Muslim99Muslim99
← Tafsir library

5. Al-Maaida

The Table · Medinan · 120 ayahs

سُورَةُ المَائـِدَةِ

Reading Irshad al-'Aql al-Salim by Abu al-Su'ud

Ayahs 1–10 of 120

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

1

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَوْفُوا۟ بِٱلْعُقُودِ ۚ أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ ٱلْأَنْعَٰمِ إِلَّا مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّى ٱلصَّيْدِ وَأَنتُمْ حُرُمٌ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ

O you who have believed, fulfill [all] contracts. Lawful for you are the animals of grazing livestock except for that which is recited to you [in this Qur'an] - hunting not being permitted while you are in the state of ihram. Indeed, Allah ordains what He intends.

سُورَةُ المائِدَةِ مَدَنِيَّةٌ وهي مِائَةٌ وعِشْرُونَ آيَةً

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أوْفُوا بِالعُقُودِ﴾ الوَفاءُ: القِيامُ بِمُوجَبِ العَقْدِ، وكَذا الإيفاءُ. والعَقْدُ: هو العَهْدُ المُوَثَّقُ المُشَبَّهُ بِعَقْدِ الحَبْلِ ونَحْوِهِ، والمُرادُ بِالعُقُودِ: ما يَعُمُّ جَمِيعَ ما ألْزَمَهُ اللَّهُ تَعالى عِبادَهُ، وعَقَدَهُ عَلَيْهِمْ مِنَ التَّكالِيفِ والأحْكامِ الدِّينِيَّةِ، وما يَعْقِدُونَهُ فِيما بَيْنَهم مِن عُقُودِ الأماناتِ والمُعامَلاتِ ونَحْوِها مِمّا يَجِبُ الوَفاءُ بِهِ، أوْ يَحْسُنُ دِينًا بِأنْ يُحْمَلَ الأمْرُ عَلى مَعْنًى يَعُمُّ الوُجُوبَ والنَّدْبَ، أُمِرَ بِذَلِكَ أوَّلًا عَلى وجْهِ الإجْمالِ، ثُمَّ شُرِعَ في تَفْصِيلِ الأحْكامِ الَّتِي أُمِرَ بِالإيفاءِ بِها، وبُدِئَ بِما يَتَعَلَّقُ بِضَرُورِيّاتِ مَعايِشِهِمْ.

فَقِيلَ: ﴿أُحِلَّتْ لَكم بَهِيمَةُ الأنْعامِ﴾ البَهِيمَةُ: كُلُّ ذاتِ أرْبَعٍ، وإضافَتُها إلى الأنْعامِ لِلْبَيانِ، كَثَوْبِ الخَزِّ، وإفْرادُها لِإرادَةِ الجِنْسِ؛ أيْ: أُحِلَّ لَكم أكْلُ البَهِيمَةِ مِنَ الأنْعامِ، وهي الأزْواجُ الثَّمانِيَةُ المَعْدُودَةُ في سُورَةِ الأنْعامِ، وأُلْحِقَ بِها الظِّباءُ، وبَقَرُ الوَحْشِ، ونَحْوُهُما.

وَقِيلَ: هي المُرادَةُ بِالبَهِيمَةِ هَهُنا لِتَقَدُّمِ بَيانِ حِلِّ الأنْعامِ، والإضافَةُ لِما بَيْنَهُما مِنَ المُشابَهَةِ والمُماثَلَةِ في الِاجْتِرارِ وعَدَمِ الأنْيابِ، وفائِدَتُها الإشْعارُ بِعِلَّةِ الحُكْمِ المُشْتَرِكَةِ بَيْنَ المُضافَيْنِ، كَأنَّهُ قِيلَ: أُحِلَّتْ لَكُمُ البَهِيمَةُ الشَّبِيهَةُ بِالأنْعامِ، الَّتِي بُيِّنَ إحْلالُها فِيما سَبَقَ، المُماثِلَةُ لَها في مَناطِ الحُكْمِ. وتَقْدِيمُ الجارِّ والمَجْرُورِ عَلى القائِمِ مَقامَ الفاعِلِ لِما مَرَّ مِرارًا مِن إظْهارِ العِنايَةِ بِالمُقَدَّمِ، لِما فِيهِ مِن تَعْجِيلِ المَسَرَّةِ والتَّشْوِيقِ إلى المُؤَخَّرِ، فَإنَّ ما حَقُّهُ التَّقْدِيمُ إذا أُخِّرَ، تَبْقى النَّفْسُ مُتَرَقِّبَةً إلى وُرُودِهِ، فَيَتَمَكَّنُ عِنْدَها فَضْلَ تَمَكُّنٍ.

﴿إلا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ﴾ اسْتِثْناءٌ مِن بَهِيمَةِ الأنْعامِ؛ أيْ: إلّا مُحَرَّمَ ما يُتْلى عَلَيْكم مِن قَوْلِهِ تَعالى: " ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ﴾ " ونَحْوِهِ، أوْ ﴿إلا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ﴾ آيَةُ تَحْرِيمِهِ.

﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ﴾؛ أيْ: الِاصْطِيادِ في البَرِّ أوْ أكْلِ صَيْدِهِ، وهو نَصْبٌ عَلى الحالِيَّةِ مِن ضَمِيرِ لَكم، ومَعْنى عَدَمِ إحْلالِهِمْ لَهُ: تَقْرِيرُ حُرْمَتِهِ عَمَلًا واعْتِقادًا، وهو شائِعٌ في الكِتابِ والسُّنَّةِ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنْتُمْ حُرُمٌ﴾؛ أيْ: مُحْرِمُونَ، حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في مُحِلِّي، وفائِدَةُ تَقْيِيدِ إحْلالِ بَهِيمَةِ الأنْعامِ بِما ذُكِرَ مِن عَدَمِ إحْلالِ الصَّيْدِ حالَ الإحْرامِ، عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ المُرادِ بِها الظِّباءَ ونَظائِرَها ظاهِرَةٌ لِما أنَّ إحْلالَها غَيْرُ مُطْلَقٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: أُحِلَّ لَكُمُ الصَّيْدُ حالَ كَوْنِكم مُمْتَنِعِينَ عَنْهُ عِنْدَ إحْرامِكم. وأمّا عَلى التَّقْدِيرِ الأوَّلِ؛ فَفائِدَتُهُ إتْمامُ النِّعْمَةِ وإظْهارُ الِامْتِنانِ بِإحْلالِها بِتَذْكِيرِ احْتِياجِهِمْ إلَيْهِ، فَإنَّ حُرْمَةَ الصَّيْدِ في حالَةِ الإحْرامِ مِن مَظانِّ حاجَتِهِمْ إلى إحْلالِ غَيْرِهِ حِينَئِذٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: أُحِلَّتْ لَكُمُ الأنْعامُ مُطْلَقًا حالَ كَوْنِكم مُمْتَنِعِينَ عَنْ تَحْصِيلِ ما يُغْنِيكم عَنْها في بَعْضِ الأوْقاتِ، مُحْتاجِينَ إلى إحْلالِها.

