Muslim99Muslim99
← Tafsir library

5. Al-Maaida

The Table · Medinan · 120 ayahs

سُورَةُ المَائـِدَةِ

Reading Al-Bahr al-Muhit by Abu Hayyan al-Gharnati

Ayahs 51–60 of 120

51

۞ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَتَّخِذُوا۟ ٱلْيَهُودَ وَٱلنَّصَٰرَىٰٓ أَوْلِيَآءَ ۘ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍۢ ۚ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُۥ مِنْهُمْ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّٰلِمِينَ

O you who have believed, do not take the Jews and the Christians as allies. They are [in fact] allies of one another. And whoever is an ally to them among you - then indeed, he is [one] of them. Indeed, Allah guides not the wrongdoing people.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا اليَهُودَ والنَّصارى أوْلِياءَ بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ ومَن يَتَوَلَّهم مِنكم فَإنَّهُ مِنهم إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ ﴿فَتَرى الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشى أنْ تُصِيبَنا دائِرَةٌ فَعَسى اللَّهُ أنْ يَأْتِيَ بِالفَتْحِ أوْ أمْرٍ مِن عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلى ما أسَرُّوا في أنْفُسِهِمْ نادِمِينَ﴾ [المائدة: ٥٢] ﴿ويَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أهَؤُلاءِ الَّذِينَ أقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ إنَّهم لَمَعَكم حَبِطَتْ أعْمالُهم فَأصْبَحُوا خاسِرِينَ﴾ [المائدة: ٥٣] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكم عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهم ويُحِبُّونَهُ أذِلَّةٍ عَلى المُؤْمِنِينَ أعِزَّةٍ عَلى الكافِرِينَ يُجاهِدُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ ولا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ واللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [المائدة: ٥٤] ﴿إنَّما ولِيُّكُمُ اللَّهُ ورَسُولُهُ والَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ وهم راكِعُونَ﴾ [المائدة: ٥٥] ﴿ومَن يَتَوَلَّ اللَّهَ ورَسُولَهُ والَّذِينَ آمَنُوا فَإنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الغالِبُونَ﴾ [المائدة: ٥٦] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكم هُزُوًا ولَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِكم والكُفّارَ أوْلِياءَ واتَّقُوا اللَّهَ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٥٧] ﴿وإذا نادَيْتُمْ إلى الصَّلاةِ اتَّخَذُوها هُزُوًا ولَعِبًا ذَلِكَ بِأنَّهم قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ﴾ [المائدة: ٥٨] ﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنّا إلّا أنْ آمَنّا بِاللَّهِ وما أُنْزِلَ إلَيْنا وما أُنْزِلَ مِن قَبْلُ وأنَّ أكْثَرَكم فاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٥٩] ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكم بِشَرٍّ مِن ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَن لَعَنَهُ اللَّهُ وغَضِبَ عَلَيْهِ وجَعَلَ مِنهُمُ القِرَدَةَ والخَنازِيرَ وعَبَدَ الطّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكانًا وأضَلُّ عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة: ٦٠] ﴿وإذا جاءُوكم قالُوا آمَنّا وقَدْ دَخَلُوا بِالكُفْرِ وهم قَدْ خَرَجُوا بِهِ واللَّهُ أعْلَمُ بِما كانُوا يَكْتُمُونَ﴾ [المائدة: ٦١] ﴿وتَرى كَثِيرًا مِنهم يُسارِعُونَ في الإثْمِ والعُدْوانِ وأكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: ٦٢] ﴿لَوْلا يَنْهاهُمُ الرَّبّانِيُّونَ والأحْبارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الإثْمَ وأكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ ما كانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [المائدة: ٦٣] ﴿وقالَتِ اليَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أيْدِيهِمْ ولُعِنُوا بِما قالُوا بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ ولَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنهم ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ طُغْيانًا وكُفْرًا وألْقَيْنا بَيْنَهُمُ العَداوَةَ والبَغْضاءَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ كُلَّما أوْقَدُوا نارًا لِلْحَرْبِ أطْفَأها اللَّهُ ويَسْعَوْنَ في الأرْضِ فَسادًا واللَّهُ لا يُحِبُّ المُفْسِدِينَ﴾ [المائدة: ٦٤] ﴿ولَوْ أنَّ أهْلَ الكِتابِ آمَنُوا واتَّقَوْا لَكَفَّرْنا عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ ولَأدْخَلْناهم جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ [المائدة: ٦٥] ﴿ولَوْ أنَّهم أقامُوا التَّوْراةَ والإنْجِيلَ وما أُنْزِلَ إلَيْهِمْ مِن رَبِّهِمْ لَأكَلُوا مِن فَوْقِهِمْ ومِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ مِنهم أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وكَثِيرٌ مِنهم ساءَ ما يَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: ٦٦] ﴿يا أيُّها الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ وإنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ واللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الكافِرِينَ﴾ …

Al-Maaida 5:51Listen in Qur'an →
52

فَتَرَى ٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌۭ يُسَٰرِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَىٰٓ أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌۭ ۚ فَعَسَى ٱللَّهُ أَن يَأْتِىَ بِٱلْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍۢ مِّنْ عِندِهِۦ فَيُصْبِحُوا۟ عَلَىٰ مَآ أَسَرُّوا۟ فِىٓ أَنفُسِهِمْ نَٰدِمِينَ

So you see those in whose hearts is disease hastening into [association with] them, saying, "We are afraid a misfortune may strike us." But perhaps Allah will bring conquest or a decision from Him, and they will become, over what they have been concealing within themselves, regretful.

﴿فَتَرى الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشى أنْ تُصِيبَنا دائِرَةٌ﴾ الخِطابُ لِلرَّسُولِ، ﷺ، والَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ومَن تَبِعَهُ مِنَ المُنافِقِينَ أوْ مِن مُؤْمِنِي الخَزْرَجِ مُتابَعَةَ جَهالَةٍ وعَصَبِيَّةٍ، فَهَذا الصِّنْفُ لَهُ حِصَّةٌ مِن مَرَضِ القَلْبِ قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ. ومَعْنى ﴿يُسارِعُونَ فِيهِمْ﴾ أيْ: في مُوالاتِهِمْ ويَرْغَبُونَ فِيها. وتَقَدَّمَ الكَلامُ في المَرَضِ في أوَّلِ البَقَرَةِ.

وقَرَأ إبْراهِيمُ بْنُ وثّابٍ: فَيَرى بِالياءِ مِن تَحْتٍ، والفاعِلُ ضَمِيرٌ يُعُودُ عَلى اللَّهِ أوِ الرَّأْيِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ الَّذِينَ فاعِلَ تَرى؛ والمَعْنى: أنْ يُسارِعُوا، فَحُذِفَتْ أنْ إيجازًا. انْتَهى. وهَذا ضَعِيفٌ لِأنَّ حَذْفَ إنْ مِن نَحْوِ هَذا لا يَنْقاسُ. وقَرَأ قَتادَةُ والأعْمَشُ: يُسْرِعُونَ بِغَيْرِ ألِفٍ مِن أسْرَعَ، وفَتَرى إنْ كانَتْ مِن رُؤْيَةِ العَيْنِ كانَ يُسارِعُونَ حالًا، أوْ مِن رُؤْيَةِ القَلْبِ فَفي مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي، يَقُولُونَ: نَخْشى أنَّ تُصِيبَنا دائِرَةٌ، هَذا مَحْفُوظٌ مِن قَوْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ، وقالَهُ مَعَهُ مُنافِقُونَ كَثِيرُونَ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَعْناهُ نَخْشى أنْ لا يَتِمَّ أمْرُ مُحَمَّدٍ فَيَدُورَ الأمْرُ عَلَيْنا. وقِيلَ: الدّائِرَةُ مِن جَدْبٍ وقَحْطٍ. ولا يُمِيرُونَنا ولا يُقْرِضُونَنا. وقِيلَ: دائِرَةٌ تُحْوِجُ إلى يَهُودَ إلى مَعُونَتِهِمْ.

