Muslim99Muslim99
← Tafsir library

5. Al-Maaida

The Table · Medinan · 120 ayahs

سُورَةُ المَائـِدَةِ

Reading Al-Bahr al-Muhit by Abu Hayyan al-Gharnati

Ayahs 41–50 of 120

41

۞ يَٰٓأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ لَا يَحْزُنكَ ٱلَّذِينَ يُسَٰرِعُونَ فِى ٱلْكُفْرِ مِنَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓا۟ ءَامَنَّا بِأَفْوَٰهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ ۛ وَمِنَ ٱلَّذِينَ هَادُوا۟ ۛ سَمَّٰعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّٰعُونَ لِقَوْمٍ ءَاخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ ۖ يُحَرِّفُونَ ٱلْكَلِمَ مِنۢ بَعْدِ مَوَاضِعِهِۦ ۖ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَٰذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ فَٱحْذَرُوا۟ ۚ وَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ فِتْنَتَهُۥ فَلَن تَمْلِكَ لَهُۥ مِنَ ٱللَّهِ شَيْـًٔا ۚ أُو۟لَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ لَمْ يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ ۚ لَهُمْ فِى ٱلدُّنْيَا خِزْىٌۭ ۖ وَلَهُمْ فِى ٱلْءَاخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌۭ

O Messenger, let them not grieve you who hasten into disbelief of those who say, "We believe" with their mouths, but their hearts believe not, and from among the Jews. [They are] avid listeners to falsehood, listening to another people who have not come to you. They distort words beyond their [proper] usages, saying "If you are given this, take it; but if you are not given it, then beware." But he for whom Allah intends fitnah - never will you possess [power to do] for him a thing against Allah. Those are the ones for whom Allah does not intend to purify their hearts. For them in this world is disgrace, and for them in the Hereafter is a great punishment.

﴿يا أيُّها الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ في الكُفْر مِنَ الَّذِينَ قالُوا آمَنّا بِأفْواهِهِمْ ولَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهم ومِنَ الَّذِينَ هادُوا سَمّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ مِن بَعْدِ مَواضِعِهِ يَقُولُونَ إنْ أُوتِيتُمْ هَذا فَخُذُوهُ وإنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فاحْذَرُوا ومَن يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهم لَهم في الدُّنْيا خِزْيٌ ولَهم في الآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ ﴿سَمّاعُونَ لِلْكَذِبِ أكّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإنْ جاءُوكَ فاحْكم بَيْنَهم أوْ أعْرِضْ عَنْهم وإنْ تُعْرِضْ عَنْهم فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وإنْ حَكَمْتَ فاحْكم بَيْنَهم بِالقِسْطِ إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ﴾ [المائدة: ٤٢] ﴿وكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وعِنْدَهُمُ التَّوْراةُ فِيها حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِن بَعْدِ ذَلِكَ وما أُولَئِكَ بِالمُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٤٣] ﴿إنّا أنْزَلْنا التَّوْراةَ فِيها هُدًى ونُورٌ يَحْكُمُ بِها النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أسْلَمُوا لِلَّذِينَ هادُوا والرَّبّانِيُّونَ والأحْبارُ بِما اسْتُحْفِظُوا مِن كِتابِ اللَّهِ وكانُوا عَلَيْهِ شُهَداءَ فَلا تَخْشَوُا النّاسَ واخْشَوْنِ ولا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَنًا قَلِيلًا ومَن لَمْ يَحْكم بِما أنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤] ﴿وكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ والعَيْنَ بِالعَيْنِ والأنْفَ بِالأنْفِ والأُذُنَ بِالأُذُنِ والسِّنَّ بِالسِّنِّ والجُرُوحَ قِصاصٌ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهو كَفّارَةٌ لَهُ ومَن لَمْ يَحْكم بِما أنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ [المائدة: ٤٥] ﴿وقَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ وآتَيْناهُ الإنْجِيلَ فِيهِ هُدًى ونُورٌ ومُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ وهُدًى ومَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٤٦] ﴿ولْيَحْكم أهْلُ الإنْجِيلِ بِما أنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ ومَن لَمْ يَحْكم بِما أنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٤٧] ﴿وأنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الكِتابِ ومُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فاحْكم بَيْنَهم بِما أنْزَلَ اللَّهُ ولا تَتَّبِعْ أهْواءَهم عَمّا جاءَكَ مِنَ الحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنكم شِرْعَةً ومِنهاجًا ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكم أُمَّةً واحِدَةً ولَكِنْ لِيَبْلُوَكم في ما آتاكم فاسْتَبِقُوا الخَيْراتِ إلى اللَّهِ مَرْجِعُكم جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ [المائدة: ٤٨] السَّحْتُ والسُّحُتُ، بِسُكُونِ الحاءِ وضَمِّها: الحَرامُ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّهُ يُسْحِتُ البَرَكَةَ؛ أيْ: يُذْهِبُها. يُقالُ: سَحَتَهُ اللَّهُ؛ أيْ: أهْلَكَهُ، ويُقالُ: أسْحَتَهُ، وقُرِئَ بِهِما في قَوْلِهِ: ﴿فَيُسْحِتَكم بِعَذابٍ﴾ [طه: ٦١] أيْ: يَسْتَأْصِلَكم يُهْلِكَكم، ومِنهُ قَوْلُ الفَرَزْدَقِ:

؎وعَضُّ زَمانٌ يا بْنَ مَرْوانَ لَمْ يَدَعْ مِنَ المالِ إلّا مُسْحَتًا أوْ مُجَلَّفُ

ومَصْدَرُ الثُّلاثِيِّ سَحَتٌ بِفَتْحَتَيْنِ، وسَحْتُ بِإسْكانِ الحاءِ. وقالَ الفَرّاءُ: أصْلُ السُّحْتِ كَلْبُ الجُوعِ ويُقالُ: فُلانٌ مَسْحُوتُ المَعِدَةِ إذا كانَ لا يُلْقى أبَدًا إلّا خائِفًا، وهو راجِعٌ لِمَعْنى الهَلاكِ.

الحَبْرُ: بِفَتْحِ الحاءِ وكَسْرِها، العالِمُ؛ وجَمْعُهُ الأحْبارُ. وكانَ أبُو عُبَيْدٍ يُنْكِرُ ذَلِكَ ويَقُولُ: هو بِفَتْحِ الحاءِ. وقالَ الفَرّاءُ: هو بِالكَسْرِ، واخْتارَ أبُو عُبَيْدٍ الفَتْحَ. …

Al-Maaida 5:41Listen in Qur'an →
42

سَمَّٰعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّٰلُونَ لِلسُّحْتِ ۚ فَإِن جَآءُوكَ فَٱحْكُم بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ ۖ وَإِن تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَن يَضُرُّوكَ شَيْـًۭٔا ۖ وَإِنْ حَكَمْتَ فَٱحْكُم بَيْنَهُم بِٱلْقِسْطِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُقْسِطِينَ

[They are] avid listeners to falsehood, devourers of [what is] unlawful. So if they come to you, [O Muhammad], judge between them or turn away from them. And if you turn away from them - never will they harm you at all. And if you judge, judge between them with justice. Indeed, Allah loves those who act justly.

﴿سَمّاعُونَ لِلْكَذِبِ أكّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ قالَ الحَسَنُ: يَسْمَعُونَ الكَلامَ مِمَّنْ يَكْذِبُ عِنْدَهم في دَعْواهُ فَيَأْتِيهِمْ بِرِشْوَةٍ فَيَأْخُذُونَها. وقالَ أبُو سُلَيْمانَ: هُمُ اليَهُودُ ويَسْمَعُونَ الكَذِبَ، وهو قَوْلُ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ: مُحَمَّدٌ كاذِبٌ لَيْسَ بِنَبِيٍّ، ولَيْسَ في التَّوْراةِ الرَّجْمُ، وهم يَعْلَمُونَ كَذِبَهم. وقِيلَ: الكَذِبُ هُنا شَهادَةُ الزُّورِ. انْتَهى. وهَذا الوَصْفُ إنْ كانَ قَوْلُهُ أوَّلًا: سَمّاعُونَ لِلْكَذِبِ، وصْفًا لِبَنِي إسْرائِيلَ.

