۞ يَٰٓأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ لَا يَحْزُنكَ ٱلَّذِينَ يُسَٰرِعُونَ فِى ٱلْكُفْرِ مِنَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓا۟ ءَامَنَّا بِأَفْوَٰهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ ۛ وَمِنَ ٱلَّذِينَ هَادُوا۟ ۛ سَمَّٰعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّٰعُونَ لِقَوْمٍ ءَاخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ ۖ يُحَرِّفُونَ ٱلْكَلِمَ مِنۢ بَعْدِ مَوَاضِعِهِۦ ۖ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَٰذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ فَٱحْذَرُوا۟ ۚ وَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ فِتْنَتَهُۥ فَلَن تَمْلِكَ لَهُۥ مِنَ ٱللَّهِ شَيْـًٔا ۚ أُو۟لَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ لَمْ يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ ۚ لَهُمْ فِى ٱلدُّنْيَا خِزْىٌۭ ۖ وَلَهُمْ فِى ٱلْءَاخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌۭ
O Messenger, let them not grieve you who hasten into disbelief of those who say, "We believe" with their mouths, but their hearts believe not, and from among the Jews. [They are] avid listeners to falsehood, listening to another people who have not come to you. They distort words beyond their [proper] usages, saying "If you are given this, take it; but if you are not given it, then beware." But he for whom Allah intends fitnah - never will you possess [power to do] for him a thing against Allah. Those are the ones for whom Allah does not intend to purify their hearts. For them in this world is disgrace, and for them in the Hereafter is a great punishment.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَقُولُونَ إنْ أُوتِيتُمْ هَذا فَخُذُوهُ وإنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فاحْذَرُوا﴾، في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ إجْمالٌ؛ لِأنَّ المُشارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ هَذا، مُفَسِّرٌ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ: فَخُذُوهُ، وقَوْلُهُ: لَمْ تُؤْتَوْهُ، لَمْ يُصَرِّحْ بِهِ في الآيَةِ ولَكِنَّ اللَّهَ أشارَ لَهُ هُنا، وذَكَرَهُ في مَوْضِعٍ آخَرَ.
اعْلَمْ أوَّلًا أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في اليَهُودِيِّ واليَهُودِيَّةِ الَّذِينَ زَنَيا بَعْدَ الإحْصانِ، وكانَ اليَهُودُ قَدْ بَدَّلُوا حُكْمَ الرَّجْمِ في التَّوْراةِ، فَتَعَمَّدُوا تَحْرِيفَ كِتابِ اللَّهِ، واصْطَلَحُوا فِيما بَيْنَهم عَلى أنَّ الزّانِيَ المُحْصَنَ الَّذِي يَعْلَمُونَ أنَّ حَدَّهُ في كِتابِ اللَّهِ، التَّوْراةِ: الرَّجْمُ، أنَّهم يَجْلِدُونَهُ ويَفْضَحُونَهُ بِتَسْوِيدِ الوَجْهِ، والإرْكابِ عَلى حِمارٍ، فَلَمّا زَنى المَذْكُورانِ قالُوا فِيما بَيْنَهم تَعالَوْا نَتَحاكَمُ إلى مُحَمَّدٍ ﷺ في شَأْنِ حَدِّهِما، فَإنْ حَكَمَ بِالجَلْدِ والتَّحْمِيمِ فَخُذُوا عَنْهُ ذَلِكَ واجْعَلُوهُ حُجَّةً بَيْنَكم وبَيْنَ اللَّهِ تَعالى ويَكُونُ نَبِيٌّ مِن أنْبِياءِ اللَّهِ قَدْ حَكَمَ فِيهِما بِذَلِكَ، وإنْ حَكَمَ بِالرَّجْمِ فَلا تَتَّبِعُوهُ، فَإذا عَرَفْتَ ذَلِكَ فاعْلَمْ أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: هَذا، وقَوْلِهِ: فَخُذُوهُ، وقَوْلِهِ: ﴿وَإنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ﴾، هو الحُكْمُ المُحَرَّفُ الَّذِي هو الجَلْدُ والتَّحْمِيمُ كَما بَيَّنّا، وأشارَ إلى ذَلِكَ هُنا بِقَوْلِهِ: ﴿يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ مِن بَعْدِ مَواضِعِهِ يَقُولُونَ إنْ أُوتِيتُمْ هَذا﴾ يَعْنِي المُحَرَّفَ والمُبَدَّلَ الَّذِي هو الجَلْدُ والتَّحْمِيمُ فَخُذُوهُ، ﴿وَإنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ﴾ بِأنْ حَكَمَ بِالحَقِّ الَّذِي هو الرَّجْمُ فاحْذَرُوا أنْ تَقْبَلُوهُ.
وَذَكَرَ تَعالى هَذا أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ يُدْعَوْنَ إلى كِتابِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٢٣]، يَعْنِي التَّوْراةَ ﴿لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾، يَعْنِي في شَأْنِ الزّانِيَيْنِ المَذْكُورَيْنِ، ﴿ثُمَّ يَتَوَلّى فَرِيقٌ مِنهم وهم مُعْرِضُونَ﴾، أيْ عَمّا في التَّوْراةِ مِن حُكْمِ رَجْمِ الزّانِي المُحْصَنِ، وقَوْلُهُ هُنا: ﴿ثُمَّ يَتَوَلّى فَرِيقٌ مِنهم وهم مُعْرِضُونَ﴾، هو مَعْنى قَوْلِهِ عَنْهم: ﴿وَإنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فاحْذَرُوا﴾، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.