Muslim99Muslim99
← Tafsir library

5. Al-Maaida

The Table · Medinan · 120 ayahs

سُورَةُ المَائـِدَةِ

Reading Al-Bahr al-Muhit by Abu Hayyan al-Gharnati

Ayahs 31–40 of 120

31

فَبَعَثَ ٱللَّهُ غُرَابًۭا يَبْحَثُ فِى ٱلْأَرْضِ لِيُرِيَهُۥ كَيْفَ يُوَٰرِى سَوْءَةَ أَخِيهِ ۚ قَالَ يَٰوَيْلَتَىٰٓ أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَٰذَا ٱلْغُرَابِ فَأُوَٰرِىَ سَوْءَةَ أَخِى ۖ فَأَصْبَحَ مِنَ ٱلنَّٰدِمِينَ

Then Allah sent a crow searching in the ground to show him how to hide the disgrace of his brother. He said, "O woe to me! Have I failed to be like this crow and hide the body of my brother?" And he became of the regretful.

﴿قالَ ياوَيْلَتا أعَجَزْتُ أنْ أكُونَ مِثْلَ هَذا الغُرابِ فَأُوارِيَ سَوْأةَ أخِي﴾ اسْتَقْصَرَ إدْراكَهُ وعَقْلَهُ في جَهْلِهِ ما يَصْنَعُ بِأخِيهِ حَتّى يُعَلَّمَ - وهو ذُو العَقْلِ، المُرَكَّبُ فِيهِ الفِكْرُ والرُّؤْيَةُ والتَّدْبِيرُ - مِن طائِرٍ لا يَعْقِلُ. ومَعْنى هَذا الِاسْتِفْهامِ: الإنْكارُ عَلى نَفْسِهِ، والنَّعْيُ؛ أيْ: لا أعْجَزُ عَنْ كَوْنِي مِثْلَ هَذا الغُرابِ، وفي ذَلِكَ هَضْمٌ لِنَفْسِهِ واسْتِصْغارٌ لَها بِقَوْلِهِ: مِثْلَ هَذا الغُرابِ. وأصْلُ النِّداءِ أنْ يَكُونَ لِمَن يَعْقِلُ، ثُمَّ قَدْ يُنادى ما لا يَعْقِلُ عَلى سَبِيلِ المَجازِ، كَقَوْلِهِمْ: يا عَجَبًا ويا حَسْرَةً ! والمُرادُ بِذَلِكَ التَّعَجُّبُ. كَأنَّهُ قالَ: انْظُرُوا لِهَذا العَجَبِ ولِهَذِهِ الحَسْرَةِ، فالمَعْنى: تَنَبَّهُوا لِهَذِهِ الهَلَكَةِ. وتَأْوِيلُهُ هَذا أوانُكِ فاحْضُرِي. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ياوَيْلَتا﴾، بِألِفٍ بَعْدِ التّاءِ، وهي بَدَلٌ مِن ياءِ المُتَكَلِّمِ، وأصْلُهُ (يا ويْلَتِي) بِالياءِ، وهي قِراءَةُ الحَسَنِ. وأمالَ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وأبُو عَمْرٍو ألِفَ ويْلَتى. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿أعَجَزْتُ﴾، بِفَتْحِ الجِيمِ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، والحَسَنُ، وفَيّاضٌ، وطَلْحَةُ، وسُلَيْمانُ بِكَسْرِها وهي لُغَةٌ شاذَّةٌ، وإنَّما مَشْهُورٌ الكَسْرُ في قَوْلِهِمْ: عَجِزَتِ المَرْأةُ إذا كَبُرَتْ عَجِيزَتُها. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿فَأُوارِيَ﴾، بِنَصْبِ الياءِ، عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ: ﴿أنْ أكُونَ﴾ . كَأنَّهُ قالَ: أعَجَزْتُ أنْ أُوارِيَ سَوْءَةَ أخِي. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَأُوارِيَ، بِالنَّصْبِ، عَلى جَوابِ الِاسْتِفْهامِ. انْتَهى. وهَذا خَطَأٌ فاحِشٌ، لِأنَّ الفاءَ الواقِعَةَ جَوابًا لِلِاسْتِفْهامِ تَنْعَقِدُ مِنَ الجُمْلَةِ الِاسْتِفْهامِيَّةِ، والجَوابُ شَرْطٌ وجَزاءٌ، وهُنا تَقُولُ: أتَزُورُنِي فَأُكْرِمَكَ؛ والمَعْنى: إنْ تَزُرْنِي أُكْرِمْكَ. وقالَ تَعالى: ﴿فَهَلْ لَنا مِن شُفَعاءَ فَيَشْفَعُوا لَنا﴾ [الأعراف: ٥٣] أيْ: إنْ يَكُنْ لَنا شُفَعاءُ يَشْفَعُوا. ولَوْ قُلْتَ هُنا: إنْ أعْجَزْ أنْ أكُونَ مِثْلَ هَذا الغُرابِ أُوارِ سَوْءَةَ أخِي - لَمْ يَصِحَّ، لِأنَّ المُواراةَ لا تَتَرَتَّبُ عَلى عَجْزِهِ عَنْ كَوْنِهِ مِثْلَ الغُرابِ. وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ، والفَيّاضُ بْنُ غَزْوانَ: ﴿فَأُوارِيَ﴾، بِسُكُونِ الياءِ، فالأوْلى أنْ يَكُونَ عَلى القَطْعِ؛ أيْ: فَأنا أُوارِي سَوْءَةَ أخِي، فَيَكُونُ أُوارِي مَرْفُوعًا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقُرِئَ بِالسُّكُونِ عَلى: فَأنا أُوارِي، أوْ عَلى التَّسْكِينِ في مَوْضِعِ النَّصْبِ لِلتَّخْفِيفِ. انْتَهى. يَعْنِي: أنَّهُ حَذَفَ الحَرَكَةَ وهي الفَتْحَةُ تَخْفِيفًا، اسْتَثْقَلَها عَلى حَرْفِ العِلَّةِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هي لُغَةٌ لِتَوالِي الحَرَكاتِ. انْتَهى. ولا يَنْبَغِي أنْ يُخَرَّجَ عَلى النَّصْبِ، لِأنَّ نَصْبَ مِثْلَ هَذا هو بِظُهُورِ الفَتْحَةِ، ولا تُسْتَثْقَلُ الفَتْحَةُ فَتُحْذَفُ تَخْفِيفًا؛ كَما أشارَ إلَيْهِ الزَّمَخْشَرِيُّ، ولا ذَلِكَ لُغَةٌ كَما زَعَمَ ابْنُ عَطِيَّةَ، ولا يَصْلُحُ التَّعْلِيلُ بِتَوالِي الحَرَكاتِ، لِأنَّهُ لَمْ يَتَوالَ فِيهِ الحَرَكاتُ. وهَذا عِنْدَ النَّحْوِيِّينَ، أعْنِي النَّصْبَ، بِحَذْفِ الفَتْحَةِ، لا يَجُوزُ إلّا في الضَّرُورَةِ، فَلا تُحْمَلُ القِراءَةُ عَلَيْها إذا وُجِدَ حَمْلُها عَلى وجْهٍ صَحِيحٍ، وقَدْ وُجِدَ وهو الِاسْتِئْنافُ؛ أيْ: فَأنا أُوارِي. وقَرَأ الزُّهْرِيُّ: (سَوَةَ أخِي)، بِحَذْفِ الهَمْزَةِ، ونَقْلِ حَرَكَتِها إلى الواوِ. ولا يَجُوزُ قَلْبُ الواوِ ألِفًا؛ لِتَحَرُّكِها وانْفِتاحِ ما قَبْلَها، لِأنَّ الحَرَكَةَ عارِضَةٌ كَهي في …

