Muslim99Muslim99
← Tafsir library

5. Al-Maaida

The Table · Medinan · 120 ayahs

سُورَةُ المَائـِدَةِ

Reading Al-Bahr al-Muhit by Abu Hayyan al-Gharnati

Ayahs 21–30 of 120

21

يَٰقَوْمِ ٱدْخُلُوا۟ ٱلْأَرْضَ ٱلْمُقَدَّسَةَ ٱلَّتِى كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا۟ عَلَىٰٓ أَدْبَارِكُمْ فَتَنقَلِبُوا۟ خَٰسِرِينَ

O my people, enter the Holy Land which Allah has assigned to you and do not turn back [from fighting in Allah 's cause] and [thus] become losers."

﴿وإذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم إذْ جَعَلَ فِيكم أنْبِياءَ وجَعَلَكم مُلُوكًا وآتاكم ما لَمْ يُؤْتِ أحَدًا مِنَ العالَمِينَ﴾ مُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ تَمَرُّدَ أسْلافِ اليَهُودِ عَلى مُوسى، وعِصْيانَهم إيّاهُ، مَعَ تَذْكِيرِهِ إيّاهم نِعَمَ اللَّهِ وتَعْدادِهِ لِما هو العَظِيمُ مِنها، وأنَّ هَؤُلاءِ الَّذِينَ هم بِحَضْرَةِ الرَّسُولِ هم جارُونَ مَعَكم مَجْرى أسْلافِهِمْ مَعَ مُوسى. ونِعْمَةُ اللَّهِ يُرادُ بِها الجِنْسُ؛ والمَعْنى: واذْكُرْ لَهم يا مُحَمَّدُ عَلى جِهَةِ إعْلامِهِمْ بِغَيْبِ كُتُبِهِمْ لِيَتَحَقَّقُوا نُبُوَّتَكَ. ويَنْتَظِمُ في ذَلِكَ ذِكْرُ نِعَمِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، وتَلَقِّيهِمْ تِلْكَ النِّعَمِ بِالكُفْرِ وقِلَّةِ الطّاعَةِ. وعَدَّدَ عَلَيْهِمْ مِن نِعَمِهِ ثَلاثًا: الأُولى: جَعْلُ أنْبِياءَ فِيهِمْ وذَلِكَ أعْظَمُ الشَّرَفِ، إذْ هُمُ الوَسائِطُ بَيْنَ اللَّهِ وبَيْنَ خَلْقِهِ، والمُبَلِّغُونَ عَنِ اللَّهِ شَرائِعَهُ. قِيلَ: لَمْ يُبْعَثْ في أُمَّةٍ ما بُعِثَ في بَنِي إسْرائِيلَ مِنَ الأنْبِياءِ. وقالَ ابْنُ السّائِبِ ومُقاتِلٌ: الأنْبِياءُ هُنا هُمُ السَّبْعُونَ الَّذِينَ اخْتارَهم مُوسى لِمِيقاتِ رَبِّهِ، وكانُوا مِن خِيارِ قَوْمِهِ. وقِيلَ: هُمُ الَّذِينَ أُرْسِلُوا مِن بَعْدُ في بَنِي إسْرائِيلَ كَمُوسى، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ وغَيْرُهُ؛ وعَلى هَذا القَوْلِ يَكُونُ ”جَعَلَ“ لا يُرادُ بِها حَقِيقَةُ الماضِي بِالفِعْلِ، إذْ بَعْضُهم كانَ قَدْ ظَهَرَ عِنْدَ خِطابِ مُوسى إيّاهم، وبَعْضُهم لَمْ يُخْلَقْ بَلْ أخْبَرَ أنَّهُ سَيَكُونُ فِيهِمْ. الثّانِيَةُ: جَعْلُهم مُلُوكًا ظاهِرُهُ الِامْتِنانُ عَلَيْهِمْ بِأنْ جَعَلَهم مُلُوكًا إذْ جَعَلَ مِنهم مُلُوكًا، إذِ المُلْكُ شَرَفٌ في الدُّنْيا واسْتِيلاءٌ، فَذَكَّرَهم بِأنَّ مِنهم قادَةَ الآخِرَةِ وقادَةَ الدُّنْيا. وقالَ السُّدِّيُّ وغَيْرُهُ: وجَعَلَكم أحْرارًا تَمْلِكُونَ ولا تُمْلَكُونَ، إذْ كُنْتُمْ خَدَمًا لِلْقِبْطِ فَأنْقَذَكم مِنهم، فَسُمِّيَ اسْتِنْقاذُهم مُلْكًا. وقالَ قَوْمٌ: جَعَلَهم مُلُوكًا بِإنْزالِ المَنِّ والسَّلْوى عَلَيْهِمْ وتَفْجِيرِ الحَجَرِ لَهم، وكَوْنِ ثِيابِهِمْ لا تَبْلى ولا تَتَّسِخُ وتَطُولُ كُلَّما طالُوا، فَهم مُلُوكٌ لِرَفْعِ هَذِهِ الكُلَفِ عَنْهم. وقالَ قَتادَةُ: مُلُوكًا لِأنَّهم أوَّلُ مَنِ اتَّخَذَ الخُدّامَ واقْتَنَوُا الأرِقّاءَ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ وقَتادَةُ: وإنَّما قالَ وجَعَلَكم مُلُوكًا، لِأنّا كُنّا نَتَحَدَّثُ أنَّ أوَّلَ مَن خَدَمَهُ آخَرُ مِن بَنِي آدَمَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا ضَعِيفٌ، لِأنَّ القِبْطَ كانُوا يَسْتَخْدِمُونَ بَنِي إسْرائِيلَ. وظاهِرُ أمْرِ بَنِي آدَمَ أنَّ بَعْضَهم يُسَخِّرُ بَعْضًا مُنْذُ تَناسَلُوا وكَثُرُوا. انْتَهى.

وهَذِهِ الأقْوالُ الثَّلاثَةُ عامَّةٌ في جَمِيعِ بَنِي إسْرائِيلَ، وهو ظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلَكم مُلُوكًا﴾ . وقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وجَماعَةٌ: مَن كانَ لَهُ مَسْكَنٌ وامْرَأةٌ وخادِمٌ فَهو مَلِكٌ. وقِيلَ: مَن لَهُ مَسْكَنٌ ولا يُدْخَلُ عَلَيْهِ فِيهِ إلّا بِإذْنٍ فَهو مَلِكٌ. وقِيلَ: مَن لَهُ زَوْجَةٌ وخادِمٌ، ورُوِيَ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقالَ عِكْرِمَةُ: مَن مَلَكَ عِنْدَهم خادِمًا وبَيْتًا دُعِيَ عِنْدَهم مَلِكًا. وقِيلَ: مِن لَهُ مَنزِلٌ واسِعٌ فِيهِ ماءٌ جارٍ. وقِيلَ: مَن لَهُ مالٌ لا يَحْتاجُ فِيهِ إلى تَكَلُّفِ الأعْمالِ وتَحَمُّلِ المَشاقِّ. وقِيلَ: مُلُوكٌ لِقَناعَتِهِمْ، وهو مُلْكٌ خَفِيٌّ. ولِهَذا جاءَ في الحَدِيثِ: «القَناعَةُ كَنْزٌ لا يَنْفَدُ» . وقِيلَ: …

Al-Maaida 5:21Listen in Qur'an →
22

قَالُوا۟ يَٰمُوسَىٰٓ إِنَّ فِيهَا قَوْمًۭا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّىٰ يَخْرُجُوا۟ مِنْهَا فَإِن يَخْرُجُوا۟ مِنْهَا فَإِنَّا دَٰخِلُونَ

They said, "O Moses, indeed within it is a people of tyrannical strength, and indeed, we will never enter it until they leave it; but if they leave it, then we will enter."

