Muslim99Muslim99
← Tafsir library

5. Al-Maaida

The Table · Medinan · 120 ayahs

سُورَةُ المَائـِدَةِ

Reading Tafsir Ibn 'Uthaymin by Muhammad ibn Salih al-'Uthaymin

Ayahs 41–50 of 120

41

۞ يَٰٓأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ لَا يَحْزُنكَ ٱلَّذِينَ يُسَٰرِعُونَ فِى ٱلْكُفْرِ مِنَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓا۟ ءَامَنَّا بِأَفْوَٰهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ ۛ وَمِنَ ٱلَّذِينَ هَادُوا۟ ۛ سَمَّٰعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّٰعُونَ لِقَوْمٍ ءَاخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ ۖ يُحَرِّفُونَ ٱلْكَلِمَ مِنۢ بَعْدِ مَوَاضِعِهِۦ ۖ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَٰذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ فَٱحْذَرُوا۟ ۚ وَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ فِتْنَتَهُۥ فَلَن تَمْلِكَ لَهُۥ مِنَ ٱللَّهِ شَيْـًٔا ۚ أُو۟لَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ لَمْ يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ ۚ لَهُمْ فِى ٱلدُّنْيَا خِزْىٌۭ ۖ وَلَهُمْ فِى ٱلْءَاخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌۭ

O Messenger, let them not grieve you who hasten into disbelief of those who say, "We believe" with their mouths, but their hearts believe not, and from among the Jews. [They are] avid listeners to falsehood, listening to another people who have not come to you. They distort words beyond their [proper] usages, saying "If you are given this, take it; but if you are not given it, then beware." But he for whom Allah intends fitnah - never will you possess [power to do] for him a thing against Allah. Those are the ones for whom Allah does not intend to purify their hearts. For them in this world is disgrace, and for them in the Hereafter is a great punishment.

طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة ٤١].

* الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، هذه أول ليلة نبتدئ بها تفسير كتاب الله عز وجل بعد غياب طال، وبما أن معنا الآن إخوانًا لم يكونوا حضروا من أول الدراسة فإننا نحب أن نلقي شيئًا من الأضواء على ما يتعلق بتفسير كتاب الله عز وجل فنقول:

أولًا: معرفة تفسير كتاب الله فرض؛ إما فرض كفاية، وإما فرض عين، وعلى هذا فمن قام بمعرفة تفسير القرآن الكريم فإنه قد قام بفريضة من فرائض الله عز وجل، ووجه كون التفسير فرضًا أن الله تعالى قال: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾ [ص ٢٩]، وقال: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد ٢٤]، ومن المعلوم أن الله تعالى لم ينزل علينا القرآن لمجرد أن نتعبد بلفظه، بل لنعرف معناه ونطبقه عملًا وعلمًا، وإلا لكانت فائدته قليلة لو كان المقصود مجرد أن نتعبد لله بتلاوته، وقد كان الصحابة رضي الله عنهم لا يتجاوزون عشر آيات حتى يتعلموها وما فيها من العلم والعمل.

فإذا قال قائل: إلى أي شيء نرجع في التفسير، كتب التفسير كثيرة وتناولها للقرآن على وجوه متنوعة فإلى أيها نرجع؟

نقول: أهم شيء نلاحظ في هذا ما يتعلق بالعقيدة، وعلى هذا فنحذر من كل من ينحى منحى أهل التعطيل في صفات الله عز وجل وأسمائه، فإذا عرف أن هذا التفسير من هؤلاء القوم فلنحذره، حتى وإن كان فيه فوائد من الناحية اللغوية أو الفقهية، لكن يجب أن نحذره في مقام أيش؟ العقيدة؛ لئلا نَزِلَّ.

ولنضرب لهذا مثلًا: الكشاف للزمخشري لا شك أنه تفسير جيد في تحرير المعاني وفي ما يرمي إلى البلاغة، وأن كل من كانوا بعده ممن ينهجون هذا المنهج كلهم عيال عليه، حتى إنك لترى العبارة -عبارة الزمخشري- بنصها وفصها في هذه التفاسير، لكنه في مسألة العقيدة سيء يجب الحذر منه حتى قال بعضهم: إنه لا يطلع على ما في كتابه هذا من الاعتزال إلا بالمناقيش، يعني أنه خفي، كما أن الشوكة لا تخرج إلا بالمنقاش كذلك لا يمكن أن يخرج الإنسان اعتزاليات صاحب الكشاف إلا بالمناقيش.

وضرب لهذا مثلًا قال: إنه قال -عفى الله عنا وعنه- في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ [آل عمران ١٨٥] قال: أي فوز أعظم من أن يزحزح الإنسان عن النار ويدخل الجنة، الكلام هذا هل أحد يشعر بأن فيه انحرافًا؟

* طالب: لا.

* الشيخ: قد لا يشعر بأن فيه انحرافًا، لكن إذا علمنا أن الرجل ذكي وأنه يغلف المعاني بما يخفى على كثير من الناس، فهو يريد بهذا أن ينكر الرؤية رؤية الرب عز وجل؛ لأن رؤية الرب عز وجل أعظم فوزًا من أن يدخل الإنسان الجنة ويزحزح عن النار، لكن الرجل ذكي، فمثل هذه العبارة يقرؤها الإنسان على أنها عبارة سليمة ليس فيها شيء، ولكن ظاهره فيه الرحمة وباطنه من قِبَله العذاب.

إذن على أي تفسير نعتمد؟ نقول أولًا: إن التفاسير الأثرية -أي التي تفسر القرآن بالأثر عن الصحابة وعن كبار التابعين- هي أولى ما يلتفت إليه، وعلى رأسها تفسير ابن جرير، لكن في تفسير ابن جرير آفة وهو أنه يطلق التفسير عن الصحابة والتابعين بأسانيد بعضها صحيح وبعضها حسن …

Al-Maaida 5:41Listen in Qur'an →
42

سَمَّٰعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّٰلُونَ لِلسُّحْتِ ۚ فَإِن جَآءُوكَ فَٱحْكُم بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ ۖ وَإِن تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَن يَضُرُّوكَ شَيْـًۭٔا ۖ وَإِنْ حَكَمْتَ فَٱحْكُم بَيْنَهُم بِٱلْقِسْطِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُقْسِطِينَ

[They are] avid listeners to falsehood, devourers of [what is] unlawful. So if they come to you, [O Muhammad], judge between them or turn away from them. And if you turn away from them - never will they harm you at all. And if you judge, judge between them with justice. Indeed, Allah loves those who act justly.

ثم قال الله تبارك وتعالى: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ [المائدة ٤٢].