Al-Maaida 5:31Listen in Qur'an →
32

مِنْ أَجْلِ ذَٰلِكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ أَنَّهُۥ مَن قَتَلَ نَفْسًۢا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍۢ فِى ٱلْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ ٱلنَّاسَ جَمِيعًۭا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَآ أَحْيَا ٱلنَّاسَ جَمِيعًۭا ۚ وَلَقَدْ جَآءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِٱلْبَيِّنَٰتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًۭا مِّنْهُم بَعْدَ ذَٰلِكَ فِى ٱلْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ

Because of that, We decreed upon the Children of Israel that whoever kills a soul unless for a soul or for corruption [done] in the land - it is as if he had slain mankind entirely. And whoever saves one - it is as if he had saved mankind entirely. And our messengers had certainly come to them with clear proofs. Then indeed many of them, [even] after that, throughout the land, were transgressors.

﴿مِن أجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنا عَلى بَنِي إسْرائِيلَ أنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أوْ فَسادٍ في الأرْضِ فَكَأنَّما قَتَلَ النّاسَ جَمِيعًا ومَن أحْياها فَكَأنَّما أحْيا النّاسَ جَمِيعًا﴾ الجُمْهُورُ عَلى أنَّ ﴿مِن أجْلِ ذَلِكَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: كَتَبْنا. وقالَ قَوْمٌ بِقَوْلِهِ: مِنَ النّادِمِينَ؛ أيْ: نَدِمَ مِن أجْلِ ما وقَعَ. ويُقالُ: أجَلَ الأمْرَ أجَلًا وآجِلًا إذا اجْتَناهُ وحْدَهُ؛ قالَ زُهَيْرٌ:

؎وأهْلُ خِباءٍ صالِحٌ ذاتُ بَيْنِهِمْ قَدِ احْتَرَبُوا في عاجِلٍ أنا آجِلُهْ

أيْ جانِيهِ، ونَسَبَ هَذا البَيْتَ ابْنُ عَطِيَّةَ إلى جَوابٍ، وهو في دِيوانِ زُهَيْرٍ؛ والمَعْنى: بِسَبَبِ ذَلِكَ. وإذا قُلْتَ: فَعَلْتُ ذَلِكَ مِن أجْلِكَ، أرَدْتُ أنَّكَ جَنَيْتَ ذَلِكَ وأوْجَبْتَهُ. ومَعْناهُ ومَعْنى ”مِن جَرّاكَ“ واحِدٌ؛ أيْ: مِن جَرِيرَتِكَ. وذَلِكَ إشارَةٌ إلى القَتْلِ؛ أيْ: مِن جَنْيِ ذَلِكَ القَتْلِ كَتَبْنا عَلى بَنِي إسْرائِيلَ. ومِن لِابْتِداءِ الغايَةِ؛ أيِ: ابْتِداءِ الكَتْبِ، ونَشَأ مِن أجْلِ القَتْلِ، ويَدْخُلُ عَلى أجْلِ اللّامِ لِدُخُولِ مِن، ويَجُوزُ حَذْفُ حَرْفِ الجَرِّ واتِّصالِ الفِعْلِ إلَيْهِ بِشَرْطِهِ في المَفْعُولِ لَهُ. ويُقالُ: فَعَلْتُ ذَلِكَ مِن أجْلِكَ ولِأجْلِكَ، وتُفْتَحُ الهَمْزَةُ أوْ تُكْسَرُ. وقَرَأ ابْنُ القَعْقاعِ: بِكَسْرِها وحَذْفِها ونَقْلِ حَرَكَتِها إلى السّاكِنِ قَبْلَها، كَما قَرَأ ورْشٌ بِحَذْفِها وفَتْحِها ونَقْلِ الحَرَكَةِ إلى النُّونِ. ومَعْنى ﴿كَتَبْنا﴾؛ أيْ: كُتِبَ بِأمْرِنا في كُتُبٍ مُنَزَّلَةٍ عَلَيْهِمْ تَضَمَّنَتْ فَرْضَ ذَلِكَ، وخُصَّ بَنُو إسْرائِيلَ بِالذِّكْرِ، وإنْ كانَ قَبْلَهم أُمَمٌ حُرِّمَ عَلَيْهِمْ قَتْلُ النَّفْسِ وكانَ القِصاصُ فِيهِمْ، لِأنَّهم عَلى ما رُوِيَ أوَّلُ أُمَّةٍ نَزَلَ الوَعِيدُ عَلَيْهِمْ في قَتْلِ النَّفْسِ، وغِلَظُ الأمْرِ عَلَيْهِمْ بِحَسَبِ طُغْيانِهِمْ وسَفْكِهِمُ الدِّماءَ، ولِتَظْهَرَ مَذَمَّتُهم في أنْ كُتِبَ عَلَيْهِمْ هَذا، وهم مَعَ ذَلِكَ لا يَرْعَوُونَ ولا يَفْقَهُونَ، بَلْ هَمُّوا بِقَتْلِ النَّبِيِّ، ﷺ، ظُلْمًا. ومَعْنى بِغَيْرِ نَفْسٍ: أيْ بِغَيْرِ قَتْلِ نَفْسٍ فَيَسْتَحِقُّ القَتْلَ. وقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ نَفْسَ المُؤْمِنِ إلّا بِإحْدى مُوجِباتِ قَتْلِهِ. وقَوْلُهُ: أوْ فَسادٍ، هو مَعْطُوفٌ عَلى نَفْسٍ؛ أيْ: وبِغَيْرِ فَسادٍ، والفَسادُ قِيلَ: الشِّرْكُ بِاللَّهِ. وقِيلَ: قَطْعُ الطَّرِيقِ، وقَطْعُ الأشْجارِ، وقَتْلُ الدَّوابِّ إلّا لِضَرُورَةٍ، وحَرْقُ الزَّرْعِ وما يَجْرِي مَجْراهُ، وهو الفَسادُ المُشارُ إلَيْهِ بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: لَمْ يَتَخَلَّصِ التَّشْبِيهُ إلى طَرَفَيْ شَيْءٍ مِن هَذِهِ الأقْوالِ، والَّذِي أقُولُ: إنَّ التَّشْبِيهَ بَيْنَ قاتِلِ النَّفْسِ وقاتِلِ الكُلِّ لا يُطَرَّفُ مِن جَمِيعِ الجِهاتِ، لَكِنَّ الشَّبَهَ قَدْ يَحْصُلُ مِن ثَلاثِ جِهاتٍ. إحْداها: القَوَدُ فَإنَّهُ واحِدٌ. والثّانِيَةُ: الوَعِيدُ، فَقَدْ وعَدَ اللَّهُ قاتِلَ النَّفْسِ بِالخُلُودِ في النّارِ، وتِلْكَ غايَةُ العَذابِ. فَإنْ تَرَقَّبْناهُ يَخْرُجُ مِنَ النّارِ بَعْدَ ذَلِكَ بِسَبَبِ التَّوْحِيدِ، فَكَذَلِكَ قاتِلُ الجَمِيعِ أنْ لَوِ اتَّفَقَ ذَلِكَ. والثّالِثَةُ: انْتِهاكُ الحُرْمَةِ؛ فَإنَّ نَفْسًا واحِدَةً في ذَلِكَ وجَمِيعَ الأنْفُسِ سَواءٌ، والمُنْتَهِكُ في واحِدَةٍ مَلْحُوظٌ بِعَيْنِ مُنْتَهِكِ الجَمِيعِ. ومِثالُ ذَلِكَ رَجُلانِ حَلَفا عَلى شَجَرَتَيْنِ أنْ لا يَطْعَما مِن ثَمَرَتَيْهِما شَيْئًا، فَطَعِمَ أحَدُهُما واحِدَةً مِن ثَمَرَةِ شَجَرَتِهِ، وطَعِمَ الآخَرُ ثَمَرَ شَجَرَتَيْهِ كُلَّهُ، فَقَدِ اسْتَوَيا في …