﴿فَعَسى اللَّهُ أنْ يَأْتِيَ بِالفَتْحِ أوْ أمْرٍ مِن عِنْدِهِ﴾ هَذا بِشارَةٌ لِلرَّسُولِ والمُؤْمِنِينَ بِوَعْدِهِ تَعالى بِالفَتْحِ والنُّصْرَةِ. قالَ قَتادَةُ: عَنى بِهِ القَضاءَ في هَذِهِ النَّوازِلِ، والفَتّاحُ: القاضِي. وقالَ السُّدِّيُّ: يَعْنِي بِهِ فَتْحَ مَكَّةَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وظاهِرُ الفَتْحِ في هَذِهِ الآيَةِ ظُهُورُ رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ، وعُلُوِّ كَلَمَتِهِ فَيُسْتَغْنى عَنِ اليَهُودِ. وقِيلَ: فَتْحُ بِلادِ المُشْرِكِينَ. وقِيلَ: فَتْحُ قُرى اليَهُودِ، يُرِيدُونَ قُرَيْظَةَ والنَّضِيرَ وفَدَكَ وما يَجْرِي مَجْراهُما. وقِيلَ: الفَتْحُ الفَرَجُ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ. وقِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوْ أمْرٍ مِن عِنْدِهِ﴾ هو إجْلاءُ بَنِي النَّضِيرِ وأخْذِ أمْوالِهِمْ، لَمْ يَكُنْ لِلنّاسِ فِيهِ فِعْلٌ بَلْ طَرَحَ اللَّهُ في قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَأعْطَوْا بِأيْدِيهِمْ مِن غَيْرِ أنْ يُوجَفَ عَلَيْهِمْ بِخَيْلٍ ولا رِكابٍ، وقَتْلُ قُرَيْظَةَ وسَبْيُ ذَرارِيهِمْ، قالَهُ: ابْنُ السّائِبِ ومُقاتِلٌ. وقِيلَ: إذْلالُهم حَتّى يُعْطُوا الجِزْيَةَ. وقِيلَ: الخِصْبُ والرَّخا، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ. وقالَ الزَّجّاجُ: إظْهارُ أمْرِ المُنافِقِينَ وتَرَبُّصِهِمُ الدَّوائِرَ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَظْهَرُ أنَّ هَذا التَّقْسِيمَ إنَّما هو لِأنَّ الفَتْحَ المَوْعُودَ بِهِ هو مِمّا تَرَتَّبَ عَلى سَعْيِ النَّبِيِّ وأصْحابِهِ ونِسَبِ جِدِّهِمْ وعَمَلِهِمْ، فَوَعْدُ اللَّهِ تَعالى إمّا بِفَتْحٍ يَقْتَضِي تِلْكَ الأعْمالَ، وإمّا بِأمْرٍ مِن عِنْدِهِ يُهْلِكُ أعْداءَ الشَّرْعِ، هو أيْضًا فَتْحٌ لا يَقَعُ لِلْبَشَرِ فِيهِ تَسَبُّبٌ. انْتَهى.

﴿فَيُصْبِحُوا عَلى ما أسَرُّوا في أنْفُسِهِمْ نادِمِينَ﴾ أيْ: يَصِيرُونَ نادِمِينَ عَلى ما حَدَّثَتْهم أنْفُسُهم أنَّ أمْرَ النَّبِيِّ لا يَتِمُّ، ولا تَكُونُ الدَّوْلَةُ لَهم إذا أتى اللَّهُ بِالفَتْحِ أوْ أمْرٍ مِن عِنْدِهِ. وقِيلَ: مُوالاتُهم. وقَرَأ ابْنُ الزُّبَيْرِ: فَتُصْبِحُ الفُسّاقُ؛ جَعَلَ الفُسّاقَ مَكانَ الضَّمِيرِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وخُصَّ الإصْباحُ بِالذِّكْرِ …

Al-Maaida 5:52Listen in Qur'an →
53

وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَهَٰٓؤُلَآءِ ٱلَّذِينَ أَقْسَمُوا۟ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَٰنِهِمْ ۙ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ ۚ حَبِطَتْ أَعْمَٰلُهُمْ فَأَصْبَحُوا۟ خَٰسِرِينَ

And those who believe will say, "Are these the ones who swore by Allah their strongest oaths that indeed they were with you?" Their deeds have become worthless, and they have become losers.

﴿ويَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أهَؤُلاءِ الَّذِينَ أقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ إنَّهم لَمَعَكُمْ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: لَمّا أُجْلِيَ بَنُو النَّضِيرِ تَأسَّفَ المُنافِقُونَ عَلى فِراقِهِمْ، وجَعَلَ المُنافِقُ يَقُولُ لِقَرِيبِهِ المُؤْمِنِ إذا رَآهُ جادًّا في مُعاداةِ اليَهُودِ: هَذا جَزاؤُهم مِنكَ، طالَ واللَّهِ ما أشْبَعُوا بَطْنَكَ، فَلَمّا قُتِلَتْ قُرَيْظَةُ لَمْ يُطِقْ أحَدٌ مِنَ المُنافِقِينَ سَتْرَ ما في نَفْسِهِ، فَجَعَلُوا يَقُولُونَ: أرْبَعُمِائَةٍ حُصِدُوا في لَيْلَةٍ ؟ فَلَمّا رَأى المُؤْمِنُونَ ما قَدْ ظَهَرَ مِنَ المُنافِقِينَ قالُوا: أهَؤُلاءِ؛ أيِ: المُنافِقُونَ الَّذِينَ أقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ إنَّهم لَمَعَكم ؟ والمَعْنى: يَقُولُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ تَعَجُّبًا مِن حالِهِمْ إذْ أغْلَظُوا بِالأيْمانِ لِلْمُؤْمِنِينَ إنَّهم مَعَكم، وإنَّهم مُعاضِدُوكم عَلى اليَهُودِ، فَلَمّا حَلَّ بِاليَهُودِ ما حَلَّ ظَهَرَ مِنَ المُنافِقِينَ ما كانُوا يُسِرُّونَهُ مِن مُوالاةِ اليَهُودِ والتَّمالُؤِ عَلى المُؤْمِنِينَ. ويَحْتَمِلُ أنْ يَقُولَ المُؤْمِنُونَ ذَلِكَ لِلْيَهُودِ، ويَكُونَ الخِطابُ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّهم لَمَعَكُمْ﴾ لِلْيَهُودِ، لِأنَّ المُنافِقِينَ حَلَفُوا لِلْيَهُودِ بِالمُعاضَدَةِ والنُّصْرَةِ كَما قالَ تَعالى حِكايَةً عَنْهم: ﴿وإنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ﴾ [الحشر: ١١] فَقالُوا ذَلِكَ لِلْيَهُودِ يُجَسِّرُونَهم عَلى مُوالاةِ المُنافِقِينَ، وأنَّهم لَنْ يُغْنُوا عَنْهم مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، ويَغْتَبِطُونَ بِما مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِن إخْلاصِ الإيمانِ ومُوالاةِ اليَهُودِ.

