَ، وعَلى تَقْدِيرِ ثُبُوتِ ذَلِكَ مِن لِسانِ العَرَبِ فَتَحْتاجُ إلى شَيْءٍ يَتَقَدَّمُها يَكُونُ تَصْدِيقًا لَهُ، ولا تَجِيءُ ابْتِدائِيَّةً أوَّلَ الكَلامِ مِن غَيْرِ أنْ تَكُونَ جَوابًا لِكَلامٍ سابِقٍ. وقَدْ أطالَ الزَّمَخْشَرِيُّ في تَقْدِيرِ مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ ونُصْرَتِهِ، وذَلِكَ مَذْكُورٌ في عِلْمِ النَّحْوِ، وأوْرَدَ أسْئِلَةً وجَواباتٍ في الآيَةِ إعْرابِيَّةً تَقَدَّمَ نَظِيرُها في البَقَرَةِ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هادَوْا والصّابِئُونَ.

Al-Maaida 5:69Listen in Qur'an →
70

لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَٰقَ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ وَأَرْسَلْنَآ إِلَيْهِمْ رُسُلًۭا ۖ كُلَّمَا جَآءَهُمْ رَسُولٌۢ بِمَا لَا تَهْوَىٰٓ أَنفُسُهُمْ فَرِيقًۭا كَذَّبُوا۟ وَفَرِيقًۭا يَقْتُلُونَ

We had already taken the covenant of the Children of Israel and had sent to them messengers. Whenever there came to them a messenger with what their souls did not desire, a party [of messengers] they denied, and another party they killed.

﴿لَقَدْ أخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إسْرائِيلَ وأرْسَلْنا إلَيْهِمْ رُسُلًا﴾ هَذا إخْبارٌ بِما صَدَرَ مِن أسْلافِ اليَهُودِ مِن نَقْضِ المِيثاقِ الَّذِي أخَذَهُ تَعالى عَلَيْهِمْ، وما اجْتَرَحُوهُ مِنَ الجَرائِمِ العِظامِ مِن تَكْذِيبِ الأنْبِياءِ وقَتْلِ بَعْضِهِمْ، والَّذِينَ هم بِحَضْرَةِ الرَّسُولِ هم أخْلافُ أُولَئِكَ، فَغَيْرُ بِدْعٍ ما يَصْدُرُ مِنهم لِلرَّسُولِ مِنَ الأذى والعِصْيانِ، إذْ ذاكَ شِنْشِنَةٌ مِن أسْلافِهِمْ.