Al-Maaida 5:32Listen in Qur'an →
33

إِنَّمَا جَزَٰٓؤُا۟ ٱلَّذِينَ يُحَارِبُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَيَسْعَوْنَ فِى ٱلْأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوٓا۟ أَوْ يُصَلَّبُوٓا۟ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَٰفٍ أَوْ يُنفَوْا۟ مِنَ ٱلْأَرْضِ ۚ ذَٰلِكَ لَهُمْ خِزْىٌۭ فِى ٱلدُّنْيَا ۖ وَلَهُمْ فِى ٱلْءَاخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ

Indeed, the penalty for those who wage war against Allah and His Messenger and strive upon earth [to cause] corruption is none but that they be killed or crucified or that their hands and feet be cut off from opposite sides or that they be exiled from the land. That is for them a disgrace in this world; and for them in the Hereafter is a great punishment,

﴿إنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ ويَسْعَوْنَ في الأرْضِ فَسادًا أنْ يُقَتَّلُوا أوْ يُصَلَّبُوا أوْ تُقَطَّعَ أيْدِيهِمْ وأرْجُلُهم مِن خِلافٍ أوْ يُنْفَوْا مِنَ الأرْضِ﴾ قالَ أنَسُ بْنُ مالِكٍ، وجَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وعُرْوَةُ: نَزَلَتْ في عُكْلٍ وعُرَيْنَةَ، وحَدِيثُهُ مَشْهُورٌ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ فِيما رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنْهُ: نَزَلَتْ في المُشْرِكِينَ، وبِهِ قالَ: الحَسَنُ وعَطاءٌ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةٍ والضَّحّاكُ: نَزَلَتْ في قَوْمٍ مِن أهْلِ الكِتابِ كانَ بَيْنَهم وبَيْنَ الرَّسُولِ عَهْدٌ فَنَقَضُوهُ، وأفْسَدُوا في الدِّينِ. وقِيلَ: نَزَلَتْ في قَوْمِ أبِي بُرْدَةَ هِلالِ بْنِ عامِرٍ قَتَلُوا قَوْمًا مَرُّوا بِهِمْ مِن بَنِي كِنانَةَ يُرِيدُونَ الإسْلامَ، وأخَذُوا أمْوالَهم، وكانَ بَيْنَ الرَّسُولِ، ﷺ، وبَيْنَ أبِي بُرْدَةَ مُوادَعَةٌ أنْ لا يُعِينَ عَلَيْهِ، ولا يُهَيِّجَ مَن أتاهُ مُسْلِمًا فَفَعَلَ ذَلِكَ قَوْمُهُ ولَمْ يَكُنْ حاضِرًا، والجُمْهُورُ عَلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ لَيْسَتْ ناسِخَةً ولا مَنسُوخَةً. وقِيلَ: نَسَخَتْ ما فَعَلَ النَّبِيُّ، ﷺ، بالعُرَنِيِّينَ مِنَ المُثْلَةِ، ووَقَفَ الحُكْمُ عَلى هَذِهِ الحُدُودِ.

ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها ظاهِرَةٌ، لَمّا ذَكَرَ في الآيَةِ قَبْلَها تَغْلِيظَ الإثْمِ في قَتْلِ النَّفْسِ بِغَيْرِ نَفْسٍ ولا فَسادٍ في الأرْضِ، أتْبَعَهُ بِبَيانِ الفَسادِ في الأرْضِ الَّذِي يُوجِبُ القَتْلَ ما هو، فَإنَّ بَعْضَ ما يَكُونُ فَسادًا في الأرْضِ لا يُوجِبُ القَتْلَ، ولا خِلافَ بَيْنَ أهْلِ العِلْمِ أنَّ حُكْمَ هَذِهِ الآيَةِ مُتَرَتِّبٌ في المُحارِبِينَ مِن أهْلِ الإسْلامِ؛ ومَذْهَبُ مالِكٍ وجَماعَةٍ: أنَّ المُحارِبَ هو مَن حَمَلَ السِّلاحَ عَلى النّاسِ في مِصْرٍ أوْ بَرِيَّةٍ، فَكادَهم عَنْ أنْفُسِهِمْ وأمْوالِهِمْ دُونَ ثائِرَةٍ، ولا دَخَلٍ ولا عَداوَةٍ. ومَذْهَبُ أبِي حَنِيفَةَ وجَماعَةٍ: أنَّ المُحارِبِينَ هم قُطّاعُ الطَّرِيقِ خارِجَ المِصْرِ، وأمّا في المِصْرِ فَيَلْزَمُهُ حَدُّ ما اجْتَرَحَ مِن قَتْلٍ أوْ سَرِقَةٍ أوْ غَصْبٍ ونَحْوِ ذَلِكَ، وأدْنى الحِرابَةِ إخافَةُ الطَّرِيقِ، ثُمَّ أخْذُ المالِ مَعَ الإخافَةِ، ثُمَّ الجَمْعُ بَيْنَ الإخافَةِ وأخْذِ المالِ والقَتْلِ؛ ومُحارَبَةُ اللَّهِ تَعالى غَيْرُ مُمْكِنَةٍ، فَيُحْمَلُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ؛ أيْ: مُحارِبُونَ أوْلِياءَ اللَّهِ ورَسُولِهِ، وإلّا لَزِمَ أنْ يَكُونَ مُحارَبَةُ اللَّهِ ورَسُولِهِ جَمْعًا بَيْنَ الحَقِيقَةِ والمَجازِ. فَإذا جَعَلَ ذَلِكَ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أوْ حَمْلًا عَلى قَدْرٍ مُشْتَرَكٍ انْدَفَعَ ذَلِكَ، وقَوْلُ ابْنُ عَبّاسٍ: المُحارَبَةُ هَنا: الشِّرْكُ، وقَوْلُ عُرْوَةَ: الِارْتِدادُ غَيْرُ صَحِيحٍ عِنْدَ الجُمْهُورِ، وقَدْ أوْرَدَ ما يُبْطِلُ قَوْلَهُما.