وقَرَأ الِابْنانِ ونافِعٌ: بِغَيْرِ واوٍ، كَأنَّهُ جَوابُ قائِلٍ: ما يَقُولُ المُؤْمِنُونَ حِينَئِذٍ. فَقِيلَ: يَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا، وكَذا هي في مَصاحِفِ أهْلِ مَكَّةَ والمَدِينَةِ. وقَرَأ الباقُونَ: بِالواوِ، ونَصَبَ اللّامَ أبُو عَمْرٍو، ورَفَعَها الكُوفِيُّونَ. ورَوى عَلِيُّ بْنُ نَصْرٍ عَنْ أبِي عُمَرَ: والرَّفْعُ والنَّصْبُ، وقالُوا: وهي في مَصاحِفِ الكُوفَةِ وأهْلِ المَشْرِقِ. والواوُ عاطِفَةٌ جُمْلَةً عَلى جُمْلَةٍ، هَذا إذا رَفَعَ اللّامَ، ومَعَ حَذْفِ الواوِ الِاتِّصالُ مَوْجُودٌ، في الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ ذِكْرٌ مِنَ الجُمْلَةِ السّابِقَةِ إذِ الَّذِينَ يُسارِعُونَ وقالُوا: نَخْشى، ويُصْبِحُوا - هُمُ الَّذِينَ قِيلَ فِيهِمْ: أهَؤُلاءِ الَّذِينَ أقْسَمُوا، وتارَةً يُكْتَفى في الِاتِّصالِ بِالضَّمِيرِ، وتارَةً يُؤَكَّدُ بِالعَطْفِ بِالواوِ. والظّاهِرُ أنَّ هَذا القَوْلَ هو صادِرٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ عِنْدَ رُؤْيَةِ الفَتْحِ كَما قَدَّمْنا.

قِيلَ: ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ في وقْتِ الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَقُولُونَ: ﴿نَخْشى أنْ تُصِيبَنا دائِرَةٌ﴾ [المائدة: ٥٢] وعِنْدَما ظَهَرَ سُؤالُهم في أمْرِ بَنِي قَيْنُقاعَ وسُؤالِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ فِيهِمْ، ونَزْلِ الرَّسُولِ إيّاهم لَهُ، وإظْهارِ عَبْدِ اللَّهِ أنَّ خَشْيَةَ الدَّوائِرِ هي خَوْفُهُ عَلى المَدِينَةِ ومَن بِها مِنَ المُؤْمِنِينَ، وقَدْ عَلِمَ كُلُّ مُؤْمِنٍ أنَّهُ كاذِبٌ في ذَلِكَ، فَكانَ فِعْلُهُ ذَلِكَ مُوَطِّئًا أنْ يَقُولَ المُؤْمِنُونَ ذَلِكَ؛ وأمّا قِراءَةُ: ويَقُولَ، بِالنَّصْبِ، فَوُجِّهَتْ عَلى أنَّ هَذا القَوْلَ لَمْ يَكُنْ إلّا عِنْدَ الفَتْحِ، وأنَّهُ مَحْمُولٌ عَلى المَعْنى، فَهو مَعْطُوفٌ عَلى أنْ يَأْتِيَ، إذْ مَعْنى: ﴿فَعَسى اللَّهُ أنْ يَأْتِيَ﴾ [المائدة: ٥٢]، مَعْنى فَعَسى أنْ يَأْتِيَ اللَّهُ، وهَذا الَّذِي يُسَمِّيهِ النَّحْوِيُّونَ العَطْفُ عَلى التَّوَهُّمِ، يَكُونُ الكَلامُ في قالَبٍ فَيُقَدِّرُهُ في قالَبٍ آخَرَ، إذْ لا …

Al-Maaida 5:53Listen in Qur'an →
54

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِۦ فَسَوْفَ يَأْتِى ٱللَّهُ بِقَوْمٍۢ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُۥٓ أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلْكَٰفِرِينَ يُجَٰهِدُونَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَآئِمٍۢ ۚ ذَٰلِكَ فَضْلُ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ ۚ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٌ

O you who have believed, whoever of you should revert from his religion - Allah will bring forth [in place of them] a people He will love and who will love Him [who are] humble toward the believers, powerful against the disbelievers; they strive in the cause of Allah and do not fear the blame of a critic. That is the favor of Allah; He bestows it upon whom He wills. And Allah is all-Encompassing and Knowing.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكم عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهم ويُحِبُّونَهُ﴾ وابْنُ كَعْبٍ والضَّحّاكُ الحَسَنُ وقَتادَةُ وابْنُ جُرَيْجٍ وغَيْرُهم: نَزَلَتْ خِطابًا لِلْمُؤْمِنِينَ عامَّةً إلى يَوْمِ القِيامَةِ؛ ومَن يَرْتَدَّ جُمْلَةٌ شَرْطِيَّةٌ مُسْتَقِلَّةٌ، وهي إخْبارٌ عَنِ الغَيْبِ.

وتَعَرَّضَ المُفَسِّرُونَ هُنا لِمَنِ ارْتَدَّ في قِصَّةٍ طَوِيلَةٍ نَخْتَصِرُها فَنَقُولُ: ارْتَدَّ في زَمانِ الرَّسُولِ، ﷺ، مَذْحِجٌ ورَئِيسُهم عَبْهَلَةُ بْنُ كَعْبٍ ذُو الخِمارِ، وهو الأسْوَدُ العَنْسِيُّ قَتَلَهُ فَيْرُوزٌ عَلى فِراشِهِ، وأخْبَرَ الرَّسُولُ، ﷺ، بِقَتْلِهِ، وسَمّى قاتِلَهُ لَيْلَةَ قُتِلَ. وماتَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ، مِنَ الغَدِ، وأتى خَبَرُ قَتْلِهِ في آخِرِ رَبِيعٍ الأوَّلِ وبَنُو حَنِيفَةَ رَئِيسُهم مُسَيْلِمَةُ قَتَلَهُ وحْشِيٌّ، وبَنُو أسَدٍ رَئِيسُهم طُلَيْحَةُ بْنُ خُوَيْلِدٍ هَزَمَهُ خالِدُ بْنُ الوَلِيدِ، وأفْلَتَ ثُمَّ أسْلَمَ وحَسُنَ إسْلامُهُ. هَذِهِ ثَلاثُ فِرَقٍ ارْتَدَّتْ في حَياةِ الرَّسُولِ، وتَنَبَّأ رُؤَساؤُهم. وارْتَدَّ في خِلافَةِأبِي بَكْرٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، سَبْعُ فِرَقٍ. فَزارَةُ: قَوْمُ عُيَيْنَةَ بْنِ حِصْنٍ، وغَطَفانُ: قَوْمُ قُرَّةَ بْنِ سَلَمَةَ القُشَيْرِيِّ، وسُلَيْمٌ: قَوْمُ الفُجاءَةِ بْنِ عَبْدِ يالِيلَ، ويَرْبُوعٌ: قَوْمُ مالِكِ بْنِ نُوَيْرَةَ، وبَعْضُ تَمِيمٍ: قَوْمُ سَجاحِ بِنْتِ المُنْذِرِ وقَدْ تَنَبَّأتْ وتَزَوَّجَها مُسَيْلِمَةُ وقالَ: الشّاعِرُ:

؎أضْحَتْ نَبِيَّتُنا أُنْثى نَطِيفُ بِها وأصْبَحَتْ أنْبِياءُ اللَّهِ ذُكْرانا

وقالَ أبُو العَلاءِ المَعَرِّيُّ:

؎أمَّتْ سَجاحِ ووالاها مُسَيْلِمَةُ ∗∗∗ كَذّابَةٌ في بَنِي الدُّنْيا وكَذّابُ

وكِنْدَةُ: قَوْمُ الأشْعَثِ، وبَكْرُ بْنُ وائِلٍ بِالبَحْرَيْنِ: قَوْمُ الحُطَمِ بْنِ يَزِيدَ. وكَفى اللَّهُ أمْرَهم عَلى يَدَيْ أبِي بَكْرٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ؛ وفِرْقَةٌ في عَهْدِ عُمَرَ: غَسّانُ: قَوْمُ جَبَلَةَ بْنِ الأيْهَمِ نَصَّرَتْهُ اللَّطْمَةُ وسَيَّرَتْهُ إلى بَلَدِ الرُّومِ بَعْدَ إسْلامِهِ.