قوله: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ﴾ خبر مبتدأ محذوف؛ أي: هم سماعون، وذكر سماعين للكذب هنا للتوكيد والتوطئة في قوله: ﴿أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ فهؤلاء جمعوا بين أمرين: بين فساد القول وفساد الغذاء، فهم سماعون للكذب يقبلونه ويتحدثون به ويأخذونه مُسَلَّمًا.

﴿أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ أي: للمال الحرام، وفيها قراءتان: ﴿لِلسُّحْتِ﴾ بسكون الحاء، و﴿لِلسُّحُتِ﴾ بضم الحاء، مثل: نَهْر ونَهَر.

﴿أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ السحت قلت لكم: كل مال محرم، يدخل فيه الرشوة وهي شائعة في اليهود، ويدخل فيه الربا وهو أيضًا شائع في اليهود، ويدخل فيه الغش والخيانة، والقاعدة: أن السحت كل مال محرم، يعني كل مال يكتسبه الإنسان بالمحرم فهو سحت، وسمي سحتًا؛ لأنه لا بركة فيه فهو مسحوت البركة، وهو أيضًا يَسْحَتُ المال الآخر، فالسحت إذن وصف في نفسه ووصف في غيره.

أما كونه وصفًا لنفسه فلأنه هو نفسه لا بركة فيه، «كما جاء في الحديث عن ابن مسعود رضي الله عنه فيمن كسب مالًا محرمًا: أنه إن أنفقه لم يبارك له فيه، وإن تصدق به لم يقبل منه، وإن خلَّفه كان زاده إلى النار»أخرجه أحمد (٣٦٧٢) بلفظ: «ولا يكسب عبد مالًا من حرام، فينفق منه فيبارك له فيه، ولا يتصدق به فيقبل منه، ولا يترك خلف ظهره إلا كان زاده إلى النار»..

* طالب: بعض العلماء الذين عرف فيهم القصد الحسن وقع منهم أخطاء في العقيدة (...) عن موضعه وهل هؤلاء يدخلون في الحديث (...)؟

* الشيخ: إي نعم يدخلون في هذا، الصواب أنه لا فرق بين ما يقال عنه: إنه أصول أو فروع، ما دام النص يسوغ فيه الاجتهاد وتأوله الإنسان فإنه لا يقال: إن هذا آثم على كل حال، لكن هذا الخطأ الذي ارتكبه وهو ممن عرف بالخير وإرادة الخير هل نتابعه فيه أو لا؟ لا؛ ولهذا قد يعذر القائل ولا يعذر التابع.

* طالب: اللي بين الطرفين ويحيد عن (...) ولا فتوى شرعية؟

* الشيخ: إي نعم هذا يختلف.

* الطالب: يحيد عن هواه لهوى الثاني.

* الشيخ: هذا -بارك الله فيك- يختلف اختلاف الأحوال، قد يصل إلى الكفر وقد لا يصل للكفر.

* الطالب: بعض الناس يطعن حتى في (...) يعني حتى (...) اللي يشوفونه معروف عند الناس هو الحق (...) فتوى من المشايخ يطعن في..

* الشيخ: ما فيه شك، بعض الناس يكره الحق ويكره القائل بالحق.

* طالب: أحسن الله إليك يا شيخ، قسمتم الكفر إلى قسمين ولم تذكر القسم الثاني؛ الجهل؟

* الشيخ: كفر الجهل؟

* الطالب: (...) عباد الصليب أو عباد (...) لم يكن معاندًا ولم يكن مؤيدًا فهذا ما حكمه؟

* الشيخ: لا، هؤلاء لو كانوا جاهلين عفا الله عنهم، لكن هم الآن بعد بعثة الرسول عليه الصلاة والسلام كانوا معاندين ما (...) الجهل.

* الطالب: (...) معاندون ولا..؟

* الشيخ: لا، نقول: معاندون ما فيه شك، النصارى معاندون، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ يَهُودِيٌّ وَلَا نَصْرَانِيٌّ، ثُمَّ لَا يُؤْمِنُ بِمَا جِئْتُ بِهِ إِلَّا كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ»أخرجه مسلم (١٥٣ / ٢٤٠) من حديث أبي هريرة..

* طالب: في قوله تعالى: ﴿فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ [الكهف ٧٧] فهل هذا دليل على أن للجمادات إرادة؟

* الشيخ: إي نعم، ﴿يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ الجمادات لها إرادة، أليس النبي ﷺ قال: «هَذَا أُحُدٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ»متفق عليه؛ البخاري (٤٤٢٢)، ومسلم (١٣٩٢ / ٥٠٣) من حديث أبي حميد الساعدي رضي الله عنه.؟ أجب.

* الطالب: نعم.

* الشيخ: أليس قال هكذا؟ أليس تسبيح الحصى يسمع بين يدي الرسول عليه الصلاة والسلام؟أخرجه البزار (٤٠٤٤)، والطبراني في الأوسط (١٢٤٤)، من حديث أبي ذر. أليس الله يقول: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ …

Al-Maaida 5:42Listen in Qur'an →
43

وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِندَهُمُ ٱلتَّوْرَىٰةُ فِيهَا حُكْمُ ٱللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ ۚ وَمَآ أُو۟لَٰٓئِكَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ

But how is it that they come to you for judgement while they have the Torah, in which is the judgement of Allah? Then they turn away, [even] after that; but those are not [in fact] believers.

ثم قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ﴾ (كيف) هنا استفهام، والمراد به التعجيب؛ يعني اعجَبْ، كيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله وهم يَدَّعون أنهم مؤمنون بها؟ فإن هذا من التناقض، إذا كان لديهم كتاب يهتدون به ويدعون أنه هو كتابهم وشريعتهم ودينهم فكيف يتحاكمون إلى غيره؛ هذا مما يوجب الشبه في تحكيمهم للرسول عليه الصلاة والسلام وأنهم ما أرادوا الحق، لو أرادوا الحق لرجعوا إلى الكتاب الذي عندهم لأنهم يعتقدون أنه أيش؟ حق، ﴿كَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ﴾.

