Muslim99Muslim99
← Tafsir library

5. Al-Maaida

The Table · Medinan · 120 ayahs

سُورَةُ المَائـِدَةِ

Reading Irshad al-'Aql al-Salim by Abu al-Su'ud

Ayahs 41–50 of 120

41

۞ يَٰٓأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ لَا يَحْزُنكَ ٱلَّذِينَ يُسَٰرِعُونَ فِى ٱلْكُفْرِ مِنَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓا۟ ءَامَنَّا بِأَفْوَٰهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ ۛ وَمِنَ ٱلَّذِينَ هَادُوا۟ ۛ سَمَّٰعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّٰعُونَ لِقَوْمٍ ءَاخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ ۖ يُحَرِّفُونَ ٱلْكَلِمَ مِنۢ بَعْدِ مَوَاضِعِهِۦ ۖ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَٰذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ فَٱحْذَرُوا۟ ۚ وَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ فِتْنَتَهُۥ فَلَن تَمْلِكَ لَهُۥ مِنَ ٱللَّهِ شَيْـًٔا ۚ أُو۟لَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ لَمْ يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ ۚ لَهُمْ فِى ٱلدُّنْيَا خِزْىٌۭ ۖ وَلَهُمْ فِى ٱلْءَاخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌۭ

O Messenger, let them not grieve you who hasten into disbelief of those who say, "We believe" with their mouths, but their hearts believe not, and from among the Jews. [They are] avid listeners to falsehood, listening to another people who have not come to you. They distort words beyond their [proper] usages, saying "If you are given this, take it; but if you are not given it, then beware." But he for whom Allah intends fitnah - never will you possess [power to do] for him a thing against Allah. Those are the ones for whom Allah does not intend to purify their hearts. For them in this world is disgrace, and for them in the Hereafter is a great punishment.

﴿يا أيُّها الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ في الكُفْرِ﴾ خُوطِبَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِعُنْوانِ الرِّسالَةِ لِلتَّشْرِيفِ والإشْعارِ بِما يُوجِبُ عَدَمَ الحُزْنِ. والمُسارَعَةُ في الشَّيْءِ: الوُقُوعُ فِيهِ بِسُرْعَةٍ ورَغْبَةٍ، وإيثارُ كَلِمَةِ " في " عَلى كَلِمَةٍ " إلى " الواقِعَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَسارِعُوا إلى مَغْفِرَةٍ مِن رَبِّكم وجَنَّةٍ﴾ إلَخْ؛ لِلْإيماءِ إلى أنَّهم مُسْتَقِرُّونَ في الكُفْرِ لا يَبْرَحُونَهُ، وإنَّما يَنْتَقِلُونَ بِالمُسارَعَةِ عَنْ بَعْضِ فُنُونِهِ وأحْكامِهِ إلى بَعْضٍ آخَرَ مِنها، كَإظْهارِ مُوالاةِ المُشْرِكِينَ، وإبْرازِ آثارِ الكَيْدِ لِلْإسْلامِ، ونَحْوِ ذَلِكَ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ يُسارِعُونَ في الخَيْراتِ﴾ فَإنَّهم مُسْتَمِرُّونَ عَلى الخَيْرِ، مُسارِعُونَ في أنْواعِهِ وأفْرادِهِ، والتَّعْبِيرُ عَنْهم بِالمَوْصُولِ لِلْإشارَةِ بِما في حَيِّزِ صِلَتِهِ إلى مَدارِ الحُزْنِ، وهَذا وإنْ كانَ بِحَسَبِ الظّاهِرِ نَهْيًا لِلْكَفَرَةِ عَنْ أنْ يُحْزِنُوهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِمُسارَعَتِهِمْ في الكُفْرِ، لَكِنَّهُ في الحَقِيقَةِ نَهْيٌ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَنِ التَّأثُّرِ مِن ذَلِكَ، والمُبالاةِ بِهِمْ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ وآكَدِهِ، فَإنَّ النَّهْيَ عَنْ أسْبابِ الشَّيْءِ ومَبادِيهِ المُؤَدِّيَةِ إلَيْهِ، نَهْيٌ عَنْهُ بِالطَّرِيقِ البُرْهانِيِّ، وقَلْعٌ لَهُ مِن أصْلِهِ، وقَدْ يُوَجَّهُ النَّهْيُ إلى المُسَبِّبِ، ويُرادُ بِهِ النَّهْيُ عَنِ السَّبَبِ، كَما في قَوْلِهِ: لا أرَيَنَّكَ هَهُنا، يُرِيدُ: نَهْيَ مُخاطَبِهِ عَنِ الحُضُورِ بَيْنَ يَدَيْهِ.

وَقُرِئَ: ( لا يُحْزِنْكَ ) مِن أحْزَنَهُ، مَنقُولًا مِن حَزِنَ بِكَسْرِ الزّاءِ. وقُرِئَ: ( يُسْرِعُونَ ) يُقالُ: أسْرَعَ فِيهِ الشَّيْبُ؛ أيْ: وقَعَ فِيهِ سَرِيعًا؛ أيْ: لا تَحْزَنْ ولا تُبالِ بِتَهافُتِهِمْ في الكُفْرِ بِسُرْعَةٍ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِنَ الَّذِينَ قالُوا آمَنّا بِأفْواهِهِمْ﴾ بَيانٌ لِلْمُسارِعِينَ في الكُفْرِ. وقِيلَ: مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن فاعِلِ يُسارِعُونَ. وقِيلَ: مِنَ المَوْصُولِ؛ أيْ: كائِنِينَ مِنَ الَّذِينَ ... إلَخْ. والباءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِقالُوا لا بِآمَنّا.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ مِن ضَمِيرِ " قالُوا " . وقِيلَ: عَطْفٌ عَلى " قالُوا " .

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ هادُوا﴾ عَطْفٌ عَلى " مِنَ الَّذِينَ قالُوا " ... إلَخْ، وبِهِ يَتِمُّ بَيانُ المُسارِعِينَ في الكُفْرِ بِتَقْسِيمِهِمْ إلى قِسْمَيْنِ: المُنافِقِينَ واليَهُودِ.

فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَمّاعُونَ لِلْكَذِبِ﴾ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ راجِعٍ إلى الفَرِيقَيْنِ، أوْ إلى المُسارِعِينَ، وأمّا رُجُوعُهُ إلى الَّذِينَ هادُوا فَمُخِلٌّ بِعُمُومِ الوَعِيدِ الآتِي ومَبادِيهِ لِلْكُلِّ، كَما سَتَقِفُ عَلَيْهِ، وكَذا جُعِلَ قَوْلُهُ: " ومِنَ الَّذِينَ " ... إلَخْ، خَبَرًا عَلى أنَّ قَوْلَهُ: " سَمّاعُونَ " صِفَةٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: ومِنهم قَوْمٌ سَمّاعُونَ إلَخْ؛ لِأدائِهِ إلى اخْتِصاصِ ما عُدِّدَ مِنَ القَبائِحِ، وما يَتَرَتَّبُ عَلَيْها مِنَ الغَوائِلِ الدُّنْيَوِيَّةِ والأُخْرَوِيَّةِ بِهِمْ؛ فالوَجْهُ ما ذُكِرَ أوَّلًا؛ أيْ: هم سَمّاعُونَ، واللّامُ إمّا لِتَقْوِيَةِ العَمَلِ، وإمّا لِتَضْمِينِ السَّماعِ مَعْنى القَبُولِ، وإمّا لامُ " كَيْ " والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ، والمَعْنى: هم مُبالِغُونَ في سَماعِ الكَذِبِ، أوْ في قَبُولِ ما يَفْتَرِيهِ أحْبارُهم مِنَ الكَذِبِ عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَحْرِيفِ كِتابِهِ، أوْ سَمّاعُونَ أخْبارَكم …

Al-Maaida 5:41Listen in Qur'an →
42

سَمَّٰعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّٰلُونَ لِلسُّحْتِ ۚ فَإِن جَآءُوكَ فَٱحْكُم بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ ۖ وَإِن تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَن يَضُرُّوكَ شَيْـًۭٔا ۖ وَإِنْ حَكَمْتَ فَٱحْكُم بَيْنَهُم بِٱلْقِسْطِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُقْسِطِينَ

[They are] avid listeners to falsehood, devourers of [what is] unlawful. So if they come to you, [O Muhammad], judge between them or turn away from them. And if you turn away from them - never will they harm you at all. And if you judge, judge between them with justice. Indeed, Allah loves those who act justly.

﴿سَمّاعُونَ لِلْكَذِبِ﴾ خَبَرٌ آخَرُ لِلْمُبْتَدَأِ المُقَدَّرِ، كُرِّرَ تَأْكِيدًا لِما قَبْلَهُ وتَمْهِيدًا لِما بَعْدَهُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أكّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾، وهو أيْضًا خَبَرٌ آخَرُ لِلْمُقَدَّرِ وارِدٌ عَلى طَرِيقَةِ الذَّمِّ، أوْ بِناءً عَلى أنَّ المُرادَ بِالكَذِبِ: ما يَفْتَعِلُهُ الرّاشُونَ عِنْدَ الأكّالِينَ. و" السُّحْتُ " بِضَمِّ السِّينِ وسُكُونِ الحاءِ في الأصْلِ: كُلُّ ما لا يَحِلُّ كَسْبُهُ، وقِيلَ: هو الحَرامُ مُطْلَقًا، مِن سَحَتَهُ: إذا اسْتَأْصَلَهُ، سُمِّيَ بِهِ لِأنَّهُ مَسْحُوتُ البَرَكَةِ، والمُرادُ بِهِ هَهُنا: إمّا الرِّشا الَّتِي كانَ يَأْخُذُها المُحَرِّفُونَ عَلى تَحْرِيفِهِمْ، وسائِرِ أحْكامِهِمُ الزّائِغَةِ، وهو المَشْهُورُ، أوْ ما كانَ يَأْخُذُهُ فُقَراؤُهم مِن أغْنِيائِهِمْ مِنَ المالِ، لِيُقِيمُوا عَلى اليَهُودِيَّةِ كَما قِيلَ، وإمّا مُطْلَقُ الحَرامِ المُنْتَظِمِ لِما ذُكِرَ انْتِظامًا أوَّلِيًّا. وقُرِئَ: ( لِلسُّحُتِ ) بِضَمِّ السِّينِ والحاءِ، وبِفَتْحِهِما، وبِفَتْحِ السِّينِ وسُكُونِ الحاءِ، وبِكَسْرِ السِّينِ وسُكُونِ الحاءِ، وعَنِ النَّبِيِّ ﷺ: " «كُلُّ لَحْمٍ أنْبَتَهُ السُّحْتُ فالنّارُ أوْلى بِهِ» " .

﴿فَإنْ جاءُوكَ﴾ لَمّا بَيَّنَ تَفاصِيلَ أُمُورِهِمُ الواهِيَةِ، وأحْوالِهِمُ المُخْتَلِفَةِ المُوجِبَةِ لِعَدَمِ المُبالاةِ بِهِمْ، وبِأفاعِيلِهِمْ حَسْبَما أمَرَ بِهِ ﷺ، خُوطِبَ ﷺ بِبَعْضِ ما يَبْتَنِي عَلَيْهِ مِنَ الأحْكامِ بِطَرِيقِ التَّفْرِيعِ. والفاءُ فَصِيحَةٌ؛ أيْ: وإذا كانَ حالُهم كَما شُرِحَ، فَإنْ جاءُوكَ مُتَحاكِمِينَ إلَيْكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهم مِنَ الخُصُوماتِ ﴿فاحْكم بَيْنَهم أوْ أعْرِضْ عَنْهُمْ﴾، غَيْرَ مُبالٍ بِهِمْ، ولا خائِفٍ مِن جِهَتِهِمْ أصْلًا.

وَهَذا كَما تَرى تَخْيِيرٌ لَهُ ﷺ بَيْنَ الأمْرَيْنِ، فَقِيلَ: هو في أمْرٍ خاصٍّ، هو ما ذُكِرَ مِن زِنا المُحْصَنِ. وقِيلَ: «فِي قَتِيلٍ قُتِلَ مِنَ اليَهُودِ في بَنِي قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ، فَتَحاكَمُوا إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقالَ بَنُو قُرَيْظَةَ: إخْوانُنا بَنُو النَّضِيرِ، أبُونا واحِدٌ، ودِينُنا واحِدٌ، ونَبِيُّنا واحِدٌ، وإذا قَتَلُوا مِنّا قَتِيلًا لَمْ يَرْضَوْا بِالقَوَدِ، وأعْطَوْنا سَبْعِينَ وسْقًا مِن تَمْرٍ، وإذا قَتَلْنا مِنهم قَتَلُوا القاتِلَ، وأخَذُوا مِنّا الضِّعْفَ مِائَةً وأرْبَعِينَ وسْقًا مِن تَمْرٍ، وإنْ كانَ القَتِيلُ امْرَأةً قَتَلُوا بِها الرَّجُلَ مِنّا، وبِالرَّجُلِ مِنهُمُ الرَّجُلَيْنِ مِنّا، وبِالعَبْدِ مِنهُمُ الحُرَّ مِنّا، فاقْضِ بَيْنَنا، فَجَعَلَ ﷺ الدِّيَةَ سَواءً» . وقِيلَ: وهو عامٌّ في جَمِيعِ الحُكُوماتِ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا، فَمِن قائِلٍ: إنَّهُ ثابِتٌ، وهو المَرْوِيُّ عَنْ عَطاءٍ، والنَّخَعِيِّ، والشَّعْبِيِّ، وقَتادَةَ، وأبِي بَكْرٍ الأصَمِّ، وأبِي مُسْلِمٍ. وقائِلٍ: إنَّهُ مَنسُوخٌ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، والحَسَنِ، ومُجاهِدٍ، وعِكْرِمَةَ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: لَمْ يُنْسَخْ مِنَ المائِدَةِ إلّا آيَتانِ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ﴾ نَسَخَها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ﴾، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنْ جاءُوكَ فاحْكم بَيْنَهم أوْ أعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ نَسَخَها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنِ احْكم بَيْنَهم بِما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ وعَلَيْهِ مَشايِخُنا.