﴿وإذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم إذْ جَعَلَ فِيكم أنْبِياءَ وجَعَلَكم مُلُوكًا وآتاكم ما لَمْ يُؤْتِ أحَدًا مِنَ العالَمِينَ﴾ مُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ تَمَرُّدَ أسْلافِ اليَهُودِ عَلى مُوسى، وعِصْيانَهم إيّاهُ، مَعَ تَذْكِيرِهِ إيّاهم نِعَمَ اللَّهِ وتَعْدادِهِ لِما هو العَظِيمُ مِنها، وأنَّ هَؤُلاءِ الَّذِينَ هم بِحَضْرَةِ الرَّسُولِ هم جارُونَ مَعَكم مَجْرى أسْلافِهِمْ مَعَ مُوسى. ونِعْمَةُ اللَّهِ يُرادُ بِها الجِنْسُ؛ والمَعْنى: واذْكُرْ لَهم يا مُحَمَّدُ عَلى جِهَةِ إعْلامِهِمْ بِغَيْبِ كُتُبِهِمْ لِيَتَحَقَّقُوا نُبُوَّتَكَ. ويَنْتَظِمُ في ذَلِكَ ذِكْرُ نِعَمِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، وتَلَقِّيهِمْ تِلْكَ النِّعَمِ بِالكُفْرِ وقِلَّةِ الطّاعَةِ. وعَدَّدَ عَلَيْهِمْ مِن نِعَمِهِ ثَلاثًا: الأُولى: جَعْلُ أنْبِياءَ فِيهِمْ وذَلِكَ أعْظَمُ الشَّرَفِ، إذْ هُمُ الوَسائِطُ بَيْنَ اللَّهِ وبَيْنَ خَلْقِهِ، والمُبَلِّغُونَ عَنِ اللَّهِ شَرائِعَهُ. قِيلَ: لَمْ يُبْعَثْ في أُمَّةٍ ما بُعِثَ في بَنِي إسْرائِيلَ مِنَ الأنْبِياءِ. وقالَ ابْنُ السّائِبِ ومُقاتِلٌ: الأنْبِياءُ هُنا هُمُ السَّبْعُونَ الَّذِينَ اخْتارَهم مُوسى لِمِيقاتِ رَبِّهِ، وكانُوا مِن خِيارِ قَوْمِهِ. وقِيلَ: هُمُ الَّذِينَ أُرْسِلُوا مِن بَعْدُ في بَنِي إسْرائِيلَ كَمُوسى، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ وغَيْرُهُ؛ وعَلى هَذا القَوْلِ يَكُونُ ”جَعَلَ“ لا يُرادُ بِها حَقِيقَةُ الماضِي بِالفِعْلِ، إذْ بَعْضُهم كانَ قَدْ ظَهَرَ عِنْدَ خِطابِ مُوسى إيّاهم، وبَعْضُهم لَمْ يُخْلَقْ بَلْ أخْبَرَ أنَّهُ سَيَكُونُ فِيهِمْ. الثّانِيَةُ: جَعْلُهم مُلُوكًا ظاهِرُهُ الِامْتِنانُ عَلَيْهِمْ بِأنْ جَعَلَهم مُلُوكًا إذْ جَعَلَ مِنهم مُلُوكًا، إذِ المُلْكُ شَرَفٌ في الدُّنْيا واسْتِيلاءٌ، فَذَكَّرَهم بِأنَّ مِنهم قادَةَ الآخِرَةِ وقادَةَ الدُّنْيا. وقالَ السُّدِّيُّ وغَيْرُهُ: وجَعَلَكم أحْرارًا تَمْلِكُونَ ولا تُمْلَكُونَ، إذْ كُنْتُمْ خَدَمًا لِلْقِبْطِ فَأنْقَذَكم مِنهم، فَسُمِّيَ اسْتِنْقاذُهم مُلْكًا. وقالَ قَوْمٌ: جَعَلَهم مُلُوكًا بِإنْزالِ المَنِّ والسَّلْوى عَلَيْهِمْ وتَفْجِيرِ الحَجَرِ لَهم، وكَوْنِ ثِيابِهِمْ لا تَبْلى ولا تَتَّسِخُ وتَطُولُ كُلَّما طالُوا، فَهم مُلُوكٌ لِرَفْعِ هَذِهِ الكُلَفِ عَنْهم. وقالَ قَتادَةُ: مُلُوكًا لِأنَّهم أوَّلُ مَنِ اتَّخَذَ الخُدّامَ واقْتَنَوُا الأرِقّاءَ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ وقَتادَةُ: وإنَّما قالَ وجَعَلَكم مُلُوكًا، لِأنّا كُنّا نَتَحَدَّثُ أنَّ أوَّلَ مَن خَدَمَهُ آخَرُ مِن بَنِي آدَمَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا ضَعِيفٌ، لِأنَّ القِبْطَ كانُوا يَسْتَخْدِمُونَ بَنِي إسْرائِيلَ. وظاهِرُ أمْرِ بَنِي آدَمَ أنَّ بَعْضَهم يُسَخِّرُ بَعْضًا مُنْذُ تَناسَلُوا وكَثُرُوا. انْتَهى.

وهَذِهِ الأقْوالُ الثَّلاثَةُ عامَّةٌ في جَمِيعِ بَنِي إسْرائِيلَ، وهو ظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلَكم مُلُوكًا﴾ . وقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وجَماعَةٌ: مَن كانَ لَهُ مَسْكَنٌ وامْرَأةٌ وخادِمٌ فَهو مَلِكٌ. وقِيلَ: مَن لَهُ مَسْكَنٌ ولا يُدْخَلُ عَلَيْهِ فِيهِ إلّا بِإذْنٍ فَهو مَلِكٌ. وقِيلَ: مَن لَهُ زَوْجَةٌ وخادِمٌ، ورُوِيَ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقالَ عِكْرِمَةُ: مَن مَلَكَ عِنْدَهم خادِمًا وبَيْتًا دُعِيَ عِنْدَهم مَلِكًا. وقِيلَ: مِن لَهُ مَنزِلٌ واسِعٌ فِيهِ ماءٌ جارٍ. وقِيلَ: مَن لَهُ مالٌ لا يَحْتاجُ فِيهِ إلى تَكَلُّفِ الأعْمالِ وتَحَمُّلِ المَشاقِّ. وقِيلَ: مُلُوكٌ لِقَناعَتِهِمْ، وهو مُلْكٌ خَفِيٌّ. ولِهَذا جاءَ في الحَدِيثِ: «القَناعَةُ كَنْزٌ لا يَنْفَدُ» . وقِيلَ: …

Al-Maaida 5:22Listen in Qur'an →
23

قَالَ رَجُلَانِ مِنَ ٱلَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمَا ٱدْخُلُوا۟ عَلَيْهِمُ ٱلْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَٰلِبُونَ ۚ وَعَلَى ٱللَّهِ فَتَوَكَّلُوٓا۟ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ

Said two men from those who feared [to disobey] upon whom Allah had bestowed favor, "Enter upon them through the gate, for when you have entered it, you will be predominant. And upon Allah rely, if you should be believers."