إذن المسألة الآن مسألة اشتباه وأنهم لم يريدوا حقيقة التحكيم، وهذا هو الواقع؛ لأنهم لما زنى منهم الزانيان أَتَوْا إلى الرسول عليه الصلاة والسلام يريدون أن يوافقهم فيما أحدثوا هم في عقوبة هذه الفاحشة، فأمر النبي ﷺ برجم الزانيين، ثم أنكروا ذلك وقالوا: هذا خلاف ما عندنا. ما الذي عندكم؟ قالوا: عندنا أنا نسوِّد وجوه الزانيين ونطوف بهما في الأسواق خزيًا وعارًا، فأخبره عبد الله بن سلام أو غيره بأن التوراة تنص على أن الزانيين يُرجمَان، فقال: «ائْتُوا بِالتَّوْرَاةِ» فأتوا بها وجعل القارئ يقرأ ووضع يده على آية الرجم، فقال له عبد الله بن سلام: ارفع يدك؛ لأن عبد الله بن سلام من أحبار اليهود، فرفع يده وإذا فيها آية الرجم توافق ما حكم به النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فقال النبي ﷺ:« اللَّهُمَّ إِنِّي أَوَّلُ مَنْ أَقَام» َ، أظنه:« حُكْمَكَ بَعْدَ أَنْ أَمَاتُوه» ُ، أو: «مَنْ أَحْيَا حُكْمَكَ بَعْدَ أَنْ أَمَاتُوه» ُ.

فالله عز وجل يعجِّب الرسول عليه الصلاة والسلام؛ ﴿كَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ يعني: بعد أن حكموك وحكمت تولوا وأبوا حتى جيء بالتوراة فإذا هي مطابقة تمامًا لحكم النبي ﷺ.

وقوله: ﴿مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ المشار إليه التحكيم.

﴿وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ يعني: ما هؤلاء بالمؤمنين، وأتى بأولاء مقرونة بالكاف الدالة على بُعْد المشار إليه، وهذا لدُنُوِّ منزلتهم وليس لعلوها؛ يعني: ما هؤلاء المنحطون الذين نزلوا إلى أسفل السافلين بالمؤمنين فهم لا آمنوا بالتوراة ولا آمنوا بمحمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم.

وإعراب هذه الجملة على من عنده فقه في العربية، مَن؟

* طالب: (ما) نافية تعمل عمل ليس.

(أولئك) اسم إشارة مبنيٌّ على الكسر في محل رفع اسم (ما) والكاف زائدة؟

* الشيخ: زائدة!

* الطالب: يعني: للخطاب.

* الشيخ: وهل تزاد الكاف؟ إن هذا لعِلْمٌ جديد! قل لي: نعم، قد تزاد يا رجل ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى ١١] بعض النحويين قال: إن الكاف زائدة.

* الطالب: الباء حرف جر.

* الشيخ: إذن، كمل، الكاف ويش تقول فيها؟ زائدة ولَّا حرف دال على الخطاب؟

* الطالب: دال على الخطاب، والباء حرف جر زائد. (المؤمنين) خبر (ما).

* الشيخ: خبر (ما)؟

* الطالب: مجرور.

* الشيخ: مجرور، خبر (ما)؟! ما تقول: تعمل عمل ليس؟!

* طالب: لا، هي مجرور بالباء، حرف جر زائد.

* الشيخ: ما يمكن تقول: خبر (ما) مجرور.

* الطالب: خبر (ما) مجرور، وعلامة نصبه الياء؛ لأنه جمع مذكر سالم.

* الشيخ: الياء العامل فيها حرف الجر الزائد.

* الطالب: ونقدر الإعراب.

* الشيخ: أيش هو، ياء مقدرة؟

* طالب: (...).

* الشيخ: أيش ما عندنا حركة.

* طالب: حركة الإعراب لحرف الجر الزائد.

* الشيخ: ما عندنا حركة، اللي عندنا ياء، وهي من علامات الإعراب الحرفية لا الحركية؛ يعني ياء مقدرة على الياء الج لوبة لحرف الجر الزائد.

لماذا لا نقول: ما دامت الياء هي الياء سواء كان الاسم منصوبًا أو مجرورًا؟

قالوا: لأجل إحكام القواعد، ولَّا حقيقة لم يتغير، اللفظ لم يتغير سواء قلت: إن الباء حرف جر زائد …

Al-Maaida 5:43Listen in Qur'an →
44

إِنَّآ أَنزَلْنَا ٱلتَّوْرَىٰةَ فِيهَا هُدًۭى وَنُورٌۭ ۚ يَحْكُمُ بِهَا ٱلنَّبِيُّونَ ٱلَّذِينَ أَسْلَمُوا۟ لِلَّذِينَ هَادُوا۟ وَٱلرَّبَّٰنِيُّونَ وَٱلْأَحْبَارُ بِمَا ٱسْتُحْفِظُوا۟ مِن كِتَٰبِ ٱللَّهِ وَكَانُوا۟ عَلَيْهِ شُهَدَآءَ ۚ فَلَا تَخْشَوُا۟ ٱلنَّاسَ وَٱخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا۟ بِـَٔايَٰتِى ثَمَنًۭا قَلِيلًۭا ۚ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْكَٰفِرُونَ

Indeed, We sent down the Torah, in which was guidance and light. The prophets who submitted [to Allah] judged by it for the Jews, as did the rabbis and scholars by that with which they were entrusted of the Scripture of Allah, and they were witnesses thereto. So do not fear the people but fear Me, and do not exchange My verses for a small price. And whoever does not judge by what Allah has revealed - then it is those who are the disbelievers.

ثم قال عز وجل: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ﴾ (إنا) معلوم أنها للجماعة ضمير جمع، لكنها إذا أضيفت إلى الله فالمراد بها التعظيم قطعًا؛ لأن الله سبحانه وتعالى إله واحد كما قال الله تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [البقرة ١٦٣]، وقال تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ﴾ [آل عمران ١٨].

وقوله: ﴿أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ﴾ أي: من أعلى؛ لأن الله تعالى أنزلها على موسى لكنه جل وعلا كتبها بيده بألواح نزلت من السماء على موسى عليه الصلاة والسلام وجاء بها مكتوبة بالألواح.

﴿فِيهَا هُدًى وَنُورٌ﴾ الهدى العلم والنور آثار هذا العلم؛ وذلك أن الإنسان كلما ازداد علمًا ازداد نورًا وبصيرة في دين الله عز وجل، فالهدى العلم والنور آثار العلم.

﴿يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ﴾ أي: بالتوراة وما فيها من الهدى والنور.

﴿النَّبِيُّونَ﴾ وفي قراءة: ﴿النَّبِيئُونَ﴾ فعلى قراءة ﴿النَّبِيئُونَ﴾ يكون مفردها نبيئًا، وتكون مشتقة من النبأ بمعنى الخبر، وعلى قراءة حذف الهمزة قيل: إنها مشتقة من النبوة وهو الشيء المرتفع؛ وذلك لارتفاع منزلة النبيين، وقيل: إنها من النبأ، لكن سُهِّلَت الهمزة فكانت ياء فصارت (النبي)، (النبيون).

والكل متفقون على أن الرسل عليهم الصلاة والسلام أنهم في أعلى مراتب الخلق وعلى أنهم أَتَوْا بالأنباء والأخبار، فيكون القولان متفقين في المعنى، وإنما قلنا: إن الرسل وكذلك الأنبياء أعلى مراتب الخلق؛ لقول الله تبارك وتعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾ [النساء ٦٩].