﴿وَإنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ بَيانٌ لِحالِ الأمْرَيْنِ إثْرَ تَخْيِيرِهِ ﷺ بَيْنَهُما، وتَقْدِيمُ حالِ الإعْراضِ لِلْمُسارَعَةِ إلى بَيانِ أنْ لا ضَرَرَ فِيهِ، حَيْثُ كانَ مَظِنَّةُ الضَّرَرِ لِما أنَّهم كانُوا لا يَتَحاكَمُونَ إلَيْهِ ﷺ، إلّا لِطَلَبِ الأيْسَرِ والأهْوَنِ عَلَيْهِمْ، …

Al-Maaida 5:42Listen in Qur'an →
43

وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِندَهُمُ ٱلتَّوْرَىٰةُ فِيهَا حُكْمُ ٱللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ ۚ وَمَآ أُو۟لَٰٓئِكَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ

But how is it that they come to you for judgement while they have the Torah, in which is the judgement of Allah? Then they turn away, [even] after that; but those are not [in fact] believers.

﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وعِنْدَهُمُ التَّوْراةُ فِيها حُكْمُ اللَّهِ﴾ تَعْجِيبٌ مِن تَحْكِيمِهِمْ لِمَن لا يُؤْمِنُونَ بِهِ وبِكِتابِهِ، والحالُ أنَّ الحُكْمَ مَنصُوصٌ عَلَيْهِ في كِتابِهِمُ الَّذِي يَدَّعُونَ الإيمانَ بِهِ، وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّهم ما قَصَدُوا بِالتَّحْكِيمِ مَعْرِفَةَ الحَقِّ وإقامَةَ الشَّرْعِ، وإنَّما طَلَبُوا بِهِ ما هو أهْوَنُ عَلَيْهِمْ، وإنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ حُكْمَ اللَّهِ عَلى زَعْمِهِمْ، فَقَوْلُهُ تَعالى: " ﴿وَعِنْدَهُمُ التَّوْراةُ﴾ " حالٌ مِن فاعِلِ " يُحَكِّمُونَكَ "، وقَوْلُهُ تَعالى: " ﴿فِيها حُكْمُ اللَّهِ﴾ " حالٌ مِنَ " التَّوْراةِ "، إنْ جُعِلَتْ مُرْتَفِعَةً بِالظَّرْفِ، وإنْ جُعِلَتْ مُبْتَدَأً فَهو حالٌ مِن ضَمِيرِها المُسْتَكِنِّ في الخَبَرِ. وقِيلَ: اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ أنَّ عِنْدَهم ما يُغْنِيهِمْ عَنِ التَّحْكِيمِ، وتَأْنِيثُها لِكَوْنِها نَظِيرَةَ المُؤَنَّثِ في كَلامِهِمْ، كَمَوْماةٍ ودَوْداةٍ.

﴿ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ﴾ عَطْفٌ عَلى " ﴿يُحَكِّمُونَكَ﴾ " داخِلٌ في حُكْمِ التَّعْجِيبِ، و" ﴿ثُمَّ﴾ " لِلتَّراخِي في الرُّتْبَةِ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن بَعْدِ ذَلِكَ﴾؛ أيْ: مِن بَعْدِ ما حَكَّمُوكَ، تَصْرِيحٌ بِما عُلِمَ قَطْعًا لِتَأْكِيدِ الِاسْتِبْعادِ والتَّعْجِيبِ؛ أيْ: ثُمَّ يُعْرِضُونَ عَنْ حُكْمِكَ المُوافِقِ لِكِتابِهِمْ مِن بَعْدِ ما رَضَوْا بِحُكْمِكَ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما أُولَئِكَ بِالمُؤْمِنِينَ﴾ تَذْيِيلٌ مُقَرِّرٌ لِفَحْوى ما قَبْلَهُ، ووُضِعَ اسْمُ الإشارَةِ مَوْضِعَ ضَمِيرِ هم لِلْقَصْدِ إلى إحْضارِهِمْ في الذِّهْنِ بِما وُصِفُوا بِهِ مِنَ القَبائِحِ؛ إيماءً إلى عِلَّةِ الحُكْمِ وإلى أنَّهم قَدْ تَمَيَّزُوا بِذَلِكَ عَنْ غَيْرِهِمْ أكْمَلَ تَمْيِيزٍ، حَتّى انْتَظَمُوا في سِلْكَ الأُمُورِ المُشاهَدَةِ، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإيذانِ بِبُعْدِ دَرَجَتِهِمْ في العُتُوِّ والمُكابَرَةِ؛ أيْ: وما أُولَئِكَ المَوْصُوفُونَ بِما ذُكِرَ بِالمُؤْمِنِينَ؛ أيْ: بِكِتابِهِمْ لِإعْراضِهِمْ عَنْهُ أوَّلًا، وعَنْ حُكْمِكَ المُوافِقِ لَهُ ثانِيًا، أوْ بِهِما. وقِيلَ: وما أُولَئِكَ بِالكامِلِينَ في الإيمانِ، تَهَكُّمًا بِهِمْ.

Al-Maaida 5:43Listen in Qur'an →
44

إِنَّآ أَنزَلْنَا ٱلتَّوْرَىٰةَ فِيهَا هُدًۭى وَنُورٌۭ ۚ يَحْكُمُ بِهَا ٱلنَّبِيُّونَ ٱلَّذِينَ أَسْلَمُوا۟ لِلَّذِينَ هَادُوا۟ وَٱلرَّبَّٰنِيُّونَ وَٱلْأَحْبَارُ بِمَا ٱسْتُحْفِظُوا۟ مِن كِتَٰبِ ٱللَّهِ وَكَانُوا۟ عَلَيْهِ شُهَدَآءَ ۚ فَلَا تَخْشَوُا۟ ٱلنَّاسَ وَٱخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا۟ بِـَٔايَٰتِى ثَمَنًۭا قَلِيلًۭا ۚ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْكَٰفِرُونَ

Indeed, We sent down the Torah, in which was guidance and light. The prophets who submitted [to Allah] judged by it for the Jews, as did the rabbis and scholars by that with which they were entrusted of the Scripture of Allah, and they were witnesses thereto. So do not fear the people but fear Me, and do not exchange My verses for a small price. And whoever does not judge by what Allah has revealed - then it is those who are the disbelievers.