﴿وإذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم إذْ جَعَلَ فِيكم أنْبِياءَ وجَعَلَكم مُلُوكًا وآتاكم ما لَمْ يُؤْتِ أحَدًا مِنَ العالَمِينَ﴾ مُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ تَمَرُّدَ أسْلافِ اليَهُودِ عَلى مُوسى، وعِصْيانَهم إيّاهُ، مَعَ تَذْكِيرِهِ إيّاهم نِعَمَ اللَّهِ وتَعْدادِهِ لِما هو العَظِيمُ مِنها، وأنَّ هَؤُلاءِ الَّذِينَ هم بِحَضْرَةِ الرَّسُولِ هم جارُونَ مَعَكم مَجْرى أسْلافِهِمْ مَعَ مُوسى. ونِعْمَةُ اللَّهِ يُرادُ بِها الجِنْسُ؛ والمَعْنى: واذْكُرْ لَهم يا مُحَمَّدُ عَلى جِهَةِ إعْلامِهِمْ بِغَيْبِ كُتُبِهِمْ لِيَتَحَقَّقُوا نُبُوَّتَكَ. ويَنْتَظِمُ في ذَلِكَ ذِكْرُ نِعَمِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، وتَلَقِّيهِمْ تِلْكَ النِّعَمِ بِالكُفْرِ وقِلَّةِ الطّاعَةِ. وعَدَّدَ عَلَيْهِمْ مِن نِعَمِهِ ثَلاثًا: الأُولى: جَعْلُ أنْبِياءَ فِيهِمْ وذَلِكَ أعْظَمُ الشَّرَفِ، إذْ هُمُ الوَسائِطُ بَيْنَ اللَّهِ وبَيْنَ خَلْقِهِ، والمُبَلِّغُونَ عَنِ اللَّهِ شَرائِعَهُ. قِيلَ: لَمْ يُبْعَثْ في أُمَّةٍ ما بُعِثَ في بَنِي إسْرائِيلَ مِنَ الأنْبِياءِ. وقالَ ابْنُ السّائِبِ ومُقاتِلٌ: الأنْبِياءُ هُنا هُمُ السَّبْعُونَ الَّذِينَ اخْتارَهم مُوسى لِمِيقاتِ رَبِّهِ، وكانُوا مِن خِيارِ قَوْمِهِ. وقِيلَ: هُمُ الَّذِينَ أُرْسِلُوا مِن بَعْدُ في بَنِي إسْرائِيلَ كَمُوسى، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ وغَيْرُهُ؛ وعَلى هَذا القَوْلِ يَكُونُ ”جَعَلَ“ لا يُرادُ بِها حَقِيقَةُ الماضِي بِالفِعْلِ، إذْ بَعْضُهم كانَ قَدْ ظَهَرَ عِنْدَ خِطابِ مُوسى إيّاهم، وبَعْضُهم لَمْ يُخْلَقْ بَلْ أخْبَرَ أنَّهُ سَيَكُونُ فِيهِمْ. الثّانِيَةُ: جَعْلُهم مُلُوكًا ظاهِرُهُ الِامْتِنانُ عَلَيْهِمْ بِأنْ جَعَلَهم مُلُوكًا إذْ جَعَلَ مِنهم مُلُوكًا، إذِ المُلْكُ شَرَفٌ في الدُّنْيا واسْتِيلاءٌ، فَذَكَّرَهم بِأنَّ مِنهم قادَةَ الآخِرَةِ وقادَةَ الدُّنْيا. وقالَ السُّدِّيُّ وغَيْرُهُ: وجَعَلَكم أحْرارًا تَمْلِكُونَ ولا تُمْلَكُونَ، إذْ كُنْتُمْ خَدَمًا لِلْقِبْطِ فَأنْقَذَكم مِنهم، فَسُمِّيَ اسْتِنْقاذُهم مُلْكًا. وقالَ قَوْمٌ: جَعَلَهم مُلُوكًا بِإنْزالِ المَنِّ والسَّلْوى عَلَيْهِمْ وتَفْجِيرِ الحَجَرِ لَهم، وكَوْنِ ثِيابِهِمْ لا تَبْلى ولا تَتَّسِخُ وتَطُولُ كُلَّما طالُوا، فَهم مُلُوكٌ لِرَفْعِ هَذِهِ الكُلَفِ عَنْهم. وقالَ قَتادَةُ: مُلُوكًا لِأنَّهم أوَّلُ مَنِ اتَّخَذَ الخُدّامَ واقْتَنَوُا الأرِقّاءَ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ وقَتادَةُ: وإنَّما قالَ وجَعَلَكم مُلُوكًا، لِأنّا كُنّا نَتَحَدَّثُ أنَّ أوَّلَ مَن خَدَمَهُ آخَرُ مِن بَنِي آدَمَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا ضَعِيفٌ، لِأنَّ القِبْطَ كانُوا يَسْتَخْدِمُونَ بَنِي إسْرائِيلَ. وظاهِرُ أمْرِ بَنِي آدَمَ أنَّ بَعْضَهم يُسَخِّرُ بَعْضًا مُنْذُ تَناسَلُوا وكَثُرُوا. انْتَهى.

وهَذِهِ الأقْوالُ الثَّلاثَةُ عامَّةٌ في جَمِيعِ بَنِي إسْرائِيلَ، وهو ظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلَكم مُلُوكًا﴾ . وقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وجَماعَةٌ: مَن كانَ لَهُ مَسْكَنٌ وامْرَأةٌ وخادِمٌ فَهو مَلِكٌ. وقِيلَ: مَن لَهُ مَسْكَنٌ ولا يُدْخَلُ عَلَيْهِ فِيهِ إلّا بِإذْنٍ فَهو مَلِكٌ. وقِيلَ: مَن لَهُ زَوْجَةٌ وخادِمٌ، ورُوِيَ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقالَ عِكْرِمَةُ: مَن مَلَكَ عِنْدَهم خادِمًا وبَيْتًا دُعِيَ عِنْدَهم مَلِكًا. وقِيلَ: مِن لَهُ مَنزِلٌ واسِعٌ فِيهِ ماءٌ جارٍ. وقِيلَ: مَن لَهُ مالٌ لا يَحْتاجُ فِيهِ إلى تَكَلُّفِ الأعْمالِ وتَحَمُّلِ المَشاقِّ. وقِيلَ: مُلُوكٌ لِقَناعَتِهِمْ، وهو مُلْكٌ خَفِيٌّ. ولِهَذا جاءَ في الحَدِيثِ: «القَناعَةُ كَنْزٌ لا يَنْفَدُ» . وقِيلَ: …

Al-Maaida 5:23Listen in Qur'an →
24

قَالُوا۟ يَٰمُوسَىٰٓ إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَآ أَبَدًۭا مَّا دَامُوا۟ فِيهَا ۖ فَٱذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَٰتِلَآ إِنَّا هَٰهُنَا قَٰعِدُونَ

They said, "O Moses, indeed we will not enter it, ever, as long as they are within it; so go, you and your Lord, and fight. Indeed, we are remaining right here."