وتَقَدَّمَ أنَّ السُّحْتَ: المالُ الحَرامُ. واخْتُلِفَ في المُرادِ بِهِ هُنا، فَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: إنَّهُ الرِّشْوَةُ في الحُكْمِ، ومَهْرُ البَغْيِ، وحُلْوانُ الكاهِنِ، وثَمَنُ الكَلْبِ والنَّرْدِ والخَمْرِ والخِنْزِيرِ والمَيْتَةِ والدَّمِ وعَسْبِ الفَحْلِ، وأُجْرَةُ النّائِحَةِ والمُغَنِّيَةِ، والسّاحِرِ، وأجْرُ مُصَوِّرِ التَّماثِيلِ، وهَدِيَّةُ الشَّفاعَةِ؛ قالُوا: وسُمِّيَ سُحْتًا المالُ الحَرامُ لِأنَّهُ يُسْحِتُ الطّاعاتِ أوْ بَرَكَةَ المالِ أوِ الدِّينَ أوِ المُرُوءَةَ؛ وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ومَسْرُوقٍ: إنَّ المالَ المَأْخُوذَ عَلى الشَّفاعَةِ سُحْتٌ. وعَنِ الحَسَنِ: إنَّ ما أكَلَ الرَّجُلُ مِن مالِ مَن لَهُ عَلَيْهِ دَيْنٌ - سُحْتٌ. وقِيلَ لِعَبْدِ اللَّهِ: كُنّا نَرى أنَّهُ ما أُخِذَ عَلى الحُكْمِ يَعْنُونَ الرِّشا، قالَ: ذَلِكَ كُفْرٌ، قالَ تَعالى: ﴿ومَن لَمْ يَحْكم بِما أنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤] . وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: إذا ارْتَشى الحاكِمُ يُعْزَلُ، وفي الحَدِيثِ: «كُلُّ لَحْمٍ نَبَتَ مَن سُحْتٍ فالنّارُ أوْلى بِهِ» وقالَ عَلِيٌّ وأبُو هُرَيْرَةَ: كَسْبُ الحَجّامِ سُحْتٌ، يَعْنِي أنَّهُ يُذْهِبُ المُرُوءَةَ، وما ذُكِرَ في مَعْنى السُّحْتِ فَهو مِن أمْثِلَةِ المالِ الَّذِي لا يَحِلُّ كَسْبُهُ.

ومِن أعْظَمِ السُّحْتِ الرِّشْوَةُ في الحُكْمِ، وهي المُشارُ إلَيْها في الآيَةِ. كانَ اليَهُودُ يَأْخُذُونَ الرِّشا عَلى الأحْكامِ وتَحْلِيلِ الحَرامِ. وعَنِ الحَسَنِ: كانَ الحاكِمُ في بَنِي إسْرائِيلَ إذا أتاهُ أحَدُهم بِرِشْوَةٍ جَعَلَها في كُمِّهِ فَأراهُ إيّاها، وتَكَلَّمَ بِحاجَتِهِ، فَيَسْمَعُ مِنهُ ولا يَنْظُرُ إلى خَصْمِهِ، فَيَأْكُلُ الرِّشْوَةَ ويَسْمَعُ الكَذِبَ. وقَرَأ النَّحْوِيّانِ وابْنُ كَثِيرٍ: السُّحُتُ، بِضَمَّتَيْنِ. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ: بِإسْكانِ الحاءِ. وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وخارِجَةُ بْنُ مُصْعَبٍ عَنْ نافِعٍ: بِفَتْحِ السِّينِ وإسْكانِ الحاءِ، وقُرِئَ بِفَتْحَتَيْنِ. وقَرَأ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: بِكَسْرِ السِّينِ وإسْكانِ الحاءِ، فَبِالضَّمِّ والكَسْرِ والفَتْحَتَيْنِ: اسْمُ المَسْحُوتِ، كالدَّهْنِ والرَّعْيِ والنَّبْضِ؛ وبِالفَتْحِ والسُّكُونِ: مَصْدَرٌ أُرِيدَ بِهِ المَفْعُولُ، كالصَّيْدِ بِمَعْنى المَصِيدِ؛ أوْ سُكِّنَتِ الحاءُ طَلَبًا لِلْخِفَّةِ.

* *

﴿فَإنْ جاءُوكَ فاحْكم بَيْنَهم أوْ أعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ أيْ: فَإنْ جاؤُكَ لِلْحُكْمِ بَيْنَهم فَأنْتَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أنْ تَحْكُمَ، أوْ تُعْرِضَ. والظّاهِرُ بَقاءُ هَذا الحُكْمِ مِنَ التَّخْيِيرِ لِحُكّامِ المُسْلِمِينَ. وعَنْ عَطاءٍ، والنَّخَعِيِّ، والشَّعْبِيِّ، وقَتادَةَ، والأصَمِّ، وأبِي مُسْلِمٍ، وأبِي ثَوْرٍ: أنَّهم إذا ارْتَفَعُوا إلى حُكّامِ المُسْلِمِينَ، فَإنْ شاءُوا حَكَمُوا وإنْ شاءُوا أعْرَضُوا. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، والحَسَنُ، وعَطاءُ الخُراسانِيُّ، وعُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ، والزُّهْرِيُّ: التَّخْيِيرُ مَنسُوخٌ بِقَوْلِهِ: ﴿وأنِ احْكم بَيْنَهم بِما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٩] فَإذا جاءُوا فَلَيْسَ …

Al-Maaida 5:42Listen in Qur'an →
43

وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِندَهُمُ ٱلتَّوْرَىٰةُ فِيهَا حُكْمُ ٱللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ ۚ وَمَآ أُو۟لَٰٓئِكَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ

But how is it that they come to you for judgement while they have the Torah, in which is the judgement of Allah? Then they turn away, [even] after that; but those are not [in fact] believers.

﴿وكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وعِنْدَهُمُ التَّوْراةُ فِيها حُكْمُ اللَّهِ﴾ هَذا تَعْجِيبٌ مِن تَحْكِيمِهِمْ إيّاهُ مَعَ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِهِ ولا بِكِتابِهِ. وفي كِتابِهِمُ الَّذِي يَدَّعُونَ الإيمانَ بِهِ حُكْمُ اللَّهِ تَعالى نَصٌّ جَلِيٌّ، فَلَيْسُوا قاصِدِينَ حُكْمَ اللَّهِ حَقِيقَةً، وإنَّما قَصَدُوا بِذَلِكَ أنْ يَكُونَ عِنْدَهُ رُخْصَةٌ فِيما تَحاكَمُوا إلَيْهِ فِيهِ اتِّباعًا لِأهْوائِهِمْ، وانْهِماكًا في شَهَواتِهِمْ. ومَن عَدَلَ عَنْ حُكْمِ اللَّهِ في كِتابِهِ الَّذِي يَدَّعِي أنَّهُ مُؤْمِنٌ بِهِ إلى تَحْكِيمِ مَن لا يُؤْمِنُ بِهِ ولا بِكِتابِهِ، فَهو لا يُحَكِّمُ إلّا رَغْبَةً فِيما يَقْصِدُهُ مِن مُخالَفَةِ كِتابِهِ. وإذا خالَفُوا كِتابَهم لِكَوْنِهِ لَيْسَ عَلى وفْقِ شَهَواتِهِمْ، فَلَأنْ يُخالِفُوكَ إذا لَمْ تُوافِقْهم أوْلى وأحْرى. والواوُ في: وعِنْدَهم، لِلْحالِ، وعِنْدَهُمُ التَّوْراةُ: مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، وقَوْلُهُ: فِيها. حُكْمُ اللَّهِ، حالٌ مِنَ التَّوْراةِ، وارْتَفَعَ حُكْمٌ عَلى الفاعِلِيَّةِ بِالجارِّ والمَجْرُورِ؛ أيْ: كائِنًا فِيها حُكْمُ اللَّهِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ فِيها في مَوْضِعِ رَفْعٍ خَبَرًا عَنِ التَّوْراةِ؛ كَقَوْلِكَ: وعِنْدَهُمُ التَّوْراةُ ناطِقَةً بِحُكْمِ اللَّهِ. وأوْ: لا مَحَلَّ لَهُ، وتَكُونُ جُمْلَةً مُبَيِّنَةً، لِأنَّ عِنْدَهم ما يُغْنِيهِمْ عَنِ التَّحْكِيمِ، كَما تَقُولُ: عِنْدَكَ زَيْدٌ يَنْصَحُكَ ويُشِيرُ عَلَيْكَ بِالصَّوابِ فَما تَصْنَعُ بِغَيْرِهِ ؟ وهَذانِ الإعْرابانِ لِلزَّمَخْشَرِيِّ.