﴿إنّا أنْزَلْنا التَّوْراةَ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ سِيقَ لِبَيانِ عُلُوِّ شَأْنِ التَّوْراةِ، ووُجُوبِ مُراعاةِ أحْكامِها، وأنَّها لَمْ تَزَلْ مَرْعِيَّةً فِيما بَيْنَ الأنْبِياءِ، ومَن يَقْتَدِي بِهِمْ كابِرًا عَنْ كابِرٍ، مَقْبُولَةً لِكُلِّ أحَدٍ مِنَ الحُكّامِ والمُتَحاكِمِينَ، مَحْفُوظَةً عَنِ المُخالَفَةِ والتَّبْدِيلِ تَحْقِيقًا لِما وُصِفَ بِهِ المُحَرِّفُونَ مِن عَدَمِ إيمانِهِمْ بِها، وتَقْرِيرًا لِكُفْرِهِمْ وظُلْمِهِمْ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِيها هُدًى ونُورٌ﴾ حالٌ مِنَ التَّوْراةِ، فَإنَّ ما فِيها مِنَ الشَّرائِعِ والأحْكامِ مِن حَيْثُ إرْشادُها لِلنّاسِ إلى الحَقِّ الَّذِي لا مَحِيدَ عَنْهُ هُدًى، ومِن حَيْثُ إظْهارُها وكَشْفُها ما اسْتَبْهَمَ مِنَ الأحْكامِ وما يَتَعَلَّقُ بِها مِنَ الأُمُورِ المَسْتُورَةِ بِظُلُماتِ الجَهْلِ نُورٌ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَحْكُمُ بِها النَّبِيُّونَ﴾؛ أيْ: أنْبِياءُ بَنِي إسْرائِيلَ. وقِيلَ: مُوسى ومَن بَعْدَهُ مِنَ الأنْبِياءِ. جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِرِفْعَةِ رُتْبَتِها وسُمُوِّ طَبَقَتِها، وقَدْ جَوَّزَ كَوْنَهُ حالًا مِنَ التَّوْراةِ، فَيَكُونُ حالًا مُقَدَّرَةً؛ أيْ: يَحْكُمُونَ بِأحْكامِها ويَحْمِلُونَ النّاسَ عَلَيْها، وبِهِ تَمَسَّكَ مَن ذَهَبَ إلى أنَّ شَرِيعَةَ مَن قَبْلَنا شَرِيعَةٌ لَنا ما لَمْ تُنْسَخْ. وتَقْدِيمُ الجارِّ والمَجْرُورِ عَلى الفاعِلِ لِما مَرَّ مِرارًا، مِنَ الِاعْتِناءِ بِشَأْنِ المُقَدَّمِ والتَّشْوِيقِ إلى المُؤَخَّرِ، ولِأنَّ في المُؤَخَّرِ وما يَتَعَلَّقُ بِهِ نَوْعَ طُولٍ رُبَّما يُخِلُّ تَقْدِيمُهُ بِتَجاوُبِ أطْرافِ النَّظْمِ الكَرِيمِ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ أسْلَمُوا﴾ صِفَةٌ أُجْرِيَتْ عَلى النَّبِيِّينَ عَلى سَبِيلِ المَدْحِ دُونَ التَّخْصِيصِ والتَّوْضِيحِ، لَكِنْ لا لِلْقَصْدِ إلى مَدْحِهِمْ بِذَلِكَ حَقِيقَةً، فَإنَّ النُّبُوَّةَ أعْظَمُ مِنَ الإسْلامِ قَطْعًا، فَيَكُونُ وصْفُهم بِهِ بَعْدَ وصْفِهِمْ بِها تَنَزُّلًا مِنَ الأعْلى إلى الأدْنى، بَلْ لِتَنْوِيهِ شَأْنِ الصِّفَةِ، فَإنَّ إبْرازَ وصْفٍ في مَعْرِضِ مَدْحِ العُظَماءِ مُنْبِئٌ عَنْ عِظَمِ قَدْرِ الوَصْفِ لا مَحالَةَ، كَما في وصْفِ الأنْبِياءِ بِالصَّلاحِ، ووَصْفِ المَلائِكَةِ بِالإيمانِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، ولِذَلِكَ قِيلَ: أوْصافُ الأشْرافِ أشْرافُ الأوْصافِ، وفِيهِ رَفْعٌ لِشَأْنِ المُسْلِمِينَ وتَعْرِيضٌ بِاليَهُودِ، وأنَّهم بِمَعْزِلٍ مِنَ الإسْلامِ، والِاقْتِداءِ بِدِينِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، لا سِيَّما مَعَ مُلاحَظَةِ ما وُصِفُوا بِهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِلَّذِينَ هادُوا﴾ وهو مُتَعَلِّقٌ بِيَحْكُمُ؛ أيْ: يَحْكُمُونَ فِيما بَيْنَهم، واللّامُ إمّا لِبَيانِ اخْتِصاصِ الحُكْمِ بِهِمْ أعَمُّ مِن أنْ يَكُونَ لَهم أوْ عَلَيْهِمْ، كَأنَّهُ قِيلَ: لِأجْلِ الَّذِينَ هادُوا، وإمّا لِلْإيذانِ بِنَفْعِهِ لِلْمَحْكُومِ عَلَيْهِ أيْضًا بِإسْقاطِ التَّبِعَةِ عَنْهُ، وإمّا لِلْإشْعارِ بِكَمالِ رِضاهم بِهِ وانْقِيادِهِمْ لَهُ، كَأنَّهُ أمْرٌ نافِعٌ لِكِلا الفَرِيقَيْنِ، فَفِيهِ تَعْرِيضٌ بِالمُحَرِّفِينَ. وقِيلَ: التَّقْدِيرُ: لِلَّذِينِ هادُوا وعَلَيْهِمْ، فَحُذِفَ ما حُذِفَ لِدَلالَةِ ما ذُكِرَ عَلَيْهِ. وقِيلَ: هو مُتَعَلِّقٌ بِأنْزَلْنا. وقِيلَ: بِهُدًى ونُورٌ، وفِيهِ فَصْلٌ بَيْنَ المَصْدَرِ ومَعْمُولِهِ. وقِيلَ: مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لَهُما؛ أيْ: هُدًى ونُورٌ كائِنانِ لِلَّذِينِ هادُوا.

﴿والرَّبّانِيُّونَ والأحْبارُ﴾؛ أيِ: الزُّهّادُ والعُلَماءُ مِن ولَدِ هارُونَ الَّذِينَ التَزَمُوا طَرِيقَةَ النَّبِيِّينَ، وجانَبُوا دِينَ اليَهُودِ. وعَنِ ابْنِ …

Al-Maaida 5:44Listen in Qur'an →
45

وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَآ أَنَّ ٱلنَّفْسَ بِٱلنَّفْسِ وَٱلْعَيْنَ بِٱلْعَيْنِ وَٱلْأَنفَ بِٱلْأَنفِ وَٱلْأُذُنَ بِٱلْأُذُنِ وَٱلسِّنَّ بِٱلسِّنِّ وَٱلْجُرُوحَ قِصَاصٌۭ ۚ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِۦ فَهُوَ كَفَّارَةٌۭ لَّهُۥ ۚ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ

And We ordained for them therein a life for a life, an eye for an eye, a nose for a nose, an ear for an ear, a tooth for a tooth, and for wounds is legal retribution. But whoever gives [up his right as] charity, it is an expiation for him. And whoever does not judge by what Allah has revealed - then it is those who are the wrongdoers.

﴿وَكَتَبْنا﴾ عَطْفٌ عَلى " أنْزَلْنا التَّوْراةَ " .

﴿عَلَيْهِمْ﴾؛ أيْ: عَلى الَّذِينَ هادُوا. وقُرِئَ: ( وأنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ ) .

﴿فِيها﴾؛ أيْ: في التَّوْراةِ.