﴿وإذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم إذْ جَعَلَ فِيكم أنْبِياءَ وجَعَلَكم مُلُوكًا وآتاكم ما لَمْ يُؤْتِ أحَدًا مِنَ العالَمِينَ﴾ مُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ تَمَرُّدَ أسْلافِ اليَهُودِ عَلى مُوسى، وعِصْيانَهم إيّاهُ، مَعَ تَذْكِيرِهِ إيّاهم نِعَمَ اللَّهِ وتَعْدادِهِ لِما هو العَظِيمُ مِنها، وأنَّ هَؤُلاءِ الَّذِينَ هم بِحَضْرَةِ الرَّسُولِ هم جارُونَ مَعَكم مَجْرى أسْلافِهِمْ مَعَ مُوسى. ونِعْمَةُ اللَّهِ يُرادُ بِها الجِنْسُ؛ والمَعْنى: واذْكُرْ لَهم يا مُحَمَّدُ عَلى جِهَةِ إعْلامِهِمْ بِغَيْبِ كُتُبِهِمْ لِيَتَحَقَّقُوا نُبُوَّتَكَ. ويَنْتَظِمُ في ذَلِكَ ذِكْرُ نِعَمِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، وتَلَقِّيهِمْ تِلْكَ النِّعَمِ بِالكُفْرِ وقِلَّةِ الطّاعَةِ. وعَدَّدَ عَلَيْهِمْ مِن نِعَمِهِ ثَلاثًا: الأُولى: جَعْلُ أنْبِياءَ فِيهِمْ وذَلِكَ أعْظَمُ الشَّرَفِ، إذْ هُمُ الوَسائِطُ بَيْنَ اللَّهِ وبَيْنَ خَلْقِهِ، والمُبَلِّغُونَ عَنِ اللَّهِ شَرائِعَهُ. قِيلَ: لَمْ يُبْعَثْ في أُمَّةٍ ما بُعِثَ في بَنِي إسْرائِيلَ مِنَ الأنْبِياءِ. وقالَ ابْنُ السّائِبِ ومُقاتِلٌ: الأنْبِياءُ هُنا هُمُ السَّبْعُونَ الَّذِينَ اخْتارَهم مُوسى لِمِيقاتِ رَبِّهِ، وكانُوا مِن خِيارِ قَوْمِهِ. وقِيلَ: هُمُ الَّذِينَ أُرْسِلُوا مِن بَعْدُ في بَنِي إسْرائِيلَ كَمُوسى، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ وغَيْرُهُ؛ وعَلى هَذا القَوْلِ يَكُونُ ”جَعَلَ“ لا يُرادُ بِها حَقِيقَةُ الماضِي بِالفِعْلِ، إذْ بَعْضُهم كانَ قَدْ ظَهَرَ عِنْدَ خِطابِ مُوسى إيّاهم، وبَعْضُهم لَمْ يُخْلَقْ بَلْ أخْبَرَ أنَّهُ سَيَكُونُ فِيهِمْ. الثّانِيَةُ: جَعْلُهم مُلُوكًا ظاهِرُهُ الِامْتِنانُ عَلَيْهِمْ بِأنْ جَعَلَهم مُلُوكًا إذْ جَعَلَ مِنهم مُلُوكًا، إذِ المُلْكُ شَرَفٌ في الدُّنْيا واسْتِيلاءٌ، فَذَكَّرَهم بِأنَّ مِنهم قادَةَ الآخِرَةِ وقادَةَ الدُّنْيا. وقالَ السُّدِّيُّ وغَيْرُهُ: وجَعَلَكم أحْرارًا تَمْلِكُونَ ولا تُمْلَكُونَ، إذْ كُنْتُمْ خَدَمًا لِلْقِبْطِ فَأنْقَذَكم مِنهم، فَسُمِّيَ اسْتِنْقاذُهم مُلْكًا. وقالَ قَوْمٌ: جَعَلَهم مُلُوكًا بِإنْزالِ المَنِّ والسَّلْوى عَلَيْهِمْ وتَفْجِيرِ الحَجَرِ لَهم، وكَوْنِ ثِيابِهِمْ لا تَبْلى ولا تَتَّسِخُ وتَطُولُ كُلَّما طالُوا، فَهم مُلُوكٌ لِرَفْعِ هَذِهِ الكُلَفِ عَنْهم. وقالَ قَتادَةُ: مُلُوكًا لِأنَّهم أوَّلُ مَنِ اتَّخَذَ الخُدّامَ واقْتَنَوُا الأرِقّاءَ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ وقَتادَةُ: وإنَّما قالَ وجَعَلَكم مُلُوكًا، لِأنّا كُنّا نَتَحَدَّثُ أنَّ أوَّلَ مَن خَدَمَهُ آخَرُ مِن بَنِي آدَمَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا ضَعِيفٌ، لِأنَّ القِبْطَ كانُوا يَسْتَخْدِمُونَ بَنِي إسْرائِيلَ. وظاهِرُ أمْرِ بَنِي آدَمَ أنَّ بَعْضَهم يُسَخِّرُ بَعْضًا مُنْذُ تَناسَلُوا وكَثُرُوا. انْتَهى.

وهَذِهِ الأقْوالُ الثَّلاثَةُ عامَّةٌ في جَمِيعِ بَنِي إسْرائِيلَ، وهو ظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلَكم مُلُوكًا﴾ . وقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وجَماعَةٌ: مَن كانَ لَهُ مَسْكَنٌ وامْرَأةٌ وخادِمٌ فَهو مَلِكٌ. وقِيلَ: مَن لَهُ مَسْكَنٌ ولا يُدْخَلُ عَلَيْهِ فِيهِ إلّا بِإذْنٍ فَهو مَلِكٌ. وقِيلَ: مَن لَهُ زَوْجَةٌ وخادِمٌ، ورُوِيَ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقالَ عِكْرِمَةُ: مَن مَلَكَ عِنْدَهم خادِمًا وبَيْتًا دُعِيَ عِنْدَهم مَلِكًا. وقِيلَ: مِن لَهُ مَنزِلٌ واسِعٌ فِيهِ ماءٌ جارٍ. وقِيلَ: مَن لَهُ مالٌ لا يَحْتاجُ فِيهِ إلى تَكَلُّفِ الأعْمالِ وتَحَمُّلِ المَشاقِّ. وقِيلَ: مُلُوكٌ لِقَناعَتِهِمْ، وهو مُلْكٌ خَفِيٌّ. ولِهَذا جاءَ في الحَدِيثِ: «القَناعَةُ كَنْزٌ لا يَنْفَدُ» . وقِيلَ: …

Al-Maaida 5:24Listen in Qur'an →
25

قَالَ رَبِّ إِنِّى لَآ أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِى وَأَخِى ۖ فَٱفْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ ٱلْقَوْمِ ٱلْفَٰسِقِينَ

[Moses] said, "My Lord, indeed I do not possess except myself and my brother, so part us from the defiantly disobedient people."

