Muslim99Muslim99
← Tafsir library

5. Al-Maaida

The Table · Medinan · 120 ayahs

سُورَةُ المَائـِدَةِ

Reading Irshad al-'Aql al-Salim by Abu al-Su'ud

Ayahs 21–30 of 120

21

يَٰقَوْمِ ٱدْخُلُوا۟ ٱلْأَرْضَ ٱلْمُقَدَّسَةَ ٱلَّتِى كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا۟ عَلَىٰٓ أَدْبَارِكُمْ فَتَنقَلِبُوا۟ خَٰسِرِينَ

O my people, enter the Holy Land which Allah has assigned to you and do not turn back [from fighting in Allah 's cause] and [thus] become losers."

﴿يا قَوْمِ ادْخُلُوا الأرْضَ المُقَدَّسَةَ﴾ كَرَّرَ النِّداءَ بِالإضافَةِ التَّشْرِيفِيَّةِ اهْتِمامًا بِشَأْنِ الأمْرِ، ومُبالَغَةً في حَثِّهِمْ عَلى الِامْتِثالِ بِهِ، والأرْضُ: هي أرْضُ بَيْتِ المَقْدِسِ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها كانَتْ قَرارَ الأنْبِياءِ ومَسْكَنَ المُؤْمِنِينَ، وقِيلَ: هي الطُّورُ وما حَوْلَهُ، وقِيلَ: دِمَشْقُ وفِلَسْطِينُ وبَعْضُ الأُرْدُنِّ، وقِيلَ: هي الشَّأْمُ.

﴿الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾؛ أيْ: كَتَبَ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ أنَّها تَكُونُ مَسْكَنًا لَكم إنْ آمَنتُمْ وأطَعْتُمْ، لِقَوْلِهِ تَعالى لَهم بَعْدَما عَصَوْا: ﴿فَإنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ﴾ .

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَرْتَدُّوا عَلى أدْبارِكم فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ﴾ فَإنَّ تَرْتِيبَ الخَيْبَةِ والخُسْرانِ عَلى الِارْتِدادِ يَدُلُّ عَلى اشْتِراطِ الكَتْبِ بِالمُجاهَدَةِ المُتَرَتِّبَةِ عَلى الإيمانِ والطّاعَةِ قَطْعًا؛ أيْ: لا تَرْجِعُوا مُدْبِرِينَ خَوْفًا مِنَ الجَبابِرَةِ. فالجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ، هو حالٌ مِن فاعِلِ تَرْتَدُّوا، ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِنَفْسِ الفِعْلِ، قِيلَ: لَمّا سَمِعُوا أحْوالَهم مِنَ النُّقَباءِ بَكَوْا وقالُوا: يا لَيْتَنا مِتْنا بِمِصْرَ، تَعالَوْا نَجْعَلْ لَنا رَأْسًا يَنْصَرِفُ بِنا إلى مِصْرَ، أوْ لا تَرْتَدُّوا عَنْ دِينِكم بِالعِصْيانِ وعَدَمِ الوُثُوقِ بِاللَّهِ تَعالى. وقَوْلُهُ: " فَتَنْقَلِبُوا " إمّا مَجْزُومٌ عَطْفًا عَلى تَرْتَدُّوا، أوْ مَنصُوبٌ عَلى جَوابِ النَّهْيِ. والخُسْرانُ: خُسْرانُ الدِّينِ والدُّنْيا، لا سِيَّما دُخُولُ ما كُتِبَ لَهم.

Al-Maaida 5:21Listen in Qur'an →
22

قَالُوا۟ يَٰمُوسَىٰٓ إِنَّ فِيهَا قَوْمًۭا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّىٰ يَخْرُجُوا۟ مِنْهَا فَإِن يَخْرُجُوا۟ مِنْهَا فَإِنَّا دَٰخِلُونَ

They said, "O Moses, indeed within it is a people of tyrannical strength, and indeed, we will never enter it until they leave it; but if they leave it, then we will enter."

﴿قالُوا﴾ اسْتِئْنافُ مَبْنًى نَشَأ مِن مَساقِ الكَلامِ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالُوا بِمُقابَلَةِ أمْرِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ ونَهْيِهِ، فَقِيلَ: قالُوا غَيْرَ مُمْتَثِلِينَ بِذَلِكَ.

﴿يا مُوسى إنَّ فِيها قَوْمًا جَبّارِينَ﴾ مُتَغَلِّبِينَ لا يَتَأتّى مُنازَعَتُهم، ولا يَتَسَنّى مُناصَبَتُهم. والجَبّارُ: العاتِي الَّذِي يُجْبِرُ النّاسَ، ويَقْسِرُهم كائِنًا مَن كانَ عَلى ما يُرِيدُهُ كائِنًا ما كانَ، فَعّالٌ مِن جَبَرَهُ عَلى الأمْرِ؛ أيْ: أجْبَرَهُ عَلَيْهِ.

﴿وَإنّا لَنْ نَدْخُلَها حَتّى يَخْرُجُوا مِنها﴾ مِن غَيْرِ صُنْعٍ مِن قِبَلِنا، فَإنَّهُ لا طاقَةَ لَنا بِإخْراجِهِمْ مِنها.

﴿فَإنْ يَخْرُجُوا مِنها﴾ بِسَبَبٍ مِنَ الأسْبابِ الَّتِي لا تَعَلُّقَ لَنا بِها.