وفِي قَوْلِهِ: ﴿يُحارِبُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾؛ تَغْلِيظٌ شَدِيدٌ لِأمْرِ الحِرابَةِ، والسَّعْيُ في الأرْضِ فَسادًا يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى بِمُحارَبَتِهِمْ، أوْ يُضِيفُونَ فَسادًا إلى المُحارَبَةِ؛ وانْتَصَبَ فَسادًا عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ، أوْ مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ، أوْ مَصْدَرٌ مِن مَعْنى يَسْعَوْنَ في الأرْضِ مَعْناهُ: يُفْسِدُونَ، لَمّا كانَ السَّعْيُ لِلْفَسادِ جُعِلَ فَسادًا؛ أيْ: إفْسادًا. والظّاهِرُ في قَوْلِهِ: العُقُوباتُ الأرْبَعُ؛ أنَّ الإمامَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ إيقاعِ ما شاءَ مِنها بِالمُحارِبِ في أيِّ رُتْبَةٍ كانَ المُحارِبُ مِنَ الرُّتَبِ الَّتِي قَدَّمْناها، وبِهِ قالَ: النَّخَعِيُّ والحَسَنُ في رِوايَةٍ، وابْنُ المُسَيَّبِ ومُجاهِدٌ …

Al-Maaida 5:33Listen in Qur'an →
34

إِلَّا ٱلَّذِينَ تَابُوا۟ مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُوا۟ عَلَيْهِمْ ۖ فَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ

Except for those who return [repenting] before you apprehend them. And know that Allah is Forgiving and Merciful.

﴿إلّا الَّذِينَ تابُوا مِن قَبْلِ أنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فاعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ظاهِرُهُ أنَّهُ اسْتِثْناءٌ مِنَ المُعاقَبِينَ عِقابَ قاطِعِ الطَّرِيقِ، فَإذا تابُوا قَبْلَ القُدْرَةِ عَلى أخْذِهِمْ سَقَطَ عَنْهم ما تَرَتَّبَ عَلى الحِرابَةِ، وهَذا فِعْلُ عَلِيٍّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، بِحارِثَةَ بْنِ بَدْرٍ العُرانِيِّ فَإنَّهُ كانَ مُحارِبًا ثُمَّ تابَ قَبْلَ القُدْرَةِ عَلَيْهِ، فَكَتَبَ لَهُ سُقُوطَ الأمْوالِ والدَّمِ عَنْهُ كِتابًا مَنشُورًا. وقالُوا: لا نَظَرَ لِلْإمامِ فِيهِ إلّا كَما يَنْظُرُ في سائِرِ المُسْلِمِينَ، فَإنْ طُولِبَ بِدَمٍ نُظِرَ فِيهِ وأُقِيدَ مِنهُ بِطَلَبِ الوَلِيِّ، وإنْ طُولِبَ بِمالٍ، فَمَذْهَبُ مالِكٍ والشّافِعِيِّ وأصْحابِ الرَّأْيِ: يُؤْخَذُ ما وُجِدَ عِنْدَهُ مِن مالِ غَيْرِهِ، ويُطالَبُ بِقِيمَةِ ما اسْتَهْلَكَ. وقالَ قَوْمٌ مِنَ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ: لا يُطالَبُ بِما اسْتَهْلَكَ، ويُؤْخَذُ ما وُجِدَ عِنْدَهُ بِعَيْنِهِ. وحَكى الطَّبَرِيُّ عَنْ عُرْوَةَ: أنَّهُ لا تُقْبَلُ تَوْبَةُ المُحارِبِ، ولَكِنْ لَوْ فَرَّ إلى العَدُوِّ ثُمَّ جاءَنا تائِبًا لَمْ أرَ عَلَيْهِ عُقُوبَةً. قالَ الطَّبَرِيُّ: ولا أدْرِي هَلْ أرادَ ارْتَدَّ أمْ لا ؟ وقالَ الأوْزاعِيُّ نَحْوَهُ؛ إلّا أنَّهُ قالَ: إذا لَحِقَ بِدارِ الحَرْبِ فارْتَدَّ عَنِ الإسْلامِ، أوْ بَقِيَ عَلَيْهِ، ثُمَّ جاءَنا تائِبًا مِن قَبْلِ أنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ قُبِلَتْ تَوْبَتُهُ.

Al-Maaida 5:34Listen in Qur'an →
35

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَٱبْتَغُوٓا۟ إِلَيْهِ ٱلْوَسِيلَةَ وَجَٰهِدُوا۟ فِى سَبِيلِهِۦ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ

O you who have believed, fear Allah and seek the means [of nearness] to Him and strive in His cause that you may succeed.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وابْتَغُوا إلَيْهِ الوَسِيلَةَ وجاهِدُوا في سَبِيلِهِ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ مُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها، أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ جَزاءَ مَن حارَبَ اللَّهَ ورَسُولَهُ وسَعى في الأرْضِ فَسادًا مِنَ العُقُوباتِ الأرْبَعِ، والعَذابِ العَظِيمِ المُعَدِّ لَهم في الآخِرَةِ، أمَرَ المُؤْمِنِينَ بِتَقْوى اللَّهِ، وابْتِغاءِ القُرُباتِ إلَيْهِ، فَإنَّ ذَلِكَ هو المُنَجِّي مِنَ المُحارَبَةِ والعِقابِ المُعَدِّ لِلْمُحارِبِينَ. ولَمّا كانَتِ الآيَةُ نَزَلَتْ في العُرَنِيِّينَ والكَلْبِيِّينَ، أوْ في أهْلِ الكِتابِ اليَهُودِ، أوْ في المُشْرِكِينَ عَلى الخِلافِ في سَبَبِ النُّزُولِ، وكُلُّ هَؤُلاءِ سَعى في الأرْضِ فَسادًا - نَصَّ عَلى الجِهادِ، وإنْ كانَ مُنْدَرِجًا تَحْتَ ابْتِغاءِ الوَسِيلَةِ لِأنَّ بِهِ صَلاحَ الأرْضِ، وبِهِ قِوامَ الدِّينِ، وحِفْظَ الشَّرِيعَةِ، فَهو مُغايِرٌ لِأمْرِ المُحارَبَةِ، إذِ الجِهادُ مُحارَبَةٌ مَأْذُونٌ فِيها، وبِالجِهادِ يُدْفَعُ المُحارِبُونَ. وأيْضًا فَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ يَجِبُ أنْ تَكُونَ القُوَّةُ والبَأْسُ الَّذِي لِلْمُحارِبِ مَقْصُورًا عَلى الجِهادِ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى، وأنْ لا يَضَعَ تِلْكَ النَّجْدَةَ الَّتِي وهَبَها اللَّهُ لَهُ لِلْمُحارَبَةِ في مَعْصِيَةِ اللَّهِ تَعالى، وهَلِ الوَسِيلَةُ القُرْبَةُ الَّتِي يَنْبَغِي أنْ يَطْلُبَ بِها، أوِ الحاجَةُ، أوِ الطّاعَةُ، أوِ الجَنَّةُ، أوْ أفْضَلُ دَرَجاتِها؛ أقْوالٌ لِلْمُفَسِّرِينَ. وذَكَرَ رَجاءٌ الفَلاحَ عَلى تَقْدِيرِ حُصُولِ ما أمَرَ بِهِ قَبْلُ مِنَ التَّقْوى وابْتِغاءِ الوَسِيلَةِ والجِهادِ في سَبِيلِهِ. والفَلاحُ: اسْمٌ جامِعٌ لِلْخَلاصِ عَنِ المَكْرُوهِ، والفَوْزِ بِالمَرْجُوِّ.