﴿أنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ أنْ تُقادَ بِها إذا قَتَلَها بِغَيْرِ حَقٍّ.

﴿والعَيْنَ﴾ تُفْقَأُ ﴿بِالعَيْنِ﴾ إذا فُقِئَتْ بِغَيْرِ حَقٍّ.

﴿والأنْفَ﴾ يُجْدَعُ ﴿بِالأنْفِ﴾ المَقْطُوعِ بِغَيْرِ حَقٍّ.

﴿والأُذُنَ﴾ تُصْلَمُ ﴿بِالأُذُنِ﴾ المَقْطُوعَةِ ظُلْمًا.

﴿والسِّنَّ﴾ تُقْلَعُ ﴿بِالسِّنِّ﴾ المَقْلُوعَةِ بِغَيْرِ حَقٍّ.

﴿والجُرُوحَ قِصاصٌ﴾؛ أيْ: ذاتُ قِصاصٍ إذا كانَتْ بِحَيْثُ تُعْرَفُ المُساواةُ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: أنَّهم كانُوا لا يَقْتُلُونَ الرَّجُلَ بِالمَرْأةِ، فَنَزَلَتْ. وقُرِئَ: ( وإنَّ الجُرُوحَ قِصاصٌ ) . وقُرِئَ: ( والعَيْنُ ) إلى آخِرِهِ بِالرَّفْعِ، عَطْفًا عَلى مَحَلِّ " أنَّ النَّفْسَ "؛ لِأنَّ المَعْنى: كَتَبْنا عَلَيْهِمُ النَّفْسُ بِالنَّفْسِ، إمّا لِإجْراءِ " كَتَبْنا " مَجْرى قُلْنا، وإمّا لِأنَّ مَعْنى الجُمْلَةِ الَّتِي هي قَوْلُكَ: النَّفْسُ بِالنَّفْسِ، مِمّا يَقَعُ عَلَيْهِ الكَتْبُ، كَما يَقَعُ عَلَيْهِ القِراءَةُ، تَقُولُ: كَتَبْتُ الحَمْدُ لِلَّهِ، وقَرَأْتُ: ﴿سُورَةٌ أنْزَلْناها﴾ .

﴿فَمَن تَصَدَّقَ﴾؛ أيْ: مِنَ المُسْتَحِقِّينَ.

﴿بِهِ﴾؛ أيْ: بِالقَصاصِ؛ أيْ: فَمَن عَفا عَنْهُ، والتَّعْبِيرُ عَنْهُ بِالتَّصَدُّقِ لِلْمُبالَغَةِ في التَّرْغِيبِ فِيهِ.

﴿فَهُوَ﴾؛ أيِ: التَّصَدُّقُ.

﴿كَفّارَةٌ لَهُ﴾؛ أيْ: لِلْمُتَصَدِّقِ يُكَفِّرُ اللَّهُ تَعالى بِها ذُنُوبَهُ. وقِيلَ: لِلْجانِي إذا تَجاوَزَ عَنْهُ صاحِبُ الحَقِّ، سَقَطَ عَنْهُ ما لَزِمَهُ. وقُرِئَ: ( فَهو كَفّارَتُهُ لَهُ )؛ أيْ: فالمُتَصَدِّقُ كَفّارَتُهُ الَّتِي يَسْتَحِقُّها بِالتَّصَدُّقِ لَهُ لا يَنْقُصُ مِنها شَيْءٌ، وهو تَعْظِيمٌ لِما فَعَلَ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأجْرُهُ عَلى اللَّهِ﴾ .

﴿وَمَن لَمْ يَحْكُمْ﴾ كائِنًا مَن كانَ، فَيَتَناوَلُ مَن لا يَرى قَتْلَ الرَّجُلِ بِالمَرْأةِ مِنَ اليَهُودِ تَناوُلًا بَيِّنًا.

﴿بِما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ مِنَ الأحْكامِ والشَّرائِعِ كائِنًا ما كانَ، فَيَدْخُلُ فِيها الأحْكامُ المَحْكِيَّةُ دُخُولًا أوَّلِيًّا.

﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ المُبالِغُونَ في الظُّلْمِ، المُتَعَدُّونَ لِحُدُودِهِ تَعالى، الواضِعُونَ لِلشَّيْءِ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ، والجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ مُقَرِّرٌ لِإيجابِ العَمَلِ بِالأحْكامِ المَذْكُورَةِ.

Al-Maaida 5:45Listen in Qur'an →
46

وَقَفَّيْنَا عَلَىٰٓ ءَاثَٰرِهِم بِعِيسَى ٱبْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًۭا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ ٱلتَّوْرَىٰةِ ۖ وَءَاتَيْنَٰهُ ٱلْإِنجِيلَ فِيهِ هُدًۭى وَنُورٌۭ وَمُصَدِّقًۭا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ ٱلتَّوْرَىٰةِ وَهُدًۭى وَمَوْعِظَةًۭ لِّلْمُتَّقِينَ

And We sent, following in their footsteps, Jesus, the son of Mary, confirming that which came before him in the Torah; and We gave him the Gospel, in which was guidance and light and confirming that which preceded it of the Torah as guidance and instruction for the righteous.

﴿وَقَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ أحْكامِ الإنْجِيلِ إثْرَ بَيانِ أحْكامِ التَّوْراةِ، وهو عَطْفٌ عَلى " أنْزَلْنا التَّوْراةَ "؛ أيْ: آثارِ التَّبْيِينِ المَذْكُورَيْنِ، يُقالُ: قَفَّيْتُهُ بِفُلانٍ: إذا أتْبَعْتَهُ إيّاهُ، فَحُذِفَ المَفْعُولُ لِدَلالَةِ الجارِّ والمَجْرُورِ عَلَيْهِ؛ أيْ: قَفَّيْناهم.

﴿بِعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ﴾؛ أيْ: أرْسَلْناهُ عَقِبَهم.

﴿مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ﴾ حالٌ مِن عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ.

﴿وَآتَيْناهُ الإنْجِيلَ﴾ عَطْفٌ عَلى " قَفَّيْنا "، وقُرِئَ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ.

﴿فِيهِ هُدًى ونُورٌ﴾ كَما في التَّوْراةِ، وهو في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى أنَّهُ حالٌ مِنَ " الإنْجِيلِ "؛ أيْ: كائِنًا فِيهِ ذَلِكَ، كَأنَّهُ قِيلَ: مُشْتَمِلًا عَلى هُدًى ونُورٍ، وتَنْوِينُ " هُدًى ونُورٌ " لِلتَّفْخِيمِ، ويَنْدَرِجُ في ذَلِكَ شَواهِدُ نُبُوَّتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ.

﴿وَمُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ﴾ عَطْفٌ عَلَيْهِ داخِلٌ في حُكْمِ الحالِيَّةِ، وتَكْرِيرُ " ما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ " لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ.