﴿ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِن بَعْدِ ذَلِكَ﴾ أيْ: مِن بَعْدِ تَحْكِيمِكَ المُوافِقِ لِما في كِتابِهِمْ، لِأنَّ التَّعْجِيبَ مِنَ التَّحْكِيمِ إنَّما كانَ بَعْدَ صُدُورِهِ مِنهم، ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ ولَمْ يَرْضَوْا بِهِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: مِن بَعْدِ ذَلِكَ؛ أيْ: مِن بَعْدِ حُكْمِ اللَّهِ في التَّوْراةِ وما أشْبَهَهُ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي خالَفُوا فِيها أمْرَ اللَّهِ. انْتَهى. وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ؛ أيْ: ثُمَّ هم يَتَوَلَّوْنَ بَعْدُ. وهي أخْبارٌ مِنَ اللَّهِ بِتَوَلِّيهِمْ عَلى عادَتِهِمْ في أنَّهم إذا وضُحَ لَهُمُ الحَقُّ أعْرَضُوا عَنْهُ وتَوَلَّوْا. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): عَلامَ عَطَفَ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ ؟ (قُلْتُ): عَلى يُحَكِّمُونَكَ. انْتَهى. ويَكُونُ إذْ ذاكَ داخِلًا في الِاسْتِفْهامِ الَّذِي يُرادُ بِهِ التَّعَجُّبُ؛ أيْ: ثُمَّ كَيْفَ يَتَوَلَّوْنَ بَعْدَ ذَلِكَ، فَيَكُونُ قَدْ تَعَجَّبَ مِن تَحْكِيمِهِمْ إيّاهُ، ثُمَّ مِن تَوَلِّيهِمْ عَنْهُ؛ أيْ: كَيْفَ رَضُوا بِهِ ثُمَّ سَخِطُوهُ ؟ .

﴿وما أُولَئِكَ بِالمُؤْمِنِينَ﴾ ظاهِرُهُ نَفْيُ الإيمانِ عَنْهم؛ أيْ: مَن حَكَّمَ الرَّسُولَ، وخالَفَ كِتابَهُ، وأعْرَضَ عَمّا حَكَمَ لَهُ، إذْ وافى كِتابَهُ - فَهو كافِرٌ. وقِيلَ: هو إخْبارٌ عَنْهم أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ أبَدًا، فَهو خَبَرٌ عَنِ المُسْتَقْبَلِ لا الماضِي. وقِيلَ: نَفْيُ الإيمانِ بِالتَّوْراةِ وبِ مُوسى عَنْهم. وقِيلَ: هو تَعْلِيقٌ بِقَوْلِهِ: وكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ؛ أيِ: اعْجَبْ لِتَحْكِيمِهِمْ إيّاكَ، ولَيْسُوا بِمُؤْمِنِينَ بِكَ، ولا مُعْتَقِدِينَ في صِحَّةِ حُكْمِكَ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهم إنَّما قَصْدُهم تَحْصِيلُ مَنافِعِ الدُّنْيا وأغْراضِهِمُ الفاسِدَةِ دُونَ اتِّباعِ الحَقِّ.

Al-Maaida 5:43Listen in Qur'an →
44

إِنَّآ أَنزَلْنَا ٱلتَّوْرَىٰةَ فِيهَا هُدًۭى وَنُورٌۭ ۚ يَحْكُمُ بِهَا ٱلنَّبِيُّونَ ٱلَّذِينَ أَسْلَمُوا۟ لِلَّذِينَ هَادُوا۟ وَٱلرَّبَّٰنِيُّونَ وَٱلْأَحْبَارُ بِمَا ٱسْتُحْفِظُوا۟ مِن كِتَٰبِ ٱللَّهِ وَكَانُوا۟ عَلَيْهِ شُهَدَآءَ ۚ فَلَا تَخْشَوُا۟ ٱلنَّاسَ وَٱخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا۟ بِـَٔايَٰتِى ثَمَنًۭا قَلِيلًۭا ۚ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْكَٰفِرُونَ

Indeed, We sent down the Torah, in which was guidance and light. The prophets who submitted [to Allah] judged by it for the Jews, as did the rabbis and scholars by that with which they were entrusted of the Scripture of Allah, and they were witnesses thereto. So do not fear the people but fear Me, and do not exchange My verses for a small price. And whoever does not judge by what Allah has revealed - then it is those who are the disbelievers.

﴿إنّا أنْزَلْنا التَّوْراةَ فِيها هُدًى ونُورٌ﴾ قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ: نَزَلَتْ في الجاحِدِينَ حُكْمَ اللَّهِ، وهي عامَّةٌ في كُلِّ مَن جَحَدَ حُكْمَ اللَّهِ. وقالَ البَراءُ بْنُ عازِبٍ: نَزَلَ (يا أيُّها الرَّسُولُ إلى فَأُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ) في اليَهُودِ خاصَّةً، وذَكَرَ قِصَّةَ رَجْمِ اليَهُودِيَّيْنِ. وقِيلَ لِحُذَيْفَةَ: ﴿ومَن لَمْ يَحْكم بِما أنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ﴾ نَزَلَتْ في بَنِي إسْرائِيلَ ؟ قالَ: نَعَمْ. وقالَ الحَسَنُ وأبُو مِجْلَزٍ وأبُو جَعْفَرٍ: هي في اليَهُودِ. وقالَ الحَسَنُ: هي عَلَيْنا واجِبَةٌ. وقالَ قَتادَةُ: ذُكِرَ لَنا أنَّ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ، كانَ يَقُولُ لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: (نَحْنُ نَحْكُمُ عَلى اليَهُودِ وعَلى مَن سِواهم مِن أهْلِ الأدْيانِ) وفي الآيَةِ تَرْغِيبٌ لِلْيَهُودِ بِأنْ يَكُونُوا كَمُتَقَدِّمِيهِمْ مِن مُسْلِمِي أحْبارِهِمْ، وتَنْبِيهُ المُنْكِرِينَ لِوُجُوبِ الرَّجْمِ. وقالَ جَماعَةٌ: الهُدى والنُّورُ سَواءٌ، وكَرَّرَ لِلتَّأْكِيدِ. وقالَ قَوْمٌ: لَيْسا سَواءً، فالهُدى مَحْمُولٌ عَلى بَيانِ الأحْكامِ، والنُّورُ والبَيانُ لِلتَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ والمَعادِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَهْدِي لِلْعَدْلِ والحَقِّ، ونُورٌ يُبَيِّنُ ما اسْتُبْهِمَ مِنَ الأحْكامِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الهُدى: الإرْشادُ المُعْتَقَدُ والشَّرائِعُ، والنُّورُ ما يُسْتَضاءُ بِهِ مِن أوامِرِها ونَواهِيها. وقِيلَ: المَعْنى فِيها بَيانُ أمْرِ الرَّسُولِ وما جاءُوا يَسْتَفْتُونَ فِيهِ.

﴿يَحْكُمُ بِها النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أسْلَمُوا لِلَّذِينَ هادُوا﴾ ظاهِرُ قَوْلِهِ: النَّبِيُّونَ، الجَمْعُ. قالُوا: وهم مِن لَدُنْ مُوسى إلى عِيسى. وقالَ عِكْرِمَةُ: مُحَمَّدٌ ومَن قَبْلَهُ مِنَ الأنْبِياءِ. وقِيلَ: النَّبِيُّونَ الَّذِينَ هم عَلى دِينِ إبْراهِيمَ. وقالَ الحَسَنُ والسُّدِّيُّ: هو مُحَمَّدٌ، ﷺ، وذَلِكَ حِينَ حَكَمَ عَلى اليَهُودِ بِالرَّجْمِ وذَكَرَهُ بِلَفْظِ الجَمْعِ كَقَوْلِهِ: أمْ يَحْسُدُونَ النّاسَ، والَّذِينَ أسْلَمُوا، وصْفٌ مَدَحَ الأنْبِياءَ كالصِّفاتِ الَّتِي تَجْرِي عَلى اللَّهِ تَعالى، وأُرِيدَ بِإجْرائِها التَّعْرِيضُ بِاليَهُودِ والنَّصارى، حَيْثُ قالَتِ اليَهُودُ: إنَّ الأنْبِياءَ كانُوا يَهُودًا، والنَّصارى قالَتْ: كانُوا نَصارى، فَبَيَّنَ أنَّهم كانُوا مُسْلِمِينَ، كَما كانَ إبْراهِيمُ، عَلَيْهِ السَّلامُ. ولِذَلِكَ جاءَ: ﴿هُوَ سَمّاكُمُ المُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ﴾ [الحج: ٧٨] ونَبَّهَ بِهَذا الوَصْفِ أنَّ اليَهُودَ والنَّصارى بُعَداءُ مِن هَذا الوَصْفِ الَّذِي هو الإسْلامُ، وأنَّهُ كانَ دِينَ الأنْبِياءِ كُلِّهِمْ قَدِيمًا وحَدِيثًا. والظّاهِرُ أنَّ الَّذِينَ هادُوا مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: يَحْكُمُ بِها النَّبِيُّونَ. وقِيلَ: بِأنْزَلْنا. وقِيلَ التَّقْدِيرُ: هُدًى ونُورٌ لِلَّذِينِ هادُوا يَحْكُمُ بِها النَّبِيُّونَ. وفي قَوْلِهِ: لِلَّذِينِ هادُوا، تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهم لَيْسُوا مُسْلِمِينَ، بَلْ هم بُعَداءُ مِن ذَلِكَ. واللّامُ في لِلَّذِينِ هادُوا إذا عُلِّقَتْ بَيَحْكُمُ لِلِاخْتِصاصِ، فَيَشْمَلُ مَن يَحْكُمُ لَهُ ومَن يَحْكُمُ عَلَيْهِ. وقِيلَ: ثَمَّ مَحْذُوفٌ؛ أيْ: لِلَّذِينِ هادُوا وعَلَيْهِمْ. وقِيلَ: اللّامُ بِمَعْنى عَلى؛ أيْ: عَلى الَّذِينَ هادُوا.