Al-Maaida 5:35Listen in Qur'an →
36

إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَوْ أَنَّ لَهُم مَّا فِى ٱلْأَرْضِ جَمِيعًۭا وَمِثْلَهُۥ مَعَهُۥ لِيَفْتَدُوا۟ بِهِۦ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ ٱلْقِيَٰمَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌۭ

Indeed, those who disbelieve - if they should have all that is in the earth and the like of it with it by which to ransom themselves from the punishment of the Day of Resurrection, it will not be accepted from them, and for them is a painful punishment

﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أنَّ لَهم ما في الأرْضِ جَمِيعًا ومِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِن عَذابِ يَوْمِ القِيامَةِ ما تُقُبِّلَ مِنهُمْ﴾ لَمّا أرْشَدَ المُؤْمِنِينَ إلى مَعاقِدِ الخَيْرِ ومَفاتِحِ السَّعادَةِ، وذَكَرَ فَوْزَهم في الآخِرَةِ وما آلُوا مِنَ الفَلاحِ، شَرَحَ حالَ الكُفّارِ وعاقِبَةَ كُفْرِهِمْ، وما أعَدَّ لَهم مِنَ العَذابِ. والجُمْلَةُ مِن لَوْ وجَوابِها في مَوْضِعِ خَبَرِ إنَّ، ومَعْنى ما في الأرْضِ: مِن صُنُوفِ الأمْوالِ الَّتِي يُفْتَدى بِها، ومِثْلَهُ مَعْطُوفٌ عَلى اسْمِ إنَّ، ولامُ كَيْ تَتَعَلَّقَ بِما تَعَلَّقَ بِهِ خَبَرُ إنَّ وهو لَهم؛ والمَعْنى: لَوْ أنَّ ما في الأرْضِ ومِثْلَهُ مَعَهُ مُسْتَقِرٌّ لَهم عَلى سَبِيلِ المِلْكِ لِيَجْعَلُوهُ فَدِيَةً لَهم ما تُقُبِّلَ، وهَذا عَلى سَبِيلِ التَّمْثِيلِ ولُزُومِ العَذابِ لَهم، وأنَّهُ لا سَبِيلَ إلى نَجاتِهِمْ مِنهُ. وفي الحَدِيثِ «يُقالُ لِلْكافِرِ أرَأيْتَ لَوْ كانَ لَكَ مِلْءُ الأرْضِ ذَهَبًا أكُنْتَ تَفْتَدِي بِهِ فَيَقُولُ نَعَمْ. فَيُقالُ لَهُ قَدْ سُئِلْتَ أيْسَرَ مِن ذَلِكَ» ووَحَّدَ الضَّمِيرَ في بِهِ، وإنْ كانَ قَدْ تَقَدَّمَ شَيْئانِ مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ ومَعْطُوفٌ، وهو ما في الأرْضِ ومِثْلَهُ مَعَهُ، إمّا لِفَرْضِ تَلازُمِهِما فَأُجْرِيا مُجْرى الواحِدِ كَما قالُوا: رُبَّ يَوْمٍ ولَيْلَةٍ مَرَّ بِي، وإمّا لِإجْراءِ الضَّمِيرِ مُجْرى اسْمِ الإشارَةِ كَأنَّهُ قالَ: لِيَفْتَدُوا بِذَلِكَ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الواوُ في: ﴿ومِثْلَهُ﴾، بِمَعْنى مَعَ، فَيُوَحَّدُ المَرْجُوعُ إلَيْهِ. (فَإنْ قُلْتَ): فَبِمَ يَنْتَصِبُ المَفْعُولُ مَعَهُ ؟ (قُلْتُ): بِما تَسْتَدْعِيهِ لَوْ مِنَ الفِعْلِ، لِأنَّ لَوْ ثَبَتَ أنَّ لَهم ما في الأرْضِ. انْتَهى. وإنَّما يُوَحَّدُ الضَّمِيرُ لِأنَّ حُكْمَ ما قَبْلَ المَفْعُولِ مَعَهُ في الخَبَرِ والحالِ وعَوْدِ الضَّمِيرِ مُتَأخِّرًا حُكْمُهُ مُتَقَدِّمًا، تَقُولُ: الماءُ والخَشَبَةُ اسْتَوى، كَما تَقُولُ: الماءُ اسْتَوى والخَشَبَةُ وقَدْ أجازَ الأخْفَشِ في ذَلِكَ أنْ يُعْطى حُكْمَ المَعْطُوفِ فَتَقُولَ: الماءُ مَعَ الخَشَبَةِ اسْتَوَيا، ومَنَعَ ذَلِكَ ابْنُ كَيْسانَ. وقَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ: تَكُونُ الواوُ في: ﴿ومِثْلَهُ﴾، بِمَعْنى مَعَ لَيْسَ بِشَيْءٍ، لِأنَّهُ يَصِيرُ التَّقْدِيرُ مَعَ مِثْلِهِ مَعَهُ؛ أيْ: مَعَ مِثْلِ ما في الأرْضِ مَعَ ما في الأرْضِ، إنْ جَعَلْتَ الضَّمِيرَ في مَعَهُ عائِدًا عَلى مِثْلَهُ؛ أيْ: مَعَ مِثْلِهِ مَعَ ذَلِكَ المِثْلِ، فَيَكُونُ المَعْنى مَعَ مِثْلَيْنِ. فالتَّعْبِيرُ عَنْ هَذا المَعْنى بِتِلْكَ العِبارَةِ عَيٌّ، إذِ الكَلامُ المُنْتَظِمُ أنْ يَكُونَ التَّرْكِيبُ إذا أُرِيدَ ذَلِكَ المَعْنى مَعَ مِثْلَيْهِ. وقَوْلُ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ إلى آخَرِ السُّؤالِ، وهَذا السُّؤالُ لا يُرَدُّ، لِأنّا قَدْ بَيَّنّا فَسادَ أنْ تَكُونَ الواوُ واوَ مَعَ، وعَلى تَقْدِيرِ وُرُودِهِ فَهَذا بِناءٌ مِنهُ عَلى أنَّ الواوَ إذا جاءَتْ بَعْدَ لَوْ كانَتْ في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى الفاعِلِيَّةِ، فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ عَلى هَذا: لَوْ ثَبَتَ كَيْنُونَةُ ما في الأرْضِ مَعَ مِثْلِهِ لَهم لِيَفْتَدُوا بِهِ، فَيَكُونُ الضَّمِيرُ عائِدًا عَلى ما فَقَطْ. وهَذا الَّذِي ذَكَرَهُ هو تَفْرِيعٌ مِنهُ عَلى مَذْهَبِ المُبَرِّدِ في أنَّ أنَّ بَعْدَ لَوْ في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى الفاعِلِيَّةِ، وهو مَذْهَبٌ مَرْجُوحٌ. ومَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ أنَّ أنَّ بَعْدَ لَوْ في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى الِابْتِداءِ. والزَّمَخْشَرِيُّ لا يَظْهَرُ مِن كَلامِهِ في هَذا الكِتابِ وفي تَصانِيفِهِ أنَّهُ وقَفَ عَلى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ …

Al-Maaida 5:36Listen in Qur'an →
37

يُرِيدُونَ أَن يَخْرُجُوا۟ مِنَ ٱلنَّارِ وَمَا هُم بِخَٰرِجِينَ مِنْهَا ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌۭ مُّقِيمٌۭ

They will wish to get out of the Fire, but never are they to emerge therefrom, and for them is an enduring punishment.