وفِي القَوْمِ الَّذِينَ يَأْتِي اللَّهُ بِهِمْ: أبُو بَكْرٍ وأصْحابُهُ، أوْ أبُو بَكْرٍ وعُمَرُ وأصْحابُهُما، أوْ قَوْمُ أبِي مُوسى، أوْ أهْلُ اليَمَنِ ألْفانِ مِنَ البَحْرِ وخَمْسَةُ آلافٍ مِن كِنْدَةَ وبَجِيلَةَ، وثَلاثَةُ آلافٍ مِن أخْلاطِ النّاسِ جاهَدُوا أيّامَ القادِسِيَّةِ أيّامَ عُمَرَ. أوِ الأنْصارُ، أوْ هُمُ المُهاجِرُونَ، أوْ أحْياءٌ مِنَ اليَمَنِ مِن كِنْدَةَ وبَجِيلَةَ وأشْجَعَ لَمْ يَكُونُوا وقْتَ النُّزُولِ قاتَلَ بِهِمْ أبُو بَكْرٍ في الرِّدَّةِ، أوِ القُرْبى، أوْ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ قاتَلَ الخَوارِجَ؛ أقْوالٌ تِسْعَةٌ. وفي المُسْتَدْرَكِ لِأبِي عَبْدِ اللَّهِ الحاكِمِ بِإسْنادٍ: أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ أشارَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ، إلى أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ فَقالَ قَوْمٌ: هَذا، وهَذا أصَحُّ الأقْوالِ، وكانَ لَهم بَلاءٌ في الإسْلامِ زَمانَ رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ، وعامَّةُ فَتُوحِ عُمَرَ عَلى أيْدِيهِمْ.

وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ: مَن يَرْتَدِدْ؛ بِدالَيْنِ مَفْكُوكًا، وهي لُغَةُ الحِجازِ. والباقُونَ بِواحِدَةٍ مُشَدَّدَةٍ وهي لُغَةُ تَمِيمٍ. والعائِدُ عَلى اسْمِ الشَّرْطِ مِن جُمْلَةِ الجَزاءِ مَحْذُوفٌ لِفَهْمِ المَعْنى، تَقْدِيرُهُ: فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ غَيْرِهِمْ، أوْ مَكانَهم. ويُحِبُّونَهُ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: يُحِبُّهم، فَهو في مَوْضِعِ جَرٍّ. وقالَ أبُو البَقاءِ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ، تَقْدِيرُهُ: وهم يُحِبُّونَهُ. انْتَهى. وهَذا ضَعِيفٌ …

Al-Maaida 5:54Listen in Qur'an →
55

إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَهُمْ رَٰكِعُونَ

Your ally is none but Allah and [therefore] His Messenger and those who have believed - those who establish prayer and give zakah, and they bow [in worship].

﴿إنَّما ولِيُّكُمُ اللَّهُ ورَسُولُهُ﴾ لَمّا نَهاهم عَنِ اتِّخاذِ اليَهُودِ والنَّصارى أوْلِياءَ، بَيَّنَ هُنا مَن هو ولِيُّهم، وهو اللَّهُ ورَسُولُهُ. وفُسِّرَ الوَلِيُّ هُنا بِالنّاصِرِ، أوِ المُتَوَلِّي الأمْرَ، أوِ المُحِبِّ. ثَلاثَةُ أقْوالٍ؛ والمَعْنى: لا ولِيَّ لَكم إلّا اللَّهُ. وقالَ: ولِيُّكم بِالإفْرادِ، ولَمْ يَقُلْ أوْلِياؤُكم؛ وإنْ كانَ المُخْبَرُ بِهِ مُتَعَدِّدًا، لِأنَّ ولِيًّا اسْمُ جِنْسٍ. أوْ لِأنَّ الوَلايَةَ حَقِيقَةً هي لِلَّهِ تَعالى عَلى سَبِيلِ التَّأصُّلِ، ثُمَّ نَظَمَ في سِلْكِهِ مَن ذُكِرَ عَلى سَبِيلِ التَّبَعِ، ولَوْ جاءَ جَمْعًا لَمْ يُتَبَيَّنْ هَذا المَعْنى مِنَ الأصالَةِ والتَّبَعِيَّةِ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: مَوْلاكُمُ اللَّهُ؛ وظاهِرُ قَوْلِهِ: والَّذِينَ آمَنُوا، عُمُومُ مَن آمَنَ مَن مَضى مِنهم ومَن بَقِيَ، قالَهُ الحَسَنُ. وسُئِلَ الباقِرُ عَمَّنْ نَزَلَتْ فِيهِ هَذِهِ الآيَةُ، أهوَ عَلِيٌّ ؟ فَقالَ: عَلِيٌّ مِنَ المُؤْمِنِينَ. وقِيلَ: الَّذِينَ آمَنُوا هوَ عَلِيٌّ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُقاتِلٌ، ويَكُونُ مِن إطْلاقِ الجَمْعِ عَلى الواحِدِ مَجازًا. وقِيلَ ابْنُ سَلامٍ وأصْحابُهُ. وقِيلَ: عُبادَةُ، لَمّا تَبَرَّأ مِن حُلَفائِهِ اليَهُودِ. وقِيلَ: أبُو بَكْرٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