﴿وَهُدًى ومَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ عَطْفٌ عَلى " مُصَدِّقًا "، مُنْتَظِمٌ مَعَهُ في سِلْكِ الحالِيَّةِ، جُعِلَ كُلُّهُ هُدًى بَعْدَ ما جُعِلَ مُشْتَمِلًا عَلَيْهِ، حَيْثُ قِيلَ: هُدًى، وتَخْصِيصُ كَوْنِهِ " هُدًى ومَوْعِظَةٌ بِالمُتَّقِينَ "؛ لِأنَّهُمُ المُهْتَدُونَ بِهُداهُ والمُنْتَفِعُونَ بِجَدْواهُ.

Al-Maaida 5:46Listen in Qur'an →
47

وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ ٱلْإِنجِيلِ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فِيهِ ۚ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْفَٰسِقُونَ

And let the People of the Gospel judge by what Allah has revealed therein. And whoever does not judge by what Allah has revealed - then it is those who are the defiantly disobedient.

﴿وَلْيَحْكم أهْلُ الإنْجِيلِ بِما أنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ﴾ أمْرٌ مُبْتَدَأٌ لَهم بِأنْ يَحْكُمُوا ويَعْمَلُوا بِما فِيهِ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها دَلائِلُ رِسالَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وشَواهِدُ نُبُوَّتِهِ، وما قَرَّرَتْهُ الشَّرِيعَةُ الشَّرِيفَةُ مِن أحْكامِهِ، وأمّا أحْكامُهُ المَنسُوخَةُ فَلَيْسَ الحُكْمُ بِها حُكْمًا بِما أنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ، بَلْ هو إبْطالٌ وتَعْطِيلٌ لَهُ؛ إذْ هو شاهِدٌ بِنَسْخِها وانْتِهاءِ وقْتِ العَمَلِ بِها؛ لِأنَّ شَهادَتَهُ بِصِحَّةٍ ما يَنْسَخُها مِنَ الشَّرِيعَةِ شَهادَةٌ بِنَسْخِها، وبِأنَّ أحْكامَهُ ما قَرَّرَتْهُ تِلْكَ الشَّرِيعَةُ الَّتِي شَهِدَ بِصِحَّتِها، كَما سَيَأْتِي في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أهْلَ الكِتابِ لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ حَتّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ والإنْجِيلَ﴾ الآيَةَ.

وَقِيلَ: هو حِكايَةٌ لِلْأمْرِ الوارِدِ عَلَيْهِمْ بِتَقْدِيرِ فِعْلٍ مَعْطُوفٍ عَلى " آتَيْناهُ "؛ أيْ: وقُلْنا: لِيَحْكم أهْلُ الإنْجِيلِ ... إلَخْ. وقُرِئَ: ( وأنْ لِيَحْكم ) عَلى أنَّ ( أنْ ) مَوْصُولَةٌ بِالأمْرِ، كَما في قَوْلِكَ: أمَرْتُهُ بِأنْ قُمْ، كَأنَّهُ قِيلَ: وآتَيْناهُ الإنْجِيلَ وأمَرْنا بِأنْ يَحْكُمَ أهْلُ الإنْجِيلِ ... إلَخْ. وقُرِئَ عَلى صِيغَةِ المُضارِعِ، ولامِ التَّعْلِيلِ عَلى أنَّها مُتَعَلِّقَةٌ بِمُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: ولْيَحْكم أهْلُ الإنْجِيلِ بِما أنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ آتَيْناهُ إيّاهُ. وقَدْ عُطِفَ عَلى " هُدًى ومَوْعِظَةٍ " عَلى أنَّهُما مَفْعُولٌ لَهُما، كَأنَّهُ قِيلَ: ولِلْهُدى والمَوْعِظَةِ آتَيْناهُ إيّاهُ ولِلْحُكْمِ بِما أنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ.

﴿وَمَن لَمْ يَحْكم بِما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ مُنْكِرًا لَهُ مُسْتَهِينًا بِهِ.

﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ المُتَمَرِّدُونَ الخارِجُونَ عَنِ الإيمانِ. والجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ السّابِقَةِ، ومُؤَكِّدٌ لِوُجُوبِ الِامْتِثالِ بِالأمْرِ، وفِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ الإنْجِيلَ مُشْتَمِلٌ عَلى الأحْكامِ، وأنَّ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ مُسْتَقِلًّا بِالشَّرْعِ، مَأْمُورًا بِالعَمَلِ بِما فِيهِ مِنَ الأحْكامِ، قَلَّتْ أوْ كَثُرَتْ، لا بِما في التَّوْراةِ خاصَّةً. وحَمْلُهُ عَلى مَعْنى: ولْيَحْكم بِما أنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ، مِن إيجابِ العَمَلِ بِأحْكامِ التَّوْراةِ خِلافُ الظّاهِرِ.

Al-Maaida 5:47Listen in Qur'an →
48

وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ٱلْكِتَٰبَ بِٱلْحَقِّ مُصَدِّقًۭا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ ٱلْكِتَٰبِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ ۖ فَٱحْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ عَمَّا جَآءَكَ مِنَ ٱلْحَقِّ ۚ لِكُلٍّۢ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةًۭ وَمِنْهَاجًۭا ۚ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةًۭ وَٰحِدَةًۭ وَلَٰكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِى مَآ ءَاتَىٰكُمْ ۖ فَٱسْتَبِقُوا۟ ٱلْخَيْرَٰتِ ۚ إِلَى ٱللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًۭا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ

And We have revealed to you, [O Muhammad], the Book in truth, confirming that which preceded it of the Scripture and as a criterion over it. So judge between them by what Allah has revealed and do not follow their inclinations away from what has come to you of the truth. To each of you We prescribed a law and a method. Had Allah willed, He would have made you one nation [united in religion], but [He intended] to test you in what He has given you; so race to [all that is] good. To Allah is your return all together, and He will [then] inform you concerning that over which you used to differ.

﴿وَأنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ﴾؛ أيِ: الفَرْدَ الكامِلَ الحَقِيقِيَّ بِأنْ يُسَمّى كِتابًا عَلى الإطْلاقِ؛ لِحِيازَتِهِ جَمِيعَ الأوْصافِ الكَمالِيَّةِ لِجِنْسِ الكِتابِ السَّماوِيِّ، وتَفَوُّقِهِ عَلى بَقِيَّةِ أفْرادِهِ، وهو القرآن الكَرِيمُ؛ فاللّامُ لِلْعَهْدِ والجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى " أنْزَلْنا " وما عُطِفَ عَلَيْهِ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِالحَقِّ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مُؤَكِّدَةً مِنَ الكِتابِ؛ أيْ: مُلْتَبِسًا بِالحَقِّ والصِّدْقِ، وقِيلَ: مِن فاعِلِ " أنْزَلْنا "، وقِيلَ: مِنَ الكافِ في " إلَيْكَ " .