﴿يُرِيدُونَ أنْ يَخْرُجُوا مِنَ النّارِ﴾ أيْ: يَرْجُونَ، أوْ يَتَمَنَّوْنَ، أوْ يَكادُونَ، أوْ يَسْألُونَ: أقْوالٌ مُتَقارِبَةٌ مِن حَيْثُ المَعْنى، والإرادَةُ مُمْكِنَةٌ في حَقِّهِمْ، فَلا يَنْبَغِي أنْ تَخْرُجَ عَنْ ظاهِرِها. قالَ الحَسَنُ: إذا فارَتْ بِهِمُ النّارُ فَرُّوا مِن بَأْسِها، فَحِينَئِذٍ يُرِيدُونَ الخُرُوجَ ويَطْمَعُونَ فِيهِ، وذَلِكَ قَوْلُهُ: يُرِيدُونَ أنْ يَخْرُجُوا مِنَ النّارِ. وقِيلَ لِجابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: إنَّكم يا أصْحابَ مُحَمَّدٍ تَقُولُونَ: إنَّ قَوْمًا يَخْرُجُونَ مِنَ النّارِ، واللَّهُ تَعالى يَقُولُ: ﴿وما هم بِخارِجِينَ مِنها﴾ فَقالَ جابِرٌ إنَّما هَذا في الكُفّارِ خاصَّةً. وحَكى الطَّبَرِيُّ عَنْ نافِعِ بْنِ الأزْرَقِ الخارِجِيِّ أنَّهُ قالَ لِابْنِ عَبّاسٍ: يا أعْمى البَصَرِ، يا أعْمى القَلْبِ، أتَزْعُمُ أنْ قَوْمًا يَخْرُجُونَ مِنَ النّارِ وقَدْ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وما هم بِخارِجِينَ مِنها﴾ ؟ فَقالَ لَهُ ابْنُ عَبّاسٍ: اقْرَأْ ما فَوْقُ، هَذِهِ الآيَةُ في الكُفّارِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وما يُرْوى عَنْ عِكْرِمَةَ أنَّ نافِعَ بْنَ الأزْرَقِ قالَ لِابْنِ عَبّاسٍ، وذَكَرَ الحِكايَةَ، ثُمَّ قالَ: فَمِمّا لَفَّقَتْهُ المُجَبِّرَةُ ولَيْسَ بِأوَّلِ تَكاذِيبِهِمْ وافْتِرائِهِمْ، وكَفاكَ بِما فِيهِ مِن مُواجَهَةِ ابْنِ الأزْرَقِ لِابْنِ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ، وهو بَيْنَ أظْهُرِ أعْضادِهِ مِن قُرَيْشٍ، وأنْضادِهِ مِن بَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ، وهو حَبْرُ هَذِهِ الأُمَّةِ وبَحْرُها، ومُفَسِّرُها بِالخِطابِ الَّذِي لا يَجْسَرُ عَلى مِثْلِهِ أحَدٌ مِن أهْلِ الدُّنْيا، وبِرَفْعِهِ إلى عِكْرِمَةَ - دَلِيلَيْنِ ناصَّيْنِ أنَّ الحَدِيثَ فِرْيَةٌ ما فِيها مِرْيَةٌ. انْتَهى. وهو عَلى عادَتِهِ وسَفاهَتِهِ في سَبِّ أهْلِ السُّنَّةِ، ومَذْهَبُهُ: أنَّ مَن دَخَلَ النّارَ لا يَخْرُجُ مِنها. وقَرَأ الجُمْهُورُ: أنْ يَخْرُجُوا؛ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، ويُناسِبُهُ: ﴿وما هم بِخارِجِينَ مِنها﴾ . وقَرَأ النَّخَعِيُّ، وابْنُ وثّابٍ، وأبُو واقِدٍ: أنْ يُخْرَجُوا؛ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ.

﴿ولَهم عَذابٌ مُقِيمٌ﴾ أيْ: مُتَأبِّدٌ لا يُحَوَّلُ.

﴿والسّارِقُ والسّارِقَةُ فاقْطَعُوا أيْدِيَهُما﴾ قالَ السّائِبُ: نَزَلَتْ في طُعْمَةَ بْنِ أُبَيْرِقٍ، ومَضَتْ قِصَّتُهُ فِي النِّساءِ. ومُناسَبَتُها لِما قَبْلَها أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ جَزاءَ المُحارِبِينَ بِالعُقُوباتِ الَّتِي فِيها قَطْعُ الأيْدِي والأرْجُلِ مِن خِلافٍ، ثُمَّ أمَرَ بِالتَّوَقِّي لِئَلّا يَقَعَ الإنْسانُ في شَيْءٍ مِنَ الحِرابَةِ، ثُمَّ ذَكَرَ حالَ الكُفّارِ - ذَكَرَ حُكْمَ السَّرِقَةِ لِأنَّ فِيها قَطْعَ الأيْدِي بِالقُرْآنِ، والأرْجُلِ بِالسُّنَّةِ؛ عَلى ما يَأْتِي ذِكْرُهُ، وهو أيْضًا حِرابَةٌ مِن حَيْثُ المَعْنى، لِأنَّ فِيهِ سَعْيًا بِالفَسادِ إلّا أنَّ تِلْكَ تَكُونُ عَلى سَبِيلِ الشَّوْكَةِ والظُّهُورِ والسَّرِقَةَ عَلى سَبِيلِ الِاخْتِفاءِ والتَّسَتُّرِ، والظّاهِرُ وُجُوبُ القَطْعِ بِمُسَمّى السَّرِقَةِ، وهو ظاهِرُ النَّصِّ. يَسْرِقُ البَيْضَةَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ، ويَسْرِقُ الجَمَلَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ اليُمْنى، سَرَقَ شَيْئًا ما، قَلِيلًا أوْ كَثِيرًا، قُطِعَتْ يَدُهُ، وإلى هَذا ذَهَبَ جَماعَةٌ مِنَ الصَّحابَةِ ومِنَ التّابِعِينَ مِنهُمُ: الحَسَنُ، وهو مَذْهَبُ الخَوارِجِ وداوُدَ.

وقالَ داوُدُ ومَن وافَقَهُ: لا يُقْطَعُ في سَرِقَةِ حَبَّةٍ واحِدَةٍ ولا تَمْرَةٍ واحِدَةٍ، بَلْ أقَلِّ شَيْءٍ يُسَمّى مالًا، وفي أقَلِّ شَيْءٍ يُخْرِجُ الشُّحَّ والضِّنَةَ. وقِيلَ: النِّصابُ الَّذِي تُقْطَعُ فِيهِ اليَدُ عَشَرَةُ دَراهِمَ فَصاعِدًا، أوْ قِيمَتُها مِن غَيْرِها، رُوِيَ …

Al-Maaida 5:37Listen in Qur'an →
38

وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ فَٱقْطَعُوٓا۟ أَيْدِيَهُمَا جَزَآءًۢ بِمَا كَسَبَا نَكَٰلًۭا مِّنَ ٱللَّهِ ۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌۭ

[As for] the thief, the male and the female, amputate their hands in recompense for what they committed as a deterrent [punishment] from Allah. And Allah is Exalted in Might and Wise.