﴿والَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ وهم راكِعُونَ﴾ هَذِهِ أوْصافٌ مُيِّزَ بِها المُؤْمِنُ الخالِصُ الإيمانِ مِنَ المُنافِقِ، لِأنَّ المُنافِقَ لا يَدُومُ عَلى الصَّلاةِ ولا عَلى الزَّكاةِ. قالَ تَعالى: ﴿وإذا قامُوا إلى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى﴾ [النساء: ١٤٢] وقالَ تَعالى: ﴿أشِحَّةً عَلى الخَيْرِ﴾ [الأحزاب: ١٩] ولَمّا كانَتِ الصَّحابَةُ وقْتَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ مِن مُقِيمِي صَلاةٍ ومُؤْتِي زَكاةٍ، وفي كِلْتا الحالَتَيْنِ كانُوا مُتَّصِفِينَ بِالخُضُوعِ لِلَّهِ تَعالى والتَّذَلُّلِ لَهُ، نَزَلَتِ الآيَةُ بِهَذِهِ الأوْصافِ الجَلِيلَةِ؛ والرُّكُوعُ هُنا ظاهِرُهُ الخُضُوعُ، لا الهَيْئَةُ الَّتِي في الصَّلاةِ. وقِيلَ: المُرادُ الهَيْئَةُ، وخُصَّتْ بِالذِّكْرِ لِأنَّها مِن أعْظَمِ أرْكانِ الصَّلاةِ، فَعَبَّرَ بِها عَنْ جَمِيعِ الصَّلاةِ، إلّا أنَّهُ يَلْزَمُ في هَذا القَوْلِ تَكْرِيرُ الصَّلاةِ لِقَوْلِهِ: ﴿يُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾؛ ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ التَّكْرارُ عَلى سَبِيلِ التَّوْكِيدِ لِشَرَفِ الصَّلاةِ وعِظَمِها في التَّكالِيفِ الإسْلامِيَّةِ. وقِيلَ: المُرادُ بِالصَّلاةِ هُنا الفَرائِضُ، وبِالرُّكُوعِ التَّنَفُّلُ. يُقالُ: فُلانٌ يَرْكَعُ إذا تَنَفَّلَ بِالصَّلاةِ؛ ورُوِيَ أنَّ عَلِيًّا، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، تَصَدَّقَ بِخاتَمِهِ وهو راكِعٌ في الصَّلاةِ. والظّاهِرُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وهم راكِعُونَ﴾، أنَّها جُمْلَةٌ اسْمِيَّةٌ مَعْطُوفَةٌ عَلى الجُمَلِ قَبْلَها، مُنْتَظِمَةٌ في سِلْكِ الصَّلاةِ. وقِيلَ: الواوُ لِلْحالِ؛ أيْ: يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وهم خاضِعُونَ لا يَشْتَغِلُونَ عَلى مَن يُعْطُونَهم إيّاها؛ أيْ: يُؤْتُونَها فَيَتَصَدَّقُونَ وهم مُلْتَبِسُونَ بِالصَّلاةِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ. (فَإنْ قُلْتَ): الَّذِينَ يُقِيمُونَ ما مَحَلُّهُ ؟ (قُلْتُ): الرَّفْعُ عَلى البَدَلِ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا، أوْ عَلى هُمُ الَّذِينَ يُقِيمُونَ. انْتَهى. ولا أدْرِي ما الَّذِي مَنَعَهُ مِنَ الصِّفَةِ إذْ هو المُتَبادِرُ إلى الذِّهْنِ، لِأنَّ المُبْدَلَ مِنهُ في نِيَّةِ الطَّرْحِ، وهو لا يَصِحُّ هُنا طَرْحُ الَّذِينَ آمَنُوا لِأنَّهُ هو الوَصْفُ المُتَرَتِّبُ عَلَيْهِ صِحَّةُ ما بَعْدَهُ مِنَ الأوْصافِ.

Al-Maaida 5:55Listen in Qur'an →
56

وَمَن يَتَوَلَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ فَإِنَّ حِزْبَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلْغَٰلِبُونَ

And whoever is an ally of Allah and His Messenger and those who have believed - indeed, the party of Allah - they will be the predominant.

﴿ومَن يَتَوَلَّ اللَّهَ ورَسُولَهُ والَّذِينَ آمَنُوا فَإنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الغالِبُونَ﴾ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ جَوابُ مَن مَحْذُوفًا لِدَلالَةِ ما بَعْدَهُ عَلَيْهِ؛ أيْ: يَكُنْ مِن حِزْبِ اللَّهِ ويَغْلِبْ. ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ الجَوابُ: فَإنَّ حِزْبَ اللَّهِ، ويَكُونَ مِن وضْعِ الظّاهِرِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ؛ أيْ: فَإنَّهم هُمُ الغالِبُونَ. وفائِدَةُ وضْعِ الظّاهِرِ هُنا مَوْضِعَ المُضْمَرِ: الإضافَةُ إلى اللَّهِ تَعالى فَيَشْرُفُونَ بِذَلِكَ، وصارُوا بِذَلِكَ أعْلامًا؛ وأصْلُ الحِزْبِ القَوْمُ، يَجْتَمِعُونَ لِأمْرِ حِزْبِهِمْ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَحْتَمِلُ أنْ يُرِيدَ حِزْبَ اللَّهِ والرَّسُولِ والمُؤْمِنِينَ، ويَكُونُ المَعْنى: ومَن يَتَوَلَّهم فَقَدْ تَوَلّى حِزْبَ اللَّهِ، واعْتَضَدَ بِمَن لا يُغالَبُ. انْتَهى. وهو قَلَقٌ في التَّرْكِيبِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ أيْ: فَإنَّهُ غالِبُ كُلِّ مَن ناوَأهُ، وجاءَتِ العِبارَةُ عامَّةً أنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الغالِبُونَ اخْتِصارًا، لِأنَّ هَذا المُتَوَلِّيَ هو مِن حِزْبِ اللَّهِ، وحِزْبُ اللَّهِ غالِبٌ، فَهَذا الَّذِي تَوَلّى اللَّهَ ورَسُولَهُ غالِبٌ. ومَن يُرادُ بِها الجِنْسُ لا مُفْرَدٌ، وهم هُنا يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ فَصْلًا، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً.

Al-Maaida 5:56Listen in Qur'an →
57

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَتَّخِذُوا۟ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُوا۟ دِينَكُمْ هُزُوًۭا وَلَعِبًۭا مِّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَٰبَ مِن قَبْلِكُمْ وَٱلْكُفَّارَ أَوْلِيَآءَ ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ

O you who have believed, take not those who have taken your religion in ridicule and amusement among the ones who were given the Scripture before you nor the disbelievers as allies. And fear Allah, if you should [truly] be believers.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكم هُزُؤًا ولَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِكم والكُفّارَ أوْلِياءَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَ رِفاعَةُ بْنُ زَيْدٍ وسُوَيْدُ بْنُ الحارِثِ قَدْ أظْهَرا الإسْلامَ ثُمَّ نافَقا، وكانَ رِجالٌ مِنَ المُسْلِمِينَ يُوادُّونَهُما فَنَزَلَتْ. ولَمّا نَهى تَعالى المُؤْمِنِينَ عَنِ اتِّخاذِ الكُفّارِ والنَّصارى أوْلِياءَ، نَهى عَنِ اتِّخاذِ الكُفّارِ أوْلِياءَ يَهُودًا كانُوا أوْ نَصارى، أوْ غَيْرَهُما. وكَرَّرَ ذِكْرَ اليَهُودِ والنَّصارى بُقُولِهِ: ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِكُمْ﴾، وإنْ كانُوا مُنْدَرِجِينَ في عُمُومِ الكُفّارِ عَلى سَبِيلِ النَّصِّ عَلى بَعْضِ أفْرادِ العامِّ لِسَبْقِهِمْ في الذِّكْرِ في الآياتِ قَبْلُ، ولِأنَّهُ أوْغَلُ في الِاسْتِهْزاءِ، وأبْعَدُ انْقِيادًا لِلْإسْلامِ، إذْ يَزْعُمُونَ أنَّهم عَلى شَرِيعَةٍ إلَهِيَّةٍ. ولِذَلِكَ كانَ المُؤْمِنُونَ مِنَ المُشْرِكِينَ في غايَةِ الكَثْرَةِ، والمُؤْمِنُونَ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى في غايَةِ القِلَّةِ. وقِيلَ: أُرِيدَ بِالكُفّارِ: المُشْرِكُونَ خاصَّةً؛ ويَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ: ومِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وفَرَّقَتِ الآيَةُ بَيْنَ الكُفّارِ وبَيْنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ، مِن حَيْثُ الغالِبُ في اسْمِ الكُفْرِ أنْ يَقَعَ عَلى المُشْرِكِينَ بِاللَّهِ إشْراكَ عِبادَةِ الأوْثانِ، لِأنَّهم أبْعَدُ شَأْوًا في الكُفْرِ. وقَدْ قالَ: ﴿جاهِدِ الكُفّارَ والمُنافِقِينَ﴾ [التوبة: ٧٣] فَفَرَّقَ بَيْنَهم إرادَةَ البَيانِ. والجَمِيعُ كَفّارٌ، وكانُوا عَبَدَةَ الأوْثانِ، هم كُفّارٌ مِن كُلِّ جِهَةٍ. وهَذِهِ الفِرَقُ تَلْحَقُ بِهِمْ في حَدِّ الكُفْرِ، وتُخالِفُهم في رُتَبٍ، فَأهْلُ الكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وبِبَعْضِ الأنْبِياءِ، والمُنافِقُونَ يُؤْمِنُونَ بِألْسِنَتِهِمْ. انْتَهى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وفَصَّلَ المُسْتَهْزِئِينَ بِأهْلِ الكِتابِ عَلى المُشْرِكِينَ خاصَّةً. انْتَهى. ومَعْنى الآيَةِ: أنَّ مَنِ اتَّخَذَ دِينَكم هُزُوًا ولَعِبًا لا يُناسِبُ أنْ يُتَّخَذَ ولِيًّا، بَلْ يُعادى ويُبْغَضُ ويُجانَبُ. واسْتِهْزاؤُهم، قِيلَ: بِإظْهارِ الإسْلامِ، وإخْفاءِ الكُفْرِ. وقِيلَ: بِقَوْلِهِمْ لِلْمُسْلِمِينَ: احْفَظُوا دِينَكم ودُومُوا عَلَيْهِ فَإنَّهُ الحَقُّ، وقَوْلُ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ: لَعِبْنا بِعُقُولِهِمْ وضَحِكْنا عَلَيْهِمْ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ضَحِكُوا مِنَ المُسْلِمِينَ وقْتَ سُجُودِهِمْ، وتَقَدَّمَ القَوْلُ في القِراءَةِ في هُزُؤًا. وقَرَأ النَّحْوِيّانِ: والكُفّارِ خَفْضًا؛ وقَرَأ أُبَيٌّ: ومِنَ الكُفّارِ، بِزِيادَةِ مِن. وقَرَأ الباقُونَ: نَصْبًا، وهي رِوايَةُ الحُسَيْنِ الجُعْفِيِّ عَنْ أبِي عَمْرٍو، وإعْرابُ الجَرِّ والنَّصْبِ واضِحٌ.

﴿واتَّقُوا اللَّهَ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ لَمّا نُهِيَ المُؤْمِنُونَ عَنِ اتِّخاذِهِمْ أوْلِياءَ، أمَرَهم بِتَقْوى اللَّهِ، فَإنَّها هي الحامِلَةُ عَلى امْتِثالِ الأوامِرِ واجْتِنابِ النَّواهِي؛ أيِ: اتَّقَوُا اللَّهَ في مُوالاةِ الكُفّارِ، ثُمَّ نَبَّهَ عَلى الوَصْفِ الحامِلِ عَلى التَّقْوى وهو الإيمانُ؛ أيْ: مَن كانَ مُؤْمِنًا حَقًّا يَأْبى مُوالاةَ أعْداءِ الدِّينِ.

Al-Maaida 5:57Listen in Qur'an →
58

وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ ٱتَّخَذُوهَا هُزُوًۭا وَلَعِبًۭا ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌۭ لَّا يَعْقِلُونَ

And when you call to prayer, they take it in ridicule and amusement. That is because they are a people who do not use reason.

﴿وإذا نادَيْتُمْ إلى الصَّلاةِ اتَّخَذُوها هُزُوًا ولَعِبًا﴾ قالَ الكَلْبِيُّ: كانُوا إذا نُودِيَ بِالصَّلاةِ قامَ المُسْلِمُونَ إلَيْها فَتَقُولُ اليَهُودُ: قامُوا لا قامُوا، صَلَّوْا لا صَلَّوْا، رَكَعُوا لا رَكَعُوا، عَلى طَرِيقِ الِاسْتِهْزاءِ والضَّحِكِ فَنَزَلَتْ. وقالَ السُّدِّيُّ: كانَ نَصْرانِيٌّ بِالمَدِينَةِ يَقُولُ إذا سَمِعَ المُؤَذِّنَ يَقُولُ: أشْهَدُ أنْ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، أُحْرِقَ الكاذِبُ، فَطارَتْ شَرارَةٌ في بَيْتِهِ فاحْتَرَقَ هو وأهْلُهُ، فَنَزَلَتْ. وقِيلَ: حَسَدَ اليَهُودُ الرَّسُولَ حِينَ سَمِعُوا الآذانَ وقالُوا: ابْتَدَعْتَ شَيْئًا لَمْ يَكُنْ لِلْأنْبِياءِ، فَمِن أيْنَ لَكَ الصِّياحُ كَصِياحِ العِيرِ ؟ فَما أقْبَحَهُ مِن صَوْتٍ. فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ. وأنْزَلَ: ﴿ومَن أحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعا إلى اللَّهِ﴾ [فصلت: ٣٣] الآيَةَ. انْتَهى؛ والمَعْنى: إذا نادى بَعْضُكم إلى الصَّلاةِ، لِأنَّ الجَمِيعَ لا يُنادُونَ. ولَمّا قَدَّمَ أنَّهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الدِّينَ هُزُوًا ولَعِبًا انْدَرَجَ في ذَلِكَ جَمِيعُ ما انْطَوى عَلَيْهِ الدِّينُ، فَجَرَّدَ مِن ذَلِكَ أعْظَمَ أرْكانِ الدِّينِ ونَصَّ عَلَيْهِ بِخُصُوصِهِ وهي الصَّلاةُ الَّتِي هي صِلَةٌ بَيْنَ العَبْدِ ورَبِّهِ، فَنَبَّهَ عَلى أنَّ مَنِ اسْتَهْزَأ بِالصَّلاةِ يَنْبَغِي أنْ لا يُتَّخَذَ ولِيًّا ويُطْرَدَ، فَهَذِهِ الآيَةُ جاءَتْ كالتَّوْكِيدِ لِلْآيَةِ قَبْلَها. وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: في هَذِهِ الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى ثُبُوتِ الأذانِ بِنَصِّ الكِتابِ، لا بِالمَنامِ وحْدَهُ. انْتَهى. ولا دَلِيلَ في ذَلِكَ عَلى مَشْرُوعِيَّتِهِ لِأنَّهُ قالَ وإذا نادَيْتُمْ، ولَمْ يَقُلْ نادُوا عَلى سَبِيلِ الأمْرِ، وإنَّما هَذِهِ جُمْلَةٌ شَرْطِيَّةٌ دَلَّتْ عَلى سَبْقِ المَشْرُوعِيَّةِ لا عَلى إنْشائِها بِالشَّرْطِ. والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في اتَّخَذُوها عائِدٌ عَلى الصَّلاةِ، ويَحْتَمِلُ أنْ يُعُودَ عَلى المَصْدَرِ المَفْهُومِ مِن نادَيْتُمْ؛ أيِ: اتَّخَذُوا المُناداةَ والهُزْءَ والسُّخْرِيَةَ واللَّعِبَ الأخْذَ في غَيْرِ طَرِيقٍ.