﴿الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا﴾ الذين أسلموا يعني الإسلام التام الذي هو إسلام القلب وإسلام اللسان وإسلام الجوارح؛ يعني الاستسلام لله ظاهرًا وباطنًا، ولا تعجب أن يوصف الأنبياء بالإسلام؛ لأن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام هم أقوى الناس استسلامًا لله عز وجل.

قال الله تبارك وتعالى عن يوسف: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [يوسف ١٠١]، وقال الله تعالى عن إبراهيم: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة ١٣١] فإسلام الأنبياء متضمن للإيمان؛ وذلك لأنه إسلام القلب واللسان والجوارح.

﴿الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا﴾ متعلقة بـ ﴿يَحْكُمُ﴾ يعني يحكم بها هؤلاء الرسل لليهود.

﴿لِلَّذِينَ هَادُوا﴾ بمعنى رجعوا وذلك في توبتهم من عبادة العجل؛ فإن هذا رجوع إلى الله عز وجل.

﴿وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ﴾ قيل: إن الربانيين والأحبار العطف فيهما من باب عطف الصفات وأن الربانيين هم الأحبار، وقيل: بل بينهما فرق، الفرق أن الرباني هو الذي أتم العبودية لله وربَّى الناس عليها حتى وإن لم يصل إلى درجة الحَبْر بالنسبة للعلم.

و(الأحبار): هم الذين وصلوا إلى غاية كبيرة من العلم، فـ (الحبر) واسع العلم؛ قالوا: لأنه يتفق في الاشتقاق مع البحر، لكنه ليس بالاشتقاق التام الذي يتساوى فيه المشتق والمشتق منه في الحروف والترتيب؛ هذا يتساوى فيه المشتق والمشتق منه في الحروف دون الترتيب؛ لأن (حبر) (بحر) كل واحدة منهما حروفها ثلاثة متفقة، أليس كذلك؟

* الطلبة: بلى.

* الشيخ: وعلى هذا فيكون الحبر هو واسع العلم الذي عنده علم واسع، والربَّاني من دونه، لكنه يُرَبِّي الناس على عبادة الله عز وجل ويربيهم أيضًا على العلم.

وقد قيل في غير هذه الآية: إن الربَّاني هو العالم الذي يربي الناس بصغار العلم قبل كباره؛ لأن هذا لا شك أنه من الحكمة، وأنه أقرب وسيلة إلى حصول العلم أن يربى الطالب بصغار العلم قبل كباره.

قال: ﴿بِمَا اسْتُحْفِظُوا﴾، ﴿يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ …

Al-Maaida 5:44Listen in Qur'an →
45

وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَآ أَنَّ ٱلنَّفْسَ بِٱلنَّفْسِ وَٱلْعَيْنَ بِٱلْعَيْنِ وَٱلْأَنفَ بِٱلْأَنفِ وَٱلْأُذُنَ بِٱلْأُذُنِ وَٱلسِّنَّ بِٱلسِّنِّ وَٱلْجُرُوحَ قِصَاصٌۭ ۚ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِۦ فَهُوَ كَفَّارَةٌۭ لَّهُۥ ۚ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ

And We ordained for them therein a life for a life, an eye for an eye, a nose for a nose, an ear for an ear, a tooth for a tooth, and for wounds is legal retribution. But whoever gives [up his right as] charity, it is an expiation for him. And whoever does not judge by what Allah has revealed - then it is those who are the wrongdoers.

طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة ٤٥].

* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا﴾ إلى آخره، وأظن لم نكمل فوائد الآية التي قبلها، أليس كذلك؟

* طالب: لا، كملناها يا شيخ.

* الشيخ: لا، ما كملناها، إذا كنا كملناها، فما الفرق بين الخشية والخوف؟

* طالب: الخشية أخص من الخوف.

* الشيخ: إي، ما الفرق؟

* الطالب: الفرق أن الخشية تكون عن علم، وأما الخوف فلا، الفرق الأول، الفرق الثاني..

* الشيخ: الفرق الأول: الخشية مع علم، والخوف؟

* الطالب: قد يكون..

* الشيخ: نعم، قد يكون لا، والثاني؟

* الطالب: الفرق الثاني: أن الخشية تكون لعظمة المَخْشِيِّ، وأما الخوف قد يكون لضعف الخائف..

* الشيخ: لضعف الخائف، وإن لم يكن المَخُوفُ قويًّا.

الثالث: أن الخشية أكمل من الخوف؛ ولهذا كانت ألفاظها الخاء والشين والياء كلها مشتقة من الشيء القوي.

قوله: ﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ معنى (لا تشتروا بها)؟

* طالب: المرادفة.

* الشيخ: لا لا.

* طالب: لا تستبدلوا.

* الشيخ: وما المراد بالثمن القليل؟

* الطالب: عرض الدنيا.

* الشيخ: عرض الدنيا من جاه أو رئاسة أو مال أو غير ذلك، كلها قليل كما قال تعالى: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ﴾ [النساء ٧٧].

﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ هذه أخذنا فوائدها؟

* الطلبة: لا يا شيخ.

* الشيخ: إذن، هذه الآية من أَشْكَلِ ما يكون على أهل العلم في قوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ فمن العلماء من قال: هذه في اليهود خاصة؛ لأن الآيات في سياق التثريب على اليهود، فكأن الله قال: إن هؤلاء اليهود كفار.

ومن العلماء من قال: إنها أصلها في اليهود لكنها عامة لأن لفظ (مَنْ) صريح في العموم ﴿مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾.

والصحيح أنها عامة؛ لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.

ولكن هل المعنى فأولئك هم الكافرون فيما حكموا فيه، أو الكافرون الخارجون عن الملة؟

هذه محل خلاف أيضًا؛ فمن العلماء من قال: أولئك هم الكافرون فيما حكموا به كقول النبي ﷺ: «اثْنَتَانِ فِي النَّاسِ هُمَا بِهِمْ كُفْرٌ: الطَّعْنُ فِي النَّسَبِ، وَالنِّيَاحَةُ عَلَى الْمَيِّتِ»أخرجه مسلم (٦٧ / ١٢١) من حديث أبي هريرة. مع أن هذا لا يخرج من الإسلام، فعليه يكون المعنى هم الكافرون بما أيش؟

* الطلبة: حكموا به.

* الشيخ: حكموا به فقط، لا الخارجون عن الملة.

وقيل: هم الكافرون أي: الموصوفون بالكفر المخرج عن الملة، ولكن الأدلة دلت على أن هذا مشروط بقيود أو أنه مُقَيَّد بشروط؛ الأول: أن يكون الحاكم عالمًا بحكم الله، والثاني: أن يكون عالمًا بمخالفة هذا الحكم لحكم الله.