﴿يُرِيدُونَ أنْ يَخْرُجُوا مِنَ النّارِ﴾ أيْ: يَرْجُونَ، أوْ يَتَمَنَّوْنَ، أوْ يَكادُونَ، أوْ يَسْألُونَ: أقْوالٌ مُتَقارِبَةٌ مِن حَيْثُ المَعْنى، والإرادَةُ مُمْكِنَةٌ في حَقِّهِمْ، فَلا يَنْبَغِي أنْ تَخْرُجَ عَنْ ظاهِرِها. قالَ الحَسَنُ: إذا فارَتْ بِهِمُ النّارُ فَرُّوا مِن بَأْسِها، فَحِينَئِذٍ يُرِيدُونَ الخُرُوجَ ويَطْمَعُونَ فِيهِ، وذَلِكَ قَوْلُهُ: يُرِيدُونَ أنْ يَخْرُجُوا مِنَ النّارِ. وقِيلَ لِجابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: إنَّكم يا أصْحابَ مُحَمَّدٍ تَقُولُونَ: إنَّ قَوْمًا يَخْرُجُونَ مِنَ النّارِ، واللَّهُ تَعالى يَقُولُ: ﴿وما هم بِخارِجِينَ مِنها﴾ فَقالَ جابِرٌ إنَّما هَذا في الكُفّارِ خاصَّةً. وحَكى الطَّبَرِيُّ عَنْ نافِعِ بْنِ الأزْرَقِ الخارِجِيِّ أنَّهُ قالَ لِابْنِ عَبّاسٍ: يا أعْمى البَصَرِ، يا أعْمى القَلْبِ، أتَزْعُمُ أنْ قَوْمًا يَخْرُجُونَ مِنَ النّارِ وقَدْ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وما هم بِخارِجِينَ مِنها﴾ ؟ فَقالَ لَهُ ابْنُ عَبّاسٍ: اقْرَأْ ما فَوْقُ، هَذِهِ الآيَةُ في الكُفّارِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وما يُرْوى عَنْ عِكْرِمَةَ أنَّ نافِعَ بْنَ الأزْرَقِ قالَ لِابْنِ عَبّاسٍ، وذَكَرَ الحِكايَةَ، ثُمَّ قالَ: فَمِمّا لَفَّقَتْهُ المُجَبِّرَةُ ولَيْسَ بِأوَّلِ تَكاذِيبِهِمْ وافْتِرائِهِمْ، وكَفاكَ بِما فِيهِ مِن مُواجَهَةِ ابْنِ الأزْرَقِ لِابْنِ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ، وهو بَيْنَ أظْهُرِ أعْضادِهِ مِن قُرَيْشٍ، وأنْضادِهِ مِن بَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ، وهو حَبْرُ هَذِهِ الأُمَّةِ وبَحْرُها، ومُفَسِّرُها بِالخِطابِ الَّذِي لا يَجْسَرُ عَلى مِثْلِهِ أحَدٌ مِن أهْلِ الدُّنْيا، وبِرَفْعِهِ إلى عِكْرِمَةَ - دَلِيلَيْنِ ناصَّيْنِ أنَّ الحَدِيثَ فِرْيَةٌ ما فِيها مِرْيَةٌ. انْتَهى. وهو عَلى عادَتِهِ وسَفاهَتِهِ في سَبِّ أهْلِ السُّنَّةِ، ومَذْهَبُهُ: أنَّ مَن دَخَلَ النّارَ لا يَخْرُجُ مِنها. وقَرَأ الجُمْهُورُ: أنْ يَخْرُجُوا؛ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، ويُناسِبُهُ: ﴿وما هم بِخارِجِينَ مِنها﴾ . وقَرَأ النَّخَعِيُّ، وابْنُ وثّابٍ، وأبُو واقِدٍ: أنْ يُخْرَجُوا؛ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ.

﴿ولَهم عَذابٌ مُقِيمٌ﴾ أيْ: مُتَأبِّدٌ لا يُحَوَّلُ.

﴿والسّارِقُ والسّارِقَةُ فاقْطَعُوا أيْدِيَهُما﴾ قالَ السّائِبُ: نَزَلَتْ في طُعْمَةَ بْنِ أُبَيْرِقٍ، ومَضَتْ قِصَّتُهُ فِي النِّساءِ. ومُناسَبَتُها لِما قَبْلَها أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ جَزاءَ المُحارِبِينَ بِالعُقُوباتِ الَّتِي فِيها قَطْعُ الأيْدِي والأرْجُلِ مِن خِلافٍ، ثُمَّ أمَرَ بِالتَّوَقِّي لِئَلّا يَقَعَ الإنْسانُ في شَيْءٍ مِنَ الحِرابَةِ، ثُمَّ ذَكَرَ حالَ الكُفّارِ - ذَكَرَ حُكْمَ السَّرِقَةِ لِأنَّ فِيها قَطْعَ الأيْدِي بِالقُرْآنِ، والأرْجُلِ بِالسُّنَّةِ؛ عَلى ما يَأْتِي ذِكْرُهُ، وهو أيْضًا حِرابَةٌ مِن حَيْثُ المَعْنى، لِأنَّ فِيهِ سَعْيًا بِالفَسادِ إلّا أنَّ تِلْكَ تَكُونُ عَلى سَبِيلِ الشَّوْكَةِ والظُّهُورِ والسَّرِقَةَ عَلى سَبِيلِ الِاخْتِفاءِ والتَّسَتُّرِ، والظّاهِرُ وُجُوبُ القَطْعِ بِمُسَمّى السَّرِقَةِ، وهو ظاهِرُ النَّصِّ. يَسْرِقُ البَيْضَةَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ، ويَسْرِقُ الجَمَلَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ اليُمْنى، سَرَقَ شَيْئًا ما، قَلِيلًا أوْ كَثِيرًا، قُطِعَتْ يَدُهُ، وإلى هَذا ذَهَبَ جَماعَةٌ مِنَ الصَّحابَةِ ومِنَ التّابِعِينَ مِنهُمُ: الحَسَنُ، وهو مَذْهَبُ الخَوارِجِ وداوُدَ.

وقالَ داوُدُ ومَن وافَقَهُ: لا يُقْطَعُ في سَرِقَةِ حَبَّةٍ واحِدَةٍ ولا تَمْرَةٍ واحِدَةٍ، بَلْ أقَلِّ شَيْءٍ يُسَمّى مالًا، وفي أقَلِّ شَيْءٍ يُخْرِجُ الشُّحَّ والضِّنَةَ. وقِيلَ: النِّصابُ الَّذِي تُقْطَعُ فِيهِ اليَدُ عَشَرَةُ دَراهِمَ فَصاعِدًا، أوْ قِيمَتُها مِن غَيْرِها، رُوِيَ …

Al-Maaida 5:38Listen in Qur'an →
39

فَمَن تَابَ مِنۢ بَعْدِ ظُلْمِهِۦ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ ٱللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌ

But whoever repents after his wrongdoing and reforms, indeed, Allah will turn to him in forgiveness. Indeed, Allah is Forgiving and Merciful.