﴿وإذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم إذْ جَعَلَ فِيكم أنْبِياءَ وجَعَلَكم مُلُوكًا وآتاكم ما لَمْ يُؤْتِ أحَدًا مِنَ العالَمِينَ﴾ مُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ تَمَرُّدَ أسْلافِ اليَهُودِ عَلى مُوسى، وعِصْيانَهم إيّاهُ، مَعَ تَذْكِيرِهِ إيّاهم نِعَمَ اللَّهِ وتَعْدادِهِ لِما هو العَظِيمُ مِنها، وأنَّ هَؤُلاءِ الَّذِينَ هم بِحَضْرَةِ الرَّسُولِ هم جارُونَ مَعَكم مَجْرى أسْلافِهِمْ مَعَ مُوسى. ونِعْمَةُ اللَّهِ يُرادُ بِها الجِنْسُ؛ والمَعْنى: واذْكُرْ لَهم يا مُحَمَّدُ عَلى جِهَةِ إعْلامِهِمْ بِغَيْبِ كُتُبِهِمْ لِيَتَحَقَّقُوا نُبُوَّتَكَ. ويَنْتَظِمُ في ذَلِكَ ذِكْرُ نِعَمِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، وتَلَقِّيهِمْ تِلْكَ النِّعَمِ بِالكُفْرِ وقِلَّةِ الطّاعَةِ. وعَدَّدَ عَلَيْهِمْ مِن نِعَمِهِ ثَلاثًا: الأُولى: جَعْلُ أنْبِياءَ فِيهِمْ وذَلِكَ أعْظَمُ الشَّرَفِ، إذْ هُمُ الوَسائِطُ بَيْنَ اللَّهِ وبَيْنَ خَلْقِهِ، والمُبَلِّغُونَ عَنِ اللَّهِ شَرائِعَهُ. قِيلَ: لَمْ يُبْعَثْ في أُمَّةٍ ما بُعِثَ في بَنِي إسْرائِيلَ مِنَ الأنْبِياءِ. وقالَ ابْنُ السّائِبِ ومُقاتِلٌ: الأنْبِياءُ هُنا هُمُ السَّبْعُونَ الَّذِينَ اخْتارَهم مُوسى لِمِيقاتِ رَبِّهِ، وكانُوا مِن خِيارِ قَوْمِهِ. وقِيلَ: هُمُ الَّذِينَ أُرْسِلُوا مِن بَعْدُ في بَنِي إسْرائِيلَ كَمُوسى، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ وغَيْرُهُ؛ وعَلى هَذا القَوْلِ يَكُونُ ”جَعَلَ“ لا يُرادُ بِها حَقِيقَةُ الماضِي بِالفِعْلِ، إذْ بَعْضُهم كانَ قَدْ ظَهَرَ عِنْدَ خِطابِ مُوسى إيّاهم، وبَعْضُهم لَمْ يُخْلَقْ بَلْ أخْبَرَ أنَّهُ سَيَكُونُ فِيهِمْ. الثّانِيَةُ: جَعْلُهم مُلُوكًا ظاهِرُهُ الِامْتِنانُ عَلَيْهِمْ بِأنْ جَعَلَهم مُلُوكًا إذْ جَعَلَ مِنهم مُلُوكًا، إذِ المُلْكُ شَرَفٌ في الدُّنْيا واسْتِيلاءٌ، فَذَكَّرَهم بِأنَّ مِنهم قادَةَ الآخِرَةِ وقادَةَ الدُّنْيا. وقالَ السُّدِّيُّ وغَيْرُهُ: وجَعَلَكم أحْرارًا تَمْلِكُونَ ولا تُمْلَكُونَ، إذْ كُنْتُمْ خَدَمًا لِلْقِبْطِ فَأنْقَذَكم مِنهم، فَسُمِّيَ اسْتِنْقاذُهم مُلْكًا. وقالَ قَوْمٌ: جَعَلَهم مُلُوكًا بِإنْزالِ المَنِّ والسَّلْوى عَلَيْهِمْ وتَفْجِيرِ الحَجَرِ لَهم، وكَوْنِ ثِيابِهِمْ لا تَبْلى ولا تَتَّسِخُ وتَطُولُ كُلَّما طالُوا، فَهم مُلُوكٌ لِرَفْعِ هَذِهِ الكُلَفِ عَنْهم. وقالَ قَتادَةُ: مُلُوكًا لِأنَّهم أوَّلُ مَنِ اتَّخَذَ الخُدّامَ واقْتَنَوُا الأرِقّاءَ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ وقَتادَةُ: وإنَّما قالَ وجَعَلَكم مُلُوكًا، لِأنّا كُنّا نَتَحَدَّثُ أنَّ أوَّلَ مَن خَدَمَهُ آخَرُ مِن بَنِي آدَمَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا ضَعِيفٌ، لِأنَّ القِبْطَ كانُوا يَسْتَخْدِمُونَ بَنِي إسْرائِيلَ. وظاهِرُ أمْرِ بَنِي آدَمَ أنَّ بَعْضَهم يُسَخِّرُ بَعْضًا مُنْذُ تَناسَلُوا وكَثُرُوا. انْتَهى.

وهَذِهِ الأقْوالُ الثَّلاثَةُ عامَّةٌ في جَمِيعِ بَنِي إسْرائِيلَ، وهو ظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلَكم مُلُوكًا﴾ . وقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وجَماعَةٌ: مَن كانَ لَهُ مَسْكَنٌ وامْرَأةٌ وخادِمٌ فَهو مَلِكٌ. وقِيلَ: مَن لَهُ مَسْكَنٌ ولا يُدْخَلُ عَلَيْهِ فِيهِ إلّا بِإذْنٍ فَهو مَلِكٌ. وقِيلَ: مَن لَهُ زَوْجَةٌ وخادِمٌ، ورُوِيَ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقالَ عِكْرِمَةُ: مَن مَلَكَ عِنْدَهم خادِمًا وبَيْتًا دُعِيَ عِنْدَهم مَلِكًا. وقِيلَ: مِن لَهُ مَنزِلٌ واسِعٌ فِيهِ ماءٌ جارٍ. وقِيلَ: مَن لَهُ مالٌ لا يَحْتاجُ فِيهِ إلى تَكَلُّفِ الأعْمالِ وتَحَمُّلِ المَشاقِّ. وقِيلَ: مُلُوكٌ لِقَناعَتِهِمْ، وهو مُلْكٌ خَفِيٌّ. ولِهَذا جاءَ في الحَدِيثِ: «القَناعَةُ كَنْزٌ لا يَنْفَدُ» . وقِيلَ: …

Al-Maaida 5:25Listen in Qur'an →
26

قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ ۛ أَرْبَعِينَ سَنَةًۭ ۛ يَتِيهُونَ فِى ٱلْأَرْضِ ۚ فَلَا تَأْسَ عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْفَٰسِقِينَ

[Allah] said, "Then indeed, it is forbidden to them for forty years [in which] they will wander throughout the land. So do not grieve over the defiantly disobedient people."