﴿فَإنّا داخِلُونَ﴾ حِينَئِذٍ أتَوْا بِهَذِهِ الشَّرْطِيَّةِ مَعَ كَوْنِ مَضْمُونِها مَفْهُومًا مِمّا سَبَقَ مِن تَوْقِيتِ عَدَمِ الدُّخُولِ بِخُرُوجِهِمْ مِنها؛ تَصْرِيحًا بِالمَقْصُودِ، وتَنْصِيصًا عَلى أنَّ امْتِناعَهم مِن دُخُولِها لَيْسَ إلّا لِمَكانِهِمْ فِيها، وأتَوْا في الجَزاءِ بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ المُصَدَّرَةِ بِحَرْفِ التَّحْقِيقِ دَلالَةً عَلى تَقَرُّرِ الدُّخُولِ وثَباتِهِ عِنْدَ تَحَقُّقِ الشَّرْطِ لا مَحالَةَ، وإظْهارًا لِكَمالِ الرَّغْبَةِ فِيهِ وفي الِامْتِثالِ بِالأمْرِ.

Al-Maaida 5:22Listen in Qur'an →
23

قَالَ رَجُلَانِ مِنَ ٱلَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمَا ٱدْخُلُوا۟ عَلَيْهِمُ ٱلْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَٰلِبُونَ ۚ وَعَلَى ٱللَّهِ فَتَوَكَّلُوٓا۟ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ

Said two men from those who feared [to disobey] upon whom Allah had bestowed favor, "Enter upon them through the gate, for when you have entered it, you will be predominant. And upon Allah rely, if you should be believers."

﴿قالَ رَجُلانِ﴾ اسْتِئْنافٌ كَما سَبَقَ، كَأنَّهُ قِيلَ: هَلِ اتَّفَقُوا عَلى ذَلِكَ، أوْ خالَفَهُمُ البَعْضُ، فَقِيلَ: قالَ رَجُلانِ.

﴿مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ﴾؛ أيْ: يَخافُونَ اللَّهَ تَعالى دُونَ العَدُوِّ، ويَتَّقُونَهُ في مُخالَفَةِ أمْرِهِ ونَهْيِهِ، وبِهِ قَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِأنَّ مَن عَداهُما لا يَخافُونَهُ تَعالى، بَلْ يَخافُونَ العَدُوَّ. وقِيلَ: مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ العَدُوَّ؛ أيْ: مِنهم في النَّسَبِ لا في الخَوْفِ، وهُما يُوشَعُ بْنُ نُونٍ وكالِبُ بْنُ يَوْقُنّا مِنَ النُّقَباءِ. وقِيلَ: هُما رَجُلانِ مِنَ الجَبابِرَةِ أسْلَما وسارا إلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ؛ فالواوُ حِينَئِذٍ لِبَنِي إسْرائِيلَ، والمَوْصُولُ عِبارَةٌ عَنِ الجَبابِرَةِ، وإلَيْهِمْ يَعُودُ العائِدُ المَحْذُوفُ؛ أيْ: مِنَ الَّذِينَ يَخافُهم بَنُو إسْرائِيلَ. ويُعَضِّدُهُ قُرّاءَةُ مَن قَرَأ: ( يُخافُونَ ) عَلى صِيغَةِ المَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ؛ أيِ: المَخُوفِينَ. وعَلى الأوَّلِ يَكُونُ هَذا مِنَ الإخافَةِ؛ أيْ: مِنَ الَّذِينَ يُخَوَّفُونَ مِنَ اللَّهِ تَعالى بِالتَّذْكِيرِ، أوْ يُخَوِّفُهُمُ الوَعِيدُ.

﴿أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِما﴾؛ أيْ: بِالتَّثْبِيتِ ورَبْطِ الجَأْشِ، والوُقُوفِ عَلى شُئُونِهِ تَعالى، والثِّقَةِ بِوَعْدِهِ أوْ بِالإيمانِ، وهو صِفَةٌ ثانِيَةٌ لِرَجُلانِ، أوِ اعْتِراضٌ. وقِيلَ: حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في يَخافُونَ، أوْ مِن رَجُلانِ لِتَخَصُّصِهِ بِالصِّفَةِ؛ أيْ: قالا مُخاطِبِينَ لَهم ومُشَجِّعِينَ.

﴿ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ البابَ﴾؛ أيْ: بابَ بَلَدِهِمْ، وتَقْدِيمُ الجارِّ والمَجْرُورِ عَلَيْهِ لِلِاهْتِمامِ بِهِ؛ لِأنَّ المَقْصُودَ إنَّما هو دُخُولُ البابِ وهم في بَلَدِهِمْ؛ أيْ: باغِتُوهم وضاغِطُوهم في المَضِيقِ، وامْنَعُوهم مِنَ البُرُوزِ إلى الصَّحْراءِ؛ لِئَلّا يَجِدُوا لِلْحَرْبِ مَجالًا.

﴿فَإذا دَخَلْتُمُوهُ﴾؛ أيْ: بَلَدَهم وهم فِيهِ.

﴿فَإنَّكم غالِبُونَ﴾ مِن غَيْرِ حاجَةٍ إلى القِتالِ، فَإنّا قَدْ رَأيْناهم وشاهَدْنا أنَّ قُلُوبَهم ضَعِيفَةٌ، وإنْ كانَتْ أجْسادُهم عَظِيمَةً، فَلا تَخْشَوْهم واهْجُمُوا عَلَيْهِمْ في المَضايِقِ، فَإنَّهم لا يَقْدِرُونَ فِيها عَلى الكَرِّ والفَرِّ. وقِيلَ: إنَّما حَكَما بِالغَلَبَةِ لَمّا عَلِماها مِن جِهَةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، ومِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾، أوْ لِما عَلِما مَن سُنَّتِهِ تَعالى في نُصْرَةِ رُسُلِهِ، وما عَهِدا مِن صُنْعِهِ تَعالى لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِن قَهْرِ أعْدائِهِ، والأوَّلُ أنْسَبُ بِتَعْلِيقِ الغَلَبَةِ بِالدُّخُولِ.