وَفِي إسْنادِ عَدَمِ الإحْلالِ إلَيْهِمْ بِالمَعْنى المَذْكُورِ مَعَ حُصُولِ المُرادِ بِأنْ …

2

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تُحِلُّوا۟ شَعَٰٓئِرَ ٱللَّهِ وَلَا ٱلشَّهْرَ ٱلْحَرَامَ وَلَا ٱلْهَدْىَ وَلَا ٱلْقَلَٰٓئِدَ وَلَآ ءَآمِّينَ ٱلْبَيْتَ ٱلْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًۭا مِّن رَّبِّهِمْ وَرِضْوَٰنًۭا ۚ وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَٱصْطَادُوا۟ ۚ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَـَٔانُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ أَن تَعْتَدُوا۟ ۘ وَتَعَاوَنُوا۟ عَلَى ٱلْبِرِّ وَٱلتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا۟ عَلَى ٱلْإِثْمِ وَٱلْعُدْوَٰنِ ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ۖ إِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ

O you who have believed, do not violate the rites of Allah or [the sanctity of] the sacred month or [neglect the marking of] the sacrificial animals and garlanding [them] or [violate the safety of] those coming to the Sacred House seeking bounty from their Lord and [His] approval. But when you come out of ihram, then [you may] hunt. And do not let the hatred of a people for having obstructed you from al-Masjid al-Haram lead you to transgress. And cooperate in righteousness and piety, but do not cooperate in sin and aggression. And fear Allah; indeed, Allah is severe in penalty.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ﴾ لَمّا بَيَّنَ حُرْمَةَ إحْلالِ الإحْرامِ الَّذِي هو مِن شَعائِرِ الحَجِّ، عَقَّبَ ذَلِكَ بِبَيانِ حُرْمَةِ إحْلالِ سائِرِ الشَّعائِرِ، وإضافَتُها إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ لِتَشْرِيفِها، وتَهْوِيلِ الخَطْبِ في إحْلالِها، وهي جَمْعُ شَعِيرَةٍ، وهي اسْمٌ لِما أُشْعِرَ؛ أيْ: جُعِلَ شِعارًا وعَلَمًا للنُّسُكِ مِن مَواقِيتِ الحَجِّ ومَرامِي الجِمارِ والمَطافِ والمَسْعى، والأفْعالِ الَّتِي هي عَلاماتُ الحاجِّ يُعْرَفُ بِها مِنَ الإحْرامِ والطَّوافِ والسَّعْيِ، والحَلْقِ والنَّحْرِ. وإحْلالُها: أنْ يُتَهاوَنَ بِحُرْمَتِها ويُحالَ بَيْنَها وبَيْنَ المُتَنَسِّكِينَ بِها، ويَحْدُثَ في أشْهُرِ الحَجِّ ما يَصُدُّ بِهِ النّاسُ عَنِ الحَجِّ. وقِيلَ: المُرادُ بِها: دِينُ اللَّهِ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمَن يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللَّهِ﴾؛ أيْ: دِينَهُ. وقِيلَ: حُرُماتُ اللَّهِ. وقِيلَ: فَرائِضُهُ الَّتِي حَدَّها لِعِبادِهِ. وإحْلالُها: الإخْلالُ بِها، والأوَّلُ أنْسَبُ بِالمَقامِ.

﴿وَلا الشَّهْرَ الحَرامَ﴾؛ أيْ: لا تُحِلُّوهُ بِالقِتالِ فِيهِ. وقِيلَ: بِالنَّسِيءِ. والأوَّلُ هو الأوْلى بِحالِ المُؤْمِنِينَ، والمُرادُ بِهِ: شَهْرُ الحَجِّ. وقِيلَ: الأشْهُرُ الأرْبَعَةُ الحُرُمُ، والإفْرادُ لِإرادَةِ الجِنْسِ.

﴿وَلا الهَدْيَ﴾ بِأنْ يُتَعَرَّضَ لَهُ بِالغَصْبِ، أوْ بِالمَنعِ عَنْ بُلُوغِ مَحِلِّهِ، وهو ما أُهْدِيَ إلى الكَعْبَةِ مِن إبِلٍ، أوْ بَقَرٍ، أوْ شاةٍ، جَمْعُ هَدِيَّةٍ، كَجَدْيٍ وجَدِيَّةٍ.

﴿وَلا القَلائِدَ﴾ هي جَمْعُ قِلادَةٍ، وهي ما يُقَلَّدُ بِهِ الهَدْيُ مِن نَعْلٍ، أوْ لِحاءِ شَجَرٍ، لِيُعْلَمَ بِهِ أنَّهُ هَدْيٌ، فَلا يُتَعَرَّضَ لَهُ. والمُرادُ: النَّهْيُ عَنِ التَّعَرُّضِ لِذَواتِ القَلائِدِ مِنَ الهَدْيِ، وهي البُدْنُ، وعَطْفُها عَلى الهَدْيِ مَعَ دُخُولِها فِيهِ لِمَزِيدِ التَّوْصِيَةِ بِها؛ لِمَزِيَّتِها عَلى ما عَداها، كَما عُطِفَ جِبْرِيلُ ومِيكالُ عَلى المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، كَأنَّهُ قِيلَ: والقَلائِدُ مِنهُ خُصُوصًا. أوِ النَّهْيُ عَنِ التَّعَرُّضِ لِنَفْسِ القَلائِدِ؛ مُبالَغَةً في النَّهْيِ عَنِ التَّعَرُّضِ لِأصْحابِها عَلى مَعْنى: لا تُحِلُّوا قَلائِدَها فَضْلًا عَنْ أنْ تُحِلُّوها، كَما نَهى عَنْ إبْداءِ الزِّينَةِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾؛ مُبالَغَةً في النَّهْيِ عَنْ إبْداءِ مَواقِعِها.