* *

﴿والرَّبّانِيُّونَ والأحْبارُ﴾ هُما بِمَعْنًى واحِدٍ، وهُمُ العُلَماءُ. قالَهُ الأكْثَرُونَ ومِنهُمُ: ابْنُ قُتَيْبَةَ والزَّجّاجُ. وقالَ مُجاهِدٌ: الرَّبّانِيُّونَ الفُقَهاءُ العُلَماءُ، وهم فَوْقَ الأحْبارِ. وقالَ السُّدِّيُّ: الرَّبّانِيُّونَ العُلَماءُ، والأحْبارُ الفُقَهاءُ. وقالَ ابْنُ …

Al-Maaida 5:44Listen in Qur'an →
45

وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَآ أَنَّ ٱلنَّفْسَ بِٱلنَّفْسِ وَٱلْعَيْنَ بِٱلْعَيْنِ وَٱلْأَنفَ بِٱلْأَنفِ وَٱلْأُذُنَ بِٱلْأُذُنِ وَٱلسِّنَّ بِٱلسِّنِّ وَٱلْجُرُوحَ قِصَاصٌۭ ۚ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِۦ فَهُوَ كَفَّارَةٌۭ لَّهُۥ ۚ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ

And We ordained for them therein a life for a life, an eye for an eye, a nose for a nose, an ear for an ear, a tooth for a tooth, and for wounds is legal retribution. But whoever gives [up his right as] charity, it is an expiation for him. And whoever does not judge by what Allah has revealed - then it is those who are the wrongdoers.

﴿فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهو كَفّارَةٌ لَهُ﴾ المُتَصَدِّقُ صاحِبُ الحَقِّ. ومُسْتَوْفِي القِصاصِ الشّامِلِ لِلنَّفْسِ والأعْضاءِ ولِلْجُرُوحِ الَّتِي فِيها القِصاصُ، وهو ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى التَّصَدُّقِ؛ أيْ: فالتَّصَدُّقُ كَفّارَةٌ لِلتَّصَدُّقِ؛ والمَعْنى: أنَّ مَن تَصَدَّقَ بِجُرْحِهِ يُكَفِّرُ عَنْهُ، قالَهُ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو، وجابِرٌ، وأبُو الدَّرْداءِ، وقَتادَةُ، والحَسَنُ، والشَّعْبِيُّ. وذَكَرَ أبُو الدَّرْداءِ أنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ، ﷺ، يَقُولُ: «ما مِن مُسْلِمٍ يُصابُ بِشَيْءٍ مِن جَسَدِهِ فَيَهَبُهُ إلّا رَفَعَهُ اللَّهُ بِذَلِكَ دَرَجَةً وحَطَّ عَنْهُ خَطِيئَةً» وذَكَرَ مَكِّيٌّ حَدِيثًا مِن طَرِيقِ الشَّعْبِيِّ: «أنَّهُ يَحُطُّ عَنْهُ مِن ذُنُوبِهِ ما عَفى عَنْهُ مِنَ الدِّيَةِ» وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: يَهْدِمُ عَنْهُ ذُنُوبَهُ بِقَدْرِ ما تَصَدَّقَ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ في لَهُ عائِدٌ عَلى الجانِي وإنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ ذِكْرٌ، لَكِنَّهُ يُفْهَمُ مِن سِياقِ الكَلامِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ المَعْنى؛ والمَعْنى: فَذَلِكَ العَفْوُ والتَّصَدُّقُ كَفّارَةٌ لِلْجانِي يَسْقُطُ عَنْهُ ما لَزِمَهُ مِنَ القِصاصِ. وكَما أنَّ القِصاصَ كَفّارَةٌ كَذَلِكَ العَفْوُ كَفّارَةٌ، وأجْرُ العافِي عَلى اللَّهِ تَعالى قالَهُ: ابْنُ عَبّاسٍ، والسَّبِيعِيُّ، ومُجاهِدٌ، وإبْراهِيمُ، والشَّعْبِيُّ، وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ، ومُقاتِلٌ. وقِيلَ: المُتَصَدِّقُ هو الجانِي، والضَّمِيرُ في لَهُ يَعُودُ عَلَيْهِ؛ والمَعْنى: إذا جَنى جانٍ فَجُهِلَ وخَفِيَ أمْرُهُ فَتَصَدَّقَ هو بِأنْ عَرَّفَ بِذَلِكَ ومَكَّنَ مِن نَفْسِهِ، فَذَلِكَ الفِعْلُ كَفّارَةٌ لِذَنْبِهِ. وقالَ مُجاهِدٌ: إذا أصابَ رَجُلٌ رَجُلًا ولَمْ يَعْلَمِ المُصابُ مَن أصابَهُ فاعْتَرَفَ لَهُ المُصِيبُ فَهو كَفّارَةٌ لِلْمُصِيبِ. وأصابَ عُرْوَةُ عِنْدَ الرُّكْنِ إنْسانًا وهم يَسْتَلِمُونَ فَلَمْ يَدْرِ المُصابُ مَن أصابَهُ فَقالَ لَهُ عُرْوَةُ: أنا أصَبْتُكَ، وأنا عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، فَإنْ كانَ يَلْحَقُكَ بِها بَأْسٌ فَأنا بِها. وعَلى هَذا القَوْلِ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ تَصَدَّقَ تَفَعَّلَ مِنَ الصَّدَقَةِ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مِنَ الصِّدْقِ.

وقَرَأ أُبَيٌّ: فَهو كَفّارَةٌ لَهُ يَعْنِي: فالتَّصَدُّقُ كَفّارَتُهُ؛ أيِ: الكَفّارَةُ الَّتِي يَسْتَحِقُّها لَهُ لا يُنْقَصُ مِنها، وهو تَعْظِيمٌ لِما فَعَلَ لِقَوْلِهِ: ﴿فَأجْرُهُ عَلى اللَّهِ﴾ [الشورى: ٤٠] وتَرْغِيبٌ في العَفْوِ. وتَأوَّلَ قَوْمٌ الآيَةَ عَلى مَعْنى: والجُرُوحَ قِصاصٌ، فَمَن أُعْطِيَ دِيَةَ الجُرْحِ وتَصَدَّقَ بِهِ فَهو كَفّارَةٌ لَهُ إذا رُضِيَتْ مِنهُ وقُبِلَتْ. وفي مُصْحَفِ أُبَيٍّ: ومَن يَتَصَدَّقْ بِهِ فَإنَّهُ كَفّارَةٌ لَهُ.

* *

﴿ومَن لَمْ يَحْكم بِما أنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ ناسَبَ فِيما تَقَدَّمَ ذِكْرُ الكافِرِينَ، لِأنَّهُ جاءَ عَقِيبَ قَوْلِهِ: ﴿إنّا أنْزَلْنا التَّوْراةَ فِيها هُدًى ونُورٌ﴾ [المائدة: ٤٤] الآيَةَ فَفي ذَلِكَ إشارَةٌ إلى أنَّهُ لا يَحْكُمُ بِجَمِيعِها، بَلْ يُخالِفُ رَأْسًا. ولِذَلِكَ جاءَ: ﴿ولا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [المائدة: ٤٤] وهَذا كُفْرٌ، فَناسَبَ ذِكْرُ الكافِرِينَ. وهُنا جاءَ عَقِيبَ أشْياءَ مَخْصُوصَةٍ مِن أمْرِ القَتْلِ والجُرُوحِ، فَناسَبَ ذِكْرُ الظُّلْمِ المُنافِي لِلْقِصاصِ وعَدَمِ التَّسْوِيَةِ، وإشارَةً إلى ما كانُوا قَرَّرُوهُ مِن عَدَمِ التَّساوِي بَيْنَ بَنِي النَّضِيرِ وبَنِي قُرَيْظَةَ.

﴿وقَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ …

Al-Maaida 5:45Listen in Qur'an →
46

وَقَفَّيْنَا عَلَىٰٓ ءَاثَٰرِهِم بِعِيسَى ٱبْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًۭا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ ٱلتَّوْرَىٰةِ ۖ وَءَاتَيْنَٰهُ ٱلْإِنجِيلَ فِيهِ هُدًۭى وَنُورٌۭ وَمُصَدِّقًۭا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ ٱلتَّوْرَىٰةِ وَهُدًۭى وَمَوْعِظَةًۭ لِّلْمُتَّقِينَ

And We sent, following in their footsteps, Jesus, the son of Mary, confirming that which came before him in the Torah; and We gave him the Gospel, in which was guidance and light and confirming that which preceded it of the Torah as guidance and instruction for the righteous.