الشيخ: قال: أولئك هم الكافرون فيما حكموا به، كقول النبي ﷺ: «اثْنَتَانِ فِي النَّاسِ هُمَا بِهِمْ كُفْرٌ: الطَّعْنُ فِي النَّسَبِ، وَالنِّيَاحَةُ عَلَى الْمَيِّتِ»أخرجه مسلم (٦٧ / ١٢١) من حديث أبي هريرة.، مع أن هذا لا يخرج من الإسلام، فعليه يكون المعنى: هم الكافرون بما، أيش؟

* طلبة: حكموا به.

* الشيخ: بما حكموا به فقط، لا الخارجون عن الملة، وقيل: ﴿هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة ٤٤]، أي: الموصوفون بالكفر الْمُخرِج عن الملَّة، ولكن الأدلة دلَّت على أن هذا مشروط بقيود، أو أنه مُقيَّد بشروط:

الأول: أن يكون الحاكم عالمًا بحكم الله. …

Al-Maaida 5:45Listen in Qur'an →
46

وَقَفَّيْنَا عَلَىٰٓ ءَاثَٰرِهِم بِعِيسَى ٱبْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًۭا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ ٱلتَّوْرَىٰةِ ۖ وَءَاتَيْنَٰهُ ٱلْإِنجِيلَ فِيهِ هُدًۭى وَنُورٌۭ وَمُصَدِّقًۭا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ ٱلتَّوْرَىٰةِ وَهُدًۭى وَمَوْعِظَةًۭ لِّلْمُتَّقِينَ

And We sent, following in their footsteps, Jesus, the son of Mary, confirming that which came before him in the Torah; and We gave him the Gospel, in which was guidance and light and confirming that which preceded it of the Torah as guidance and instruction for the righteous.

ثم قال الله تعالى: ﴿وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ إلى آخره [المائدة: ٤٦].

﴿قَفَّيْنَا﴾ أي: أرسلنا عيسى بن مريم قافيًا لمن سبقه، أي: مُتَّبِعًا لمن سبقه، مأخوذ من القفا؛ لأن الْمُتَّبِع لآثار من سبقه يمشي في قفاه، ﴿قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ﴾ أي: على آثار الرسل السابقين.

﴿بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾، وهو آخر أنبياء بني إسرائيل، وليس بينه وبين النبي ﷺ رسول، ولهذا جعله قافيًا لمن سبقه، ونُسِبَ إلى أمه؛ لأنه ليس له أب.

﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ﴾، ﴿مُصَدِّقًا﴾ حال من (عيسى)، يعني: حال كونه مصدقًا لما بين يديه من التوراة، وتصديقه لما بين يديه من التوراة له معنيان؛ المعنى الأول: أنه يصدِّق التوراة ويقول: إنها حق. والمعنى الثاني: أنه يصدِّق خبرها، حيث كان عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام مذكورًا فيها.

وقوله: ﴿لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ أي: لما سبقه، ﴿مِنَ التَّوْرَاةِ﴾، وهي الكتاب الذي أنزله الله على موسى عليه الصلاة والسلام.

﴿وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ﴾: أعطيناه الإنجيل زائدًا على تصديق ما بين يديه من التوراة، فتكون شريعة عيسى مكوَّنة من شريعة التوراة وشريعة الإنجيل، ولهذا لا يعتبر الإنجيل كتابًا مستقلًّا، بل هو تابع للتوراة، ليس فيه من الأحكام إلا شيء قليل، لكن غالبه مواعظ وقصص وعِبَر.

﴿وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ﴾، ﴿فِيهِ﴾ أي: في الإنجيل، ﴿هُدًى﴾ أي: علم، ﴿وَنُورٌ﴾ أي: أثر نافع يستنير به القلب.

﴿وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ﴾، قوله: ﴿مُصَدِّقًا﴾ هذه عائدة على الإنجيل، والأولى: ﴿وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ عائد على عيسى، فيكون عيسى مصدقًا لما بين يديه من التوراة، وكذلك الكتاب الذي نزل عليه، وهو الإنجيل.

﴿وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ أي: وجعل الله سبحانه وتعالى هذا الإنجيل هدى وموعظة، ولهذا أكثر ما فيه المواعظ والعِبَر والقصص، أما الأحكام فغالبها مُستمَدٌّ من؟

* طالب: من التوراة.

* الشيخ: من التوراة.

وقوله: ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾، أولًا: ﴿هُدًى﴾ هو العلم، الموعظة: ما تتعظ به القلوب، وهو الإخبار المقرون بالترغيب والترهيب، فكل خبر قُرِنَ بترغيب أو ترهيب فإنه موعظة، كما كان الصحابة يقولون: «وَعَظَنَا رسول الله ﷺ موعظة وَجِلَت منها القلوب، وذَرَفَت منها العيون»أخرجه أبو داود (٤٦٠٧)، والترمذي (٢٦٧٦)، وابن ماجه (٤٢) من حديث العرباض بن سارية..

وقوله: ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ أي: الذين اتقوا الله عز وجل، وتقوى الله تعالى: هي امتثال أمره واجتناب نهيه، وسُمِّيَت تقوى؛ لأن الإنسان يتقي بها عذاب الله تعالى.

* ففي هذه الآية فوائد، منها: أن عيسى عليه الصلاة والسلام آخر الأنبياء؛ لقوله: ﴿وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾، وليس بعده نبي يقفوه إلا محمد بن عبد الله الهاشمي القرشي عليه الصلاة والسلام.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن من ليس له أب يُنْسَب إلى أمه؛ لأن الله تعالى ينسب عيسى بن مريم إلى أمه؛ لأنه ليس له أب.

فإن قال قائل: ما مثال الذي ليس له أب؟ قلنا: له أمثلة منها: أن يزني رجل بامرأة، فتأتي منه بولد، فهنا الولد ليس للزاني؛ لقول النبي ﷺ: «لِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ»متفق عليه؛ البخاري (٢٠٥٣)، ومسلم (١٤٥٧ / ٣٦) من حديث عائشة، فلا يُنْسَب إلى الزاني ولا يرث منه، ولا يرثه الزاني، ولا يتحمل عنه العقل، ولا غير ذلك، المهم أن هذا ليس له أب.

ومنها: أن يلاعِن الرجل امرأتَه؛ لاتهامه إياها بالزنا، وينتفي من ولدها، فيقول: ليس الولد مني، فحينئذٍ يكون له أم وليس له أب.

واختلف العلماء رحمهم الله فيما لو استلحق الزاني الولدَ المخلوق من مائه، وليس له معارض، هل يُلْحَق به أو لا؟ فمنهم من قال: إنه لا يُلحَق به؛ لعموم قوله النبي ﷺ: «وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ».