﴿وإذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم إذْ جَعَلَ فِيكم أنْبِياءَ وجَعَلَكم مُلُوكًا وآتاكم ما لَمْ يُؤْتِ أحَدًا مِنَ العالَمِينَ﴾ مُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ تَمَرُّدَ أسْلافِ اليَهُودِ عَلى مُوسى، وعِصْيانَهم إيّاهُ، مَعَ تَذْكِيرِهِ إيّاهم نِعَمَ اللَّهِ وتَعْدادِهِ لِما هو العَظِيمُ مِنها، وأنَّ هَؤُلاءِ الَّذِينَ هم بِحَضْرَةِ الرَّسُولِ هم جارُونَ مَعَكم مَجْرى أسْلافِهِمْ مَعَ مُوسى. ونِعْمَةُ اللَّهِ يُرادُ بِها الجِنْسُ؛ والمَعْنى: واذْكُرْ لَهم يا مُحَمَّدُ عَلى جِهَةِ إعْلامِهِمْ بِغَيْبِ كُتُبِهِمْ لِيَتَحَقَّقُوا نُبُوَّتَكَ. ويَنْتَظِمُ في ذَلِكَ ذِكْرُ نِعَمِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، وتَلَقِّيهِمْ تِلْكَ النِّعَمِ بِالكُفْرِ وقِلَّةِ الطّاعَةِ. وعَدَّدَ عَلَيْهِمْ مِن نِعَمِهِ ثَلاثًا: الأُولى: جَعْلُ أنْبِياءَ فِيهِمْ وذَلِكَ أعْظَمُ الشَّرَفِ، إذْ هُمُ الوَسائِطُ بَيْنَ اللَّهِ وبَيْنَ خَلْقِهِ، والمُبَلِّغُونَ عَنِ اللَّهِ شَرائِعَهُ. قِيلَ: لَمْ يُبْعَثْ في أُمَّةٍ ما بُعِثَ في بَنِي إسْرائِيلَ مِنَ الأنْبِياءِ. وقالَ ابْنُ السّائِبِ ومُقاتِلٌ: الأنْبِياءُ هُنا هُمُ السَّبْعُونَ الَّذِينَ اخْتارَهم مُوسى لِمِيقاتِ رَبِّهِ، وكانُوا مِن خِيارِ قَوْمِهِ. وقِيلَ: هُمُ الَّذِينَ أُرْسِلُوا مِن بَعْدُ في بَنِي إسْرائِيلَ كَمُوسى، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ وغَيْرُهُ؛ وعَلى هَذا القَوْلِ يَكُونُ ”جَعَلَ“ لا يُرادُ بِها حَقِيقَةُ الماضِي بِالفِعْلِ، إذْ بَعْضُهم كانَ قَدْ ظَهَرَ عِنْدَ خِطابِ مُوسى إيّاهم، وبَعْضُهم لَمْ يُخْلَقْ بَلْ أخْبَرَ أنَّهُ سَيَكُونُ فِيهِمْ. الثّانِيَةُ: جَعْلُهم مُلُوكًا ظاهِرُهُ الِامْتِنانُ عَلَيْهِمْ بِأنْ جَعَلَهم مُلُوكًا إذْ جَعَلَ مِنهم مُلُوكًا، إذِ المُلْكُ شَرَفٌ في الدُّنْيا واسْتِيلاءٌ، فَذَكَّرَهم بِأنَّ مِنهم قادَةَ الآخِرَةِ وقادَةَ الدُّنْيا. وقالَ السُّدِّيُّ وغَيْرُهُ: وجَعَلَكم أحْرارًا تَمْلِكُونَ ولا تُمْلَكُونَ، إذْ كُنْتُمْ خَدَمًا لِلْقِبْطِ فَأنْقَذَكم مِنهم، فَسُمِّيَ اسْتِنْقاذُهم مُلْكًا. وقالَ قَوْمٌ: جَعَلَهم مُلُوكًا بِإنْزالِ المَنِّ والسَّلْوى عَلَيْهِمْ وتَفْجِيرِ الحَجَرِ لَهم، وكَوْنِ ثِيابِهِمْ لا تَبْلى ولا تَتَّسِخُ وتَطُولُ كُلَّما طالُوا، فَهم مُلُوكٌ لِرَفْعِ هَذِهِ الكُلَفِ عَنْهم. وقالَ قَتادَةُ: مُلُوكًا لِأنَّهم أوَّلُ مَنِ اتَّخَذَ الخُدّامَ واقْتَنَوُا الأرِقّاءَ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ وقَتادَةُ: وإنَّما قالَ وجَعَلَكم مُلُوكًا، لِأنّا كُنّا نَتَحَدَّثُ أنَّ أوَّلَ مَن خَدَمَهُ آخَرُ مِن بَنِي آدَمَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا ضَعِيفٌ، لِأنَّ القِبْطَ كانُوا يَسْتَخْدِمُونَ بَنِي إسْرائِيلَ. وظاهِرُ أمْرِ بَنِي آدَمَ أنَّ بَعْضَهم يُسَخِّرُ بَعْضًا مُنْذُ تَناسَلُوا وكَثُرُوا. انْتَهى.

وهَذِهِ الأقْوالُ الثَّلاثَةُ عامَّةٌ في جَمِيعِ بَنِي إسْرائِيلَ، وهو ظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلَكم مُلُوكًا﴾ . وقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وجَماعَةٌ: مَن كانَ لَهُ مَسْكَنٌ وامْرَأةٌ وخادِمٌ فَهو مَلِكٌ. وقِيلَ: مَن لَهُ مَسْكَنٌ ولا يُدْخَلُ عَلَيْهِ فِيهِ إلّا بِإذْنٍ فَهو مَلِكٌ. وقِيلَ: مَن لَهُ زَوْجَةٌ وخادِمٌ، ورُوِيَ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقالَ عِكْرِمَةُ: مَن مَلَكَ عِنْدَهم خادِمًا وبَيْتًا دُعِيَ عِنْدَهم مَلِكًا. وقِيلَ: مِن لَهُ مَنزِلٌ واسِعٌ فِيهِ ماءٌ جارٍ. وقِيلَ: مَن لَهُ مالٌ لا يَحْتاجُ فِيهِ إلى تَكَلُّفِ الأعْمالِ وتَحَمُّلِ المَشاقِّ. وقِيلَ: مُلُوكٌ لِقَناعَتِهِمْ، وهو مُلْكٌ خَفِيٌّ. ولِهَذا جاءَ في الحَدِيثِ: «القَناعَةُ كَنْزٌ لا يَنْفَدُ» . وقِيلَ: …

Al-Maaida 5:26Listen in Qur'an →
27

۞ وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ٱبْنَىْ ءَادَمَ بِٱلْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًۭا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ ٱلْءَاخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ ۖ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلْمُتَّقِينَ

And recite to them the story of Adam's two sons, in truth, when they both offered a sacrifice [to Allah], and it was accepted from one of them but was not accepted from the other. Said [the latter], "I will surely kill you." Said [the former], "Indeed, Allah only accepts from the righteous [who fear Him].

﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ ابْنَيْ آدَمَ بِالحَقِّ إذْ قَرَّبا قُرْبانًا فَتُقُبِّلَ مِن أحَدِهِما ولَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ قالَ لَأقْتُلَنَّكَ قالَ إنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ المُتَّقِينَ﴾ ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي ما أنا بِباسِطٍ يَدِيَ إلَيْكَ لِأقْتُلَكَ إنِّي أخافُ اللَّهَ رَبَّ العالَمِينَ﴾ [المائدة: ٢٨] ﴿إنِّي أُرِيدُ أنْ تَبُوءَ بِإثْمِي وإثْمِكَ فَتَكُونَ مِن أصْحابِ النّارِ وذَلِكَ جَزاءُ الظّالِمِينَ﴾ [المائدة: ٢٩] ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأصْبَحَ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ [المائدة: ٣٠] ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرابًا يَبْحَثُ في الأرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوارِي سَوْأةَ أخِيهِ قالَ ياوَيْلَتا أعَجَزْتُ أنْ أكُونَ مِثْلَ هَذا الغُرابِ فَأُوارِيَ سَوْأةَ أخِي فَأصْبَحَ مِنَ النّادِمِينَ﴾ [المائدة: ٣١] ﴿مِن أجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنا عَلى بَنِي إسْرائِيلَ أنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أوْ فَسادٍ في الأرْضِ فَكَأنَّما قَتَلَ النّاسَ جَمِيعًا ومَن أحْياها فَكَأنَّما أحْيا النّاسَ جَمِيعًا ولَقَدْ جاءَتْهم رُسُلُنا بِالبَيِّناتِ ثُمَّ إنَّ كَثِيرًا مِنهم بَعْدَ ذَلِكَ في الأرْضِ لَمُسْرِفُونَ﴾ [المائدة: ٣٢] ﴿إنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ ويَسْعَوْنَ في الأرْضِ فَسادًا أنْ يُقَتَّلُوا أوْ يُصَلَّبُوا أوْ تُقَطَّعَ أيْدِيهِمْ وأرْجُلُهم مِن خِلافٍ أوْ يُنْفَوْا مِنَ الأرْضِ ذَلِكَ لَهم خِزْيٌ في الدُّنْيا ولَهم في الآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٣] ﴿إلّا الَّذِينَ تابُوا مِن قَبْلِ أنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فاعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٤] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وابْتَغُوا إلَيْهِ الوَسِيلَةَ وجاهِدُوا في سَبِيلِهِ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: ٣٥] ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أنَّ لَهم ما في الأرْضِ جَمِيعًا ومِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِن عَذابِ يَوْمِ القِيامَةِ ما تُقُبِّلَ مِنهم ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٦] ﴿يُرِيدُونَ أنْ يَخْرُجُوا مِنَ النّارِ وما هم بِخارِجِينَ مِنها ولَهم عَذابٌ مُقِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٧] ﴿والسّارِقُ والسّارِقَةُ فاقْطَعُوا أيْدِيَهُما جَزاءً بِما كَسَبا نَكالًا مِنَ اللَّهِ واللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٨] . الغُرابُ: طائِرٌ مَعْرُوفٌ، ويُجْمَعُ في القِلَّةِ عَلى أغْرِبَةٍ، وفي الكَثْرَةِ عَلى غِرْبانٍ. وغُرابٌ اسْمُ جِنْسٍ، وأسْماءُ الأجْناسِ إذا وقَعَتْ عَلى مُسَمَّياتِها مِن غَيْرِ أنْ تَكُونَ مَنقُولَةً مِن شَيْءٍ، فَإنْ وُجِدَ فِيها ما يُمْكِنُ اشْتِقاقُهُ حُمِلَ عَلى أنَّهُ مُشْتَقٌّ، إلّا أنَّ ذَلِكَ قَلِيلٌ جِدًّا، بَلِ الأكْثَرُ أنْ تَكُونَ غَيْرَ مُشْتَقَّةٍ؛ نَحْوَ: تُرابٌ، وحَجَرٌ، وماءٌ. ويُمْكِنُ غُرابٌ أنْ يَكُونَ مَأْخُوذًا مِنَ الِاغْتِرابِ، فَإنَّ العَرَبَ تَتَشاءَمُ بِهِ وتَزْعُمُ أنَّهُ دالٌّ عَلى الفِراقِ. وقالَ حَرّانُ العُودِ:

وأمّا الغُرابُ فالغَرِيبُ المُطَوَّحُ وقالَ الشَّنْفَرى:

؎غُرابٌ لِاغْتِرابٍ مِنَ النَّوى وبِالباذِ بَيْنٌ مِن حَبِيبٍ تُعاشِرُهُ

البَحْثُ في الأرْضِ نَبْشُ التُّرابِ وإثارَتُهُ، ومِنهُ سُمِّيَتْ ”بَراءَةُ“ بَحُوثٌ. وفي المَثَلِ: لا تَكُنْ كالباحِثِ عَنِ الشَّفْرَةِ. السَّوْأةُ: العَوْرَةُ. العَجْزُ: عَدَمُ الإطاقَةِ، وماضِيهِ عَلى فَعَلَ، بِفَتْحِ العَيْنِ، وهي اللُّغَةُ الفاشِيَةُ. وحَكى الكِسائِيُّ فِيهِ: فَعِلَ، بِكَسْرِ العَيْنِ. النَّدَمُ: التَّحَسُّرُ، يُقالُ مِنهُ: نَدِمَ يَنْدَمُ. الصَّلْبُ مَعْرُوفٌ وهو إصابَةُ صُلْبِهِ بِجِذْعٍ، أوْ حائِطٍ، كَما تَقُولُ: عانَهُ؛ أيْ: أصابَ عَيْنَهُ، وكَبَدَهُ: أصابَ كَبِدَهُ. …

Al-Maaida 5:27Listen in Qur'an →
28

لَئِنۢ بَسَطتَ إِلَىَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِى مَآ أَنَا۠ بِبَاسِطٍۢ يَدِىَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ ۖ إِنِّىٓ أَخَافُ ٱللَّهَ رَبَّ ٱلْعَٰلَمِينَ

If you should raise your hand against me to kill me - I shall not raise my hand against you to kill you. Indeed, I fear Allah, Lord of the worlds.

﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي ما أنا بِباسِطٍ يَدِيَ إلَيْكَ لِأقْتُلَكَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المَعْنى ما أنا بِمُنْتَصِرٍ لِنَفْسِي. وقالَ عِكْرِمَةُ: المَعْنى ما كُنْتُ لِأبْتَدِئَكَ بِالقَتْلِ. وقالَ مُجاهِدٌ والحَسَنُ: لَمْ يَكُنِ الدَّفْعُ عَنِ النَّفْسِ في ذَلِكَ الوَقْتِ جائِزًا. وقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو وابْنُ عَبّاسٍ والجُمْهُورُ: كانَ هابِيلُ أشَدَّ قُوَّةً مِن قابِيلَ، ولَكِنَّهُ تَحَرَّجَ مِنَ القَتْلِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ القاتِلَ لَيْسَ بِكافِرٍ وإنَّما هو عاصٍ، إذْ لَوْ كانَ كافِرًا لَما تَحَرَّجَ هابِيلُ مِن قَتْلِهِ، وإنَّما اسْتَسْلَمَ لَهُ كَما اسْتَسْلَمَ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ. وقِيلَ: إنَّما تَرَكَ الدَّفْعَ عَنْ نَفْسِهِ لِأنَّهُ ظَهَرَتْ لَهُ مَخِيلَةُ انْقِضاءِ عُمْرِهِ فَبَنى عَلَيْها، أوْ بِإخْبارِ أبِيهِ، وكَما جَرى لِعُثْمانَ إذْ بَشَّرَهُ الرَّسُولُ بِالجَنَّةِ عَلى بَلْوى تُصِيبُهُ، «ورَآهُ في اليَوْمِ الَّذِي قُتِلَ فِيهِ في النَّوْمِ وهو يَقُولُ: ”إنَّكَ تُفْطِرُ اللَّيْلَةَ عِنْدَنا“» فَتَرَكَ الدَّفْعَ عَنْ نَفْسِهِ حَتّى قُتِلَ، «وقالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ: ”ألْقِ عَلى وجْهِكَ وكُنْ عَبْدَ اللَّهِ المَقْتُولَ ولا تَكُنْ عَبْدَ اللَّهِ القاتِلَ“» . وقِيلَ: إنَّ هابِيلَ لاحَتْ لَهُ أماراتُ غَلَبَةِ الظَّنِّ مِن قابِيلَ عَلى قَتْلِهِ، ولَكِنْ لَمْ يَتَحَقَّقْ ذَلِكَ، فَذَكَرَ لَهُ هَذا الكَلامَ قَبْلَ الإقْدامِ عَلى القَتْلِ لِيَزْدَجِرَ عَنْهُ وتَقْبِيحًا لِهَذا الفِعْلِ، ولِهَذا يُرْوى أنَّ قابِيلَ صَبَرَ حَتّى نامَ هابِيلُ فَضَرَبَ رَأْسَهُ بِحَجَرٍ كَبِيرٍ فَقَتَلَهُ. وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: لَيْسَ في الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ المَقْتُولَ عَلِمَ عَزْمَ القاتِلِ عَلى قَتْلِهِ، ثُمَّ تَرَكَ الدَّفْعَ عَنْ نَفْسِهِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): لِمَ جاءَ الشَّرْطُ بِلَفْظِ الفِعْلِ، والجَزاءُ بِلَفْظِ اسْمِ الفاعِلِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ﴾ ﴿ما أنا بِباسِطٍ﴾ ؟ (قُلْتُ): لِيُفِيدَ أنَّهُ لا يَفْعَلُ ما يَكْتَسِبُ بِهِ هَذا الوَصْفَ الشَّنِيعَ، ولِذَلِكَ أكَّدَهُ بِالباءِ المُؤَكِّدَةِ لِلنَّفْيِ. انْتَهى. وأوْرَدَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ هَذا السُّؤالَ والجَوابَ ولَمْ يَنْسُبْهُ لِلزَّمَخْشَرِيِّ، وهو كَلامٌ فِيهِ انْتِقادٌ. وذَلِكَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ما أنا بِباسِطٍ﴾، لَيْسَ جَزاءً بَلْ هو جَوابٌ لِلْقَسَمِ المَحْذُوفِ قَبْلَ ”اللّامِ“ في ”لَئِنْ“ المُؤْذِنَةِ بِالقَسَمِ والمُوَطِّئَةِ لِلْجَوابِ، لا لِلشَّرْطِ. وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ جَوابِ القَسَمِ عَلَيْهِ، ولَوْ كانَ جَوابًا لِلشَّرْطِ لَكانَ بِالفاءِ، فَإنَّهُ إذا كانَ جَوابُ الشَّرْطِ مَنفِيًّا بِـ (ما) فَلا بُدَّ مِنَ الفاءِ كَقَوْلِهِ: ﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ ما كانَ حُجَّتَهم إلّا أنْ قالُوا﴾ [الجاثية: ٢٥] ولَوْ كانَ أيْضًا جَوابًا لِلشَّرْطِ لَلَزِمَ مِن ذَلِكَ خَرْمُ القاعِدَةِ النَّحْوِيَّةِ مِن أنَّهُ إذا تَقَدَّمَ القَسَمُ عَلى الشَّرْطِ فالجَوابُ لِلْقَسَمِ لا لِلشَّرْطِ. وقَدْ خالَفَ الزَّمَخْشَرِيُّ كَلامَهُ هَذا بِما ذَكَرَهُ في البَقَرَةِ في قَوْلِهِ: ﴿ولَئِنْ أتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ بِكُلِّ آيَةٍ ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ﴾ [البقرة: ١٤٥] . فَقالَ: ما تَبِعُوا، جَوابُ القَسَمِ المَحْذُوفِ سَدَّ مَسَدَّ جَوابِ الشَّرْطِ وتَكَلَّمْنا مَعَهُ هُناكَ فَيُنْظَرُ.

