Muslim99Muslim99
← Tafsir library

5. Al-Maaida

The Table · Medinan · 120 ayahs

سُورَةُ المَائـِدَةِ

Reading Tafsir Ibn 'Uthaymin by Muhammad ibn Salih al-'Uthaymin

Ayahs 1–10 of 120

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

1

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَوْفُوا۟ بِٱلْعُقُودِ ۚ أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ ٱلْأَنْعَٰمِ إِلَّا مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّى ٱلصَّيْدِ وَأَنتُمْ حُرُمٌ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ

O you who have believed, fulfill [all] contracts. Lawful for you are the animals of grazing livestock except for that which is recited to you [in this Qur'an] - hunting not being permitted while you are in the state of ihram. Indeed, Allah ordains what He intends.

طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ (١) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [المائدة ١- ٢].

* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ أولًا هذه السورة مدنية، وهي من آخر ما نزل من القرآن؛ ولذلك قال العلماء: ما كان فيها من حلال فأحلوه، وما كان فيها من حرام فحرموه، ولم يأت فيها حكم يكون منسوخًا، بل كل الأحكام التي فيها محكمة، وهي مدنية؛ لأنها نزلت بعد الهجرة، وكل ما نزل بعد الهجرة فإنه مدني وإن نزل بمكة، وإلا ففيها قول الله تبارك وتعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة ٣] هذا نزل في عرفة والنبي ﷺ واقف بها.

البسملة لا حاجة لتكرار الكلام عليها؛ لأنه سبق الكلام عليها، وأنها آية من كتاب الله مستقلة ليست من السورة التي قبلها ولا بعدها، يؤتى بها عند بدء كل سورة سوى سورة براءة.

وأنها متعلقة بمحذوف، ويقدر هذا المحذوف فعلًا متأخرًا مناسبًا للموضوع الذي تقدمته هذه البسملة، هذا أحسن ما قيل في متعلق البسملة، وعليه فإذا كنت تريد أن تقرأ تقول: إن الجار والمجرور متعلق بفعل محذوف تقديره: باسم الله أقرأ، يعني التقدير: باسم الله أقرأ، وإذا كنت تريد تتوضأ تقول تقديره: باسم الله أتوضأ، إذا كنت تريد أن تذبح مذكاة تقول: باسم الله أذبح، هذا التقدير.

يقول الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾، واعلم أنه إذا صدر الكلام بهذه الجملة ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فإنه كما قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: «أَرْعِهَا سمعك» -يعني انتبه لها- «فإما خير تؤمر به، وإما شر تنهى عنه، وإما خبرٌ يكون فيه مصلحة لك»أخرجه ابن المبارك في الزهد (٣٦)، وسعيد بن منصور في السنن (٥٠) من حديث عبد الله بن مسعود.، مثل قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة ٢٨] وما أشبه ذلك، المهم أنه لا بد أن تكون لخير، أو لشر، أو لخبر يتضمن خيرًا أو شرًّا.

واعلم أيضًا أنه إذا صدر الكلام بها فإنه يدل على أن ما بعدها من مقتضيات الإيمان؛ تصديقًا به إن كان خبرًا، وعملًا به إن كان طلبًا، وأن مخالفة ذلك نقص في الإيمان.

واعلم أيضًا أن الله تعالى يصدر الخطاب بها إغراء للمخاطب؛ لأنه إذا قيل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ كأنه يقول: إن إيمانكم يحملكم على أن تفعلوا كذا وكذا، أو أن تتركوا كذا وكذا، حسب السياق.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ أوفوا بها أي: ائتوا بها وافية كاملة من غير نقص، وقد بيَّن الله تعالى الوعيد على من يستوفي العقود تامة ولا يوفيها تامة في قوله تعالى: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (١) الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (٢) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾ [المطففين ١-٣].

إذن ﴿أَوْفُوا﴾ بمعنى أيش؟ ائتوا بها كاملة، ومنه قوله تعالى: …

2

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تُحِلُّوا۟ شَعَٰٓئِرَ ٱللَّهِ وَلَا ٱلشَّهْرَ ٱلْحَرَامَ وَلَا ٱلْهَدْىَ وَلَا ٱلْقَلَٰٓئِدَ وَلَآ ءَآمِّينَ ٱلْبَيْتَ ٱلْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًۭا مِّن رَّبِّهِمْ وَرِضْوَٰنًۭا ۚ وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَٱصْطَادُوا۟ ۚ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَـَٔانُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ أَن تَعْتَدُوا۟ ۘ وَتَعَاوَنُوا۟ عَلَى ٱلْبِرِّ وَٱلتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا۟ عَلَى ٱلْإِثْمِ وَٱلْعُدْوَٰنِ ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ۖ إِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ

O you who have believed, do not violate the rites of Allah or [the sanctity of] the sacred month or [neglect the marking of] the sacrificial animals and garlanding [them] or [violate the safety of] those coming to the Sacred House seeking bounty from their Lord and [His] approval. But when you come out of ihram, then [you may] hunt. And do not let the hatred of a people for having obstructed you from al-Masjid al-Haram lead you to transgress. And cooperate in righteousness and piety, but do not cooperate in sin and aggression. And fear Allah; indeed, Allah is severe in penalty.

ثم قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا﴾.

نقول في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ما قلناه في الآية الأولى.

﴿لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ﴾ أي: لا تنتهكوا حرماتها، و(الشعائر) جمع (شعيرة)، وهي العبادات الكبار، كالحج والعمرة ونحو ذلك؛ وذلك لأن الأحكام الشرعية شعائر وغير شعائر، الأحكام الكبيرة تسمى شعائر، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة ١٥٨].

﴿وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ﴾ الشهر هنا المراد به الجنس وليس المراد به الواحد، فما هو الشهر الحرام؟ الشهر الحرام شهور أربعة بيَّنها الله تعالى في قوله: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ [التوبة ٣٦]، وبيَّن النبي ﷺ أعيان هذه الأشهر بأنها ذو القعدة وذو الحجة والمحرم، والرابع رجب؛ رجب: مضر الذي بين جمادى وشعبانمتفق عليه؛ البخاري (٤٤٠٦)، ومسلم (١٦٧٩ / ٢٩) من حديث أبي بكرة..

هذه الأشهر الحرم، يعني لا تحِلُّوها بالمعاصي، ولا تحِلُّوها بالقتال أيضًا؛ لأن القتال في الأشهر الحرم حرام، حتى الكفار لا يحل أن نبدأهم بالقتال في الأشهر الحرم إلا دفاعًا عن النفس أو إذا كان امتدادًا لقتال سابق، انتبه، وهذه المسألة يأتي -إن شاء الله- بيان حكمها واختلاف العلماء فيها.