﴿كُلَّما جاءَهم رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أنْفُسُهم فَرِيقًا كَذَّبُوا وفَرِيقًا يَقْتُلُونَ﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلِ هَذا في البَقَرَةِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ هُنا: (فَإنْ قُلْتَ): أيْنَ جَوابُ الشَّرْطِ ؟ فَإنَّ قَوْلَهُ فَرِيقًا كَذَّبُوا وفَرِيقًا يَقْتُلُونَ نابَ عَنِ الجَوابِ، لِأنَّ الرَّسُولَ الواحِدَ لا يَكُونُ فَرِيقَيْنِ، ولِأنَّهُ لا يَحْسُنُ أنْ تَقُولَ: إنْ أكْرَمْتَ أخِي أخاكَ أكْرَمْتُ. (قُلْتُ): هو مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: فَرِيقًا كَذَّبُوا وفَرِيقًا يَقْتُلُونَ، كَأنَّهُ قِيلَ: كُلَّما جاءَهم رَسُولٌ مِنهم ناصَبُوهُ. وقَوْلُهُ: فَرِيقًا كَذَّبُوا، جَوابٌ مُسْتَأْنَفٌ لِسُؤالِ قائِلٍ: كَيْفَ فَعَلُوا بِرُسُلِهِمْ ؟ . انْتَهى. قَوْلُهُ: فَإنْ قُلْتَ: أيْنَ جَوابُ الشَّرْطِ ؟ سَمّى قَوْلَهُ: كُلَّما جاءَهم رَسُولٌ - شَرْطًا ولَيْسَ بِشَرْطٍ، بَلْ كُلَّ مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِ لِإضافَتِها إلى المَصْدَرِ المُنْسَبِكِ مِن ما المَصْدَرِيَّةِ الظَّرْفِيَّةِ، والعامِلُ فِيها هو ما يَأْتِي بَعْدَ ما المَذْكُورَةِ وصِلَتِها مِنَ الفِعْلِ كَقَوْلِهِ: ﴿كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهم بَدَّلْناهُمْ﴾ [النساء: ٥٦] ﴿كُلَّما أُلْقِيَ فِيها﴾ [الملك: ٨] وأجْمَعَتِ العَرَبُ عَلى أنَّهُ لا يُجْزَمُ بِكُلَّما، وعَلى تَسْلِيمِ تَسْمِيَتِهِ شَرْطًا فَذَكَرَ أنَّ قَوْلَهُ: فَرِيقًا كَذَّبُوا يَنْبُو عَنِ الجَوابِ لِوَجْهَيْنِ: أحَدُهُما: قَوْلُهُ: لِأنَّ الرَّسُولَ الواحِدَ لا يَكُونُ فَرِيقَيْنِ، ولَيْسَ كَما ذَكَرَ، لِأنَّ الرَّسُولَ في هَذا التَّرْكِيبِ لا يُرادُ بِهِ الواحِدُ، بَلِ المُرادُ بِهِ الجِنْسُ وأيُّ نَجْمٍ طَلَعَ، وإذا كانَ المُرادُ بِهِ الجِنْسُ انْقَسَمَ إلى الفَرِيقَيْنِ: فَرِيقٍ كُذِّبَ، وفَرِيقٌ قُتِلَ. والوَجْهُ الثّانِي قَوْلُه: ولِأنَّهُ لا يَحْسُنُ أنْ تَقُولَ إنْ أكْرَمْتَ أخِي أخاكَ أكْرَمْتُ، يَعْنِي أنَّهُ لا يَجُوزُ تَقْدِيمُ مَنصُوبِ فِعْلٍ لِلْجَوابِ عَلَيْهِ. ولَيْسَ كَما ذُكِرَ، بَلْ مَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ والكِسائِيِّ أنَّ ذاكَ جائِزٌ حَسَنٌ، ولَمْ يَمْنَعْهُ إلّا الفَرّاءُ وحْدَهُ، وهَذا كُلُّهُ عَلى تَقْدِيرِ تَسْلِيمِ أنَّ كُلَّما شَرْطٌ، وإلّا فَلا يَلْزَمُ أنْ يَعْتَذِرَ بِهَذا، بَلْ يَجُوزُ تَقْدِيمُ مَنصُوبِ الفِعْلِ العامِلِ في كُلَّما عَلَيْهِ. فَتَقُولُ في كُلَّما جِئْتَنِي أخاكَ أكْرَمْتُ، وعُمُومُ نُصُوصِ النَّحْوِيِّينَ عَلى ذَلِكَ، لِأنَّهم حِينَ حَصَرُوا ما يَجِبُ تَقْدِيمُ المَفْعُولِ بِهِ عَلى العامِلِ وما يَجِبُ تَأْخِيرُهُ عَنْهُ قالُوا: وما سِوى ذَلِكَ يَجُوزُ فِيهِ التَّقْدِيمُ عَلى العامِلِ والتَّأْخِيرُ عَنْهُ، ولَمْ يَسْتَثْنُوا هَذِهِ الصُّورَةَ، ولا ذَكَرُوا فِيها خِلافًا. فَعَلى هَذا الَّذِي قَرَّرْناهُ يَكُونُ العامِلُ في كُلَّما قَوْلُهُ: كَذَّبُوا وما عُطِفَ عَلَيْهِ ولا يَكُونُ مَحْذُوفًا. وقالَ الحَوْفِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ: كُلَّما ظَرْفٌ، والعامِلُ فِيهِ كَذَّبُوا. وقالَ أبُو البَقاءِ: كَذَّبُوا جَوابُ كُلَّما. انْتَهى. وجاءَ بِلَفْظِ يَقْتُلُونَ عَلى حِكايَةِ الحالِ الماضِيَةِ اسْتِفْظاعًا لِلْقَتْلِ، واسْتِحْضارًا لِتِلْكَ الحالِ الشَّنِيعَةِ …

Al-Maaida 5:70Listen in Qur'an →

Commentary: Al-Bahr al-Muhit by Abu Hayyan al-Gharnati. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.