﴿وَعَلى اللَّهِ﴾ تَعالى خاصَّةً، ﴿فَتَوَكَّلُوا﴾ بَعْدَ تَرْتِيبِ الأسْبابِ، ولا تَعْتَمِدُوا عَلَيْها، فَإنَّها بِمَعْزِلٍ مِنَ التَّأْثِيرِ، وإنَّما التَّأْثِيرُ مِن عِنْدِ اللَّهِ العَزِيزِ القَدِيرِ.

﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾؛ أيْ: مُؤْمِنِينَ بِهِ تَعالى مُصَدِّقِينَ لِوَعْدِهِ، فَإنَّ ذَلِكَ مِمّا يُوجِبُ التَّوَكُّلَ عَلَيْهِ حَتْمًا.

Al-Maaida 5:23Listen in Qur'an →
24

قَالُوا۟ يَٰمُوسَىٰٓ إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَآ أَبَدًۭا مَّا دَامُوا۟ فِيهَا ۖ فَٱذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَٰتِلَآ إِنَّا هَٰهُنَا قَٰعِدُونَ

They said, "O Moses, indeed we will not enter it, ever, as long as they are within it; so go, you and your Lord, and fight. Indeed, we are remaining right here."

﴿قالُوا﴾ اسْتِئْنافٌ كَما سَبَقَ؛ أيْ: قالُوا غَيْرَ مُبالِينَ بِهِما وبِمَقالَتِهِما مُخاطِبِينَ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ؛ إظْهارًا لِإصْرارِهِمْ عَلى القَوْلِ الأوَّلِ، وتَصْرِيحًا بِمُخالَفَتِهِمْ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ.

﴿يا مُوسى إنّا لَنْ نَدْخُلَها﴾؛ أيْ: أرْضَ الجَبابِرَةِ فَضْلًا عَنْ دُخُولِ بابِهِمْ وهم في بَلَدِهِمْ.

﴿أبَدًا﴾؛ أيْ: دَهْرًا طَوِيلًا، ﴿ما دامُوا فِيها﴾؛ أيْ: في أرْضِهِمْ، وهو بَدَلٌ مِن " أبَدًا " بَدَلَ البَعْضِ، أوْ عَطْفُ بَيانٍ.

﴿فاذْهَبْ﴾ الفاءُ فَصِيحَةٌ؛ أيْ: فَإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فاذْهَبْ.

﴿أنْتَ ورَبُّكَ فَقاتِلا﴾؛ أيْ: فَقاتِلاهم، إنَّما قالُوا ذَلِكَ اسْتِهانَةً واسْتِهْزاءً بِهِ سُبْحانَهُ وبِرَسُولِهِ، وعَدَمَ مُبالاةٍ بِهِما، وقَصَدُوا ذَهابَهُما حَقِيقَةً كَما يُنْبِئُ عَنْهُ غايَةُ جَهْلِهِمْ وقَسْوَةُ قُلُوبِهِمْ. وقِيلَ: أرادُو: إرادَتَهُما وقَصْدَهُما، كَما تَقُولُ: كَلَّمْتُهُ فَذَهَبَ يُجِيبُنِي، كَأنَّهم قالُوا: فَأرِيدا قِتالَهم واقْصُداهم. وقِيلَ: التَّقْدِيرُ: فاذْهَبْ أنْتَ ورِبُّكَ يُعِينُكَ ولا يُساعِدُهُ. قَوْلُهُ تَعالى: " ﴿فَقاتِلا﴾ " ولَمْ يَذْكُرُوا هارُونَ ولا الرَّجُلَيْنِ، كَأنَّهم لَمْ يَجْزِمُوا بِذَهابِهِمْ، أوْ لَمْ يَعْبَأُوا بِقِتالِهِمْ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا ها هُنا قاعِدُونَ﴾ يُؤَيِّدُ الوَجْهَ الأوَّلَ، وأرادُوا بِذَلِكَ عَدَمَ التَّقَدُّمِ لا عَدَمَ التَّأخُّرِ.

Al-Maaida 5:24Listen in Qur'an →
25

قَالَ رَبِّ إِنِّى لَآ أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِى وَأَخِى ۖ فَٱفْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ ٱلْقَوْمِ ٱلْفَٰسِقِينَ

[Moses] said, "My Lord, indeed I do not possess except myself and my brother, so part us from the defiantly disobedient people."

﴿قالَ﴾ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا رَأى مِنهم ما رَأى مِنَ العِنادِ عَلى طَرِيقَةِ البَثِّ والحُزْنِ، والشَّكْوى إلى اللَّهِ تَعالى مَعَ رِقَّةِ القَلْبِ الَّتِي بِمِثْلِها تُسْتَجْلَبُ الرَّحْمَةُ وتُسْتَنْزَلُ النُّصْرَةُ.

﴿رَبِّ إنِّي لا أمْلِكُ إلا نَفْسِي وأخِي﴾ عَطْفٌ عَلى نَفْسِي. وقِيلَ: عَلى الضَّمِيرِ في إنِّي عَلى مَعْنى: إنّى لا أمْلِكُ إلّا نَفْسِي وإنَّ أخِي لا يَمْلِكُ إلّا نَفْسَهُ. وقِيلَ: عَلى الضَّمِيرِ في لا أمْلِكُ لِلْفَصْلِ.

﴿فافْرُقْ بَيْنَنا﴾ يُرِيدُ: نَفْسَهُ وأخاهُ، والفاءُ لِتَرْتِيبِ الفَرْقِ، أوِ الدُّعاءِ بِهِ عَلى ما قَبْلَهُ.