﴿وَلَا الْهَدْيَ﴾ يعني: ولا تحلوا الهدي، والمراد بالهدي ما يهدى إلى الحرم من إبل أو بقر أو غنم، وكيف إحلاله؟ إحلاله: أن يذبحه قبل أن يبلغ محله، هذا إحلال، فلو أن الإنسان ساق الهدي من الميقات؛ من ذي الحليفة، ثم أراد أن يذبحه أو ينحره قبل الوصول إلى مكة كان هذا حرامًا لا يحِل؛ ولهذا قال: ﴿وَلَا الْهَدْيَ﴾.

﴿وَلَا الْقَلَائِدَ﴾ (القلائد) جمع أيش؟

* طالب: قلادة.

* الشيخ: جمع (قلادة)، فما المراد بالقلائد؟ المراد بالقلائد ما تقلد به أعناق الهدي، وكان من عادتهم أن يجعلوا في عنق كل واحدة قلادة، إشارة إلى أنها هدي، ويجعل في هذه القلادة يعلق فيها النعال البالية وأطراف الأسقية، يعني: أطراف القرب والأسقية وما أشبه ذلك، إشارة إلى أن هذه للفقراء، فمن حين أن يرى الإنسان هذه الشاة أو هذه البعير وعليها هذه القلادة يعرف أنها هدي، فيحترمها ولا يضيرها بشيء.

﴿وَلَا الْقَلَائِدَ﴾ ويحتمل أن يقال: إن القلائد أعم من ذلك، وأن المراد: ولا ما تقلدتموه من عهود ووعود وغيرها، ولكن السياق يدل على المعنى الأول، الهدي والقلائد يعني: قلائد الهدي.

﴿وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا﴾ يعني: ولا تحلوا أيضًا، ﴿آمِّينَ﴾ بمعنى قاصدين، ﴿الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾ وهو الكعبة، ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا﴾، وسماه الله بيتًا؛ لأنه بيت في الواقع؛ إذ إنه حجرة ذات أركان وسقف فهي بيت، ووصفها الله بالحرام لما لها من الحرمة والتعظيم؛ ولهذا كان ما حولها محترمًا، حتى الأشجار محترمة في الحرم مع أن الأشجار جماد.

والحصى؟

* طالب: كذلك.

* الشيخ: لا، غير محترم، الحصى والتراب غير محترم؛ ولهذا لك أن تكسِّر الحصى، ولك أن تنقل التراب إلى خارج الحرم بخلاف الأشجار.

الأشجار التي لا تنمو كالتي قد يبست وكأغصان انكسرت هل هي حرام أو غير حرام؟ الجواب ليست حرامًا، اليابسة التي انتهت ليست حرامًا.

﴿يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا﴾ جملة ﴿يَبْتَغُونَ﴾ في موضع نصب على الحال من ﴿آمِّينَ﴾، أما ﴿الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾ فهي مفعول به لـ﴿آمِّينَ﴾، ﴿يَبْتَغُونَ﴾ أي: يطلبون، ﴿فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ﴾، …

3

حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةُ وَٱلدَّمُ وَلَحْمُ ٱلْخِنزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ ٱللَّهِ بِهِۦ وَٱلْمُنْخَنِقَةُ وَٱلْمَوْقُوذَةُ وَٱلْمُتَرَدِّيَةُ وَٱلنَّطِيحَةُ وَمَآ أَكَلَ ٱلسَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى ٱلنُّصُبِ وَأَن تَسْتَقْسِمُوا۟ بِٱلْأَزْلَٰمِ ۚ ذَٰلِكُمْ فِسْقٌ ۗ ٱلْيَوْمَ يَئِسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِن دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَٱخْشَوْنِ ۚ ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلْإِسْلَٰمَ دِينًۭا ۚ فَمَنِ ٱضْطُرَّ فِى مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍۢ لِّإِثْمٍۢ ۙ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ

Prohibited to you are dead animals, blood, the flesh of swine, and that which has been dedicated to other than Allah, and [those animals] killed by strangling or by a violent blow or by a head-long fall or by the goring of horns, and those from which a wild animal has eaten, except what you [are able to] slaughter [before its death], and those which are sacrificed on stone altars, and [prohibited is] that you seek decision through divining arrows. That is grave disobedience. This day those who disbelieve have despaired of [defeating] your religion; so fear them not, but fear Me. This day I have perfected for you your religion and completed My favor upon you and have approved for you Islam as religion. But whoever is forced by severe hunger with no inclination to sin - then indeed, Allah is Forgiving and Merciful.

ثم قال الله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ إلى آخره. ﴿حُرِّمَتْ﴾ هذا فعل مبني لما لم يُسمَّ فاعله، والفاعل مَن؟ الله عز وجل، فحُذف الفاعل للعلم به.

فإن قال قائل: قال هنا: ﴿حُرِّمَتْ﴾، وفي سورة البقرة والنحل: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ﴾ [البقرة ١٧٣]، [النحل: ١١٥]، ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ﴾ فنسب التحريم إلى الله صراحة فلماذا اختلف التعبير؟

فالجواب من وجهين:

الوجه الأول: أن بلاغة القرآن لا يمكن أن يدركها كل الناس؛ لأنها كلام من؟ كلام الله عز وجل، والله تعالى لا نحيط به علمًا، لا في ذاته ولا في صفاته، فبلاغة القرآن أعظم من أن تدركها عقولنا، وعلى هذا التقدير، أو على هذا الجواب يجب الإمساك عن مثل هذه الأمور، ونقول: إن الله عز وجل عبر هناك ﴿حَرَّمَ﴾ أضاف الفعل إلى نفسه، وهنا عبر بِحُرّم، وهذا أمر فوق عقولنا، وبذلك يُمسك كل مؤمن عن محاولة التكلف في الفرق.

أما الوجه الثاني: فيمكن أن يقال: هناك قال: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ﴾؛ لأنه بصيغة الحصر في أمور أربعة، فكأنه قال: ما حرم إلا هذا خلافًا لما حرمتم أنتم في الجاهلية ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ﴾ [المائدة ١٠٣]، فقال: ما حرم إلا هذا إظهارًا لفضله عز وجل، وأنه لم يحرم على الناس إلا أربعة أصناف فقط.

﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ ﴿الْمَيْتَةُ﴾ هنا (أل) لبيان الحقيقة يعني كل ميتة فهي حرام، والميتة هي ما مات حتف أنفه أو ذُكّي على وجه غير شرعي، هذه الميتة، ما مات حتف أنفه يعني بدون فِعل فاعل، أو بفعل فاعل، لكن على الوجه الشرعي، فمثلًا إذا مرضت البهيمة وماتت، نقول: هذه ماتت حتف أنفها، وإذا دق عنقها شخص فماتت، نقول: هذه ذكاة غير شرعية، يستثنى من الميتة ميتة البحر فإنها ليست بحرام؛ لقول الله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ﴾ [المائدة ٩٦]، قال عبد الله بن عباس: «صَيْدُهُ مَا أُخِذَ حَيًّا، وَطَعَامُهُ مَا أُخِذَ مَيِّتًا»أخرجه الدارقطني في سننه (٤٧٢٨)، والسيوطي في الدر المنثور (٣ / ١٩٨) من حديث ابن عباس، بنحو هذا اللفظ.، وفي حديث عبد الله بن عمر: «أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ وَدَمَانِ؛ فَأَمَّا الْمَيْتَتَانِ فَالْجَرَادُ وَالْحُوتُ»أخرجه ابن ماجه (٣٣١٤)، وأحمد في مسنده (٥٧٢٣) من حديث عبد الله بن عمر..

ويستثنى الجراد كما في حديث ابن عمر، والجراد ليس بحريًّا، الجراد لا يعيش إلا في البر، لكنه حلال ميتته حلال، لماذا؟

أولًا: لأن الأمر بتذكيته أو الإلزام بتذكيته إلزام بما لا يمكن، من يستطيع أن يمسك كل جرادة ويذبحها؟

وثانيًا: أنه ليس فيها دم يحتاج إلى استخراجه، فلذلك أُحلّت.

هل يلزم من تحريم الميتة أن تكون نجسة؟ نقول: لا يلزم، لكن هناك دليل على نجاستها، وهو قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ [الأنعام ١٤٥] أي ما ذُكر. إذن يُستثنى من الميتات أيش؟ الجراد، وميتة البحر.

﴿وَالدَّمُ﴾ الدم هنا مطلق، و(أل) فيه لبيان الحقيقة، ولكنه قُيّد في سورة الأنعام بالدم المسفوح احترازًا من الدم الذي يبقى في العروق بعد التذكية، فإنه ليس بحرام، الحرام هو الدم المسفوح الذي يخرج عند الذكاة أو يخرج عند فصل العِرق أو ما أشبه ذلك، وكانوا في الجاهلية يأكلون الميتات، ولا يبالون بها ويقولون: كيف تُحرّمون ما قتله الله ولا تحرمون ما قتلتموه؟ يعني بالذكاة، وكانوا أيضًا يأكلون الدم المسفوح، يفصد الإنسان عرق ناقته ويمصه فحرمه الله عز وجل، الدم يُقيّد هذا بأيش؟ بالدم المسفوح، وعلى هذا فالكبد لا تحرم، الطحال لا يحرم، الكلى لا تحرم، الدم الذي يكون في القلب لا يحرم، الدم الذي يبقى في العروق لا يحرم؛ لأن …

4

يَسْـَٔلُونَكَ مَاذَآ أُحِلَّ لَهُمْ ۖ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيِّبَٰتُ ۙ وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ ٱلْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ ٱللَّهُ ۖ فَكُلُوا۟ مِمَّآ أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَٱذْكُرُوا۟ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَيْهِ ۖ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ

They ask you, [O Muhammad], what has been made lawful for them. Say, "Lawful for you are [all] good foods and [game caught by] what you have trained of hunting animals which you train as Allah has taught you. So eat of what they catch for you, and mention the name of Allah upon it, and fear Allah." Indeed, Allah is swift in account.

طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٤) الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [المائدة ٤، ٥].

* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، سبق الكلام على الآية التي فيها بيان المحرمات مما أحل الله وهي؟

* طالب: الميتة، والدم، ولحم الخنزير، وما أهلّ لغير الله به، والمنخنقة، والموقوذة، والمتردية، والنطيحة، وما أكل السبع.

* الشيخ: كم هذه؟ ثمانية، أو تسعة، أو عشرة؟

* طالب: عشرة نعم.

* الشيخ: قوله: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ الاستثناء يعود على أيش؟

* طالب: على كله؟

* الشيخ: كله ما هو؟

* طالب: على المنخنقة، والموقوذة، والمتردّية، والنطيحة، وما أكل السبع إلا ما ذكيتم.

* الشيخ: إلى المنخنقة، والموقوذة، والمتردية، والنطيحة، وما أكل السبع إلا ما ذكيتم. وبأي شيء تكون التذكية؟

* طالب: بأن ينهر دمها، ويذكر اسم الله عليها.

* الشيخ: بأن ينهر دمها، ويذكر اسم الله عليها، لكن هل يُشترط أن تتحرك بعد الذبح أو لا يشترط؟

* طالب: (...).

* الشيخ: يعني الشرط أن يسيل منها الدم الذي يسيل من المذبوح عادة، وهو الدم الأحمر السائل الحار دون الأسود البارد، هذا ما يدل على أنها حية، وقال بعض العلماء: لا بد أن تتحرك إما بعينها أو ذنبها أو رجلها، لكن الآية تدل على أنه متى ذُكّيت حلّت.

* الشيخ: ما معنى قوله: ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾؟

* طالب: (...).

* الشيخ: ويش معناها؟ ما ذبح على النصب، كيف؟

* طالب: يذبحون عند الأصنام (...).

* الشيخ: كيف؟ من الكعبة للأصنام للأوثان؟

* الطالب: شيخ، كان عند الكعبة أوثان يذبحون عندها، وهذا غير..

* الشيخ: طيب لو كانت الأنصاب في (...)؟

* الطالب: (...).

* الشيخ: طيب، لكن ويش معنى ذبح عليها؟ يعني ذبح لله على رأس الصنم؟

* الطالب: لا يا شيخ، عندها.

* الشيخ: لها، ذبح عندها لها.

* الطالب: ما يلزم لله الذبح، حتى لو كان لله فبالتوسل أو (...).

* الشيخ: أيش تقولون؟

* طلبة: ذبح لها.

* الشيخ: ذبح عليها يعني لها، ما الفرق بين ما ذبح على النصب، وما أُهِلّ لغير الله به؟

* طالب: (...).

* الشيخ: ما أُهِلّ لغير الله به وإن لم يكن من النصب، إذن الأول فعل والثاني قول، ما ذبح على النصب هذا فعل، وإن لم يذكر اسم النصب، وأما ما أهل لغير الله به فهو القول.

يقول عز وجل: ﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ﴾ كيف نجمع بين هذه الآية وبين الواقع؟ لأنه إلى الآن والكفار لم ييئسوا من ديننا، هم يقاتلوننا ويغروننا؟

* طالب: (...).

