بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ النِّساءِ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَآتُوا اليَتامى أمْوالَهُمْ﴾ الآيَةَ. أمَرَ اللَّهِ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ بِإيتاءِ اليَتامى أمْوالَهم، ولَمْ يَشْتَرِطْ هُنا في ذَلِكَ شَرْطًا، ولَكِنَّهُ بَيَّنَ هَذا أنَّ هَذا الإيتاءَ المَأْمُورَ بِهِ مَشْرُوطٌ بِشَرْطَيْنِ:
الأوَّلُ: بُلُوغُ اليَتامى.
والثّانِي: إيناسُ الرُّشْدِ مِنهم، وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وابْتَلُوا اليَتامى حَتّى إذا بَلَغُوا النِّكاحَ فَإنْ آنَسْتُمْ مِنهم رُشْدًا فادْفَعُوا إلَيْهِمْ أمْوالَهُمْ﴾ [النساء: ٦] .
وَتَسْمِيَتُهم يَتامى في المَوْضِعَيْنِ، إنَّما هي بِاعْتِبارِ يُتْمِهِمُ الَّذِي كانُوا مُتَّصِفِينَ بِهِ قَبْلَ البُلُوغِ، إذْ لا يُتْمَ بَعْدَ البُلُوغِ إجْماعًا، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ﴾ [الأعراف: ١٢٠]، يَعْنِي الَّذِينَ كانُوا سَحَرَةً، إذْ لا سِحْرَ مَعَ السُّجُودِ لِلَّهِ.
وَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: مَعْنى إيتائِهِمْ أمْوالَهم إجْراءَ النَّفَقَةِ والكُسْوَةِ زَمَنَ الوِلايَةِ عَلَيْهِمْ.
وَقالَ أبُو حَنِيفَةَ: إذا بَلَغَ خَمْسًا وعِشْرِينَ سَنَةً أُعْطِيَ مالَهُ عَلى كُلِّ حالٍ؛ لِأنَّهُ يَصِيرُ جِدًّا، ولا يَخْفى عَدَمُ اتِّجاهِهِ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أمْوالَهم إلى أمْوالِكم إنَّهُ كانَ حُوبًا﴾، ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ أكْلَ أمْوالِ اليَتامى حُوبٌ كَبِيرٌ، أيْ: إثْمٌ عَظِيمٌ، ولَمْ يُبَيِّنْ مَبْلَغَ هَذا الحُوبِ مِنَ العِظَمِ، ولَكِنَّهُ بَيَّنَهُ في مَوْضِعٍ آخَرَ وهو قَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أمْوالَ اليَتامى ظُلْمًا إنَّما يَأْكُلُونَ في بُطُونِهِمْ نارًا وسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء: ١٠] .