﴿وَلا آمِّينَ البَيْتَ الحَرامَ﴾؛ أيْ: لا تُحِلُّوا قَوْمًا قاصِدِينَ زِيارَتَهُ بِأنْ تَصُدُّوهم عَنْ ذَلِكَ بِأيِّ وجْهٍ كانَ. وقِيلَ: هُناكَ مُضافٌ مَحْذُوفٌ؛ أيْ: قِتالَ قَوْمٍ، أوْ أذى قَوْمٍ آمِّينَ ... إلَخْ. وقُرِئَ: ( ولا آمِّي البَيْتِ الحَرامِ ) بِالإضافَةِ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلا مِن رَبِّهِمْ ورِضْوانًا﴾ حالٌ مِنَ المُسْتَكِنِ في آمِّينَ لا صِفَةٌ لَهُ؛ لِأنَّ المُخْتارَ أنَّ اسْمَ الفاعِلِ إذا وُصِفَ بَطَلَ عَمَلُهُ؛ أيْ: قاصِدِينَ زِيارَتَهُ حالَ كَوْنِهِمْ طالِبِينَ أنْ يُثِيبَهُمُ اللَّهُ تَعالى ويَرْضى عَنْهم. وتَنْكِيرُ فَضْلًا ورِضْوانًا لِلتَّفْخِيمِ. ومِن رَبِّهِمْ مُتَعَلِّقٌ بِنَفْسِ الفِعْلِ، أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِفَضْلًا، مُغْنِيَةً عَنْ وصْفِ ما عُطِفَ عَلَيْهِ بِها؛ أيْ: فَضْلًا كائِنًا مِن رَبِّهِمْ ورِضْوانًا كَذَلِكَ، والتَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الربوبية مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِمْ لِتَشْرِيفِهِمْ، والإشْعارِ بِحُصُولِ مُبْتَغاهم. وقُرِئَ: ( تَبْتَغُونَ ) عَلى الخِطابِ، فالجُمْلَةُ حِينَئِذٍ حالٌ مِن ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ في لا تُحِلُّوا، عَلى أنَّ المُرادَ بَيانُ مُنافاةِ حالِهِمْ هَذِهِ …

3

حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةُ وَٱلدَّمُ وَلَحْمُ ٱلْخِنزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ ٱللَّهِ بِهِۦ وَٱلْمُنْخَنِقَةُ وَٱلْمَوْقُوذَةُ وَٱلْمُتَرَدِّيَةُ وَٱلنَّطِيحَةُ وَمَآ أَكَلَ ٱلسَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى ٱلنُّصُبِ وَأَن تَسْتَقْسِمُوا۟ بِٱلْأَزْلَٰمِ ۚ ذَٰلِكُمْ فِسْقٌ ۗ ٱلْيَوْمَ يَئِسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِن دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَٱخْشَوْنِ ۚ ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلْإِسْلَٰمَ دِينًۭا ۚ فَمَنِ ٱضْطُرَّ فِى مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍۢ لِّإِثْمٍۢ ۙ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ

Prohibited to you are dead animals, blood, the flesh of swine, and that which has been dedicated to other than Allah, and [those animals] killed by strangling or by a violent blow or by a head-long fall or by the goring of horns, and those from which a wild animal has eaten, except what you [are able to] slaughter [before its death], and those which are sacrificed on stone altars, and [prohibited is] that you seek decision through divining arrows. That is grave disobedience. This day those who disbelieve have despaired of [defeating] your religion; so fear them not, but fear Me. This day I have perfected for you your religion and completed My favor upon you and have approved for you Islam as religion. But whoever is forced by severe hunger with no inclination to sin - then indeed, Allah is Forgiving and Merciful.

﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ المُحَرَّماتِ الَّتِي أُشِيرَ إلَيْها بِقَوْلِهِ تَعالى: " ﴿إلا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ﴾ " . والمَيْتَةُ: ما فارَقَهُ الرُّوحُ مِن غَيْرِ ذِبْحٍ.

﴿والدَّمُ﴾؛ أيِ: المَسْفُوحُ مِنهُ، لِقَوْلِهِ تَعالى: " ﴿أوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ "، وكانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ يَصُبُّونَهُ في الأمْعاءِ ويَشْوُونَهُ، ويَقُولُونَ: لَمْ يَحْرُمْ مَن فُزِدْ لَهُ؛ أيْ: مِن فُصِدَ لَهُ.

﴿وَلَحْمُ الخِنْزِيرِ وما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾؛ أيْ: رُفِعَ الصَّوْتُ لِغَيْرِ اللَّهِ عِنْدَ ذَبْحِهِ، كَقَوْلِهِمْ: بِاسْمِ اللّاتِ والعُزّى.

﴿والمُنْخَنِقَةُ﴾؛ أيِ: الَّتِي ماتَتْ بِالخَنْقِ.

﴿والمَوْقُوذَةُ﴾؛ أيِ: الَّتِي قُتِلَتْ بِالضَّرْبِ بِالخَشَبِ ونَحْوِهِ، مِن وقَذْتُهُ: إذا ضَرَبْتَهُ.

﴿والمُتَرَدِّيَةُ﴾؛ أيِ: الَّتِي تَرَدَّتْ مِن عُلْوٍ، أوْ إلى بِئْرٍ فَماتَتْ.

﴿والنَّطِيحَةُ﴾؛ أيِ: الَّتِي نَطَحَتْها أُخْرى فَماتَتْ بِالنَّطْحِ، والتّاءُ لِلنَّقْلِ، وقُرِئَ: ( والمَنطُوحَةُ ) .

﴿وَما أكَلَ السَّبُعُ﴾؛ أيْ: وما أكَلَ مِنهُ السَّبُعُ فَماتَ، وقُرِئَ بِسُكُونِ الباءِ، وقُرِئَ: ( وأكِيلُ السَّبُعِ ) . وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ جَوارِحَ الصَّيْدِ إذا أكَلَتْ مِمّا صادَتْهُ لَمْ يَحِلَّ.

﴿إلا ما ذَكَّيْتُمْ﴾ إلّا ما أدْرَكْتُمْ ذَكاتَهُ، وفِيهِ بَقِيَّةُ حَياةٍ يَضْطَرِبُ اضْطِرابَ المَذْبُوحِ. وقِيلَ: الِاسْتِثْناءُ مَخْصُوصٌ بِما أكَلَ السَّبُعُ، والذَّكاةُ في الشَّرْعِ بِقَطْعِ الحُلْقُومِ والمَرِيءِ بِمُحَدَّدٍ.

﴿وَما ذُبِحَ عَلى النُّصُبِ﴾ قِيلَ: هو مُنْفَرِدٌ. وقِيلَ: جَمْعُ نِصابٍ. وقُرِئَ بِسُكُونِ الصّادِ، وأيًّا ما كانَ فَهو واحِدُ الأنْصابِ، وهي أحْجارٌ كانَتْ مَنصُوبَةً حَوْلَ البَيْتِ يَذْبَحُونَ عَلَيْها، ويَعُدُّونَ ذَلِكَ قُرْبَةً. وقِيلَ: هي الأصْنامُ.