* الشيخ: خطأ.

* طالب: (...) عند نزول هذه الآية لكن تغير الحال بعد ذلك.

* الشيخ: يعني كونهم ييئسون لا يعني ذلك أنه لا بد أن يكون هو الواقع، صح، كما يئس الشيطان أن يُعبد في الجزيرة وعُبد، فعلى هذا نقول: اليأس الذي وقعت في قلوب الكفار لما رأوا الفتح العظيم وانتصار الإسلام قالوا: خلاص، ما يمكن للعرب أن يرتدوا، وهذا بناء على عقيدتهم، والواقع خلاف ذلك.

قوله عز وجل: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ (أل) هنا لأي العهد؟

* طالب: للعهد الحضوري.

* الشيخ: العهد …

5

ٱلْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيِّبَٰتُ ۖ وَطَعَامُ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَٰبَ حِلٌّۭ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّۭ لَّهُمْ ۖ وَٱلْمُحْصَنَٰتُ مِنَ ٱلْمُؤْمِنَٰتِ وَٱلْمُحْصَنَٰتُ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَٰبَ مِن قَبْلِكُمْ إِذَآ ءَاتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَٰفِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِىٓ أَخْدَانٍۢ ۗ وَمَن يَكْفُرْ بِٱلْإِيمَٰنِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُۥ وَهُوَ فِى ٱلْءَاخِرَةِ مِنَ ٱلْخَٰسِرِينَ

This day [all] good foods have been made lawful, and the food of those who were given the Scripture is lawful for you and your food is lawful for them. And [lawful in marriage are] chaste women from among the believers and chaste women from among those who were given the Scripture before you, when you have given them their due compensation, desiring chastity, not unlawful sexual intercourse or taking [secret] lovers. And whoever denies the faith - his work has become worthless, and he, in the Hereafter, will be among the losers.

قال الله تبارك وتعالى: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾، ﴿الْيَوْمَ﴾ يحتمل المراد بذلك اليوم ما سوى الزمن الماضي، أو اليوم الحاضر اللي هو يوم معين.

﴿أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ من أحلها؟ أحلها الله عز وجل، فحُذِف الفاعل للعلم به، كما في قوله: ﴿خُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء ٢٨]، فالخالق هو الله عز وجل، وهو معلوم، والمحلِّل والمحرِّم هو الله، وهو معلوم، ولذلك حُذِف الفاعل في الخلق؛ وهو أمر كوني، وفي الشرع؛ وهو في الحلال والحرام، وعلى هذا فمن كان معلومًا بالتحليل أو التحريم، أو الإيجاد والإعدام، فلا حرج أن يُحْذَف يبنى الفعل لما لم يسم فاعله.

﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ﴾ أي: أحل الله، ﴿الطَّيِّبَاتُ﴾، و﴿الطَّيِّبَاتُ﴾ هي ضد الخبيث، قال الله تعالى: ﴿قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ﴾ [المائدة ١٠٠]، فما هو ميزان الطيب؟ أهو في ذوق كل إنسان، أم في عادات الناس، أم ماذا؟ نقول: المرجع في ذلك إلى ما جاءت به الشريعة، فما أحلَّته الشريعة فهو طيب، وما حرمته فهو خبيث.

فإن قال قائل: ما هو الأصل في الأطعمة؟

* طالب: الحِلّ.

* الشيخ: الحِلّ؟ الدليل؟

* الطالب: أحل لكم (...).

* الشيخ: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة ٢٩] إذن الأصل الحِلّ، فإذا ادعى مدَّعٍ أن هذا الشيء حرام من طير أو زاحف أو غيرهما قلنا له: ما الدليل على ذلك؟ وما أحلَّه الله فهو طيب لا شك.

﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾، ﴿طَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ يعني اليهود والنصارى، وليس المراد كل ما يطعمون من حب وثمر، لا، المراد كل ما يطعمون من لحم، ثم أيضًا ليس المراد كل ما يطعمون من لحم إذا كان لا تشترط له الذكاة؛ لأن ما لا تشترط له الذكاة حلال بدون فعلهم، والحبوب والثمار حلال بدون فعلهم، فليس من طعامهم الخاص، ولا يمكن أن الله تعالى يقول: ﴿طَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ والمراد به هذا الطعام الذي لكل أحد، فمثلًا لو كان أهل الكتاب لا يأكلون إلا الشعير، فهل حِلّ الشعير لنا مأخوذ من الآية هذه؟ لا؛ لأن هذا ليس من خصائصهم، ولم يكن إحلاله متوقفًا على فعلهم، ما الذي يتوقف إحلاله على فعلهم؟ هي الذبائح؛ ولهذا فسَّر ابن عباس رضي الله عنهما فسَّر طعامهم بذبائحهمأخرجه الطبري في التفسير (٨ / ١٣٦)، والبخاري تعليقًا (٧ / ٩٢). ، وعليه فيكون المراد بـ﴿طَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ هو ذبائحهم، وهم اليهود والنصارى.

وظاهر الآية الكريمة أنه لا فرق بين أن يكونوا قد بدَّلوا وحرَّفوا أم التزموا بشرائعهم؛ للعموم، ولأن هذه الآية في نفس السورة التي حكى الله عنهم أنهم يقولون: ﴿إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ [المائدة ٧٣].

﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ﴾ أي: ما ذبحتموه ﴿حِلٌّ لَهُمْ﴾، فالأطعمة ثلاثة أنواع: طعام لا يتوقف حلُّه على فعل آدمي؛ فهذا حِلٌّ للجميع، حلال يتوقف على ذبح الإنسان، فإن ذبحناه فهو حلال لهم، وإن ذبحوه فهو حلال لنا.

﴿وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾، ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ﴾ يعني: وأُحِلّ لكم المحصنات، فعليه تكون معطوفة على قوله: ﴿الطَّيِّبَاتُ﴾.

﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ المحصنات من المؤمنات هن الحرائر، حلال لنا، ويحتمل أن المراد بذلك العفيفات؛ فأما الأول فيؤيده قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء ٢٥]، فإن المراد بالمحصنات هنا الحرائر بلا إشكال.