﴿وآتَيْناهُ الإنْجِيلَ فِيهِ هُدًى ونُورٌ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى قَوْلِهِ: وقَفَّيْنا. وفِيهِ تَعْظِيمُ عِيسى، عَلَيْهِ السَّلامُ، بِأنَّ اللَّهَ آتاهُ كِتابًا إلَهِيًّا. وتَقَدَّمَتْ قِراءَةُ الحَسَنِ، الأنْجِيلَ، بِفَتْحِ الهَمْزَةِ؛ وما ذَكَرُوهُ في اشْتِقاقِهِ إنْ كانَ عَرَبِيًّا. وقَوْلُهُ: فِيهِ هُدًى ونُورٌ، في مَوْضِعِ الحالِ، وارْتِفاعُ هُدًى عَلى الفاعِلِيَّةِ بِالجارِّ والمَجْرُورِ، إذْ قَدِ اعْتَمَدَ بِأنْ وقَعَ حالًا لِذِي حالٍ؛ أيْ: كائِنًا فِيهِ هُدًى. ولِذَلِكَ عَطَفَ عَلَيْهِ ﴿ومُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ﴾ والضَّمِيرُ في يَدَيْهِ عائِدٌ عَلى الإنْجِيلِ؛ والمَعْنى: أنَّ عِيسى وكِتابَهُ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْهِ هُما مُصَدِّقانِ لِما تَقَدَّمَهُما مِنَ التَّوْراةِ، فَتَظافَرَ عَلى تَصْدِيقِهِ الكَتابُ الإلَهِيُّ المُنَزَّلُ، والنَّبِيُّ المُرْسَلُ المُنَزَّلُ عَلَيْهِ ذَلِكَ الكِتابُ. ومَعْنى كَوْنِهِ فِيهِ هُدًى أنَّهُ يَشْتَمِلُ عَلى دَلائِلِ التَّوْحِيدِ، وتَنْزِيهِ اللَّهِ عَنِ الوَلَدِ والصّاحِبَةِ والمِثْلِ والضِّدِّ، وعَلى الإرْشادِ والدُّعاءِ إلى اللَّهِ تَعالى، وإلى إحْياءِ أحْكامِ التَّوْراةِ، والنُّورُ هو ما فِيهِ مِمّا يُسْتَضاءُ بِهِ إذْ فِيهِ بَيانُ أحْكامِ الشَّرِيعَةِ وتَفاصِيلِها. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ومُصَدِّقًا: حالٌ مُؤَكِّدَةٌ مَعْطُوفَةٌ عَلى مَوْضِعِ الجُمْلَةِ الَّتِي هي فِيهِ هُدًى، فَإنَّها جُمْلَةٌ في مَوْضِعِ الحالِ. انْتَهى. وإنَّما قالَ إنَّ مُصَدِّقًا: حالٌ مُؤَكِّدَةٌ مِن حَيْثُ المَعْنى، لِأنَّهُ يَلْزَمُ مِن كَوْنِ الإنْجِيلِ كِتابًا إلاهِيًّا أنْ يَكُونَ مُصَدِّقًا لِلْكُتُبِ الإلَهِيَّةِ، لَكِنَّ قَوْلَهُ: مَعْطُوفَةٌ عَلى الجُمْلَةِ الَّتِي هي فِيهِ هُدًى، فَإنَّها جُمْلَةٌ في مَوْضِعِ الحالِ - قَوْلٌ مَرْجُوحٌ، لِأنّا قَدْ بَيَّنّا أنَّ قَوْلَهُ: فِيهِ هُدًى ونُورٌ مِن قَبِيلِ المُفْرَدِ لا مِن قَبِيلِ الجُمْلَةِ، إذْ قَدَّرْناهُ كائِنًا فِيهِ هُدًى ونُورٌ، ومَتى دارَ الأمْرُ بَيْنَ أنْ يَكُونَ الحالُ مُفْرَدًا أوْ جُمْلَةً، كانَ تَقْدِيرُ المُفْرَدِ أجْوَدَ، عَلى تَقْدِيرِ أنَّهُ جُمْلَةٌ يَكُونُ ذَلِكَ مِنَ القَلِيلِ، لِأنَّها جُمْلَةٌ اسْمِيَّةٌ، ولَمْ تَأْتِ بِالواوِ، وإنْ كانَ يُغْنِي عَنِ الرّابِطِ الَّذِي هو الضَّمِيرُ، لَكِنَّ الأسَنَّ والأكْثَرَ أنْ يَأْتِيَ بِالواوِ، حَتّى إنَّ الفَرّاءَ زَعَمَ أنَّ عَدَمَ الواوِ شاذٌّ وإنْ كانَ ثَمَّ ضَمِيرٌ، وتَبِعَهُ عَلى ذَلِكَ الزَّمَخْشَرِيُّ. قالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ: ومُصَدِّقًا مَعْطُوفٌ عَلى مُصَدِّقًا الأوَّلِ. انْتَهى. ويَكُونُ إذْ ذاكَ حالًا مِن عِيسى، كَرَّرَهُ عَلى سَبِيلِ التَّوْكِيدِ، وهَذا فِيهِ بُعْدٌ مِن جِهَةِ التَّرْكِيبِ واتِّساقِ المَعانِي، وتَكَلُّفُهُ أنْ يَكُونَ وآتَيْناهُ الإنْجِيلَ جُمْلَةً حالِيَّةً مَعْطُوفَةً عَلى مُصَدِّقًا.

* *

﴿وهُدًى ومَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ قَرَأ الضَّحّاكُ: وهُدًى ومَوْعِظَةٌ بِالرَّفْعِ، وهو هُدًى ومَوْعِظَةٌ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: بِالنَّصْبِ حالًا مَعْطُوفَةً عَلى قَوْلِهِ: ومُصَدِّقًا، جَعَلَهُ أوَّلًا فِيهِ هُدًى ونُورٌ، وجَعَلَهُ ثانِيًا هُدًى ومَوْعِظَةً. فَهو في نَفْسِهِ هُدًى، وهو مُشْتَمِلٌ عَلى الهُدى، وجَعَلَهُ هُدًى مُبالَغَةً فِيهِ إذْ كانَ كِتابُ الإنْجِيلِ مُبَشِّرًا بِرَسُولِ اللَّهِ، ﷺ، والدَّلالَةُ مِنهُ عَلى نُبُوَّتِهِ ظاهِرَةٌ؛ ولَمّا كانَتْ أشَدُّ وُجُوهِ المُنازَعَةِ بَيْنَ المُسْلِمِينَ واليَهُودِ والنَّصارى ذَلِكَ، أعادَ اللَّهُ ذِكْرَ الهُدى تَقْرِيرًا وبَيانًا لِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ، ﷺ، ووَصَفَهُ بِالمَوْعِظَةِ …

Al-Maaida 5:46Listen in Qur'an →
47

وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ ٱلْإِنجِيلِ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فِيهِ ۚ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْفَٰسِقُونَ

And let the People of the Gospel judge by what Allah has revealed therein. And whoever does not judge by what Allah has revealed - then it is those who are the defiantly disobedient.

﴿ولْيَحْكم أهْلُ الإنْجِيلِ بِما أنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ﴾ أمَرَ تَعالى أهْلَ الإنْجِيلِ أنْ يَحْكُمُوا بِما أنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ مِنَ الأحْكامِ ويَكُونُ هَذا الأمْرُ عَلى سَبِيلِ الحِكايَةِ، وقُلْنا لَهُمُ: احْكُمُوا؛ أيْ: حِينَ إيتائِهِ عِيسى أمَرْناهم بِالحُكْمِ بِما فِيهِ إذْ لا يُمْكِنُ ذَلِكَ أنْ يَكُونَ بَعْدَ بَعْثَةِ مُحَمَّدٍ، ﷺ، إذْ شَرِيعَتُهُ ناسِخَةٌ لِجَمِيعِ الشَّرائِعِ، أوْ بِما أنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ مَخْصُوصًا بِالدَّلائِلِ الدّالَّةِ عَلى نُبُوَّةِ رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ، وهو قَوْلُ الأصَمِّ، أوْ بِخُصُوصِ الزَّمانِ إلى بَعْثَةِ رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ، أوْ عَبَّرَ بِالحُكْمِ بِما أنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ عَنْ عَدَمِ تَحْرِيفِهِ وتَغْيِيرِهِ. فالمَعْنى: ولْيَقْرَأْهُ أهْلُ الإنْجِيلِ عَلى الوَجْهِ الَّذِي أُنْزِلَ، لا يُغَيِّرُونَهُ ولا يُبَدِّلُونَهُ، وهَذا بَعِيدٌ. وظاهِرُ الأمْرِ يَرُدُّ قَوْلَ مَن قالَ: إنَّ عِيسى كانَ مُتَعَبِّدًا بِأحْكامِ التَّوْراةِ. وقالَ تَعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنكم شِرْعَةً ومِنهاجًا﴾ [المائدة: ٤٨] ولِهَذا القائِلِ أنْ يَقُولَ: بِما أنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ مِن إيجابِ العَمَلِ بِأحْكامِ التَّوْراةِ؛ والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ الأحْكامَ في الإنْجِيلِ قَلِيلَةٌ، وإنَّما أكْثَرُهُ زَواجِرُ؛ وتِلْكَ الأحْكامُ المُخالِفَةُ لِأحْكامِ التَّوْراةِ أُمِرُوا بِالعَمَلِ بِها، ولِهَذا جاءَ: ﴿ولِأُحِلَّ لَكم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [آل عمران: ٥٠] .

وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ولْيَحْكُمْ﴾؛ بِلامِ الأمْرِ ساكِنَةً، وبَعْضُ القُرّاءِ يَكْسِرُها. وقَرَأ أُبَيٌّ: وأنْ لِيَحْكُمَ؛ بِزِيادَةِ أنْ قَبْلَ لامِ كَيْ، وتَقَدَمَ كَلامُ الزَّمَخْشَرِيِّ فِيما يَتَعَلَّقُ بِهِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والمَعْنى وآتَيْناهُ الإنْجِيلَ لِيَتَضَمَّنَ الهُدى والنُّورَ والتَّصْدِيقَ، ولِيَحْكُمَ أهْلُ الإنْجِيلِ بِما أنْزَلُ اللَّهُ فِيهِ. انْتَهى. فَعَطَفَ ولِيَحْكُمَ عَلى تَوَهُّمِ عِلَّةٍ ولِذَلِكَ قالَ: لِيَتَضَمَّنَ الهُدى. والزَّمَخْشَرِيُّ جَعَلَهُ مَعْطُوفًا عَلى هُدًى ومَوْعِظَةً، عَلى تَوَهُّمِ النُّطْقِ بِاللّامِ فِيهِما كَأنَّهُ قالَ: ولِلْهُدى والمَوْعِظَةِ ولِلْحُكْمِ؛ أيْ: جَعَلَهُ مَقْطُوعًا مِمّا قَبْلَهُ، وقُدِّرَ العامِلُ مُؤَخَّرًا؛ أيْ: ولْيَحْكُمَ أهْلُ الإنْجِيلِ بِما أنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ آتَيْناهُ إيّاهُ. وقَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ أقْرَبُ إلى الصَّوابِ، لِأنَّ الهُدى الأوَّلَ والنُّورَ والتَّصْدِيقَ لَمْ يُؤْتَ بِها عَلى سَبِيلِ العِلَّةِ، إنَّما جِيءَ بِقَوْلِهِ: فِيهِ هُدًى ونُورٌ، عَلى مَعْنى كائِنًا فِيهِ ذَلِكَ ومُصَدِّقًا، وهَذا مَعْنى الحالِ، والحالُ لا يَكُونُ عِلَّةً. فَقَوْلُ ابْنِ عَطِيَّةَ: لِيَتَضَمَّنَ كَيْتَ وكَيْتَ، ولْيَحْكُمَ، بَعِيدٌ.

﴿ومَن لَمْ يَحْكم بِما أنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ ناسَبَ هُنا ذِكْرُ الفِسْقَ، لِأنَّهُ خَرَجَ عَنْ أمْرِ اللَّهِ تَعالى إذْ تَقَدَّمَ قَوْلُهُ: ولْيَحْكم، وهو أمْرٌ. كَما قالَ تَعالى: ﴿اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إلّا إبْلِيسَ كانَ مِنَ الجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أمْرِ رَبِّهِ﴾ [الكهف: ٥٠] أيْ: خَرَجَ عَنْ طاعَةِ أمْرِهِ تَعالى؛ فَقَدِ اتَّضَحَ مُناسَبَةُ خَتْمِ الجُمْلَةِ الأُولى بِالكافِرِينَ، والثّانِيَةِ بِالظّالِمِينَ، والثّالِثَةِ بِالفاسِقِينَ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وتَكْرِيرُ هَذِهِ الصِّفاتِ لِمَن لَمْ يَحْكم بِما أنْزَلَ اللَّهُ هو عَلى جِهَةِ التَّوْكِيدِ، وأصْوَبُ ما يُقالُ فِيها: إنَّها تَعُمُّ كُلَّ مُؤْمِنٍ وكافِرٍ، فَيَجِيءُ كُلُّ ذَلِكَ في الكافِرِ عَلى أتَمِّ وُجُوهِهِ، وفي المُؤْمِنِ عَلى مَعْنى كُفْرِ المَعْصِيَةِ وظُلْمِها …

Al-Maaida 5:47Listen in Qur'an →
48

وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ٱلْكِتَٰبَ بِٱلْحَقِّ مُصَدِّقًۭا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ ٱلْكِتَٰبِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ ۖ فَٱحْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ عَمَّا جَآءَكَ مِنَ ٱلْحَقِّ ۚ لِكُلٍّۢ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةًۭ وَمِنْهَاجًۭا ۚ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةًۭ وَٰحِدَةًۭ وَلَٰكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِى مَآ ءَاتَىٰكُمْ ۖ فَٱسْتَبِقُوا۟ ٱلْخَيْرَٰتِ ۚ إِلَى ٱللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًۭا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ

And We have revealed to you, [O Muhammad], the Book in truth, confirming that which preceded it of the Scripture and as a criterion over it. So judge between them by what Allah has revealed and do not follow their inclinations away from what has come to you of the truth. To each of you We prescribed a law and a method. Had Allah willed, He would have made you one nation [united in religion], but [He intended] to test you in what He has given you; so race to [all that is] good. To Allah is your return all together, and He will [then] inform you concerning that over which you used to differ.

﴿وأنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الكِتابِ ومُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ لَمّا ذَكَرَ تَعالى أنَّهُ أنْزَلَ التَّوْراةَ فِيها هُدًى ونُورٌ، ولَمْ يَذْكُرْ مَن أنْزَلَها عَلَيْهِ لِاشْتِراكِ كُلِّهِمْ في أنَّها نَزَلَتْ عَلى مُوسى، فَتَرَكَ ذِكْرَهُ لِلْمَعْرِفَةِ بِذَلِكَ، ثُمَّ ذَكَرَ عِيسى وأنَّهُ آتاهُ الإنْجِيلَ، فَذَكَرَهُ لِيُقِرُّوا أنَّهُ مِن جُمْلَةِ الأنْبِياءِ، إذِ اليَهُودُ تُنْكِرُ نُبُوَّتَهُ، وإذا أنْكَرَتْهُ أنْكَرَتْ كِتابَهُ، فَنَصَّ تَعالى عَلَيْهِ وعَلى كِتابِهِ؛ ثُمَّ ذَكَرَ إنْزالَ القُرْآنِ عَلى رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ، فَذَكَرَ الكِتابَ ومَن أنْزَلَهُ مُقَرِّرًا لِنُبُوَّتِهِ وكِتابِهِ، لِأنَّ الطّائِفَتَيْنِ يُنْكِرُونَ نُبُوَّتَهُ وكِتابَهُ. وجاءَ هُنا ذِكْرُ المُنَزَّلِ إلَيْهِ بِكافِ الخِطابِ، لِأنَّهُ أنَصُّ عَلى المَقْصُودِ؛ وكَثِيرًا ما جاءَ ذَلِكَ بِلَفْظِ الخِطابِ لِأنَّهُ لا يُلْبِسُ البَتَّةَ. و(بِالحَقِّ): مُلْتَبِسًا بِالحَقِّ ومُصاحِبًا لَهُ لا يُفارِقُهُ، لَمّا كانَ مُتَضَمِّنًا حَقائِقَ الأُمُورِ، فَكَأنَّهُ نَزَلَ بِها. ويَحْتَمِلُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِأنْزَلْنا؛ أيْ: أنْزَلْناهُ بِأنْ حَقَّ ذَلِكَ، لا أنَّهُ وجَبَ عَلى اللَّهِ، لَكِنَّهُ حَقٌّ في نَفْسِهِ. والألِفُ واللّامُ في الكِتابِ لِلْعَهْدِ وهو القُرْآنُ بِلا خِلافٍ؛ وانْتَصَبَ مُصَدِّقًا عَلى الحالِ لِما بَيْنَ يَدَيْهِ؛ أيْ: لِما تَقَدَّمَهُ مِنَ الكِتابِ. الألِفُ واللّامُ فِيهِ لِلْجِنْسِ، لِأنَّهُ عَنى بِهِ جِنْسَ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ، ويَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ لِلْعَهْدِ، لِأنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِهِ ما يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الكِتابِ عَلى الإطْلاقِ، وإنَّما أُرِيدَ نَوْعٌ مَعْلُومٌ مِنهُ، وهو ما أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ سِوى القُرْآنِ. والفَرْقُ بَيْنَهُما أنَّهُ في الأوَّلِ يَحْتاجُ إلى تَقْدِيرِ الصِّفَةِ، وأنَّها حُذِفَتْ، والتَّقْدِيرُ: مِنَ الكِتابِ الإلَهِيِّ. وفي الثّانِي لا يَحْتاجُ إلى هَذا التَّقْدِيرِ، لِأنَّ العَهْدَ في الِاسْمِ يَتَضَمَّنُ الِاسْمُ بِهِ جَمِيعَ الصِّفاتِ الَّتِي لِلِاسْمِ، فَلا يَحْتاجُ إلى تَقْدِيرِ حَذْفٍ.