﴿وَأنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالأزْلامِ﴾ جَمْعُ زَلَمٍ، وهو القِدْحُ؛ أيْ: وحُرِّمَ عَلَيْكم الِاسْتِقْسامُ بِالأقْداحِ، وذَلِكَ أنَّهم إذا قَصَدُوا فِعْلًا ضَرَبُوا ثَلاثَةَ أقْداحٍ مَكْتُوبٍ عَلى أحَدِها: أمَرَنِي رَبِّي، وعَلى الثّانِي: نَهانِي رَبِّي، وعَلى الثّالِثِ: غُفْلٌ. فَإنْ خَرَجَ الآمِرُ مَضَوْا عَلى ذَلِكَ، وإنْ خَرَجَ النّاهِي اجْتَنَبُوا عَنْهُ، وإنْ خَرَجَ الغافِلُ أجالُوها مَرَّةً أُخْرى. فَمَعْنى الِاسْتِقْسامِ: طَلَبُ مَعْرِفَةِ ما قُسِمَ لَهم بِالأزْلامِ. وقِيلَ: هو اسْتِقْسامُ الجَزُورِ بِالأقْداحِ عَلى الأنْصِباءِ المَعْهُودَةِ.

﴿ذَلِكُمْ﴾ إشارَةٌ إلى الِاسْتِقْسامِ بِالأزْلامِ، ومَعْنى البُعْدِ فِيهِ لِلْإشارَةِ إلى بُعْدِ مَنزِلَتِهِ في الشَّرِّ.

﴿فِسْقٌ﴾ تَمَرُّدٌ وخُرُوجٌ عَنِ الحَدِّ، ودُخُولٌ في عِلْمِ الغَيْبِ، وضَلالٌ بِاعْتِقادِ أنَّهُ طَرِيقٌ إلَيْهِ، وافْتِراءٌ عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ، إنْ كانَ هو المُرادَ بِقَوْلِهِمْ: رَبِّي، وشِرْكٌ، وجَهالَةٌ، إنْ كانَ هو الصَّنَمَ. وقِيلَ: " ذَلِكم " إشارَةٌ إلى تَناوُلِ المُحَرَّماتِ المَعْدُودَةِ؛ لِأنَّ مَعْنى تَحْرِيمِها: تَحْرِيمُ تَناوُلِها.

﴿اليَوْمَ﴾ اللّامُ لِلْعَهْدِ، والمُرادُ بِهِ: الزَّمانُ الحاضِرُ، وما يَتَّصِلُ بِهِ مِنَ الأزْمِنَةِ الماضِيَةِ والآتِيَةِ. وقِيلَ: يَوْمُ نُزُولِها، وقَدْ نَزَلَتْ بَعْدَ عَصْرِ الجُمُعَةِ يَوْمَ عَرَفَةَ في حَجَّةِ الوَداعِ، والنَّبِيُّ ﷺ واقِفٌ بِعَرَفاتٍ عَلى العَضْباءِ، فَكادَتْ عَضُدُ النّاقَةِ تَنْدَقُّ لِثِقَلِها فَبَرَّكَتْ، وأيًّا ما كانَ فَهو مَنصُوبٌ عَلى أنَّهُ ظَرْفٌ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن دِينِكُمْ﴾؛ أيْ: مِن إبْطالِهِ ورُجُوعِكم عَنْهُ بِتَحْلِيلِ هَذِهِ الخَبائِثِ، أوْ غَيْرِها، أوْ مِن …

4

يَسْـَٔلُونَكَ مَاذَآ أُحِلَّ لَهُمْ ۖ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيِّبَٰتُ ۙ وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ ٱلْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ ٱللَّهُ ۖ فَكُلُوا۟ مِمَّآ أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَٱذْكُرُوا۟ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَيْهِ ۖ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ

They ask you, [O Muhammad], what has been made lawful for them. Say, "Lawful for you are [all] good foods and [game caught by] what you have trained of hunting animals which you train as Allah has taught you. So eat of what they catch for you, and mention the name of Allah upon it, and fear Allah." Indeed, Allah is swift in account.

﴿يَسْألُونَكَ ماذا أُحِلَّ لَهُمْ﴾ شُرُوعٌ في تَفْصِيلِ المُحَلَّلاتِ الَّتِي ذُكِرَ بَعْضُها عَلى وجْهِ الإجْمالِ إثْرَ بَيانِ المُحَرَّماتِ، كَأنَّهم سَألُوا عَنْها عِنْدَ بَيانِ أضْدادِها، ولِتَضَمُّنِ السُّؤالِ مَعْنى القَوْلِ أُوقِعَ عَلى الجُمْلَةِ، فَـ " ماذا " مُبْتَدَأٌ، و" أُحِلَّ لَهم " خَبَرُهُ، وضَمِيرُ الغَيْبَةِ لِما أنَّ يَسْألُونَ بِلَفْظِ الغَيْبَةِ، فَإنَّهُ كَما يُعْتَبَرُ حالُ المَحْكِيِّ عَنْهُ، فَيُقالُ: أقْسَمَ زَيْدٌ لَأفْعَلَنَّ، يُعْتَبَرُ حالُ الحاكِي، فَيُقالُ: أقْسَمَ زَيْدٌ لَيَفْعَلَنَّ، والمَسْؤُولُ ما أُحِلَّ لَهم مِنَ المَطاعِمِ.

﴿قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ﴾؛ أيْ: ما لَمْ تَسْتَخْبِثْهُ الطِّباعُ السَّلِيمَةُ ولَمْ تَنْفِرْ عَنْهُ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ ويُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الخَبائِثَ﴾ .

﴿وَما عَلَّمْتُمْ مِنَ الجَوارِحِ﴾ عَطْفٌ عَلى الطَّيِّباتِ بِتَقْدِيرِ المُضافِ عَلى أنَّ " ما " مَوْصُولَةٌ، والعائِدُ مَحْذُوفٌ؛ أيْ: وصَيْدُ ما عَلَّمْتُمُوهُ، أوْ مُبْتَدَأٌ عَلى أنَّ " ما " شَرْطِيَّةٌ، والجَوابُ: فَكُلُوا. وقَدْ جُوِّزَ كَوْنَها مُبْتَدَأً عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِها مَوْصُولَةً أيْضًا، والخَبَرُ كُلُوا، وإنَّما دَخَلَتْهُ الفاءُ تَشْبِيهًا لِلْمَوْصُولِ بِاسْمِ الشَّرْطِ. ومِنَ الجَوارِحِ حالٌ مِنَ المَوْصُولِ، أوْ ضَمِيرِهِ المَحْذُوفِ، والجَوارِحُ: الكَواسِبُ مِن سِباعِ البَهائِمِ والطَّيْرِ. وقِيلَ: سُمِّيَتْ بِها لِأنَّها تَجْرَحُ الصَّيْدَ غالِبًا.