ومنهم من …

Al-Maaida 5:46Listen in Qur'an →
47

وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ ٱلْإِنجِيلِ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فِيهِ ۚ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْفَٰسِقُونَ

And let the People of the Gospel judge by what Allah has revealed therein. And whoever does not judge by what Allah has revealed - then it is those who are the defiantly disobedient.

ثم قال الله عز وجل: ﴿وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ﴾ في قوله: ﴿وَلْيَحْكُمْ﴾ قراءتان: القراءة الأولى: ما هو مثبت، وهو سكون اللام وسكون الميم: ﴿وَلْيَحْكُمْ﴾، والقراءة الثانية: كسر اللام وفتح الميم، والتقدير: ﴿وَلِيَحْكُمَ﴾ .

فعلى القراءة الأولى: تكون اللام، لام الأمر، وعلى القراءة الثانية: تكون اللام لام التعليل التي يعبر عنها أحيانًا بـ(لام كي).

ولننظر الإعراب على الوجهين: ﴿وَلْيَحْكُمْ﴾ تكون أمرًا من الله عز وجل بأن يحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه، ولكن هذا الأمر هل هو مقول لقول محذوف؛ أي: وقلنا: وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه، أو أنه أمر ابتدائي؟ قيل: هذا وهذا، ومتى دار الأمر بين التقدير وعدمه فالأولى عدم التقدير.

أما على القراءة الثانية ﴿وَلِيَحْكُمَ﴾ ، فتكون تعليلًا لقول الله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ﴾ يعني: ليصدق ما بين يديه من التوراة وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه.

والحكم: هو بيان الحكم والإلزام به، يعني: بمعنى القضاء، فالقضاء بيان للحكم وإلزام به، والفتوى: بيان للحكم بدون إلزام.

﴿أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ﴾ ﴿بِمَا﴾ أي: بالذي أنزل الله فيه من الأحكام.

و(ما) أيش إعرابها؟ ﴿بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ شرطية، ولَّا نافية؟

* طالب: (...).

* الشيخ: موصولة بمعنى: بالذي أنزل الله فيه.

* * *

* طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (٤٦) وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤٧) وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ [المائدة ٤٦ - ٤٨].

* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ إلى آخره.

ما معنى قوله: ﴿وَقَفَّيْنَا﴾؟

* طالب: (...).

* الشيخ: ﴿آثَارِهِمْ﴾ آثار من؟

* طالب: (...).

* الشيخ: موسى ومن تبعه من النبيين الذين أسلموا.

لماذا نسبه إلى أمه؟

* طالب: (...).

* الشيخ: هل يؤخذ من هذا أنه إذا وجد ولد ليس له أب أن ينسب إلى أمه، يصح؟

* الطالب: (...).

* الشيخ: الإنجيل هل يعتبر كتابًا مستقلًا أو متممًا للتوراة؟

* الطالب: (...).

* الشيخ: متمم. هل هناك دليل؟

* الطالب: (...).

* الشيخ: لا، هذا ما هو دليل حتى القرآن..، أيش؟

* طالب: (...).

* الشيخ: نعم، ﴿وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [آل عمران ٥٠]، وأيضًا قال العلماء: إن أكثر ما في الإنجيل مواعظ وقصص وليس أحكامًا مستقلة، وهذا هو الواقع.

قوله: ﴿وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ﴾ إعراب ﴿وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ﴾؟

* طالب: (...).

* الشيخ: ﴿وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ﴾.

* الطالب: (...).

* الشيخ: يعني ومصدقًا أنت؟

* الطالب: (...).

* الشيخ: ما يستقيم (...)، هذه الأولى.

* الطالب: (...).

* الشيخ: (...) الإنجيل، …

Al-Maaida 5:47Listen in Qur'an →
48

وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ٱلْكِتَٰبَ بِٱلْحَقِّ مُصَدِّقًۭا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ ٱلْكِتَٰبِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ ۖ فَٱحْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ عَمَّا جَآءَكَ مِنَ ٱلْحَقِّ ۚ لِكُلٍّۢ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةًۭ وَمِنْهَاجًۭا ۚ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةًۭ وَٰحِدَةًۭ وَلَٰكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِى مَآ ءَاتَىٰكُمْ ۖ فَٱسْتَبِقُوا۟ ٱلْخَيْرَٰتِ ۚ إِلَى ٱللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًۭا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ

And We have revealed to you, [O Muhammad], the Book in truth, confirming that which preceded it of the Scripture and as a criterion over it. So judge between them by what Allah has revealed and do not follow their inclinations away from what has come to you of the truth. To each of you We prescribed a law and a method. Had Allah willed, He would have made you one nation [united in religion], but [He intended] to test you in what He has given you; so race to [all that is] good. To Allah is your return all together, and He will [then] inform you concerning that over which you used to differ.

ثم قال الله عز وجل: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ هذا آخر الكتب وأفضلها وأشرفها وأعمها وأنفعها وهو القرآن الكريم.

﴿أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾ والمراد بـ(الكتاب): القرآن، فهو (فِعَال) بمعنى (مفعول) أي: مكتوب، فهو مكتوب في اللوح المحفوظ، مكتوب بأيدي الملائكة السفرة، مكتوب في المصاحف التي بين أيدينا، وسمي بذلك؛ لأنه جمعت فيه الأحكام الشرعية والأخبار الصادقة والقصص النافعة، وأصل الكتب: الجمع، ومنه: الكتيبة، لطائفة مجتمعة من الجيش.

وقوله: ﴿بِالْحَقِّ﴾ حال من الكتاب؛ أي: حال كونه متلبسًا بالحق، فيكون ما جاء به القرآن متضمنًا للحق، هذا وجه من معناه.

الوجه الثاني: أنزلناه بالحق؛ أي: أنه حق من عند الله عز وجل، فتكون الباء للتعدية في ﴿أنزلنا﴾، يعني: أنزلناه إنزالًا حقًّا، قال الله تعالى: ﴿وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ﴾ [الإسراء ١٠٥].

﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ﴾ والذي بين يديه من الكتاب ليس التوراة والإنجيل فقط بل هما أقرب الكتب إليه، لكن جميع الكتب قد صدَّقها، قال الله تبارك وتعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ [الحديد ٢٥]، فهو مصدّق لكل ما سبقه من الكتب؛ ولهذا لا يأتي بعده كتاب.

وقوله: ﴿وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ معطوف على ﴿مُصَدِّقًا﴾، و﴿مُصَدِّقًا﴾ هذه حال من ﴿الْكِتَابَ﴾، فيكون ﴿الْكِتَابَ﴾ هو المهيمن، ﴿وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ أي: على ما بين يديه من الكتاب.