﴿وَبَيْنَ القَوْمِ الفاسِقِينَ﴾ الخارِجِينَ عَنْ طاعَتِكَ، المُصِرِّينَ عَلى عِصْيانِكَ، بِأنْ تَحْكُمَ لَنا بِما نَسْتَحِقُّهُ وعَلَيْهِمْ بِما يَسْتَحِقُّونَهُ. وقِيلَ: بِالتَّبْعِيدِ بَيْنَنا وبَيْنَهم وتَخْلِيصِنا مِن صُحْبَتِهِمْ.

Al-Maaida 5:25Listen in Qur'an →
26

قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ ۛ أَرْبَعِينَ سَنَةًۭ ۛ يَتِيهُونَ فِى ٱلْأَرْضِ ۚ فَلَا تَأْسَ عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْفَٰسِقِينَ

[Allah] said, "Then indeed, it is forbidden to them for forty years [in which] they will wander throughout the land. So do not grieve over the defiantly disobedient people."

﴿قالَ فَإنَّها﴾؛ أيِ: الأرْضُ المُقَدَّسَةُ، والفاءُ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها مِنَ الدُّعاءِ.

﴿مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ﴾ تَحْرِيمَ مَنعٍ لا تَحْرِيمَ تَعَبُّدٍ، لا يَدْخُلُونَها ولا يَمْلِكُونَها؛ لِأنَّ كِتابَتَها لَهم كانَتْ مَشْرُوطَةً بِالإيمانِ والجِهادِ، وحَيْثُ نَكَصُوا عَلى أدْبارِهِمْ حُرِمُوا ذَلِكَ وانْقَلَبُوا خاسِرِينَ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أرْبَعِينَ سَنَةً﴾ إنْ جُعِلَ ظَرْفًا لِمُحَرَّمَةٍ يَكُونُ التَّحْرِيمُ مُوَقَّتًا لا مُؤَبَّدًا، فَلا يَكُونُ مُخالِفًا لِظاهِرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾، فالمُرادُ بِتَحْرِيمِها عَلَيْهِمْ: أنَّهُ لا يَدْخُلُها أحَدٌ مِنهم في هَذِهِ المُدَّةِ، لَكِنْ لا بِمَعْنى أنَّ كُلَّهم يَدْخُلُونَها بَعْدَها، بَلْ بَعْضُهم مِمَّنْ بَقِيَ حَسْبَما رُوِيَ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ سارَ بِمَن بَقِيَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ إلى أرِيحا، وكانَ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ عَلى مُقَدِّمَتِهِ، فَفَتَحَها وأقامَ بِها ما شاءَ اللَّهُ تَعالى، ثُمَّ قُبِضَ عَلَيْهِ السَّلامُ. وقِيلَ: لَمْ يَدْخُلْها أحَدٌ مِمَّنْ قالَ: لَنْ نَدْخُلَها أبَدًا، وإنَّما دَخَلَها مَعَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ النَّواشِيُّ مِن ذُرِّيّاتِهِمْ، فالمُوَقَّتُ بِالأرْبَعِينَ في الحَقِيقَةِ تَحْرِيمُها عَلى ذُرِّيّاتِهِمْ، وإنَّما جُعِلَ تَحْرِيمُها عَلَيْهِمْ لِما بَيْنَهُما مِنَ العَلاقَةِ التّامَّةِ المُتاخِمَةِ لِلِاتِّحادِ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَتِيهُونَ في الأرْضِ﴾؛ أيْ: يَتَحَيَّرُونَ في البَرِّيَّةِ، اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ كَيْفِيَّةِ حِرْمانِهِمْ، أوْ حالٌ مِن ضَمِيرِ عَلَيْهِمْ. وقِيلَ: ظَرْفٌ مُتَعَلِّقٌ بِيَتِيهُونَ، فَيَكُونُ التِّيهُ مُوَقَّتًا والتَّحْرِيمُ مُطْلَقًا. قِيلَ: كانُوا سِتَّمِائَةَ ألْفِ مُقاتِلٍ، وكانَ طُولَ البَرِّيَّةِ تِسْعُونَ فَرْسَخًا، وقَدْ تاهُوا في سِتَّةِ فَراسِخَ، أوْ تِسْعَةِ فَراسِخَ في ثَلاثِينَ فَرْسَخًا، وقِيلَ: في سِتَّةِ فَراسِخَ في اثْنَيْ عَشَرَ فَرْسَخًا. رُوِيَ أنَّهم كانُوا كُلَّ يَوْمٍ يَسِيرُونَ جادِّينَ حَتّى إذا أمْسَوْا إذا هم بِحَيْثُ ارْتَحَلُوا، وكانَ الغَمامُ يُظِلُّهم مِن حَرِّ الشَّمْسِ، ويَطْلُعُ بِاللَّيْلِ عَمُودٌ مِن نُورٍ يُضِيءُ لَهم، ويَنْزِلُ عَلَيْهِمُ المَنُّ والسَّلْوى، ولا تَطُولُ شُعُورُهم، وإذا وُلِدَ لَهم مَوْلُودٌ كانَ عَلَيْهِ ثَوْبٌ كالظُّفُرِ يَطُولُ بِطُولِهِ، وهَذِهِ الإنْعاماتُ عَلَيْهِمْ مَعَ أنَّهم مُعاقَبُونَ، لِما أنَّ عِقابَهم كانَ بِطَرِيقِ العَرْكِ والتَّأْدِيبِ. قِيلَ: كانَ مُوسى وهارُونُ مَعَهم، ولَكِنْ كانَ ذَلِكَ لَهُما رُوحًا وسَلامَةً، كالنّارِ لِإبْراهِيمَ ومَلائِكَةِ العَذابِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ. ورُوِيَ أنَّ هارُونَ ماتَ في التِّيهِ، وماتَ مُوسى بَعْدَهُ فِيهِ بِسَنَةٍ، ودَخَلَ يُوشَعُ أرِيحا بَعْدَ مَوْتِهِ بِثَلاثَةِ أشْهُرٍ، ولا يُساعِدُهُ ظاهِرُ النَّظْمِ الكَرِيمِ، فَإنَّهُ تَعالى بَعْدَ ما قَبِلَ دَعْوَتَهُ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ وعَذَّبَهم بِالتِّيهِ، بَعِيدٌ أنْ يُنَجِّيَ بَعْضَ المَدْعُوِّ عَلَيْهِمْ أوْ ذَرارِيهِمْ، ويُقَدِّرَ وفاتَهُما في مَحِلِّ العُقُوبَةِ ظاهِرًا، وإنْ كانَ ذَلِكَ لَهُما مَنزِلَ رَوْحٍ وراحَةٍ. وقَدْ قِيلَ: إنَّهُما لَمْ يَكُونا مَعَهم في التِّيهِ، وهو الأنْسَبُ بِتَفْسِيرِ الفَرْقِ بِالمُباعَدَةِ، ومَن قالَ: بِأنَّهُما كانا مَعَهم فِيهِ، فَقَدْ فَسَّرَ الفَرْقَ بِما ذُكِرَ مِنَ الحُكْمِ بِما يَسْتَحِقُّهُ كُلُّ فَرِيقٍ.