﴿مُكَلِّبِينَ﴾؛ أيْ: مُعَلِّمِينَ لَها الصَّيْدَ، والمُكَلِّبُ: مُؤَدِّبُ الجَوارِحِ ومُضْرِيها بِالصَّيْدِ، مُشْتَقٌ مِنَ الكَلْبِ؛ لِأنَّ التَّأْدِيبَ كَثِيرًا ما يَقَعُ فِيهِ، أوْ لِأنَّ كُلَّ سَبُعٍ يُسَمّى كَلْبًا، «لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في حَقِّ عُتْبَةَ بْنِ أبِي لَهَبٍ حِينَ أرادَ سَفَرَ الشّامِ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: " اللَّهُمَّ سَلِّطْ عَلَيْهِ كَلْبًا مِن كِلابِكَ "»، فَأكَلَهُ الأسَدُ. وانْتِصابُهُ عَلى الحالِيَّةِ مِن فاعِلِ عَلَّمْتُمْ، وفائِدَتُها المُبالَغَةُ في التَّعْلِيمِ لِما أنَّ الِاسْمَ المُكَلَّبَ لا يَقَعُ إلّا عَلى التَّحْرِيمِ في عِلْمِهِ. وقُرِئَ: ( مُكْلِبِينَ ) بِالتَّخْفِيفِ، والمَعْنى واحِدٌ.

﴿تُعَلِّمُونَهُنَّ﴾ حالٌ ثانِيَةٌ مِنهُ، أوْ حالٌ مِن ضَمِيرِ مُكَلِّبِينَ، أوِ اسْتِئْنافٌ.

﴿مِمّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ﴾ مِنَ الحِيَلِ وطُرُقِ التَّعْلِيمِ والتَّأْدِيبِ، فَإنَّ العِلْمَ بِهِ إلْهامٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى، أوْ مُكْتَسَبٌ بِالعَقْلِ الَّذِي هو مِنحَةٌ مِنهُ، أوْ مِمّا عَرَّفَكم أنْ تُعَلِّمُوهُ مِنِ اتِّباعِ الصَّيْدِ بِإرْسالِ صاحِبِهِ، وانْزِجارِهِ بِزَجْرِهِ، وانْصِرافِهِ بِدُعائِهِ، وإمْساكِ الصَّيْدِ عَلَيْهِ وعَدَمِ أكْلِهِ مِنهُ.

﴿فَكُلُوا مِمّا أمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ قَدْ مَرَّ فِيما سَبَقَ أنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ " ما " شَرْطِيَّةً جَوابُ الشَّرْطِ، وعَلى تَقْدِيرِ كَوْنِها مَوْصُولَةً مَرْفُوعَةً عَلى الِابْتِداءِ خَبَرٌ لَها، وأمّا عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِها عَطْفًا عَلى الطَّيِّباتِ، فَهي جُمْلَةٌ مُتَفَرِّعَةٌ عَلى بَيانِ حِلِّ صَيْدِ الجَوارِحِ المُعَلَّمَةِ مُبَيِّنَةٌ لِلْمُضافِ المُقَدَّرِ الَّذِي هو المَعْطُوفُ، وبِهِ يَتَعَلَّقُ الإحْلالُ حَقِيقَةً، ومُشِيرَةٌ إلى نَتِيجَةِ التَّعْلِيمِ وأثَرِهِ داخِلَةٌ تَحْتَ الأمْرِ، فالفاءُ فِيها كَما في قَوْلِهِ:

أمَرْتُكَ الخَيْرَ فافْعَلْ ما أُمِرْتَ بِهِ.

وَ" مِن " تَبْعِيضِيَّةٌ لِما أنَّ البَعْضَ مِمّا لا يَتَعَلَّقُ بِهِ الأكْلُ، كالجُلُودِ، والعِظامِ، والرِّيشِ، وغَيْرِ …

5

ٱلْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيِّبَٰتُ ۖ وَطَعَامُ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَٰبَ حِلٌّۭ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّۭ لَّهُمْ ۖ وَٱلْمُحْصَنَٰتُ مِنَ ٱلْمُؤْمِنَٰتِ وَٱلْمُحْصَنَٰتُ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَٰبَ مِن قَبْلِكُمْ إِذَآ ءَاتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَٰفِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِىٓ أَخْدَانٍۢ ۗ وَمَن يَكْفُرْ بِٱلْإِيمَٰنِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُۥ وَهُوَ فِى ٱلْءَاخِرَةِ مِنَ ٱلْخَٰسِرِينَ

This day [all] good foods have been made lawful, and the food of those who were given the Scripture is lawful for you and your food is lawful for them. And [lawful in marriage are] chaste women from among the believers and chaste women from among those who were given the Scripture before you, when you have given them their due compensation, desiring chastity, not unlawful sexual intercourse or taking [secret] lovers. And whoever denies the faith - his work has become worthless, and he, in the Hereafter, will be among the losers.

﴿اليَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ﴾ قِيلَ: المُرادُ بِالأيّامِ الثَّلاثَةِ وقْتٌ واحِدٌ، وإنَّما كُرِّرَ لِلتَّأْكِيدِ، ولِاخْتِلافِ الأحْداثِ الواقِعَةِ فِيهِ حَسُنَ تَكْرِيرُهُ، والمُرادُ بِالطَّيِّباتِ ما مَرَّ.

﴿وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾؛ أيِ: اليَهُودُ والنَّصارى، واسْتَثْنى عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ نَصارى بَنِي تَغْلِبَ، وقالَ: لَيْسُوا عَلى النَّصْرانِيَّةِ، ولَمْ يَأْخُذُوا مِنها إلّا شُرْبَ الخَمْرِ، وبِهِ أخَذَ الشّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. والمُرادُ بِطَعامِهِمْ: ما يَتَناوَلُ ذَبائِحَهم وغَيْرَها.

﴿حِلٌّ لَكُمْ﴾؛ أيْ: حَلالٌ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، أنَّهُ سُئِلَ عَنْ ذَبائِحِ نَصارى العَرَبِ فَقالَ: لا بَأْسَ، وهو قَوْلُ عامَّةِ التّابِعِينَ، وبِهِ أخَذَ أبُو حَنِيفَةَ رِضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وأصْحابُهُ. وحُكْمُ الصّابِئِينَ حُكْمُ أهْلِ الكِتابِ عِنْدَهُ، وقالَ صاحِباهُ: هُما صِنْفانِ: صِنْفٌ يَقْرَءُونَ الزَّبُورَ ويَعْبُدُونَ المَلائِكَةَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وصِنْفٌ لا يَقْرَءُونَ كِتابًا ويَعْبُدُونَ النُّجُومَ، فَهَؤُلاءِ لَيْسُوا مِن أهْلِ الكِتابِ. وأمّا المَجُوسُ فَقَدْ سَنَّ بِهِمْ سُنَّةَ أهْلِ الكِتابِ في أخْذِ الجِزْيَةِ مِنهم دُونَ أكْلِ ذَبائِحِهِمْ ونِكاحِ نِسائِهِمْ، لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ﴿ سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أهْلِ الكِتابِ غَيْرَ ناكِحِي نِسائِهِمْ ولا آكِلِي ذَبائِحِهِمْ ﴾ .