أما الثاني أن المراد به العفائف أو العفيفات فيؤيده قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ …

6

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ فَٱغْسِلُوا۟ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى ٱلْمَرَافِقِ وَٱمْسَحُوا۟ بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى ٱلْكَعْبَيْنِ ۚ وَإِن كُنتُمْ جُنُبًۭا فَٱطَّهَّرُوا۟ ۚ وَإِن كُنتُم مَّرْضَىٰٓ أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوْ جَآءَ أَحَدٌۭ مِّنكُم مِّنَ ٱلْغَآئِطِ أَوْ لَٰمَسْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَلَمْ تَجِدُوا۟ مَآءًۭ فَتَيَمَّمُوا۟ صَعِيدًۭا طَيِّبًۭا فَٱمْسَحُوا۟ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ ۚ مَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍۢ وَلَٰكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُۥ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ

O you who have believed, when you rise to [perform] prayer, wash your faces and your forearms to the elbows and wipe over your heads and wash your feet to the ankles. And if you are in a state of janabah, then purify yourselves. But if you are ill or on a journey or one of you comes from the place of relieving himself or you have contacted women and do not find water, then seek clean earth and wipe over your faces and hands with it. Allah does not intend to make difficulty for you, but He intends to purify you and complete His favor upon you that you may be grateful.

ثم قال الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ﴾ [المائدة ٦]، الخطاب بـ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ﴾ سبق لنا الكلام عليه عدة مرات فلا حاجة إلى إعادته هنا.

وقوله: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ﴾ أي: إذا أردتم الصلاة، ولا يُشترط أن يقوم الإنسان على قدميه، بل متى أراد وإن كان قاعدًا فإنه يلزمه ما أمر الله به.

وقوله: ﴿إِلَى الصَّلاةِ﴾ الصلاة عبادة معلومة مُفتَتَحة بالتكبير مُختَتَمة بالتسليم، هكذا قال العلماء في تعريفها: أنها عبادة معلومة -ولم يذكروا كيفيتها؛ لأنها يعلمها الخاص والعام- مفتَتَحة بالتكبير مختَتَمة بالتسليم.

فقولهم: مفتتحة بالتكبير، هذا فصل يُخرج ما عدا الصلاة؛ لأن جميع العبادات التي سوى الصلاة ما فيها افتتاح بالتكبير، ومختَتَمة بالتسليم أيضًا تُخرج ما يُبتدأ بالتكبير ولا يُختَم بالتسليم، كالطواف بالبيت، على أن ابتداء الطواف بالتكبير ليس بركن، لكنه من المندوبات، لكنه يَخرج بقولنا أيش؟ مختَتَمة بالتسليم، فإن الطواف لا يُختَتَم بالتسليم، وهذا مما يدل على أن الحديث المروي مرفوعًا إلى الرسول عليه الصلاة والسلام «أَنَّ الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ»أخرجه الترمذي (٩٦٠)، والدارمي (١٨٨٩) من حديث عبد الله بن عباس مرفوعًا، وأخرجه النسائي في السنن الكبرى (٣٩٣١) عن ابن عباس موقوفًا، وقال الترمذي (٩٦٠): وقد روي هذا الحديث عن ابن طاوس وغيره عن طاوس عن ابن عباس موقوفًا، ولا نعرفه مرفوعًا إلا من حديث عطاء بن السائب.. ، لا يصح مرفوعًا، إنما هو عن ابن عباس رضي الله عنهما، وهو لا يصح طردًا ولا عكسًا، ولهذا كان القول الراجح: أن الطواف لا تُشترط له الطهارة؛ لأنه لا يدخل في الصلاة، ولا يمكن أن يُدخل في هذه الآية؛ لأنه ليس بصلاة، وإذا تبين أن الحديث المرفوع الذي هو في الحقيقة موقوف، إذا تبين أنه لا يصح طردًا ولا عكسًا تبين أنه لا يُشترط له الطهارة، ونتكلم على هذا إن شاء الله في الفوائد.

﴿إِلَى الصَّلاةِ﴾ ألا يقول قائل: الصلاة في اللغة الدعاء؟ ويكون المراد: إذا قمتم إلى الدعاء؟ قلنا: لا، ما ثبت أنه نُقِلَ عن معناه اللغوي إلى معنى شرعي فإنه إذا ورد في لسان الشارع يُحمَل على الحقيقة الشرعية، يعني: على المعنى الشرعي؛ ولهذا يقول الرسول عليه الصلاة والسلام: «لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةَ أَحَدِكُمْ إِذَا أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ»متفق عليه؛ البخاري (٦٩٥٤)، ومسلم (٢٢٥ / ٢) من حديث أبي هريرة. ، هل نقول: المعنى لا يقبل الله دعاء أحدكم؟ لا أحد يقول بذلك، مع أن الصلاة في اللغة الدعاء، لكن نقول: الحقائق اللغوية إذا نُقلت إلى حقائق شرعية وجب أن تُحمل على الحقائق الشرعية في لسان مَنْ؟ في لسان الشارع.

﴿فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ﴾ الغَسْل معروف: هو إمرار الماء جريًا على العضو، أن يُمِرَّ الماء عليه جريًا، يعني يجري عليه، احترازا من المسح على العضو.

والوجوه جمع وجه، وإنما سُمي وجهًا؛ لأنه تحصل به المواجهة، وهو وجه أيضًا من وجه آخر؛ أنه وجه القلب، فالإنسان يُعْرَف ما في قلبه مما في وجهه، ولهذا إذا سُرَّ الإنسان استنار وجهه، وإذا غُمّ انقبض وجهه، فهو تحصل به المواجهة الحسية، وهو وجه للقلب حقيقة؛ لأنه ينبئ عما في القلب.

فما هو الوجه؟ يعني قلنا: ما تحصل به المواجهة، وحَدَّه العلماء: بأنه عرضًا من الأذن إلى الأذن، فالبياض الذي يكون بين العارض والأذن يعتبر من الوجه، وأما طولًا فإنه من منحنى الجبهة إلى أسفل اللحية، وهذا الضابط من منحنى الجبهة أقرب من قول بعضهم: من منابت شعر الرأس؛ لأنك إذا قلت: من منابت شعر الرأس، لزم أن تقول: المعتاد؛ ليخرج الأفرع والأنزع؛ لأن بعض الناس تنزل منابت شعره إلى الجبهة، وبعض الناس ترتفع في الناصية، لكن إذا جعلنا الضابط هو منحنى الجبهة صار هذا أدق من وجه، وأيضًا هو …

7

وَٱذْكُرُوا۟ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَٰقَهُ ٱلَّذِى وَاثَقَكُم بِهِۦٓ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ۖ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ

And remember the favor of Allah upon you and His covenant with which He bound you when you said, "We hear and we obey"; and fear Allah. Indeed, Allah is Knowing of that within the breasts.

طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٧) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [المائدة ٧، ٨].

* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾، وبقي علينا فيما سبق فوائد، هل ذكرنا أن في الآية إثبات الحكمة لله؟

* الطلبة: نعم.

* الشيخ: طيب.

هل ذكرنا أن في الآية دليلًا على أن الشكر هو العمل بالصالح؟ نعم، في قوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾.