ومُهَيْمِنًا عَلَيْهِ؛ أيْ: أمِينًا عَلَيْهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةِ التَّيْمِيِّ، وابْنِ جُبَيْرٍ، وعِكْرِمَةَ، وعَطاءٍ، والضَّحّاكِ، والحَسَنِ. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: القُرْآنُ أمِينٌ عَلى ما قَبْلَهُ مِنَ الكُتُبِ، فَما أخْبَرَ أهْلُ الكِتابِ عَنْ كِتابِهِمْ فَإنْ كانَ في القُرْآنِ فَصَدِّقُوا، وإلّا فَكَذِّبُوا. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةِ أبِي صالِحٍ: شاهِدًا. وبِهِ قالَ الحَسَنُ أيْضًا وقَتادَةُ، والسُّدِّيُّ، ومُقاتِلٌ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: مُصَدِّقًا عَلى ما أخْبَرَ مِنَ الكُتُبِ، وهَذا قَرِيبٌ مِنَ القَوْلِ الأوَّلِ. وقالَ الخَلِيلُ: المُهَيْمِنُ هو الرَّقِيبُ الحافِظُ. ومِنهُ قَوْلُهُ:

؎إنَّ الكِتابَ مُهَيْمِنٌ لِنَبِيِّنا والحَقُّ يَعْرِفُهُ ذَوُو الألْبابِ

وحَكاهُ الزَّجّاجُ، وبِهِ فَسَّرَ الزَّمَخْشَرِيُّ قالَ: ومُهَيْمِنًا رَقِيبًا عَلى سائِرِ الكُتُبِ، لِأنَّهُ يَشْهَدُ لَها بِالصِّحَّةِ والبَيانِ. انْتَهى. وقالَ الشّاعِرُ:

؎مَلِيكٌ عَلى عَرْشِ السَّماءِ مُهَيْمِنٌ ∗∗∗ لِعِزَّتِهِ تَعْنُو الوُجُوهُ وتَسْجُدُ

فُسِّرَ بِالحافِظِ، وهَذا في صِفاتِ اللَّهِ؛ وأمّا في القُرْآنِ فَمَعْناهُ أنَّهُ حافِظٌ لِلدِّينِ والأحْكامِ. وقالَ الضَّحّاكُ أيْضًا: مَعْناهُ قاضِيًا. وقالَ عِكْرِمَةُ أيْضًا: مَعْناهُ دالًّا. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَدْ ذَكَرَ أقْوالًا أنَّهُ شاهِدٌ، وأنَّهُ مُؤْتَمَنٌ، وأنَّهُ مُصَدِّقٌ، وأنَّهُ أمِينٌ، وأنَّهُ رَقِيبٌ، قالَ: ولَفْظَةُ …

Al-Maaida 5:48Listen in Qur'an →
49

وَأَنِ ٱحْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ وَٱحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَنۢ بَعْضِ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ إِلَيْكَ ۖ فَإِن تَوَلَّوْا۟ فَٱعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ ۗ وَإِنَّ كَثِيرًۭا مِّنَ ٱلنَّاسِ لَفَٰسِقُونَ

And judge, [O Muhammad], between them by what Allah has revealed and do not follow their inclinations and beware of them, lest they tempt you away from some of what Allah has revealed to you. And if they turn away - then know that Allah only intends to afflict them with some of their [own] sins. And indeed, many among the people are defiantly disobedient.

﴿وأنِ احْكم بَيْنَهم بِما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ «قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: قالَ بَعْضُ اليَهُودِ لِبَعْضٍ مِنهم، ابْنُ صُورِيّا وشاسُ بْنُ قَيْسٍ وكَعْبُ بْنُ أُسَيْدٍ: اذْهَبُوا بِنا إلى مُحَمَّدٍ لَعَلَّنا نَفْتِنُهُ عَنْ دِينِهِ، فَأتَوْهُ فَقالُوا: يا مُحَمَّدُ قَدْ عَرَفْتَ أنّا أحْبارُ يَهُودَ وأشْرافُهم، وإنِ اتَّبَعْناكَ اتَّبَعَكَ كُلُّ اليَهُودِ، وبَيْنَنا وبَيْنَ قَوْمٍ خُصُومَةٌ فَنُحاكِمُهم إلَيْكَ فَتَقْضِي لَنا عَلَيْهِمْ ونُؤْمِنُ بِكَ، فَأبى ذَلِكَ الرَّسُولُ، ﷺ، فَنَزَلَتْ» . وقالَ مُقاتِلٌ: قالَ جَماعَةٌ مِن بَنِي النَّضِيرِ لَهُ: هَلْ لَكَ أنْ تَحْكُمَ لَنا عَلى أصْحابِنا بَنِي قُرَيْظَةَ في أمْرِ الدِّماءِ كَما كُنّا عَلَيْهِ مِن قَبْلُ، ونُبايِعَكَ ؟ فَنَزَلَتْ. قالَ القاضِي أبُو يَعْلى: ولَيْسَ هَذِهِ الآيَةُ تَكْرارًا لِما تَقَدَّمَ، وإنَّما نَزَلَتْ في شَيْئَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ: أحَدُهُما: شَأْنُ الرَّجْمِ، والآخَرُ التَّسْوِيَةُ. انْتَهى. وهَذِهِ الآيَةُ ناسِخَةٌ عِنْدَ قَوْمٍ لِلتَّخْيِيرِ الَّذِي في قَوْلِهِ: ﴿أوْ أعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [المائدة: ٤٢] وتَقَدَّمَ ذِكْرُ ذَلِكَ وأجازُوا في: وأنِ احْكم، أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَطْفًا عَلى الكِتابِ؛ أيْ: والحُكْمَ. وفي مَوْضِعِ جَرٍّ عَطْفًا عَلى بِالحَقِّ، وفي مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفُ الخَبَرِ مُؤَخَّرًا، والتَّقْدِيرُ: وحُكْمُكَ بِما أنْزَلَ؛ أنْزَلَ اللَّهُ أمْرَنا وقَوْلَنا. أوْ مُقَدَّمًا والتَّقْدِيرُ: ومِنَ الواجِبِ حُكْمُكَ بِما أنْزَلَ اللَّهُ. وقِيلَ: أنْ تَفْسِيرِيَّةٌ، وأُبْعِدَ ذَلِكَ مِن أجْلِ الواوِ، ولا يَصِحُّ ذَلِكَ بِأنْ يُقَدَّرَ قَبْلَ فِعْلِ الأمْرِ فِعْلًا مَحْذُوفًا فِيهِ مَعْنى القَوْلِ؛ أيْ: وأمَرْناكَ أنِ احْكم، لِأنَّهُ يَلْزَمُ مِن ذَلِكَ حَذْفُ الجُمْلَةِ المُفَسِّرَةِ بِأنْ وما بَعْدَها، وذَلِكَ لا يُحْفَظُ مِن كَلامِ العَرَبِ. وقُرِئَ بِضَمِّ النُّونِ مِن: وأنِ احْكم، إتْباعًا لِحَرَكَةِ الكافِ، وبِكَسْرِها عَلى أصْلِ التِقاءِ السّاكِنَيْنِ. والضَّمِيرُ في بَيْنَهم عائِدٌ عَلى اليَهُودِ. وقِيلَ: عَلى جَمِيعِ المُتَحاكِمِينَ.

﴿ولا تَتَّبِعْ أهْواءَهُمْ﴾ تَقَدَّمَ شَرْحُ هَذِهِ الجُمْلَةِ.

﴿واحْذَرْهم أنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ ما أنْزَلَ اللَّهُ إلَيْكَ﴾ أيْ: يَسْتَزِلُّوكَ. وحَذَّرَهُ عَنْ ذَلِكَ، وإنْ كانَ مَأْيُوسًا مِن فِتْنَتِهِمْ إيّاهُ لِقَطْعِ أطْماعِهِمْ، وقالَ: عَنْ بَعْضٍ، لِأنَّ الَّذِي سَألُوهُ هو أمْرٌ جُزْئِيٌّ، سَألُوهُ أنْ يَقْضِيَ لَهم فِيهِ عَلى خُصُومِهِمْ فَأبى مِنهُ. ومَوْضِعُ أنْ يَفْتِنُوكَ نَصْبٌ عَلى البَدَلِ، ويَكُونُ مَفْعُولًا مِن أجْلِهِ.