﴿وَطَعامُكم حِلٌّ لَهُمْ﴾ فَلا عَلَيْكم أنْ تُطْعِمُوهم وتَبِيعُوهُ مِنهم، ولَوْ حُرِّمَ عَلَيْهِمْ لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ. /0 ﴿والمُحْصَناتُ مِنَ المُؤْمِناتِ﴾ رُفِعَ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ حُذِفَ خَبَرُهُ لِدَلالَةِ ما تَقَدَّمَ عَلَيْهِ؛ أيْ: حِلٌّ لَكم أيْضًا، والمُرادُ بِهِنَّ: الحَرائِرُ العَفائِفُ، وتَخْصِيصُهُنَّ بِالذِّكْرِ لِلْبَعْثِ عَلى ما هو الأوْلى لا لِنَفْيِ ما عَداهُنَّ، فَإنَّ نِكاحَ الإماءِ المُسْلِماتِ صَحِيحٌ بِالِاتِّفاقِ، وكَذا نِكاحُ غَيْرِ العَفائِفِ مِنهُنَّ، وأمّا الإماءُ الكِتابِيّاتُ فَهُنَّ كالمُسْلِماتِ عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ رِضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، خِلافًا لِلشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.

﴿والمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِنَ قَبْلِكُمْ﴾؛ أيْ: هُنَّ أيْضًا حِلٌّ لَكم، وإنْ كُنَّ حَرْبِيّاتٍ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: لا تَحِلُّ الحِرْبِيّاتُ.

﴿إذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾؛ أيْ: مُهُورَهُنَّ، وتَقْيِيدُ الحِلِّ بِإيتائِها لِتَأْكِيدِ وُجُوبِها، والحَثِّ عَلى الأوْلى. وقِيلَ: المُرادُ بِإيتائِها: التِزامُها. و" إذا " ظَرْفِيَّةٌ عامِلُها حَلَّ المَحْذُوفُ. وقِيلَ: شَرْطِيَّةٌ حُذِفَ جَوابُها؛ أيْ: إذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ حَلَلْنَ لَكم.

﴿مُحْصِنِينَ﴾ حالٌ مِن فاعِلِ آتَيْتُمُوهُنَّ؛ أيْ: حالَ كَوْنِكم أعِفّاءَ بِالنِّكاحِ، وكَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿غَيْرَ مُسافِحِينَ﴾ . وقِيلَ: هو حالٌ مِن ضَمِيرِ مُحْصِنِينَ. وقِيلَ: صِفَةٌ لِمُحْصِنِينَ؛ أيْ: غَيْرَ مُجاهِرِينَ بِالزِّنا.

﴿وَلا مُتَّخِذِي أخْدانٍ﴾؛ أيْ: ولا مُسِرِّينَ بِهِ، والخِدْنُ: الصَّدِيقُ يَقَعُ عَلى الذَّكَرِ والأُنْثى، وهو إمّا مَجْرُورٌ عَطْفًا عَلى " مُسافِحِينَ "، وزِيدَتْ " لا " لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ المُسْتَفادِ مِن غَيْرَ، أوْ مَنصُوبٌ عَطْفًا عَلى " غَيْرَ مُسافِحِينَ " بِاعْتِبارِ أوْجُهِهِ الثَّلاثَةِ.

﴿وَمَن يَكْفُرْ بِالإيمانِ﴾؛ أيْ: ومَن يُنْكِرْ شَرائِعَ الإسْلامِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما بُيِّنَ هَهُنا مِنَ الأحْكامِ المُتَعَلِّقَةِ بِالحِلِّ والحُرْمَةِ، ويَمْتَنِعْ عَنْ قَبُولِها.

﴿فَقَدْ …

6

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ فَٱغْسِلُوا۟ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى ٱلْمَرَافِقِ وَٱمْسَحُوا۟ بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى ٱلْكَعْبَيْنِ ۚ وَإِن كُنتُمْ جُنُبًۭا فَٱطَّهَّرُوا۟ ۚ وَإِن كُنتُم مَّرْضَىٰٓ أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوْ جَآءَ أَحَدٌۭ مِّنكُم مِّنَ ٱلْغَآئِطِ أَوْ لَٰمَسْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَلَمْ تَجِدُوا۟ مَآءًۭ فَتَيَمَّمُوا۟ صَعِيدًۭا طَيِّبًۭا فَٱمْسَحُوا۟ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ ۚ مَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍۢ وَلَٰكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُۥ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ

O you who have believed, when you rise to [perform] prayer, wash your faces and your forearms to the elbows and wipe over your heads and wash your feet to the ankles. And if you are in a state of janabah, then purify yourselves. But if you are ill or on a journey or one of you comes from the place of relieving himself or you have contacted women and do not find water, then seek clean earth and wipe over your faces and hands with it. Allah does not intend to make difficulty for you, but He intends to purify you and complete His favor upon you that you may be grateful.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ الشَّرائِعِ المُتَعَلِّقَةِ بِدِينِهِمْ بَعْدَ بَيانِ ما يَتَعَلَّقُ بِدُنْياهم.

﴿إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ﴾؛ أيْ: أرَدْتُمُ القِيامَ إلَيْها، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإذا قَرَأْتَ القرآن فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾، عَبَّرَ عَنْ إرادَةِ الفِعْلِ بِالفِعْلِ المُسَبَّبِ عَنْها مَجازًا لِلْإيجازِ، والتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ مَن أرادَ الصَّلاةَ حَقُّهُ أنْ يُبادِرَ إلَيْها، بِحَيْثُ لا يَنْفَكُّ عَنْ إرادَتِها، أوْ إذا قَصَدْتُمُ الصَّلاةَ إطْلاقًا لِاسْمِ أحَدِ لازِمَيْها عَلى لازِمِها الآخَرِ. وظاهِرُ الآيَةِ الكَرِيمَةِ يُوجِبُ الوُضُوءَ عَلى كُلِّ قائِمٍ إلَيْها، وإنْ لَمْ يَكُنْ مُحْدِثًا، لِما أنَّ الأمْرَ لِلْوُجُوبِ قَطْعًا، والإجْماعُ عَلى خِلافِهِ. وقَدْ رُوِيَ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلّى الصَّلَواتِ الخَمْسَ يَوْمَ الفَتْحِ بِوُضُوءٍ واحِدٍ، فَقالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: صَنَعْتَ شَيْئًا لَمْ تَكُنْ تَصْنَعُهُ، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: " عَمْدًا فَعَلْتُهُ يا عُمَرُ "»، يَعْنِي: بَيانًا لِلْجَوازِ. وحَمْلُ الأمْرِ بِالنِّسْبَةِ إلى غَيْرِ المُحْدِثِ عَلى النَّدْبِ مِمّا لا مَساغَ لَهُ، فالوَجْهُ أنَّ الخِطابَ خاصٌّ بِالمُحْدِثِينَ بِقَرِينَةِ دَلالَةِ الحالِ، واشْتِراطُ الحَدَثِ في التَّيَمُّمِ الَّذِي هو بَدَلُهُ، وما نُقِلَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ والخُلَفاءِ مِن أنَّهم كانُوا يَتَوَضَّئُونَ لِكُلِّ صَلاةٍ، فَلا دَلالَةَ فِيهِ عَلى أنَّهم كانُوا يَفْعَلُونَهُ بِطَرِيقِ الوُجُوبِ أصْلًا، كَيْفَ لا وما رُوِيَ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن قَوْلِهِ: " «مَن تَوَضَّأ عَلى طُهْرٍ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ عَشْرَ حَسَناتٍ» " صَرِيحٌ في أنَّ ذَلِكَ كانَ مِنهم بِطَرِيقِ النَّدْبِ، وما قِيلَ: كانَ ذَلِكَ أوَّلَ الأمْرِ ثُمَّ نُسِخَ، يَرُدُّهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: " «المائِدَةُ مِن آخِرِ القرآن نُزُولًا، فَأحِلُّوا حَلالَها وحَرِّمُوا حَرامَها» " .