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ حالٌ مِنَ الكِتابِ؛ أيْ: حالَ كَوْنِهِ مُصَدِّقًا لِما تَقَدَّمَهُ، إمّا مِن حَيْثُ أنَّهُ نازِلٌ حَسْبَما نَعَتْ فِيهِ، أوْ مِن حَيْثُ أنَّهُ مُوافِقٌ لَهُ في القَصَصِ والمَواعِيدِ، والدَّعْوَةِ إلى الحَقِّ والعَدْلِ بَيْنَ النّاسِ، والنَّهْيِ عَنِ المَعاصِي والفَواحِشِ. وأمّا ما يَتَراءى مِن مُخالَفَتِهِ لَهُ في بَعْضِ جُزْئِيّاتِ الأحْكامِ المُتَغَيِّرَةِ بِسَبَبِ تَغَيُّرِ الأعْصارِ، فَلَيْسَتْ بِمُخالَفَةٍ في الحَقِيقَةِ، بَلْ هي مُوافِقَةٌ لَها مِن حَيْثُ إنَّ كُلًّا مِن تِلْكَ الأحْكامِ حَقٌّ بِالإضافَةِ إلى عَصْرِهِ، مُتَضَمِّنٌ لِلْحِكْمَةِ الَّتِي عَلْيَها يَدُورُ أمْرُ الشَّرِيعَةِ، ولَيْسَ في المُتَقَدِّمِ دَلالَةٌ عَلى أبَدِيَّةِ أحْكامِهِ المَنسُوخَةِ حَتّى يُخالِفَهُ النّاسِخُ المُتَأخِّرُ، وإنَّما يَدُلُّ عَلى مَشْرُوعِيَّتِها مُطْلَقًا مِن غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِبَقائِها وزَوالِها، بَلْ نَقُولُ: هو ناطِقٌ بِزَوالِها لِما أنَّ النُّطْقَ بِصِحَّةٍ ما يَنْسَخُها نُطْقٌ بِنَسْخِها وزَوالِها.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِنَ الكِتابِ﴾ بَيانٌ لِما، واللّامُ لِلْجِنْسِ؛ إذِ المُرادُ: هو الكِتابُ السَّماوِيُّ، وهو بِهَذا العُنْوانِ جِنْسٌ بِرَأْسِهِ، وإنْ كانَ في نَفْسِهِ نَوْعًا مَخْصُوصًا مِن مَدْلُولِ لَفْظِ الكِتابِ. وعَنْ هَذا قالُوا: اللّامُ لِلْعَهْدِ، إلّا أنَّ ذَلِكَ لا يَنْتَهِي إلى خُصُوصِيَّةِ الفَرْدِيَّةِ، بَلْ إلى خُصُوصِيَّةِ النَّوْعِيَّةِ الَّتِي هي أخَصُّ مِن مُطْلَقِ الكِتابِ، وهو ظاهِرٌ، ومِنَ الكِتابِ السَّماوِيِّ أيْضًا، حَيْثُ خُصَّ بِما عَدا القرآن.

﴿وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾؛ أيْ: رَقِيبًا عَلى سائِرِ الكُتُبِ المَحْفُوظَةِ مِنَ التَّغْيِيرِ؛ لِأنَّهُ يَشْهَدُ لَها بِالصِّحَّةِ والثَّباتِ، ويُقَرِّرُ أُصُولَ شَرائِعِها، وما يَتَأبَّدُ مِن فُرُوعِها، ويُعَيِّنُ أحْكامَها المَنسُوخَةَ بِبَيانِ انْتِهاءِ مَشْرُوعِيَّتِها المُسْتَفادَةِ مِن تِلْكَ الكُتُبِ، وانْقِضاءِ وقْتِ العَمَلِ بِها، ولا رَيْبَ في أنَّ تَمْيِيزَ أحْكامِها الباقِيَةِ عَلى المَشْرُوعِيَّةِ أبَدًا عَمّا انْتَهى وقْتُ مَشْرُوعِيَّتِهِ، وخَرَجَ عَنْها مِن أحْكامِ كَوْنِهِ مُهَيْمِنًا عَلَيْهِ.

وَقُرِئَ: ( ومُهَيْمَنًا عَلَيْهِ ) عَلى صِيغَةِ المَفْعُولِ؛ أيْ: هُومِنَ عَلَيْهِ وحُوفِظَ مِنَ التَّغْيِيرِ والتَّبْدِيلِ، كَقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿لا يَأْتِيهِ الباطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ولا مِن خَلْفِهِ﴾ . والحافِظُ إمّا مِن جِهَتِهِ تَعالى، كَما في قَوْلِهِ: ﴿إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا الذِّكْرَ وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾، أوِ الحُفّاظُ في الأعْصارِ والأمْصارِ.

والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاحْكم بَيْنَهُمْ﴾ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها، فَإنَّ كَوْنَ شَأْنِ القرآن العَظِيمِ حَقًّا، مُصَدِّقًا لِما قَبْلَهُ مِنَ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ عَلى الأُمَمِ، مُهَيْمِنًا عَلَيْهِ مِن مُوجَباتِ الحُكْمِ المَأْمُورِ بِهِ؛ أيْ: إذا كانَ القرآن كَما ذُكِرَ، فاحْكم بَيْنَ أهْلِ الكِتابَيْنِ …

Al-Maaida 5:48Listen in Qur'an →
49

وَأَنِ ٱحْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ وَٱحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَنۢ بَعْضِ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ إِلَيْكَ ۖ فَإِن تَوَلَّوْا۟ فَٱعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ ۗ وَإِنَّ كَثِيرًۭا مِّنَ ٱلنَّاسِ لَفَٰسِقُونَ

And judge, [O Muhammad], between them by what Allah has revealed and do not follow their inclinations and beware of them, lest they tempt you away from some of what Allah has revealed to you. And if they turn away - then know that Allah only intends to afflict them with some of their [own] sins. And indeed, many among the people are defiantly disobedient.

﴿وَأنِ احْكم بَيْنَهم بِما أنْزَلَ اللَّهُ ولا تَتَّبِعْ أهْواءَهُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى " الكِتابِ "؛ أيْ: أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ والحُكْمَ بِما فِيهِ، والتَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ إنْزالِهِ تَعالى إيّاهُ لِتَأْكِيدِ وُجُوبِ الِامْتِثالِ بِالأمْرِ، أوْ عَلى الحَقِّ؛ أيْ: أنْزَلْناهُ بِالحَقِّ وبِأنِ احْكم.

وَحِكايَةُ إنْزالِ الأمْرِ بِهَذا الحُكْمِ بَعْدَ ما مَرَّ مِنَ الأمْرِ الصَّرِيحِ بِذَلِكَ، تَأْكِيدٌ لَهُ وتَمْهِيدٌ لِما يَعْقُبُهُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واحْذَرْهم أنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ ما أنْزَلَ اللَّهُ إلَيْكَ﴾؛ أيْ: يَصْرِفُوكَ عَنْ بَعْضِهِ، ولَوْ كانَ أقَلَّ قَلِيلٍ بِتَصْوِيرِ الباطِلِ بِصُورَةِ الحَقِّ، وإظْهارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ لِتَأْكِيدِ الأمْرِ بِتَهْوِيلِ الخَطْبِ، وأنْ بِصِلَتِهِ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن ضَمِيرِ هم؛ أيْ: احْذَرْ فِتْنَتَهم، أوْ مَفْعُولٌ لَهُ؛ أيْ: احْذَرْهم مَخافَةَ أنْ يَفْتِنُوكَ، وإعادَةُ ما أنْزَلَ اللَّهُ لِتَأْكِيدِ التَّحْذِيرِ بِتَهْوِيلِ الخَطْبِ.