ومعنى الهيمنة قيل: معناها الشاهد؛ أي: شاهد عليه، وهذا فيه نظر؛ لأن (شاهدًا) يغني عنها (مصدقًا). وقيل: الهيمنة بمعنى: السيطرة والحكم؛ أي أنه حاكم على ما سبقه من الكتب، مسيطر عليها، ناسخ لها، وهذا المعنى أصح؛ لأن القرآن مهيمن على كل الكتب السابقة.

إذن ﴿مُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ الصواب: أنه مسيطر وحاكم وناسخ لما سبق؛ ولهذا فَاتْلُ عليه قوله: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ يعني: فبناء على ذلك احكم بينهم؛ أي بين أهل الكتاب وبين المسلمين، ﴿بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ يعني والمراد به القرآن.

فإذا تحاكموا إلينا حكمنا بينهم بالقرآن؛ لأن القرآن مهيمن مسيطر على ما سبق، يُعارِض ولا يُعارَض، ويَحكُم ولا يُحكَم عليه.

﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ﴾ هذا القول موجه من الله عز وجل إلى رسوله عليه الصلاة والسلام مع أننا نعلم علم اليقين أنه لن يفعل ذلك، أليس كذلك؟ لكن ليعتبر الناس أنه إذا كان محمد رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ينهاه ربُّه مرسلُه عن اتباع أهوائهم عما جاءهم من الحق فكيف بغيره؟

ومعنى قوله: ﴿وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ ولم يقل: شيعتهم أو نحوها؛ لأنهم على هوًى، وليسوا على هدًى، فكفرهم بما جاء به محمد ﷺ هوًى ليس عن عقل ولا عن شرع.

وقوله: ﴿عَمَّا جَاءَكَ﴾ متعلقة بمحذوف، والتقدير: عادلًا عما جاءك من الحق، وهذا أحسن من أن يقدر فيه: معرضًا عما جاء به؛ لأن تقديره (معرضًا) فيه شيء من الشدة، لكن (عادلًا) أخف، المعنى واحد لكن ينبغي استعمال الألفاظ المناسبة.

إذن ﴿عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ﴾ نقول: هو متعلق بأيش؟ بمحذوف، التقدير: عادلًا عما جاءك من الحق، ولم يقل: عما جاءك أو عما نزل، بل قال: ﴿مِنَ الْحَقِّ﴾؛ ليتبين أن ما جاء به الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم حق لا يمكن العدول عنه إلى غيره.

﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ ﴿لِكُلٍّ﴾ يقول النحويون: إن التنوين هنا عوض، أيش التقدير؟ لكل أمة جعلنا منكم أو لكل واحدٍ، المهم أن هذا تنوين عوض عن محذوف؛ عن كلمة.

﴿جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً …

Al-Maaida 5:48Listen in Qur'an →
49

وَأَنِ ٱحْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ وَٱحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَنۢ بَعْضِ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ إِلَيْكَ ۖ فَإِن تَوَلَّوْا۟ فَٱعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ ۗ وَإِنَّ كَثِيرًۭا مِّنَ ٱلنَّاسِ لَفَٰسِقُونَ

And judge, [O Muhammad], between them by what Allah has revealed and do not follow their inclinations and beware of them, lest they tempt you away from some of what Allah has revealed to you. And if they turn away - then know that Allah only intends to afflict them with some of their [own] sins. And indeed, many among the people are defiantly disobedient.

ثم قال الله عز وجل: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ يعني: وأنزلنا إليك الكتاب فاحكم بينهم بما أنزل الله، ﴿وَأَنِ احْكُمْ﴾ معطوفة على قوله: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾.

﴿وَأَنِ احْكُمْ﴾ الخطاب للرسول عليه الصلاة والسلام، وفي (أن) قراءتان: الضم، والكسر؛ ﴿وَأَنُ احْكُمْ﴾ ﴿وَأَنِ احْكُمْ﴾ كلاهما قراءتان سبعيتان، احكم بينهم إذا تنازعوا إليكم، ﴿بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ ولا تحكم بينهم بما عندهم.

وقد سبق أن بني النضير يرون لهم الفضل على بني قريظة، حتى إنهم في الديات يجعلون بني قريظة على النصف من بني النضير ويقولون: إذا قتل النضيري قرظيًّا فإنه لا يقتل، وإذا قتل القرظي نضيريًّا فإنه يقتل.

يتحاكمون إلى الرسول عليه الصلاة والسلام في هذا وأمثاله ويريدون منه أن يحكم به، ولكن الله تعالى نهاه عن ذلك فقال: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾؛ لأن ما أصّلوه من هذا الأصل الباطل هوًى محضٌ، وإلَّا فحكم الله بين الخلق سواء.

﴿وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ شوف هذا كلام الله مع الرسول، احذرهم يعني: كن معهم على حذر، وتخوف ﴿أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾.

في إعراب ﴿أَنْ يَفْتِنُوكَ﴾ وجهان: الوجه الأول: أن تكون بدل اشتمال من (الهاء) في قوله: ﴿وَاحْذَرْهُمْ﴾، والتقدير: واحذرهم فتنتهم، وتعرفون أن البدل ينقسم إلى خمسة أقسام، الخامس: البدل اللفظي، فيكون التقدير على هذا: احذرهم أيش؟ فتنتهم؛ لأن (أن) وما دخلت عليها في تأويل مصدر.

والوجه الثاني: أن تكون (أن) وما دخلت عليها في تأويل مصدر منصوبة بنزع الخافض، والتقدير: واحذرهم من أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك، وكلا الوجهين في الإعراب معناهما واحد.

ومعنى ﴿أَنْ يَفْتِنُوكَ﴾ أي: يصدّوك عن بعض ما أنزل الله إليك، والفتنة بمعنى الصد جاءت في القرآن، مثل قول الله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ﴾ [البروج ١٠] فتنوا بمعنى أيش؟ بمعنى صدوا، إذن ﴿أن يفتنوك﴾ أن يصدُّوك.

﴿عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ وإذا كان التحذير عن بعض ما أنزل فعن الجميع من باب أولى، ﴿عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ عن حكمك بما أنزل الله، ﴿فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ﴾ وهذه الإرادة إرادة كونية بمعنى المشيئة، ﴿أَنْ يُصِيبَهُمْ﴾ أن يلحق بهم المصيبة بالإعراض، ﴿بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ﴾ لا بكلها، وبعض الذنوب مثل ما ذكرنا قبل قليل أن بني النضير يحكمون بالجور فيما بينهم وبين بني قريظة، ﴿بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ﴾ والذنب: ما خالف به الإنسان ربه فهو ذنب، سواء كان بترك الواجب أو بفعل محرم.

﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ﴾ الجملة هذه كالتسلية للرسول عليه الصلاة والسلام بألَّا يحزن؛ لأن كثيرًا من الناس فاسقون، لكن (اللام) في قوله: ﴿لَفَاسِقُونَ﴾ للتوكيد، وفاسقون بمعنى خارجون عن طاعة الله، مأخوذة في الاشتقاق من قولهم: فَسَقَت الثمرة، إذا خرجت من كُمِّها.

* في هذه الآية الكريمة فوائد؛ منها: وجوب الحكم بما أنزل الله عند تحاكم أهل الكتاب إلينا؛ لقوله: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾، حتى وإن كان عندهم قوانين تخالف الحكم الشرعي فإننا لا نرجع إليهم، حتى وإن أقاموا الدنيا ضدنا، فإننا لا نهتم به ما دمنا على صراط المستقيم، فإن الله يقول: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد ٧].

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: النهي عن اتباع أهواء الكافرين …

Al-Maaida 5:49Listen in Qur'an →
50

أَفَحُكْمَ ٱلْجَٰهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ۚ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ ٱللَّهِ حُكْمًۭا لِّقَوْمٍۢ يُوقِنُونَ

Then is it the judgement of [the time of] ignorance they desire? But who is better than Allah in judgement for a people who are certain [in faith].

قال الله تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ الاستفهام هنا للإنكار والتعجيب، يعني أن الله تعالى أنكر عليهم ذلك، وأراد منا أن نتعجب من هذا الذي يبغونه، و(الفاء) هنا وقعت بعد أداة استفهام، ومن المعلوم أن أداة الاستفهام لها أصل في الكلام، وهنا لا نجد شيئًا بين الهمزة و(الفاء)، فكيف يتوجه العطف بالفاء على شيء ليس بموجود؟ في هذا رأيان للنحويين:

الرأي الأول: أنه كلما جاء حرف العطف بعد الهمزة فإن هناك جملة مقدرة تناسب المقام، وهذا جيد من جهة لكنه صعب من جهة أخرى؛ إذ إنه يصعب على الإنسان أن يعرف ما الذي يقدر، وأحيانًا يشق عليك ذلك كثيرًا، أو تعجز أن تقدر شيئًا مناسبًا.

والقول الثاني: أن (الفاء) مزحلقة عن مكانها، وأن أصلها قبل الهمزة، وعلى هذا فتكون الجملة التي دخلت عليها همزة الاستفهام معطوفة على الجملة السابقة، والتقدير: فأحكم الجاهلية، وهذا لا شك أنه أسهل لطالب العلم؛ ولأن الأصل عدم الحذف، صحيح أن هذا مخالف للأصل من حيث إن حرف العطف زحلق عن مكانه، لكنه أسهل من حيث إن الإنسان تبرأ ذمته إذا قال: إن هذه الجملة معطوفة على ما سبق.

وقوله: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ أضاف الله الحكم إلى الجاهلية، فما المراد به؟ هل المراد أحكام أهل الجاهلية كوأد البنات وما أشبه ذلك وتحريم بعض المحللات، أو أن المراد ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ يعني الحكم الموصوف بأنه جهل؟

نقول: كلا المعنيين حقّ، لكن الثاني أعمّ؛ لأنه يشمل كل حكم مبني على جهل، سواء كان من أحكام أهل الجاهلية الذين هم العرب أو من أحكام آخرين، وعلى هذا فيكون المعنى: أفحكم الجهل يبغون، والجهل هو عدم العلم، كل ما خالف الحق الذي هو حكم الله فهو جهل أو جهالة، إن كان عن غير علم فهو جهل، وإن كان عن علم ولكن خالف الحق متعمدًا فهو جهالة.

﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ أي: يطلبون، ولا يخفى أن (حكم) منصوب، وعامله (يبغون)، فهو مفعول مُقدّم لـ(يبغون)، يعني: أيطلبون حكم الجاهلية، وقدَّم المعمول لإفادة الحصر؛ يعني كأن هؤلاء لا يريدون إلا الحكم الجاهلي المبني على الجهل أو الجهالة؛ لأن القاعدة عندنا: أن تقديم ما حقه التأخير مفيد للحصر.

ثم قال: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا﴾ (مَنْ) اسم استفهام، لكن هذا الاستفهام بمعنى النفي؛ إذ إن معناه: لا أحسن من الله حكمًا، ولكن يأتي النفي بصيغة الاستفهام ليكون أبلغ؛ إذ إن النفي إذا جاء بصيغة الاستفهام فإنه يكون مشربًا بالتحدي؛ يعني كأن المتكلم يتحدى يقول: أروني حكمًا أحسن من حكم الله، فلهذا نقول: إذا جاء النفي بصيغة الاستفهام فإنه أبلغ من النفي المجرد؛ إذ إنه يتضمن النفي والتحدي.

﴿مَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا﴾؟ الجواب: لا أحد أحسن من الله حكمًا؛ لأن حكمه جل وعلا مبني على علم بما يصلح العباد، ومبني على رحمة بما ينفع العباد، لا يمكن أن يحكم على عباده تبارك وتعالى بشيء يكون ضررًا أو عاقبته ضررًا، أبدًا لا يمكن؛ لأنا نعلم أن حكمه صادر عن علم وحكمة ورحمة.

﴿مَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا﴾؟ الجواب: لا أحد أحسن، لكن لمن؟ ﴿لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ يوقنون بالله وبأسمائه وصفاته وبما تقتضي هذه الأسماء والصفات، هؤلاء لا يرون حكمًا أحسن من حكم الله.

أما من عنده ضعف في اليقين فإنه قد يرى أن حكم غير الله أيش؟ أحسن من حكم الله؛ ولهذا كان الخلفاء الراشدون كانوا لا يتعدون حكم الله أبدًا، حتى إن الواحد منهم يخاطب الخليفة إذا زلّ عن حكم الله خطأً، خاطبه وأخبره بالحق؛ لذلك نقول: إنَّ تبيُّنَ حسنِ حكم الله إنما يكون لمن؟ للموقنين.

أما ضعيفو اليقين فإنهم لا يرون أن حكم الله أحسن الأحكام، بل ربما يعتقدون أن حكم الله قد مضى عليه الدهر واختلفت الأمة واحتاجت إلى حكم جديد، وهؤلاء كأنهم يقولون بلسان الحال: إن محمدًا ليس خاتم النبيين؛ لأن دينه لا يشمل إصلاح العصر، إصلاح العصر …

Al-Maaida 5:50Listen in Qur'an →

Commentary: Tafsir Ibn 'Uthaymin by Muhammad ibn Salih al-'Uthaymin. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.