﴿فَلا تَأْسَ﴾ فَلا تَحْزَنْ، ﴿عَلى القَوْمِ الفاسِقِينَ﴾ رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ نَدِمَ عَلى دُعائِهِ عَلَيْهِمْ، فَقِيلَ: لا تَنْدَمْ وتَحْزَنْ فَإنَّهم …

Al-Maaida 5:26Listen in Qur'an →
27

۞ وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ٱبْنَىْ ءَادَمَ بِٱلْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًۭا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ ٱلْءَاخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ ۖ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلْمُتَّقِينَ

And recite to them the story of Adam's two sons, in truth, when they both offered a sacrifice [to Allah], and it was accepted from one of them but was not accepted from the other. Said [the latter], "I will surely kill you." Said [the former], "Indeed, Allah only accepts from the righteous [who fear Him].

﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ﴾ عَطْفٌ عَلى مُقَدَّرٍ تَعَلِّقَ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: " ﴿وَإذْ قالَ مُوسى﴾ " ... إلَخْ، وتَعَلُّقُهُ بِهِ مِن حَيْثُ إنَّهُ تَمْهِيدٌ، لِما سَيَأْتِي مِن جِناياتِ بَنِي إسْرائِيلَ بَعْدَ ما كُتِبَ عَلَيْهِمْ ما كُتِبَ، وجاءَتْهُمُ الرُّسُلُ بِما جاءَتْ بِهِ مِنَ البَيِّناتِ.

﴿نَبَأ ابْنَيْ آدَمَ﴾ هُما قابِيلُ وهابِيلُ. ونُقِلَ عَنِ الحَسَنِ والضَّحّاكِ: أنَّهُما رَجُلانِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ بِقَرِينَةِ آخِرِ القِصَّةِ، ولَيْسَ كَذَلِكَ، أوْحى اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ إلى آدَمَ أنْ يُزَوِّجَ كُلًّا مِنهُما تَوْءَمَةَ الآخَرِ، وكانَتْ تَوْءَمَةُ قابِيلَ أجْمَلَ، واسْمُها أفَلِيما، فَحَسَدَ عَلَيْها أخاهُ وسَخِطَ، وزَعَمَ أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى، بَلْ مِن جِهَةِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَقالَ لَهُما عَلَيْهِ السَّلامُ: قَرِّبا قُرْبانًا، فَمِن أيِّكُما قُبِلَ تَزَوَّجَها، فَفَعَلا، فَنَزَلَتْ نارٌ عَلى قُرْبانِ هابِيلَ فَأكَلَتْهُ، ولَمْ تَتَعَرَّضْ لِقُرْبانِ قابِيلَ، فازْدادَ قابِيلُ حَسَدًا وسُخْطًا، وفَعَلَ ما فَعَلَ.

﴿بِالحَقِّ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: تِلاوَةً مُلْتَبِسَةً بِالحَقِّ والصِّحَّةِ، أوْ حالًا مِن فاعِلِ اتْلُ، أوْ مِن مَفْعُولِهِ؛ أيْ: مُلْتَبِسًا أنْتَ، أوْ نَبِّأْهُما بِالحَقِّ والصِّدْقِ حَسْبَما تَقَرَّرَ في كُتُبِ الأوَّلِينَ.

﴿إذْ قَرَّبا قُرْبانًا﴾ مَنصُوبٌ بِالنَّبَأِ ظَرْفٌ لَهُ؛ أيْ: اتْلُ قِصَّتَهُما ونَبِّأْهُما في ذَلِكَ الوَقْتِ. وقِيلَ: بَدَلٌ مِنهُ عَلى حَذْفِ المُضافِ؛ أيِ: اتْلُ عَلَيْهِمْ نَبِّأْهُما نَبَأ ذَلِكَ الوَقْتِ، ورُدَّ عَلَيْهِ بِأنَّ " إذْ " لا يُضافُ إلَيْها غَيْرُ الزَّمانِ، كَوَقْتِئِذٍ وحِينَئِذٍ. والقُرْبانُ: اسْمٌ لِما يُتَقَرَّبُ بِهِ إلى اللَّهِ تَعالى مِن نُسُكٍ، أوْ صَدَقَةٍ كالحُلْوانِ - اسْمٌ لِما يُحْلى -؛ أيْ: يُعْطى، وتَوْحِيدُهُ لِما أنَّهُ في الأصْلِ مَصْدَرٌ. وقِيلَ: تَقْدِيرُهُ: إذْ قَرَّبَ كُلٌّ مِنهُما قُرْبانًا.