إذا قال قائل: ما هو الشكر؟ نقول: إن النبي ﷺ بَيَّنه في قوله: «إِنَّ اللَّهَ أَمَر الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ، فَقَال تَعَالَى: » ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ﴾ «، وَقَالَ: » ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾ «»أخرجه مسلم (1015 / 65) من حديث أبي هريرة..

إذن فالشكر؛ شكر الله هو العمل الصالح، ولا شك أن تفسير كلام الرسول وكلام الله بعضه ببعض أولى من أن نلتمس تفسيرات أخرى، لكن ذكرنا فيما سبق أن الشكر محلُّه القلب، واللسان، والجوارح، ولا يكون إلا في مقابلة نعمة، وأما الحمد فإنه يكون في مقابلة نعمة، أو على كمال صفة محمودة، ويكون بالجوارح واللسان.

قال الله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾، إنما أمر الله تعالى أن نذكر النعمة من أجل أن نعرف فضله علينا حتى يسهُل علينا الانقياد لطاعته؛ لأن أي إنسان فإنه بمقتضى فطرته وطبيعته لا بد أن ينقاد لمن أحسن إليه، فيقول عز وجل: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾: تذكروها.

﴿وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ﴾ يعني العهد الذي عهدكم به، وهو قوله: ﴿إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾، فإن قول المؤمن: سمعنا وأطعنا، يعني التزامه بكل الشريعة، بدون تفريق بين أن يكون مما يهواه قلبه، أو مما لا يهواه.

وقوله: ﴿سَمِعْنَا﴾ أي: ما يقال، ﴿وَأَطَعْنَا﴾ أي: فيما يُؤمَر ويُنهَى، فيتضمن تصديق الخبر، وامتثال الأمر، واجتناب النهي.

﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾: اتخذوا وقاية منه جل وعلا، وذلك بفعل أوامره، وترك نواهيه على علم وبصيرة.

﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾، الجملة هذه تعليل تتضمن التهديد، يعني: أنه لا بد أن تكون التقوى مبنية على صلاح القلب، وليست مجرد قول باللسان، بل لا بد أن تكون تقوى الإنسان في قلبه وجوارحه؛ ولهذا قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾، أي: بصاحبة الصدور، وما هي صاحبة الصدور؟ هي القلوب.

واعلم أن كلمة (ذات) تُطلَق في اللغة العربية على عدة معانٍ، منها أنها تطلق اسمًا موصولًا في لغة طيء، كما قال ابن مالك:

وَكَالَّتي أَيْضًا لَدَيْهِمْ ذَاتُ ∗∗∗ ....................

فلغة طيء مثلًا يقولون في: جاءت المرأة التي أطاعت الله، يقولون: جاءت المرأة ذاتُ أطاعت الله، فهي عندهم بمعنى (التي).

تطلق على الجهة، مثل قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ [الأنفال ١] أي: الجهة أو الصلة التي بينكم.

وتطلق على (صاحبة)، بمعنى صاحبة، كما في هذه الآية: ﴿بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾، أي: بصاحبة الصدور.

ولا تطلق على النفس إلا في اصطلاح المتكلِّمين؛ فإنهم يُطلِقون الذات على النفس، أي على ما يقابل الصفة، ولهذا تجدون في كلام الذين يتكلمون في العقائد، تجدون كثيرًا ما يقولون: الذات والصفات، …

8

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ كُونُوا۟ قَوَّٰمِينَ لِلَّهِ شُهَدَآءَ بِٱلْقِسْطِ ۖ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَـَٔانُ قَوْمٍ عَلَىٰٓ أَلَّا تَعْدِلُوا۟ ۚ ٱعْدِلُوا۟ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ۖ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرٌۢ بِمَا تَعْمَلُونَ

O you who have believed, be persistently standing firm for Allah, witnesses in justice, and do not let the hatred of a people prevent you from being just. Be just; that is nearer to righteousness. And fear Allah; indeed, Allah is Acquainted with what you do.

ثم قال الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [المائدة ٨].

أولًا: في الآية قراءتان في ﴿شَنَآنُ﴾؛ قراءة بالسكون ﴿شَنْآنُ﴾ ، وقراءة بالفتح ﴿شَنَآنُ﴾، والظاهر -والله أعلم- أن سبب قراءة السكون هو التخفيف؛ لأن ﴿شَنَآنُ﴾ فيها شيءٌ من الثقل؛ لتوالي الحركتين، فإذا قيل: ﴿شَنْآنُ﴾ صار ذلك أخف.

على كل حال التعليل هذا تعليل لما وقع، لا لما سيوقَع، بمعنى أنه ليس لنا أن نتصرف ونختار اللفظ الأسهل على اللسان، لكن نعلِّل ما وقع من القراءات؛ لأن القراءة أيش؟ توقيفية، فعلى هذا نقول: فيها ﴿شَنْآنُ﴾ و﴿شَنَآنُ﴾.

يقول عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾، وسبق لنا مرارًا مثل هذه الصيغة، وبيان ما يترتب عليها.

﴿كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ﴾، ﴿كُونُوا﴾ أمر بأن نكون، شرعي أو كوني؟ شرعي.

﴿قَوَّامِينَ﴾ أي: ذوي قيام، وإنما قلت ذلك؛ لئلا يقال: إن الأمر في كثرة القيام، وليس في القيام أصله، فنقول: ﴿قَوَّامِينَ﴾ هنا التشديد فيها للنسبة وليست للكثرة، ويحتمل أن نجعلها للكثرة باعتبار كثرة المخاطَبين، فإذا كانوا أمة فقام واحد بهذا، وواحد بهذا، وواحد بهذا، صار المجموع كثيرًا، فصار قوَّامًا، على كل حال إن جعلت (فَعَّالًا) للكثرة فهي باعتبار المجموع، إذا كان كل واحد قائمًا بالقسط وهم أمة صح أن يقال: (قوَّامين)، وإن جعلتها غير مبالغة، فهي للنسبة، أي: كونوا ذوي قيام.

﴿قَوَّامِينَ لِلَّهِ﴾ اللام هنا إشارة إلى الإخلاص، أي: اجعلوا قيامكم بالقسط، أي بالعدل لله عز وجل، لا تخشَوْا بذلك أحدًا، ولا تحابوا بذلك أحدًا.

﴿شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ﴾، ﴿شُهَدَاءَ﴾ نقول في إعرابها: يجوز أن تكون حالًا من فاعل ﴿قَوَّامِينَ﴾: قوامين حال كونكم شهداء، ويجوز أن تكون خبرًا ثانيًا لـ (كان)؛ لأن تعدد الخبر جائز، قال الله عز وجل: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (١٤) ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ﴾ [البروج ١٤، ١٥]، كم من خبر؟ الغفور، الودود، ذو العرش، المجيد؛ أربعة.