﴿فَإنْ تَوَلَّوْا فاعْلَمْ أنَّما يُرِيدُ اللَّهُ أنْ يُصِيبَهم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ﴾ أيْ: فَإنْ تَوَلَّوْا عَنِ الحُكْمِ بِما أنْزَلَ اللَّهُ وأرادُوا غَيْرَهُ؛ ومَعْنى: أنْ يُصِيبَهم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ، أنْ يُعَذِّبَهم بِبَعْضِ آثامِهِمْ. وأبْهَمَ بَعْضًا هُنا ويَعْنِي بِهِ؛ واللَّهُ أعْلَمُ؛ التَّوَلِّيَ عَنْ حُكْمِ اللَّهِ وإرادَةَ خِلافِهِ، فَوَضَعَ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ مَوْضِعَ ذَلِكَ، وأرادَ أنَّهم ذَوُو ذُنُوبٍ جَمَّةٍ كَثِيرَةٍ لا العَدَدَ، وهَذا الذَّنْبُ مَعَ عِظَمِهِ وهَذا الإبْهامُ فِيهِ تَعْظِيمُ التَّوَلِّي وفَرْطُ إسْرافِهِمْ في ارْتِكابِهِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُ لَبِيدٍ:

؎أوْ يَرْتَبِطْ بَعْضَ النُّفُوسِ حِمامُها

أرادَ نَفْسَهُ وقَصَدَ تَفْخِيمَ شَأْنِها بِهَذا الإبْهامِ، كَأنَّهُ قالَ: نَفْسًا كَبِيرَةً أوْ نَفْسًا أيَّ نَفْسٍ، وهَذا الوَعْدُ بِالمُصِيبَةِ قَدْ أنْجَزَهُ لَهُ تَعالى بِقِصَّةِ بَنِي قَيْنُقاعَ وقِصَّةِ قُرَيْظَةَ …

Al-Maaida 5:49Listen in Qur'an →
50

أَفَحُكْمَ ٱلْجَٰهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ۚ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ ٱللَّهِ حُكْمًۭا لِّقَوْمٍۢ يُوقِنُونَ

Then is it the judgement of [the time of] ignorance they desire? But who is better than Allah in judgement for a people who are certain [in faith].

﴿أفَحُكْمَ الجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ هَذا اسْتِفْهامٌ مَعْناهُ الإنْكارُ عَلى اليَهُودِ، حَيْثُ هم أهْلُ كِتابٍ وتَحْلِيلٍ وتَحْرِيمٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى، ومَعَ ذَلِكَ يُعْرِضُونَ عَنْ حُكْمِ اللَّهِ ويَخْتارُونَ عَلَيْهِ حُكْمَ الجاهِلِيَّةِ، وهو بِمُجَرَّدِ الهَوى مِن مُراعاةِ الأشْرَفِ عِنْدَهم، وتَرْجِيحِ الفاضِلِ عِنْدَهم في الدُّنْيا عَلى المَفْضُولِ، وفي هَذا أشَدُّ النَّعْيِ عَلَيْهِمْ حَيْثُ تَرَكُوا الحُكْمَ الإلَهِيَّ بِحُكْمِ الهَوى والجَهْلِ. وقالَ الحَسَنُ: هو عامٌّ في كُلِّ مَن يَبْتَغِي غَيْرَ حُكْمِ اللَّهِ.

والحُكْمُ حُكْمانِ: حُكْمٌ بِعِلْمٍ، فَهو حُكْمُ اللَّهِ؛ وحُكْمٌ بِجَهْلٍ، فَهو حُكْمُ الشَّيْطانِ؛ وسُئِلَ عَنِ الرَّجُلِ يُفَضِّلُ بَعْضَ ولَدِهِ عَلى بَعْضٍ: فَقَرَأ هَذِهِ الآيَةَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿أفَحُكْمَ﴾؛ بِنَصْبِ المِيمِ، وهو مَفْعُولُ يَبْغُونَ. وقَرَأ السُّلَمِيُّ، وابْنُ وثّابٍ، وأبُو رَجاءٍ، والأعْرَجُ: أفَحُكْمُ الجاهِلِيَّةِ؛ بِرَفْعِ المِيمِ عَلى الِابْتِداءِ. والظّاهِرُ أنَّ الخَبَرَ هو قَوْلُهُ: (يَبْغُونَ)، وحَسَّنَ حَذْفَ الضَّمِيرِ قَلِيلًا في هَذِهِ القِراءَةِ كَوْنُ الجُمْلَةِ فاصِلَةً. وقالَ ابْنُ مُجاهِدٍ: هَذا خَطَأٌ. قالَ ابْنُ جِنِّي: ولَيْسَ كَذَلِكَ، وُجِدَ غَيْرُهُ أقْوى مِنهُ وقَدْ جاءَ في الشِّعْرِ. انْتَهى.

وفِي هَذِهِ المَسْألَةِ خِلافٌ بَيْنِ النَّحْوِيِّينَ. وبَعْضُهم يُجِيزُ حَذْفَ هَذا الضَّمِيرِ في الكَلامِ، وبَعْضُهم يَخُصُّهُ بِالشِّعْرِ، وبَعْضُهم يُفَصِّلُ. وهَذِهِ المَذاهِبُ ودَلائِلُها مَذْكُورَةٌ في عِلْمِ النَّحْوِ؛ وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وإسْقاطُ الرّاجِعِ عَنْهُ كَإسْقاطِهِ عَنِ الصِّلَةِ في: أهَذا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا وعَنِ الصِّفَةِ في: النّاسُ رَجُلانِ، رَجُلٌ أهَنْتَ ورَجُلٌ أكْرَمْتَ. وعَنِ الحالِ في: مَرَرْتُ بِهِنْدٍ تَضْرِبُ زَيْدًا. انْتَهى. فَإنْ كانَ جَعْلُ الإسْقاطِ فِيهِ مِثْلَ الإسْقاطِ في الجَوازِ والحُسْنِ، فَلَيْسَ كَما ذُكِرَ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ، بَلْ حَذْفُهُ مِنَ الصِّلَةِ بِشُرُوطِ الحَذْفِ: فَصِيحٌ، وحَذْفُهُ مِنَ الصِّفَةِ: قَلِيلٌ، وحَذْفُهُ مِنَ الخَبَرِ: مَخْصُوصٌ بِالشِّعْرِ، أوْ في نادِرٍ. وإنْ كانَ شَبَهُهُ بِهِ مِن حَيْثُ مُطْلَقُ الإسْقاطِ فَهو صَحِيحٌ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وإنَّما تَتَّجِهُ القِراءَةُ عَلى أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: أفَحُكْمُ الجاهِلِيَّةِ حُكْمٌ تَبْغُونَ، فَلا تُجْعَلُ تَبْغُونَ خَبَرًا بَلْ تُجْعَلُ صِفَةَ خَبَرٍ مَحْذُوفٍ، ونَظِيرُهُ: (مِنَ الَّذِينَ يُحَرِّفُونَ) تَقْدِيرُهُ: قَوْمٌ يُحَرِّفُونَ. انْتَهى. وهو تَوْجِيهٌ مُمْكِنٌ. وقَرَأ قَتادَةُ والأعْمَشُ: (أفَحَكَمَ)؛ بِفَتْحِ الحاءِ والكافِ والمِيمِ، وهو جِنْسٌ لا يُرادُ بِهِ واحِدٌ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: أحُكّامَ الجاهِلِيَّةِ؛ وهي إشارَةٌ إلى الكُهّانِ الَّذِينَ كانُوا يَأْخُذُونَ الحُلْوانَ وهي رَشا الكُهّانِ، ويَحْكُمُونَ لَهم بِحَسَبِهِ وبِحَسَبِ الشَّهَواتِ، أرادُوا بِسَفَهِهِمْ أنْ يَكُونَ خاتَمُ النَّبِيِّينَ حَكَمًا كَأُولَئِكَ الحُكّامِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (يَبْغُونَ)؛ بِالياءِ عَلى نَسَقِ الغَيْبَةِ المُتَقَدِّمَةِ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ بِالتّاءِ عَلى الخِطابِ، وفِيهِ مُواجَهَتُهم بِالإنْكارِ والرَّدْعِ والزَّجْرِ، ولَيْسَ ذَلِكَ في الغَيْبَةِ، فَهَذِهِ حِكْمَةُ الِالتِفاتِ والخِطابِ لِيَهُودِ قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ.

﴿ومَن أحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ أيْ لا أحَدَ أحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا وتَقَدَّمَ أنِ احْكم بَيْنَهم بِما أنْزَلَ اللَّهُ فَجاءَتْ هَذِهِ الآيَةُ مُشِيرَةً إلى هَذا المَعْنى؛ والمَعْنى: أنَّ حُكْمَ …

Al-Maaida 5:50Listen in Qur'an →

Commentary: Al-Bahr al-Muhit by Abu Hayyan al-Gharnati. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.