﴿فَتُقُبِّلَ مِن أحَدِهِما﴾ هو هابِيلُ، قِيلَ: كانَ هو صاحِبَ ضَرْعٍ وقَرَّبَ جَمَلًا سَمِينًا، فَنَزَلَتْ نارٌ فَأكَلَتْهُ.

﴿وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ﴾ هو قابِيلَ، قِيلَ: كانَ هو صاحِبَ زَرْعٍ وقَرَّبَ أرْدَأ ما عِنْدَهُ مِنَ القَمْحِ، فَلَمْ تَتَعَرَّضْ لَهُ النّارُ أصْلًا.

﴿قالَ﴾ اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ نَشَأ مِن سَوْقِ الكَلامِ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ مَن لَمْ يُتَقَبَّلْ قُرْبانُهُ ؟ فَقِيلَ: قالَ لِأخِيهِ؛ لِتَضاعُفِ سَخَطِهِ وحَسَدِهِ لَمّا ظَهَرَ فَضْلُهُ عَلَيْهِ عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.

﴿لأقْتُلَنَّكَ﴾؛ أيْ: واللَّهِ لِأقْتُلَنَّكَ بِالنُّونِ المُشَدَّدَةِ، وقُرِئَ بِالمُخَفَّفَةِ.

﴿قالَ﴾ اسْتِئْنافٌ كَما قَبْلَهُ؛ أيْ: قالَ الَّذِي تُقُبِّلَ قُرْبانُهُ لَمّا رَأى أنَّ حَسَدَهُ لِقَبُولِ قُرْبانِهِ، وعَدَمِ قَبُولِ قُرْبانِ نَفْسِهِ.

﴿إنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ﴾؛ أيِ: القُرْبانَ.

﴿مِنَ المُتَّقِينَ﴾ لا مِن غَيْرِهِمْ، وإنَّما تَقَبَّلَ قُرْبانِي ورَدَّ قُرْبانَكَ، لِما فِينا مِنَ التَّقْوى وعَدَمِهِ؛ أيْ: إنَّما أُتِيتَ مِن قِبَلِ نَفْسِكَ لا مِن قِبَلِي فَلِمَ تَقْتُلُنِي، خَلا أنَّهُ لَمْ يُصَرِّحْ بِذَلِكَ، بَلْ سَلَكَ مَسْلَكَ التَّعْرِيضِ؛ حَذَرًا مِن تَهْيِيجِ غَضَبِهِ وحَمْلًا لَهُ عَلى التَّقْوى والإقْلاعِ عَمّا نَواهُ، ولِذَلِكَ أُسْنِدَ الفِعْلُ إلى الِاسْمِ الجَلِيلِ لِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ.

Al-Maaida 5:27Listen in Qur'an →
28

لَئِنۢ بَسَطتَ إِلَىَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِى مَآ أَنَا۠ بِبَاسِطٍۢ يَدِىَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ ۖ إِنِّىٓ أَخَافُ ٱللَّهَ رَبَّ ٱلْعَٰلَمِينَ

If you should raise your hand against me to kill me - I shall not raise my hand against you to kill you. Indeed, I fear Allah, Lord of the worlds.

ثُمَّ صَرَّحَ بِتَقْواهُ عَلى وجْهٍ يَسْتَدْعِي سُكُونَ غَيْظِهِ لَوْ كانَ لَهُ عَقْلٌ وازِعٌ، حَيْثُ قالَ بِطَرِيقِ التَّوْكِيدِ: ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي ما أنا بِباسِطٍ يَدِيَ إلَيْكَ لأقْتُلَكَ﴾ حَيْثُ صَدَّرَ الشَّرْطَيْةَ بِاللّامِ المُوَطِّئَةِ لِلْقَسَمِ، وقَدَّمَ الجارَّ والمَجْرُورَ عَلى المَفْعُولِ الصَّرِيحِ إيذانًا مِن أوَّلِ الأمْرِ بِرُجُوعِ ضَرَرِ البَسْطِ وغائِلَتِهِ إلَيْهِ، ولَمْ يُجْعَلْ جَوابُ القَسَمِ السّادُّ مَسَدَّ جَوابِ الشَّرْطِ جُمْلَةً فِعْلِيَّةً مُوافِقَةً لِما في الشَّرْطِ، بَلِ اسْمِيَّةٌ مُصَدَّرَةٌ بِما الحِجازِيَّةِ المُفِيدَةِ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ بِما في خَبَرِها مِنَ الباءِ؛ لِلْمُبالَغَةِ في إظْهارِ بَراءَتِهِ عَنْ بَسْطِ اليَدِ بِبَيانِ اسْتِمْرارِهِ عَلى نَفْيِ البَسْطِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما هم بِمُؤْمِنِينَ﴾، وقَوْلِهِ: ﴿وَما هم بِخارِجِينَ مِنها﴾، فَإنَّ الجُمْلَةَ الِاسْمِيَّةَ الإيجابِيَّةَ كَما تَدُلُّ بِمَعُونَةِ المَقامِ عَلى دَوامِ الثُّبُوتِ، كَذَلِكَ السَّلْبِيَّةُ تَدُلُّ بِمَعُونَتِهِ عَلى دَوامِ الِانْتِفاءِ لا عَلى انْتِفاءِ الدَّوامِ، وذَلِكَ بِاعْتِبارِ الدَّوامِ والِاسْتِمْرارِ بَعْدَ اعْتِبارِ النَّفْيِ لا قَبْلَهُ، حَتّى يَرِدَ النَّفْيُ عَلى المُقَيَّدِ بِالدَّوامِ فَيَرْفَعَ قَيْدَهُ؛ أيْ: واللَّهِ لَئِنْ باشَرْتَ قَتْلِي حَسْبَما أوْعَدْتَنِي بِهِ، وتَحَقَّقَ ذَلِكَ مِنكَ، ما أنا بِفاعِلٍ مِثْلَهُ لَكَ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ.

ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنِّي أخافُ اللَّهَ رَبَّ العالَمِينَ﴾ وفِيهِ مِن إرْشادِ قابِيلَ إلى خَشْيَةِ اللَّهِ تَعالى عَلى أبْلَغِ وجْهٍ وآكَدِهِ ما لا يَخْفى، كَأنَّهُ قالَ: إنِّي أخافُهُ تَعالى إنْ بَسَطْتُ يَدِيَ إلَيْكَ لِأقْتُلَكَ أنْ يُعاقِبَنِي، وإنْ كانَ ذَلِكَ مِنِّي لِدَفْعِ عَداوَتِكَ عَنِّي، فَما ظَنُّكَ بِحالِكَ وأنْتَ البادِي العادِي. وفي وصْفِهِ تَعالى بِرُبُوبِيَّةِ العالَمِينَ تَأْكِيدٌ لِلْخَوْفِ.

قِيلَ: كانَ هابِيلُ أقْوى مِنهُ، ولَكِنْ تَحَرَّجَ عَنْ قَتْلِهِ واسْتَسْلَمَ خَوْفًا مِنَ اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّ القَتْلَ لِلدَّفْعِ لَمْ يَكُنْ مُباحًا حِينَئِذٍ. وقِيلَ: تَحَرِّيًا لِما هو الأفْضَلُ حَسْبَما قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: " «كُنْ عَبْدَ اللَّهِ المَقْتُولَ ولا تَكُنْ عَبْدَ اللَّهِ القاتِلَ» "، ويَأْباهُ التَّعْلِيلُ بِخَوْفِهِ تَعالى، إلّا أنْ يُدَّعى أنَّ تَرْكَ الأوْلى عِنْدَهُ بِمَنزِلَةِ المَعْصِيَةِ في اسْتِتْباعِ الغائِلَةِ مُبالَغَةً في التَّنَزُّهِ.

Al-Maaida 5:28Listen in Qur'an →
29

إِنِّىٓ أُرِيدُ أَن تَبُوٓأَ بِإِثْمِى وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَٰبِ ٱلنَّارِ ۚ وَذَٰلِكَ جَزَٰٓؤُا۟ ٱلظَّٰلِمِينَ

Indeed I want you to obtain [thereby] my sin and your sin so you will be among the companions of the Fire. And that is the recompense of wrongdoers."

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنِّي أُرِيدُ أنْ تَبُوءَ بِإثْمِي وإثْمِكَ﴾ تَعْلِيلٌ آخَرُ لِامْتِناعِهِ عَنِ المُعارَضَةِ عَلى أنَّهُ غَرَضٌ مُتَأخِّرٌ عَنْهُ، كَما أنَّ الأوَّلَ باعِثٌ مُتَقَدِّمٌ عَلَيْهِ، وإنَّما لَمْ يُعْطَفْ عَلَيْهِ تَنْبِيهًا عَلى كِفايَةِ كُلٍّ مِنهُما في العِلِّيَّةِ، والمَعْنى: إنِّي أُرِيدُ بِاسْتِسْلامِي لَكَ وامْتِناعِي عَنِ التَّعَرُّضِ لَكَ أنْ تَرْجِعَ بِإثْمِي؛ أيْ: بِمِثْلِ إثْمِي لَوْ بَسَطْتُ يَدِيَ إلَيْكَ، وبِإثْمِكَ بِبَسْطِ يَدِكَ إلَيَّ، كَما في قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: " «المُسْتَّبّانِ ما قالا، فَعَلى البادِئِ ما لَمْ يَعْتَدِ المَظْلُومُ» "؛ أيْ: عَلى البادِئِ عَيْنُ إثْمِ سَبِّهِ، ومِثْلُ سَبِّ صاحِبِهِ بِحُكْمِ كَوْنِهِ سَبَبًا لَهُ. وقِيلَ: مَعْنى بِإثْمِي: إثْمِ قَتْلِي، ومَعْنى بِإثْمِكَ: الَّذِي لِأجْلِهِ لَمْ يُتَقَبَّلْ قُرْبانُكَ. وكِلاهُما نَصْبٌ عَلى الحالِيَّةِ؛ أيْ: تَرْجِعُ مُلْتَبِسًا بِالإثْمَيْنِ حامِلًا لَهُما، ولَعَلَّ مُرادَهُ بِالذّاتِ إنَّما هو عَدَمُ مُلابَسَتِهِ لِلْإثْمِ لا مُلابَسَةُ أخِيهِ لَهُ. وقِيلَ: المُرادُ بِالإثْمِ: عُقُوبَتُهُ، ولا رَيْبَ في جَوازِ إرادَةِ عُقُوبَةِ العاصِي مِمَّنْ عُلِمَ أنَّهُ لا يَرْعَوِي عَنِ المَعْصِيَةِ أصْلًا ويَأْباهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَتَكُونَ مِن أصْحابِ النّارِ﴾ فَإنَّ كَوْنَهُ مِنهم إنَّما يَتَرَتَّبُ عَلى رُجُوعِهِ بِالإثْمَيْنِ، لا عَلى ابْتِلائِهِ بِعُقُوبَتِهِما.