﴿ذَلِكَ بِأنَّهم قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ﴾ أيْ: ذَلِكَ الفِعْلُ مِنهم، ونَفى العَقْلَ عَنْهم لَمّا لَمْ يَنْتَفِعُوا بِهِ في الدِّينِ، واتَّخَذُوا دِينَ اللَّهِ هُزُوًا ولَعِبًا فِعْلَ مَن لا عَقْلَ لَهُ.

Al-Maaida 5:58Listen in Qur'an →
59

قُلْ يَٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَٰبِ هَلْ تَنقِمُونَ مِنَّآ إِلَّآ أَنْ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَٰسِقُونَ

Say, "O People of the Scripture, do you resent us except [for the fact] that we have believed in Allah and what was revealed to us and what was revealed before and because most of you are defiantly disobedient?"

﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنّا إلّا أنَّ آمَنّا بِاللَّهِ وما أُنْزِلَ إلَيْنا وما أُنْزِلَ مِن قَبْلُ وأنَّ أكْثَرَكم فاسِقُونَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أتى نَفَرٌ مَن يُهُودَ فَسَألُوا رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ، عَمَّنْ يُؤْمِنُ بِهِ مِنَ الرُّسُلِ ؟ فَقالَ: أُؤْمِنُ بِاللَّهِ: ﴿وما أُنْزِلَ إلَيْنا﴾ [البقرة: ١٣٦] إلى قَوْلِهِ: ﴿ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٦] فَقالُوا حِينَ سَمِعُوا ذِكْرَ عِيسى، ما نَعْلَمُ أهْلَ دِينٍ أقَلَّ حَظًّا في الدُّنْيا والآخِرَةِ مِنكم، ولا دِينًا شَرًّا مِن دِينِكم، فَنَزَلَتْ؛ والمَعْنى: هَلْ تَعِيبُونَ عَلَيْنا، أوْ تُنْكِرُونَ، وتَعُدُّونَ ذَنْبًا أوْ نَقِيصَةً ما لا يُنْكَرُ ولا يُعابُ، وهو الإيمانُ بِالكُتُبِ المُنَزَّلَةِ كُلِّها ؟ وهَذِهِ مُحاوَرَةٌ لَطِيفَةٌ وجِيزَةٌ تُنَبِّهُ النّاقِمَ عَلى أنَّهُ ما نَقَمَ عَلَيْهِ إلّا ما لا يُنْقَمُ ولا يُعَدُّ عَيْبًا ونَظِيرُهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:

؎ولا عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أنَّ سُيُوفَهم بِهِنَّ فُلُولٌ مِن قِراعِ الكَتائِبِ

والخِطابُ قِيلَ: لِلرَّسُولِ، وهو بِمَعْنى ما النّافِيَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: تَنْقِمُونَ؛ بِكَسْرِ القافِ، والماضِي نَقَمَ، بِفَتْحِها، وهي الَّتِي ذَكَرَها ثَعْلَبٌ في الفَصِيحِ. ونَقِمَ، بِالكَسْرِ، يَنْقَمُ، بِالفَتْحِ، لُغَةٌ حَكاها الكِسائِيُّ وغَيْرُهُ. وقَرَأ بِها أبُو حَيْوَةَ والنَّخَعِيُّ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ وأبُو البِرِّ هُشَيْمٌ، وفُسِّرَ تَنْقِمُونَ: بِتَسْخَطُونَ وتَتَكَرَّهُونَ وتُنْكِرُونَ وتَعِيبُونَ وكُلُّها مُتَقارِبَةٌ. وإلّا أنْ آمَنّا؛ اسْتِثْناءٌ فُرِّغَ لَهُ الفاعِلُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: أنْزَلَ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، وذَلِكَ في اللَّفْظَيْنِ، وقَرَأهُما أبُو نَهِيكٍ: مَبْنِيَّيْنِ لِلْفاعِلِ، وقَرَأ نُعَيْمُ بْنُ مَيْسَرَةَ: وإنَّ أكْثَرَكم فاسِقُونَ، بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، وهو واضِحُ المَعْنى، أمَرَهُ تَعالى أنْ يَقُولَ لَهم هاتَيْنِ الجُمْلَتَيْنِ، وتَضَمَّنَتِ الإخْبارَ بِفِسْقِ أكْثَرِهِمْ وتَمَرُّدِهِمْ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: بِفَتْحِ هَمْزَةِ أنَّ، وخُرِّجَ ذَلِكَ عَلى أنَّها في مَوْضِعِ رَفْعٍ، وفي مَوْضِعِ نَصْبٍ، وفي مَوْضِعِ جَرٍّ. فالرَّفْعُ: عَلى الِابْتِداءِ. وقَدَّرَ الزَّمَخْشَرِيُّ الخَبَرَ مُؤَخَّرًا مَحْذُوفًا؛ أيْ: وفِسْقُ أكْثَرِكم ثابِتٌ مَعْلُومٌ عِنْدَكم، لِأنَّكم عَلِمْتُمْ أنّا عَلى الحَقِّ، وأنَّكم عَلى الباطِلِ، إلّا أنَّ حُبَّ الرِّياسَةِ والرَّشا يَمْنَعُكم مِنَ الِاعْتِرافِ. ولا يَنْبَغِي أنْ يُقَدَّمَ الخَبَرُ إلّا مُقَدَّمًا؛ أيْ: ومَعْلُومٌ فِسْقُ أكْثَرِكم، لِأنَّ الأصَحَّ أنْ لا يُبْدَأ بِها مُتَقَدِّمَةً إلّا بَعْدَ أمّا فَقَطْ. والنَّصْبُ مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى أنْ آمَنّا؛ أيْ: ما تَنْقِمُونَ مِنّا إلّا إيمانَنا وفِسْقَ أكْثَرِكم، فَيَدْخُلُ الفِسْقُ فِيما نَقِمُوهُ، وهَذا قَوْلُ أكْثَرِ المُتَأوِّلِينَ. ولا يَتَّجِهُ مَعْناهُ لِأنَّهم لا يَعْتَقِدُونَ فِسْقَ أكْثَرِهِمْ، فَكَيْفَ يَنْقِمُونَهُ ؟ لَكِنَّهُ يُحْمَلُ عَلى أنَّ المَعْنى ما تَنْقِمُونَ مِنّا إلّا هَذا المَجْمُوعَ مِن أنّا مُؤْمِنُونَ وأكْثَرَكم فاسِقُونَ، وإنْ كانُوا لا يُسَلِّمُونَ أنَّ أكْثَرَهم فاسِقُونَ، كَما تَقُولُ: ما تَنْقِمُ مِنِّي إلّا أنِّي صَدَقْتُ وأنْتَ كَذَبْتَ، وما كَرِهْتَ مِنِّي إلّا أنِّي مُحَبَّبٌ إلى النّاسِ وأنْتَ مُبْغَضٌ، وإنْ كانَ لا يَعْتَرِفُ أنَّهُ كاذِبٌ ولا أنَّهُ مُبْغَضٌ، وكَأنَّهُ قِيلَ: ما تَنْقِمُونَ مِنّا إلّا مُخالَفَتَكم حَيْثُ دَخَلْنا في الإسْلامِ وأنْتُمْ خارِجُونَ. والوَجْهُ الثّانِي: أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى أنْ آمَنّا، إلّا أنَّهُ …

Al-Maaida 5:59Listen in Qur'an →
60

قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُم بِشَرٍّۢ مِّن ذَٰلِكَ مَثُوبَةً عِندَ ٱللَّهِ ۚ مَن لَّعَنَهُ ٱللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ ٱلْقِرَدَةَ وَٱلْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ ٱلطَّٰغُوتَ ۚ أُو۟لَٰٓئِكَ شَرٌّۭ مَّكَانًۭا وَأَضَلُّ عَن سَوَآءِ ٱلسَّبِيلِ

Say, "Shall I inform you of [what is] worse than that as penalty from Allah? [It is that of] those whom Allah has cursed and with whom He became angry and made of them apes and pigs and slaves of Taghut. Those are worse in position and further astray from the sound way."

﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكم بِشَرٍّ مِن ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَن لَعَنَهُ اللَّهُ وغَضِبَ عَلَيْهِ وجَعَلَ مِنهُمُ القِرَدَةَ والخَنازِيرَ وعَبَدَ الطّاغُوتَ﴾ الخِطابُ بِالأمْرِ لِلرَّسُولِ، ﷺ، وتَضَمَّنَ الخِطابَ لِأهْلِ الكِتابِ الَّذِينَ أُمِرَ أنْ يُنادِيَهم أوْ يُخاطِبَهم بِقَوْلِهِ تَعالى: يا أهْلَ الكِتابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنّا؛ هَذا هو الظّاهِرُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ ضَمِيرُ الخِطابِ لِلْمُؤْمِنِينَ؛ أيْ: قُلْ يا مُحَمَّدُ لِلْمُؤْمِنِينَ هَلْ أُنَبِّئُكم بِشَرٍّ مِن حالِ هَؤُلاءِ الفاسِقِينَ في وقْتِ الرُّجُوعِ إلى اللَّهِ، أُولَئِكَ أسْلافُهُمُ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وغَضِبَ عَلَيْهِمْ، وتَكُونُ الإشارَةُ بِذَلِكَ إلى حالِهِمْ. انْتَهى. فَعَلى هَذا الإضْمارِ يَكُونُ قَوْلُهُ: بِشَرٍّ؛ أفْعَلَ تَفْضِيلٍ باقِيَةً عَلى أصْلِ وضْعِها مِن كَوْنِها تَدُلُّ عَلى الِاشْتِراكِ في الوَصْفِ، وزِيادَةِ الفَضْلِ عَلى المُفَضَّلِ عَلَيْهِ في الوَصْفِ، فَيَكُونُ ضَلالُ أُولَئِكَ الأسْلافِ وشَرُّهم أكْثَرَ مِن ضَلالِ هَؤُلاءِ الفاسِقِينَ، وإنْ كانَ الضَّمِيرُ خِطابًا لِأهْلِ الكِتابِ، فَيَكُونُ شَرٌّ عَلى بابِها مِنَ التَّفْضِيلِ عَلى مُعْتَقَدِ أهْلِ الكِتابِ إذْ قالُوا: ما نَعْلَمُ دِينًا شَرًّا مِن دِينِكم. وفي الحَقِيقَةِ لا ضَلالَ عِنْدَ المُؤْمِنِينَ، ولا شَرِكَةَ لَهم في ذَلِكَ مَعَ أهْلِ الكِتابِ، وذَلِكَ كَما ذَكَرْنا إشارَةٌ إلى دِينِ المُؤْمِنِينَ أوْ حالِ أهْلِ الكِتابِ، فَيَحْتاجُ إلى حَذْفِ مُضافٍ إمّا قَبْلَهُ، وإمّا بَعْدَهُ؛ فَيُقَدَّرُ قَبْلَهُ: بِشَرٍّ مِن أصْحابِ هَذِهِ الحالِ، ويُقَدَّرُ بَعْدَهُ: حالُ مَن لَعَنَهُ اللَّهُ؛ ولِكَوْنِ لَعَنَهُ اللَّهُ. . . . . . . . . أنَّ اسْمَ الإشارَةِ يَكُونُ عَلى كُلِّ حالٍ مِن تَأْنِيثٍ وتَثْنِيَةٍ وجَمْعٍ كَما يَكُونُ لِلْواحِدِ المُذَكَّرِ، فَيَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكم مِن هَذِهِ اللُّغَةِ، فَيَصِيرَ إشارَةً إلى الأشْخاصِ كَأنَّهُ قالَ: بِشَرٍّ مِن أُولَئِكم، فَلا يَحْتاجَ إلى تَقْدِيرِ مُضافٍ، لا قَبْلَ اسْمِ الإشارَةِ، ولا بَعْدَهُ، إذْ يَصِيرُ مَن لَعَنَهُ اللَّهُ: تَفْسِيرُ أشْخاصٍ بِأشْخاصٍ. ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكم أيْضًا: إشارَةً إلى مُتَشَخِّصٍ، وأُفْرِدَ عَلى مَعْنى الجِنْسِ كَأنَّهُ قالَ: قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكم بِشَرٍّ مِن جِنْسِ الكِتابِيِّ، أوْ مِن جِنْسِ المُؤْمِنِ، عَلى اخْتِلافِ التَّقْدِيرَيْنِ اللَّذَيْنِ سَبَقا، ويَكُونُ أيْضًا مَن لَعَنَهُ اللَّهُ: تَفْسِيرَ شَخْصٍ بِشَخْصٍ.

وقَرَأ النَّخَعِيُّ وابْنُ وثّابٍ: أُنْبِئُكم مِن أنْبَأ، وابْنُ بُرَيْدَةَ، والأعْرَجُ، ونُبَيْجٌ، وابْنُ عِمْرانَ: مَثْوَبَةً كَمَعْوَرَةٍ. والجُمْهُورُ: مِن نَبَّأ ومَثُوبَةً كَمَعُونَةً. وتَقَدَّمَ تَوْجِيهُ القِراءَتَيْنِ في ﴿لَمَثُوبَةٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٠٣] وانْتَصَبَ مَثُوبَةً هُنا عَلى التَّمْيِيزِ، وجاءَ التَّرْكِيبُ الأكْثَرُ الأفْصَحُ مِن تَقْدِيمِ المُفَضَّلِ عَلَيْهِ عَلى التَّمْيِيزِ كَقَوْلِهِ: ﴿ومَن أصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٨٧] وتَقْدِيمُ التَّمْيِيزِ عَلى المُفَضَّلِ أيْضًا فَصِيحٌ كَقَوْلِهِ: ﴿ومَن أحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعا إلى اللَّهِ﴾ [فصلت: ٣٣] وهَذِهِ المَثُوبَةُ هي في الحَشْرِ يَوْمَ القِيامَةِ. فَإنْ لُوحِظَ أصْلُ الوَضْعِ فالمَعْنى مَرْجُوعًا، ولا يَدُلُّ إذْ ذاكَ عَلى مَعْنى الإحْسانِ. وإنْ لُوحِظَ كَثْرَةُ الِاسْتِعْمالِ في الخَيْرِ والإحْسانِ، فَوُضِعَتِ المَثُوبَةُ هُنا مَوْضِعَ العُقُوبَةِ عَلى طَرِيقَةٍ بَيْنَهم في: ”تَحِيَّةُ بَيْنِهِمْ ضَرْبٌ وجِيعٌ“ ﴿فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ [آل …

Al-Maaida 5:60Listen in Qur'an →

Commentary: Al-Bahr al-Muhit by Abu Hayyan al-Gharnati. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.