﴿فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾؛ أيْ: أمِرُّوا عَلَيْها الماءَ، ولا حاجَةَ إلى الدَّلْكِ، خِلافًا لِمالِكٍ.

﴿وَأيْدِيَكم إلى المَرافِقِ﴾ الجُمْهُورُ عَلى دُخُولِ المِرْفَقَيْنِ في المَغْسُولِ، ولِذَلِكَ قِيلَ: " إلى " بِمَعْنى مَعَ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيَزِدْكم قُوَّةً إلى قُوَّتِكُمْ﴾ . وقِيلَ: هي إنَّما تُفِيدُ مَعْنى الغايَةِ مُطْلَقًا، وأمّا دُخُولُها في الحُكْمِ، أوْ خُرُوجُها مِنهُ، فَلا دَلالَةَ لَها عَلَيْهِ، وإنَّما هو أمْرٌ يَدُورُ عَلى الدَّلِيلِ الخارِجِيِّ، كَما في: حَفِظْتُ القرآن مِن أوَّلِهِ إلى آخِرِهِ، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَنَظِرَةٌ إلى مَيْسَرَةٍ﴾؛ فَإنَّ الدُّخُولَ في الأوَّلِ والخُرُوجَ في الثّانِي مُتَيَقَّنٌ بِناءً عَلى تَحَقُّقِ الدَّلِيلِ، وحَيْثُ لَمَّ يَتَحَقَّقْ ذَلِكَ في الآيَةِ، وكانَتِ الأيْدِي مُتَناوِلَةً لِلْمَرافِقِ، حُكِمَ بِدُخُولِها فِيها احْتِياطًا. وقِيلَ: " إلى " مِن حَيْثُ إفادَتُها لِلْغايَةِ تَقْتَضِي خُرُوجَها، لَكِنْ لَمّا لَمْ تَتَمَيَّزِ الغايَةُ هَهُنا عَنْ ذِي الغايَةِ، وجَبَ إدْخالُها احْتِياطًا.

﴿وامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ الباءُ مَزِيدَةٌ، وقِيلَ: لِلتَّبْعِيضِ، فَإنَّهُ الفارِقُ بَيْنَ قَوْلِكَ: مَسَحْتُ المِندِيلَ، ومَسَحْتُ بِالمِندِيلِ، وتَحْقِيقُهُ أنَّها تَدُلُّ عَلى تَضْمِينِ الفِعْلِ مَعْنى الإلْصاقِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: وألْصِقُوا المَسْحَ بِرُءُوسِكم، وذَلِكَ لا يَقْتَضِي الِاسْتِيعابَ كَما يَقْتَضِيهِ ما لَوْ قِيلَ: وامْسَحُوا رُءُوسَكم، فَإنَّهُ كَقَوْلِهِ تَعالى: " ﴿فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ " .

واخْتَلَفَ العُلَماءُ في القَدْرِ الواجِبِ، فَأوْجَبَ …

7

وَٱذْكُرُوا۟ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَٰقَهُ ٱلَّذِى وَاثَقَكُم بِهِۦٓ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ۖ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ

And remember the favor of Allah upon you and His covenant with which He bound you when you said, "We hear and we obey"; and fear Allah. Indeed, Allah is Knowing of that within the breasts.

﴿واذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ بِالإسْلامِ لِتُذَكِّرَكُمُ المُنْعِمَ، وتُرَغِّبَكم في شُكْرِهِ.

﴿وَمِيثاقَهُ الَّذِي واثَقَكم بِهِ﴾؛ أيْ: عَهْدَهُ المُؤَكَّدَ الَّذِي أخَذَهُ عَلَيْكم.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ قُلْتُمْ سَمِعْنا وأطَعْنا﴾ ظَرْفٌ لِواثَقَكم بِهِ، أوْ لِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ المَجْرُورِ في " بِهِ "، أوْ مِن مِيثاقِهِ؛ أيْ: كائِنًا وقْتَ قَوْلِكم: سَمِعْنا وأطَعْنا، وفائِدَةُ التَّقْيِيدِ بِهِ، تَأْكِيدُ وُجُوبِ مُراعاتِهِ بِتَذَكُّرِ قَبُولِهِمْ والتِزامِهِمْ بِالمُحافَظَةِ عَلَيْهِ، وهو المِيثاقُ الَّذِي أخَذَهُ عَلى المُسْلِمِينَ حِينَ بايَعَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلى السَّمْعِ والطّاعَةِ في حالِ العُسْرِ واليُسْرِ، والمَنشَطِ والمَكْرِهِ. وقِيلَ: هو المِيثاقُ الواقِعُ لَيْلَةَ العَقَبَةِ وفي بَيْعَةِ الرِّضْوانِ، وإضافَتُهُ إلَيْهِ تَعالى مَعَ صُدُورِهِ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ؛ لِكَوْنِ المَرْجِعِ إلَيْهِ، كَما نَطَقَ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ﴾ . وقالَ مُجاهِدٌ: هو المِيثاقُ الَّذِي أخَذَهُ اللَّهُ تَعالى عَلى عِبادِهِ حِينَ أخْرَجَهم مِن صُلْبِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ.

﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾؛ أيْ: في نِسْيانِ نِعْمَتِهِ ونَقْضِ مِيثاقِهِ، أوْ في كُلِّ ما تَأْتُونَ وما تَذَرُونَ، فَيَدْخُلُ فِيهِ ما ذُكِرَ دُخُولًا أوَّلِيًّا.