وَحَمْلُ العُقُوبَةِ عَلى نَوْعٍ آخَرَ يَتَرَتَّبُ عَلَيْها العُقُوبَةُ النّارِيَّةُ، يَرُدُّهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَذَلِكَ جَزاءُ الظّالِمِينَ﴾ فَإنَّهُ صَرِيحٌ في أنَّ كَوْنَهُ مِن أصْحابِ النّارِ تَمامُ العُقُوبَةِ وكَمالُها، والجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَها، ولَقَدْ سَلَكَ في صَرْفِهِ عَمّا نَواهُ مِنَ الشَّرِّ كُلَّ مَسْلَكٍ مِنَ العِظَةِ والتَّذْكِيرِ، بِالتَّرْغِيبِ تارَةً والتَّرْهِيبِ أُخْرى، فَما أُورَثَهُ ذَلِكَ إلّا الإصْرارَ عَلى الغَيِّ والِانْهِماكَ في الفَسادِ.

Al-Maaida 5:29Listen in Qur'an →
30

فَطَوَّعَتْ لَهُۥ نَفْسُهُۥ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُۥ فَأَصْبَحَ مِنَ ٱلْخَٰسِرِينَ

And his soul permitted to him the murder of his brother, so he killed him and became among the losers.

﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أخِيهِ﴾؛ أيْ: وسَّعَتْهُ وسَهَّلَتْهُ، مِن طاعَ لَهُ المَرْتَعُ: إذا اتَّسَعَ. وتَرْتِيبُ التَّطْوِيعِ عَلى ما حُكِيَ مِن مَقالاتِ هابِيلَ مَعَ تَحَقُّقِهِ قَبْلَها أيْضًا، كَما يُفْصِحُ عَنْهُ قَوْلُهُ: " لَأقْتُلَنَّكَ "، لِما أنَّ بَقاءَ الفِعْلِ بَعْدَ تَقَرُّرِ ما يُزِيلُهُ مِنَ الدَّواعِي القَوِيَّةِ، وإنْ كانَ اسْتِمْرارًا عَلَيْهِ بِحَسَبِ الظّاهِرِ، لَكِنَّهُ في الحَقِيقَةِ أمْرٌ حادِثٌ وصُنْعٌ جَدِيدٌ، كَما في قَوْلِكَ: وعَظْتُهُ فَلَمْ يَتَّعِظْ، أوْ لِأنَّ هَذِهِ المَرْتَبَةَ مِنَ التَّطْوِيعِ لَمْ تَكُنْ حاصِلَةً قَبْلَ ذَلِكَ، بِناءً عَلى تَرَدُّدِهِ في قدرته عَلى القَتْلِ، لِما أنَّهُ كانَ أقْوى مِنهُ، وإنَّما حَصَلَتْ بَعْدَ وُقُوفِهِ عَلى اسْتِسْلامِ هابِيلَ وعَدَمِ مُعارَضَتِهِ لَهُ، والتَّصْرِيحُ بِأُخُوَّتِهِ لِكَمالِ تَقْبِيحِ ما سَوَّلَتْهُ نَفْسُهُ. وقُرِئَ: ( فَطاوَعَتْ ) عَلى أنَّهُ فاعَلَ بِمَعْنى فَعَلَ، أوْ عَلى أنَّ قَتْلَ أخِيهِ، كَأنَّهُ دَعّى نَفْسَهُ إلى الإقْدامِ عَلَيْهِ، فَطاوَعَتْهُ ولَمْ تَمْتَنِعْ، و" لَهُ " لِزِيادَةِ الرَّبْطِ، كَقَوْلِكَ: حَفِظْتُ لِزَيْدٍ ما لَهُ.

﴿فَقَتَلَهُ﴾ قِيلَ: لَمْ يَدْرِ قابِيلُ كَيْفَ يَقْتُلُ هابِيلَ، فَتَمَثَّلَ إبْلِيسُ وأخَذَ طائِرًا، ووَضَعَ رَأْسَهُ عَلى حَجَرٍ ثُمَّ شَدَخَها بِحَجَرٍ آخَرَ فَتَعَلَّمَ مِنهُ، فَرَضَخَ رَأْسَ هابِيلَ بَيْنَ حَجَرَيْنِ وهو مُسْتَسْلِمٌ لا يَسْتَعْصِي عَلَيْهِ. وقِيلَ: اغْتالَهُ وهو نائِمٌ، وكانَ لِهابِيلَ يَوْمَ قُتِلَ عِشْرُونَ سَنَةً، واخْتُلِفَ في مَوْضِعِ قَتْلِهِ، فَقِيلَ: عِنْدَ عَقَبَةِ حِراءَ، وقِيلَ: بِالبَصْرَةِ في مَوْضِعِ المَسْجِدِ الأعْظَمِ، وقِيلَ: في جَبَلٍ بُودٍ. ولَمّا قَتَلَهُ تَرَكَهُ بِالعَراءِ لا يَدْرِي ما يَصْنَعُ بِهِ، فَخافَ عَلَيْهِ السِّباعَ، فَحَمَلَهُ في جِرابٍ عَلى ظَهْرِهِ أرْبَعِينَ يَوْمًا، وقِيلَ: سَنَةً، حَتّى أرْوَحَ وعَكَفَتْ عَلَيْهِ الطُّيُورُ والسِّباعُ تَنْظُرُ مَتى يَرْمِي بِهِ فَتَأْكُلَهُ.

﴿فَأصْبَحَ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ دِينًا ودُنْيا.

Al-Maaida 5:30Listen in Qur'an →

Commentary: Irshad al-'Aql al-Salim by Abu al-Su'ud. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.