﴿شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ﴾، ﴿شُهَدَاءَ﴾ جمع (شهيد)، أو جمع (شاهد)، المعنى: أنكم إذا شهدتم فاشهدوا بالعدل.

﴿بِالْقِسْطِ﴾ أي: بالعدل، وقد جاء في الحديث: «الْمُقْسِطُونَ عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ عَلَى يَمِينِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ»أخرجه مسلم (1827 / 18) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص. .﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا﴾، ﴿لَا يَجْرِمَنَّكُمْ﴾ أي: لا يحملنكم.

﴿شَنَآنُ﴾ أي: بُغْض.

﴿قَوْمٍ﴾ هم الجماعة من الناس، فإذا قيل: قومٌ، وذُكِر معها النساء، فالقوم للرجال، والنساء للإناث، كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ﴾ [الحجرات ١١]، وإذا ذُكِر (قوم) وحدها صار شاملًا للرجال والنساء، ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ﴾ [الأعراف ٥٩] يعني الذكور والإناث.

﴿شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا﴾، من يعرب ﴿أَلَّا تَعْدِلُوا﴾؟

* طالب: (على) حرف جر.

* الشيخ: (على) حرف جر.

* الطالب: (...).

* الشيخ: ناهية؟ (لا) ناهية.

* الطالب: لا، نافية.

* الشيخ: نافية؟

* الطالب: لا، ناهية، جزمت الفعل.

* الشيخ: ناهية، جزمت الفعل، أو زائدة؟ ابدأ من (لا).

* طالب: (لا) نافية.

* الشيخ: نافية أو ناهية؟

* الطالب: نافية.

* الشيخ: نافية.

* الطالب: ﴿تَعْدِلُوا﴾ فعل مضارع منصوب بـ(أن) وعلامة نصبه حذف النون، والواو فاعل، والمصدر في محل جر اسم مجرور.

* الشيخ: (أن) وما دخلت عليه في …

9

وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ ۙ لَهُم مَّغْفِرَةٌۭ وَأَجْرٌ عَظِيمٌۭ

Allah has promised those who believe and do righteous deeds [that] for them there is forgiveness and great reward.

ثم قال الله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة ٩].

﴿وَعَدَ﴾ يقال: (وَعَدَ)، ويقال: (أَوْعَدَ)؛ قالوا: (أَوْعَدَ) في الشر، و(وَعَدَ) في الخير، وبنوا عليه قول الشاعر:

وَإِنِّي وَإِنْ أَوْعَدْتُهُ أَوْ وَعَدْتُهُ ∗∗∗ لَمُخْلِفُ إِيعَادِي وَمُنْجِزُ مَوْعِدِي

الإيعاد بأيش؟

* الطلبة: بالشر.

* الشيخ: والوعد؟

* الطلبة: بالخير.

* الشيخ: بالخير. هنا يقول: ﴿وَعَدَ اللَّهُ﴾ ولم يقل: أَوْعَدَ؛ لأنها في الذين آمنوا وعملوا الصالحات، لكن هذا الذي قاله بعض أهل العلم قد يُنازَع فيه؛ لأن الله تعالى ذكر الوعد في العقوبة فقال: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ [التوبة ٦٨]، وهذا مما يدل على أن الوعد يأتي في الخير ويأتي في الشر.

* طالب: أحسن الله إليك، إذا قال أحد الشهداء: أنا لا أريد أن أشهد مخافةَ أن يلحقني أذى، فهل له ذلك؟

* الشيخ: يقول العلماء: إذا خاف ضررًا لا يُحتمَل فلا بأس، لكن لا بد أن يبيِّن الشهادة في موطن آخر، أما إذا كان ضررًا يُحتمل مثل أن يعاديه من شهد عليه أو ما أشبه ذلك فلا يجوز كتم الشهادة.

* طالب: قلنا: الوعد يكون في الخير، والإيعاد يكون في الشر، طيب يا شيخنا، ما يحمل إيعاد الله سبحانه وتعالى للكفار بجهنم بأنه على وجه السخرية منهم لقوله: ﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ﴾ وأن البشارة..؟

* الشيخ: لا، هو لو جاء غير مطَّرد، لكن مطَّرد، ما في القرآن أَوْعَدَ، وإلَّا كان يُحمل على ما قلت.

* طالب: (...) الله سبحانه وتعالى من ذرية آدم من ظهره مبني على الحديث إن صحت صح هذا، يصح القول بهذا، لكن هناك حديث ورد في الصحيحين فيما أذكر بالتأكيد في صحيح البخاري كتاب الأنبياء فيه تصريح بهذا، فكيف؟

* الشيخ: وهو؟

* الطالب: هو أنا ما أستحضر لفظ الحديث، لكن فيه أن الله..

* الشيخ: ائت به، ائت به جزاك الله خيرًا.

* طالب: الفرق بين قولنا: إن ﴿قَوَّامِينَ﴾ [المائدة ٨] نسبة، و: إنها مبالغة؛ ما الذي ينبني على الخلاف؟

* الشيخ: ينبني على الخلاف هو أنَّا إذا قلنا ﴿قَوَّامِينَ﴾: إنه مبالغة، معناه لا بد أن نحملها على المجموع، لماذا؟ لأننا إذا قلنا: إن الأمر بالمبالغة موجَّه إلى واحد، صار الأمر إنما هو لكثرة القيام وأن القيام مرة واحدة لا يدخل في الأمر؛ لأن الله قال: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ﴾، وإذا قلنا: إنها نسبة، شمل القليل والكثير.

* طالب: شيخ، ليش ما يصح أن نقول: أن الأمر أمرنا بأن نكون (...) قوامين وأن نكثر القيام في الجوامع؟

* الشيخ: نعم، لكن هل الأمر بالإكثار أو بالقيام ولو مرة واحدة؟

* الطالب: بالإكثار.

* الشيخ: لا، حتى إذا قام الإنسان بالقسط مرة واحدة فقد امتثل؛ لأننا إذا قلنا: إنه موجَّه لكثرة، صار الذي يأتي بمرة واحدة ليس ممتثلًا للأمر، يعني إنما يؤخذ من آية أخرى مثلًا.

* الطالب: شيخ، إذن لو قلت: قام مرة واحدة، نقول: خلاص يكفي، لا أن تقوم بالقسط مرة ثانية.

* الشيخ: لا؛ لأنه إذا كان مأمورًا به في واحدة فمن باب أَوْلى كل مرة فهو مأمور به.