رُوِيَ «أنَّ أحْبارَ اليَهُودِ قالُوا: اذْهَبُوا بِنا إلى مُحَمَّدٍ فَلَعَلَّنا نَفْتِنُهُ عَنْ دِينِهِ، فَذَهَبُوا إلَيْهِ ﷺ وقالُوا: يا أبا القاسِمِ؛ قَدْ عَرَفْتَ أنّا أحْبارُ اليَهُودِ، وأنّا إنِ اتَّبَعْناكَ اتَّبَعَنا اليَهُودُ كُلُّهم، وأنَّ بَيْنَنا وبَيْنَ قَوْمِنا خُصُومَةً فَنَتَحاكَمُ إلَيْكَ فَتَقْضِي لَنا عَلَيْهِمْ، ونَحْنُ نُؤْمِنُ بِكَ ونُصَدِّقُكَ؛ فَأبى ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَنَزَلَتْ» .

﴿فَإنْ تَوَلَّوْا﴾؛ أيْ: أعْرَضُوا عَنِ الحُكْمِ بِما أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى وأرادُوا غَيْرَهُ.

﴿فاعْلَمْ أنَّما يُرِيدُ اللَّهُ أنْ يُصِيبَهم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ﴾؛ أيْ: بِذَنْبِ تَوَلِّيهِمْ عَنْ حُكْمِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وإنَّما عَبَّرَ عَنْهُ بِذَلِكَ؛ إيذانًا بِأنَّ لَهم ذُنُوبًا كَثِيرَةً، هَذا مَعَ كَمالِ عَظَمَةِ واحِدٍ مِن جُمْلَتِها، وفي هَذا الإبْهامِ تَعْظِيمٌ لِلتَّوَلِّي، كَما في قَوْلِ لَبِيدٍ:

؎ أوْ يَرْتَبِطْ بَعْضَ النُّفُوسِ حِمامُها

يُرِيدُ بِهِ: نَفْسَهُ؛ أيْ: نَفْسًا كَبِيرَةً، ونَفْسًا أيَّ نَفْسٍ.

﴿وَإنَّ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ لَفاسِقُونَ﴾؛ أيْ: مُتَمَرِّدُونَ في الكُفْرِ مُصِرُّونَ عَلَيْهِ خارِجُونَ عَنِ الحُدُودِ المَعْهُودَةِ، وهو اعْتِراضٌ تَذْيِيلِيٌّ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَهُ.

Al-Maaida 5:49Listen in Qur'an →
50

أَفَحُكْمَ ٱلْجَٰهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ۚ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ ٱللَّهِ حُكْمًۭا لِّقَوْمٍۢ يُوقِنُونَ

Then is it the judgement of [the time of] ignorance they desire? But who is better than Allah in judgement for a people who are certain [in faith].

﴿أفَحُكْمَ الجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ إنْكارٌ وتَعْجِيبٌ مِن حالِهِمْ وتَوْبِيخٌ لَهم، والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ يَقْتَضِيهِ المَقامُ؛ أيْ: يَتَوَلَّوْنَ عَنْ حُكْمِكَ فَيَبْغُونَ حُكْمَ الجاهِلِيَّةِ، وتَقْدِيمُ المَفْعُولِ لِلتَّخْصِيصِ المُفِيدِ لِتَأْكِيدِ الإنْكارِ والتَّعْجِيبِ؛ لِأنَّ التَّوَلِّيَ عَنْ حُكْمِهِ ﷺ وطَلَبَ حُكْمٍ آخَرَ مُنْكَرٌ عَجِيبٌ، وطَلَبُ حُكْمِ الجاهِلِيَّةِ أقْبَحُ وأعْجَبُ، والمُرادُ بِالجاهِلِيَّةِ: إمّا المِلَّةُ الجاهِلِيَّةُ الَّتِي هي مُتابَعَةُ الهَوى المُوجِبَةُ لِلْمَيْلِ والمُداهَنَةِ في الأحْكامِ، فَيَكُونُ تَعْيِيرًا لِلْيَهُودِ بِأنَّهم مَعَ كَوْنِهِمْ أهْلَ كِتابٍ وعِلْمٍ يَبْغُونَ حُكْمَ الجاهِلِيَّةِ الَّتِي هي هَوًى وجَهْلٌ، لا يَصْدُرُ عَنْ كِتابٍ ولا يَرْجِعُ إلى وحْيِ، وإمّا أهْلُ الجاهِلِيَّةِ وحُكْمُهم ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ التَّفاضُلِ فِيما بَيْنَ القَتْلى، حَيْثُ رُوِيَ «أنَّ بَنِي النَّضِيرِ لَمّا تَحاكَمُوا إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في خُصُومَةِ قَتْلٍ وقَعَتْ بَيْنَهم وبَيْنَ بَنِي قُرَيْظَةَ، طَلَبُوا إلَيْهِ ﷺ أنْ يَحْكُمَ بَيْنَهم بِما كانَ عَلَيْهِ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ مِنَ التَّفاضُلِ، فَقالَ ﷺ: " القَتْلى سَواءٌ» "، فَقالَ بَنُو النَّضِيرِ: نَحْنُ لا نَرْضى بِذَلِكَ، فَنَزَلَتْ.

وَقُرِئَ بِرَفْعِ الحُكْمِ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ، و" يَبْغُونَ " خَبَرُهُ، والرّاجِعُ مَحْذُوفٌ، حَذَفَهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أهَذا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولا﴾، وقَدِ اسْتُضْعِفَ ذَلِكَ في غَيْرِ الشِّعْرِ. وقُرِئَ بِتاءِ الخِطابِ إمّا بِالِالتِفاتِ لِتَشْدِيدِ التَّوْبِيخِ، وإمّا بِتَقْدِيرِ القَوْلِ؛ أيْ: قُلْ لَهم: أفَحُكْمَ ... إلَخْ. وقُرِئَ بِفَتْحِ الحاءِ والكافِ؛ أيْ: أفَحُكّامًا كَحُكّامِ الجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ.

﴿وَمَن أحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا﴾ إنْكارٌ لِأنْ يَكُونَ أحَدٌ حُكْمُهُ أحْسَنُ مِن حُكْمِهِ تَعالى أوْ مُساوٍ لَهُ، وإنْ كانَ ظاهِرُ السَّبْكِ غَيْرَ مُتَعَرِّضٍ لِنَفْيِ المُساواةِ وإنْكارِها، وقَدْ مَرَّ تَفْصِيلُهُ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمَن أحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ﴾ .

﴿لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾؛ أيْ: عِنْدَهم، واللّامُ كَما في هَيْتَ لَكَ؛ أيْ: هَذا الِاسْتِفْهامُ لَهم، فَإنَّهُمُ الَّذِينَ يَتَدَبَّرُونَ الأُمُورَ بِأنْظارِهِمْ، فَيَعْلَمُونَ يَقِينًا أنَّ حُكْمَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ أحْسَنُ الأحْكامِ وأعْدَلُها.

Al-Maaida 5:50Listen in Qur'an →

Commentary: Irshad al-'Aql al-Salim by Abu al-Su'ud. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.