﴿فَمَن تابَ مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ وأصْلَحَ فَإنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أيْ: فَمَن تابَ مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ بِالسَّرِقَةِ. وظُلْمِهِ مُضافٌ إلى الفاعِلِ؛ أيْ: مِن بَعْدِ أنْ ظَلَمَ غَيْرَهُ بِأخْذِ مالٍ أوْ سَرِقَةٍ. قِيلَ: أوْ مُضافٌ إلى المَفْعُولِ؛ أيْ: مِن بَعْدِ أنْ ظَلَمَ نَفْسَهُ. وفي جَوازِ هَذا الوَجْهِ نَظَرٌ إذْ يَصِيرُ التَّقْدِيرُ: مِن بَعْدِ أنْ ظَلَمَهُ. ولَوْ صُرِّحَ بِهَذا لَمْ يَجُزْ، لِأنَّ فِيهِ تَعَدِّي الفِعْلِ الرّافِعِ لِلضَّمِيرِ المُتَّصِلِ إلى الضَّمِيرِ المُتَّصِلِ المَنصُوبِ، وذَلِكَ لا يَجُوزُ إلّا في بابِ ظَنَّ، وفَقَدَ، وعَدِمَ. ومَعْنى يَتُوبُ عَلَيْهِ؛ أيْ: يَتَجاوَزُ عَنْهُ ويَقْبَلُ تَوْبَتَهُ. وظاهِرُ الآيَةِ أنَّهُ بِمُجَرَّدِ التَّوْبَةِ لا يُقْبَلُ إلّا إنْ ضَمَّ إلى ذَلِكَ الإصْلاحَ وهو التَّنَصُّلُ مِنَ التَّبِعاتِ بِرَدِّها إنْ أمْكَنَ، وإلّا بِالِاسْتِحْلالِ مِنها، أوْ بِإنْفاقِها في سَبِيلِ اللَّهِ إنْ جَهِلَ صاحِبَها. والغُفْرانُ والرَّحْمَةُ كِنايَةٌ عَنْ سُقُوطِ العُقُوبَةِ عَنْهُ في الآخِرَةِ. قَرَأ الجُمْهُورُ عَلى أنَّ الحَدَّ لا يَسْقُطُ بِالتَّوْبَةِ. وقالَ عَطاءٌ وجَماعَةٌ: يَسْقُطُ بِالتَّوْبَةِ قَبْلَ القُدْرَةِ عَلى السّارِقِ، وهو أحَدُ قَوْلَيِ الشّافِعِيِّ. وقالَ مُجاهِدٌ: التَّوْبَةُ والإصْلاحُ: هي أنْ يُقامَ عَلَيْهِ الحَدُّ.

Al-Maaida 5:39Listen in Qur'an →
40

أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ لَهُۥ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ يُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ وَيَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ ۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌۭ

Do you not know that to Allah belongs the dominion of the heavens and the earth? He punishes whom He wills and forgives whom He wills, and Allah is over all things competent.

﴿ألَمْ تَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ يُعَذِّبُ مَن يَشاءُ ويَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ﴾ لَمّا ذَكَرَ تَعالى تَصَرُّفَهُ في أحْكامِ المُحارِبِينَ وأحْكامِ السُّرّاقِ، ولَمْ يُحابِ ما ذَكَرَ مِنَ العُقُوباتِ عَلَيْهِمْ، نَبَّهَ عَلى أنَّ ذَلِكَ هو تَصَرُّفٌ في مُلْكِهِ ومِلْكِهِ، لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ، فَيُعَذِّبُ مَن يَشاءُ عَذابَهُ وهُمُ المُخالِفُونَ لِأمْرِهِ، ويَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ وهُمُ التّائِبُونَ. والخِطابُ في ألَمْ تَعْلَمْ قِيلَ: لِلنَّبِيِّ، ﷺ، وقِيلَ: لِكُلِّ مُكَلَّفٍ، وقِيلَ: لِلْمُجْتَرِئِ عَلى السَّرِقَةِ وغَيْرِها مِنَ المَحْظُوراتِ. فالمَعْنى: ألَمْ تَعْلَمْ أنَّكَ عاجِزٌ عَنِ الخُرُوجِ عَنْ مُلْكِي، هارِبًا مِنِّي ومِن عَذابِي، فَلِمَ اجْتَرَأْتَ عَلى ما مَنَعْتُكَ مِنهُ ؟ وأبْعَدَ مَن ذَهَبَ أنَّهُ خِطابُ اليَهُودِ، كانُوا بِحَضْرَةِ الرَّسُولِ؛ والمَعْنى: ألَمْ تَعْلَمُوا أنَّهُ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ، لا قَرابَةَ ولا نَسَبَ بَيْنَهُ وبَيْنَ أحَدٍ حَتّى يُحابِيَهُ، ويَتْرُكَ القائِلِينَ نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مَن يَشاءُ مَن يَجِبُ في الحُكْمِ تَعْذِيبُهُ والمَغْفِرَةُ لَهُ مِنَ المُصِرِّينَ والتّائِبِينَ. انْتَهى. وفِيهِ دَسِيسَةُ الِاعْتِزالِ. وقَدْ يَسْقُطُ حَدُّ الحَرْبِيِّ إذا سَرَقَ بِالتَّوْبَةِ لِيَكُونَ أدْعى لَهُ إلى الإسْلامِ وأبْعَدَ مِنَ التَّنْفِيرِ عَنْهُ، ولا نُسْقِطُهُ عَنِ المُسْلِمِ لِأنَّ في إقامَتِهِ الصَّلاحَ لِلْمُؤْمِنِينَ والحَياةَ ﴿ولَكم في القِصاصِ حَياةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩] . وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والضَّحّاكُ: يُعَذِّبُ مَن يَشاءُ؛ أيْ: مَن ماتَ عَلى كُفْرِهِ، ويَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ مِمَّنْ تابَ عَنْ كُفْرِهِ. وقِيلَ: ذَلِكَ في الدُّنْيا، يُعَذِّبُ مَن يَشاءُ في الدُّنْيا عَلى مَعْصِيَتِهِ بِالقَتْلِ والخَسْفِ والسَّبْيِ والأسْرِ وإذْهابِ المالِ والجَدْبِ والنَّفْيِ والخِزْيِ والجِزْيَةِ وغَيْرِ ذَلِكَ، ويَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ مِنهم في الدُّنْيا بِالتَّوْبَةِ عَلَيْهِ مِن كُفْرِهِ ومَعْصِيَتِهِ فَيُنْقِذُهُ مِنَ الهَلَكَةِ ويُنْجِيهِ مِنَ العُقُوبَةِ.

﴿واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ كَثِيرًا ما يَعْقُبُ هَذِهِ الجُمْلَةُ ما دَلَّ عَلى التَّصَرُّفِ التّامِّ، والمُلْكِ والخَلْقِ والِاخْتِراعِ، وهي في غايَةِ المُناسَبَةِ عَقِيبَ ما ذَكَرُوهُ، مِن ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ هو المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: ١٧] .

Al-Maaida 5:40Listen in Qur'an →

Commentary: Al-Bahr al-Muhit by Abu Hayyan al-Gharnati. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.