* طالب: شيخ، بارك الله فيك، تفسير هذه الصيغة أو الخلاف في هذه الصيغة..

* الشيخ: أين؟

* الطالب: صيغة (فعَّال) ﴿قَوَّامِينَ﴾ الخلاف في حملها على النسبة أو المبالغة ينبني عليه خلاف بين العلماء كما في قوله: «زَوَّارَاتِ الْقُبُورِ»أخرجه ابن ماجه في سننه (١٥٧٤) من حديث حسان بن ثابت.، فما الضابط، يعني كيف نحملها مرة على المبالغة أو على النسبة؟

* الشيخ: لا، «زَوَّارَاتِ الْقُبُورِ» ما تدخل في هذا؛ لأنه صح الحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه «لعن زائراتِ القبور»أخرجه أبو داود (٣٢٣٦) والترمذي (٣٢٠) من حديث ابن عباس. .

* الطالب: هناك ضابط للتفريق بين المعنيين، متى نحملها على هذا …

10

وَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَكَذَّبُوا۟ بِـَٔايَٰتِنَآ أُو۟لَٰٓئِكَ أَصْحَٰبُ ٱلْجَحِيمِ

But those who disbelieve and deny Our signs - those are the companions of Hellfire.

ثم قال الله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة ٩].

﴿وَعَدَ﴾ يقال: (وَعَدَ)، ويقال: (أَوْعَدَ)؛ قالوا: (أَوْعَدَ) في الشر، و(وَعَدَ) في الخير، وبنوا عليه قول الشاعر:

وَإِنِّي وَإِنْ أَوْعَدْتُهُ أَوْ وَعَدْتُهُ ∗∗∗ لَمُخْلِفُ إِيعَادِي وَمُنْجِزُ مَوْعِدِي

الإيعاد بأيش؟

* الطلبة: بالشر.

* الشيخ: والوعد؟

* الطلبة: بالخير.

* الشيخ: بالخير. هنا يقول: ﴿وَعَدَ اللَّهُ﴾ ولم يقل: أَوْعَدَ؛ لأنها في الذين آمنوا وعملوا الصالحات، لكن هذا الذي قاله بعض أهل العلم قد يُنازَع فيه؛ لأن الله تعالى ذكر الوعد في العقوبة فقال: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ [التوبة ٦٨]، وهذا مما يدل على أن الوعد يأتي في الخير ويأتي في الشر.

* طالب: أحسن الله إليك، إذا قال أحد الشهداء: أنا لا أريد أن أشهد مخافةَ أن يلحقني أذى، فهل له ذلك؟

* الشيخ: يقول العلماء: إذا خاف ضررًا لا يُحتمَل فلا بأس، لكن لا بد أن يبيِّن الشهادة في موطن آخر، أما إذا كان ضررًا يُحتمل مثل أن يعاديه من شهد عليه أو ما أشبه ذلك فلا يجوز كتم الشهادة.

* طالب: قلنا: الوعد يكون في الخير، والإيعاد يكون في الشر، طيب يا شيخنا، ما يحمل إيعاد الله سبحانه وتعالى للكفار بجهنم بأنه على وجه السخرية منهم لقوله: ﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ﴾ وأن البشارة..؟

* الشيخ: لا، هو لو جاء غير مطَّرد، لكن مطَّرد، ما في القرآن أَوْعَدَ، وإلَّا كان يُحمل على ما قلت.

* طالب: (...) الله سبحانه وتعالى من ذرية آدم من ظهره مبني على الحديث إن صحت صح هذا، يصح القول بهذا، لكن هناك حديث ورد في الصحيحين فيما أذكر بالتأكيد في صحيح البخاري كتاب الأنبياء فيه تصريح بهذا، فكيف؟

* الشيخ: وهو؟

* الطالب: هو أنا ما أستحضر لفظ الحديث، لكن فيه أن الله..

* الشيخ: ائت به، ائت به جزاك الله خيرًا.

* طالب: الفرق بين قولنا: إن ﴿قَوَّامِينَ﴾ [المائدة ٨] نسبة، و: إنها مبالغة؛ ما الذي ينبني على الخلاف؟

* الشيخ: ينبني على الخلاف هو أنَّا إذا قلنا ﴿قَوَّامِينَ﴾: إنه مبالغة، معناه لا بد أن نحملها على المجموع، لماذا؟ لأننا إذا قلنا: إن الأمر بالمبالغة موجَّه إلى واحد، صار الأمر إنما هو لكثرة القيام وأن القيام مرة واحدة لا يدخل في الأمر؛ لأن الله قال: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ﴾، وإذا قلنا: إنها نسبة، شمل القليل والكثير.

* طالب: شيخ، ليش ما يصح أن نقول: أن الأمر أمرنا بأن نكون (...) قوامين وأن نكثر القيام في الجوامع؟

* الشيخ: نعم، لكن هل الأمر بالإكثار أو بالقيام ولو مرة واحدة؟

* الطالب: بالإكثار.

* الشيخ: لا، حتى إذا قام الإنسان بالقسط مرة واحدة فقد امتثل؛ لأننا إذا قلنا: إنه موجَّه لكثرة، صار الذي يأتي بمرة واحدة ليس ممتثلًا للأمر، يعني إنما يؤخذ من آية أخرى مثلًا.

* الطالب: شيخ، إذن لو قلت: قام مرة واحدة، نقول: خلاص يكفي، لا أن تقوم بالقسط مرة ثانية.

* الشيخ: لا؛ لأنه إذا كان مأمورًا به في واحدة فمن باب أَوْلى كل مرة فهو مأمور به.

* طالب: شيخ، بارك الله فيك، تفسير هذه الصيغة أو الخلاف في هذه الصيغة..

* الشيخ: أين؟

* الطالب: صيغة (فعَّال) ﴿قَوَّامِينَ﴾ الخلاف في حملها على النسبة أو المبالغة ينبني عليه خلاف بين العلماء كما في قوله: «زَوَّارَاتِ الْقُبُورِ»أخرجه ابن ماجه في سننه (١٥٧٤) من حديث حسان بن ثابت.، فما الضابط، يعني كيف نحملها مرة على المبالغة أو على النسبة؟

* الشيخ: لا، «زَوَّارَاتِ الْقُبُورِ» ما تدخل في هذا؛ لأنه صح الحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه «لعن زائراتِ القبور»أخرجه أبو داود (٣٢٣٦) والترمذي (٣٢٠) من حديث ابن عباس. .

* الطالب: هناك ضابط للتفريق بين المعنيين، متى نحملها على هذا …

Al-Maaida 5:10Listen in Qur'an →

Commentary: Tafsir Ibn 'Uthaymin by Muhammad ibn Salih al-'Uthaymin. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.