﴿إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾؛ أيْ: بِخَفِيّاتِها، المُلابِسَةِ لَها مُلابَسَةً تامَّةً مُصَحِّحَةً لِإطْلاقِ الصّاحِبِ عَلَيْها، فَيُجازِيكم عَلَيْها، فَما ظَنُّكم بِجَلِيّاتِ الأعْمالِ، والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ تَذْيِيلِيٌّ وتَعْلِيلُ الأمْرِ بِالِاتِّقاءِ، وإظْهارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ في مَوْقِعِ الإضْمارِ؛ لِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ، وتَعْلِيلِ الحُكْمِ، وتَقْوِيَةِ اسْتِقْلالِ الجُمْلَةِ.

8

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ كُونُوا۟ قَوَّٰمِينَ لِلَّهِ شُهَدَآءَ بِٱلْقِسْطِ ۖ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَـَٔانُ قَوْمٍ عَلَىٰٓ أَلَّا تَعْدِلُوا۟ ۚ ٱعْدِلُوا۟ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ۖ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرٌۢ بِمَا تَعْمَلُونَ

O you who have believed, be persistently standing firm for Allah, witnesses in justice, and do not let the hatred of a people prevent you from being just. Be just; that is nearer to righteousness. And fear Allah; indeed, Allah is Acquainted with what you do.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ الشَّرائِعِ المُتَعَلِّقَةِ بِما يَجْرِي بَيْنَهم وبَيْنَ غَيْرِهِمْ إثْرَ بَيانِ ما يَتَعَلَّقُ بِأنْفُسِهِمْ.

﴿كُونُوا قَوّامِينَ لِلَّهِ﴾ مُقِيمِينَ لِأوامِرِهِ، مُمْتَثِلِينَ بِها، مُعَظِّمِينَ لَها، مُراعِينَ لِحُقُوقِها.

﴿شُهَداءَ بِالقِسْطِ﴾؛ أيْ: بِالعَدْلِ.

﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ﴾؛ أيْ: لا يَحْمِلَنَّكم، ﴿شَنَآنُ قَوْمٍ﴾؛ أيْ: شِدَّةُ بُغْضِكم لَهم.

﴿عَلى ألا تَعْدِلُوا﴾ فَلا تَشْهَدُوا في حُقُوقِهِمْ بِالعَدْلِ، أوْ فَتَعْتَدُوا عَلَيْهِمْ بِارْتِكابِ ما لا يَحِلُّ، كَمُثْلَةٍ، وقَذْفٍ، وقَتْلِ نِساءٍ وصِبْيَةٍ، ونَقْضِ عَهْدٍ تَشَفِّيًا، وغَيْرِ ذَلِكَ.

﴿اعْدِلُوا هُوَ﴾؛ أيِ: العَدْلُ.

﴿أقْرَبُ لِلتَّقْوى﴾ الَّذِي أُمِرْتُمْ بِهِ، صَرَّحَ لَهم بِالأمْرِ بِالعَدْلِ، وبَيَّنَ أنَّهُ بِمَكانٍ مِنَ التَّقْوى بَعْدَما نَهاهم عَنِ الجَوْرِ، وبَيَّنَ أنَّهُ مُقْتَضى الهَوى، وإذا كانَ وُجُوبُ العَدْلِ في حَقِّ الكُفّارِ بِهَذِهِ المَثابَةِ، فَما ظَنُّكَ بِوُجُوبِهِ في حَقِّ المُسْلِمِينَ.

﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾ أمَرَ بِالتَّقْوى إثْرَ ما بَيَّنَ أنَّ العَدْلَ أقْرَبُ لَهُ؛ اعْتِناءً بِشَأْنِهِ وتَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ مِلاكُ الأمْرِ.

﴿إنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ مِنَ الأعْمالِ فَيُجازِيكم بِذَلِكَ، وتَكْرِيرُ هَذا الحُكْمِ إمّا لِاخْتِلافِ السَّبَبِ، كَما قِيلَ: إنَّ الأوَّلَ نَزَلَ في المُشْرِكِينَ، وهَذا في اليَهُودِ، أوْ لِمَزِيدِ الِاهْتِمامِ بِالعَدْلِ، والمُبالَغَةِ في إطْفاءِ ثائِرَةِ الغَيْظِ. والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَها، وإظْهارُ الجَلالَةِ لِما مَرَّ مَرّاتٍ، وحَيْثُ كانَ مَضْمُونُها مُنْبِئًا عَنِ الوَعْدِ والوَعِيدِ، عَقَّبَ بِالوَعْدِ لِمَن يُحافِظُ عَلى طاعَتِهِ تَعالى، وبِالوَعِيدِ لِمَن يُخِلُّ بِها.

9

وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ ۙ لَهُم مَّغْفِرَةٌۭ وَأَجْرٌ عَظِيمٌۭ

Allah has promised those who believe and do righteous deeds [that] for them there is forgiveness and great reward.

فَقِيلَ: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ الَّتِي مِن جُمْلَتِها العَدْلُ والتَّقْوى.

﴿لَهم مَغْفِرَةٌ وأجْرٌ عَظِيمٌ﴾ حُذِفَ ثانِي مَفْعُولَيْ وعَدَ، اسْتِغْناءً عَنْهُ بِهَذِهِ الجُمْلَةِ، فَإنَّهُ اسْتِئْنافٌ مُبَيِّنٌ لَهُ. وقِيلَ: الجُمْلَةُ في مَوْقِعِ المَفْعُولِ، فَإنَّ الوَعْدَ ضَرْبٌ مِنَ القَوْلِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: وعَدَهم هَذا القَوْلَ.

10

وَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَكَذَّبُوا۟ بِـَٔايَٰتِنَآ أُو۟لَٰٓئِكَ أَصْحَٰبُ ٱلْجَحِيمِ

But those who disbelieve and deny Our signs - those are the companions of Hellfire.

﴿والَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما تُلِيَتْ مِنَ النُّصُوصِ النّاطِقَةِ بِالأمْرِ والعَدْلِ والتَّقْوى.

﴿أُولَئِكَ﴾ المَوْصُوفُونَ بِما ذُكِرَ مِنَ الكُفْرِ وتَكْذِيبِ الآياتِ.

﴿أصْحابُ الجحيم﴾ مُلابِسُوها مُلابَسَةً مُؤَبَّدَةً، مِنَ السُّنَّةِ السَّنِيَّةِ القرآنيَّةِ شَفْعُ الوَعْدِ بِالوَعِيدِ، والجَمْعُ بَيْنَ التَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ؛ إيفاءً لِحَقِّ الدَّعْوى بِالتَّبْشِيرِ والإنْذارِ.

Al-Maaida 5:10Listen in Qur'an →

Commentary: Irshad al-'Aql al-Salim by Abu al-Su'ud. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.