﴿إنِّي أخافُ اللَّهَ رَبَّ العالَمِينَ﴾ هَذا ذِكْرٌ لِعِلَّةِ الِامْتِناعِ في بَسْطِ يَدِهِ إلَيْهِ لِلْقَتْلِ، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ القاتِلَ لا يَخافُ اللَّهَ.

Al-Maaida 5:28Listen in Qur'an →
29

إِنِّىٓ أُرِيدُ أَن تَبُوٓأَ بِإِثْمِى وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَٰبِ ٱلنَّارِ ۚ وَذَٰلِكَ جَزَٰٓؤُا۟ ٱلظَّٰلِمِينَ

Indeed I want you to obtain [thereby] my sin and your sin so you will be among the companions of the Fire. And that is the recompense of wrongdoers."

﴿إنِّي أُرِيدُ أنْ تَبُوءَ بِإثْمِي وإثْمِكَ فَتَكُونَ مِن أصْحابِ النّارِ﴾ ذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّ الإرادَةَ هُنا مَجازٌ لا مَحَبَّةُ إيثارِ شَهْوَةٍ، وإنَّما هي تَخْيِيرٌ في شَرَّيْنِ كَما تَقُولُ العَرَبُ في الشَّرِّ خِيارٌ؛ والمَعْنى: إنْ قَتَلْتَنِي؛ وسَبَقَ بِذَلِكَ قَدَرٌ، فاخْتِيارِي أنْ أكُونَ مَظْلُومًا يَنْتَصِرُ اللَّهُ لِي في الآخِرَةِ. وذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّ الإرادَةَ هُنا حَقِيقَةٌ لا مَجازٌ، لا يُقالُ: كَيْفَ جازَ أنْ يُرِيدَ شَقاوَةَ أخِيهِ وتَعْذِيبَهُ بِالنّارِ ؟ لِأنَّ جَزاءَ الظّالِمِ حَسَنٌ أنْ يُرادَ، وإذا جازَ أنْ يُرِيدَهُ اللَّهُ تَعالى جازَ أنْ يُرِيدَهُ العَبْدُ لِأنَّهُ لا يُرِيدُ إلّا ما هو حَسَنٌ، قالَهُالزَّمَخْشَرِيُّ، وفِيهِ دَسِيسَةُ الِاعْتِزالِ. وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: إنَّما وقَعَتِ الإرادَةُ بَعْدَ ما بَسَطَ يَدَهُ لِلْقَتْلِ وهو مُسْتَقْبَحٌ، فَصارَ بِذَلِكَ كافِرًا؛ لِأنَّ مَنِ اسْتَحَلَّ ما حَرَّمَ اللَّهُ فَقَدْ كَفَرَ، والكافِرُ يُرِيدُ أنْ يُرادَ بِهِ الشَّرُّ. وقِيلَ: المَعْنى أنَّهُ لَمّا قالَ: لَأقْتُلَنَّكَ اسْتَوْجَبَ النّارَ بِما تَقَدَّمَ في عِلْمِ اللَّهِ، وعَلى المُؤْمِنِ أنْ يُرِيدَ ما أرادَ اللَّهُ، وظاهِرُ الآيَةِ أنَّهُما آثِمانِ. قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ وقَتادَةُ: تَحْمِلُ إثْمَ قَتْلِي، وإثْمَكَ الَّذِي كانَ مِنكَ قَبْلَ قَتْلِي، فَحُذِفَ المُضافُ؛ هَذا قَوْلُ عامَّةِ المُفَسِّرِينَ. وقالَ الزَّجّاجُ: بِإثْمِ قَتْلِي وإثْمِكَ الَّذِي مِن أجْلِهِ لَمْ يُتَقَبَّلْ قُرْبانُكَ، وهو راجِعٌ في المَعْنى إلى ما قَبْلَهُ. وقِيلَ: المَعْنى: بِإثْمِي أنْ لَوْ قاتَلْتُكَ وقَتَلْتُكَ، وإثْمِ نَفْسِكَ في قِتالِي وقَتْلِي، وهَذا هو الإثْمُ الَّذِي يَقْتَضِيهِ قَوْلُهُ، ﷺ: «إذا التَقى المُسْلِمانِ بِسَيْفَيْهِما فالقاتِلُ والمَقْتُولُ في النّارِ " . قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ هَذا القاتِلُ، فَما بالُ المَقْتُولِ ؟ قالَ: إنَّهُ كانَ حَرِيصًا عَلى قَتْلِ صاحِبِهِ» فَكَأنَّ هابِيلَ أرادَ أنِّي لَسْتُ بِحَرِيصٍ عَلى قَتْلِكَ، فالإثْمُ الَّذِي كانَ يَلْحَقُنِي لَوْ كُنْتُ حَرِيصًا عَلى قَتْلِكَ أُرِيدُ أنْ تَحْمِلَهُ أنْتَ مَعَ إثْمِكَ في قَتْلِي.

قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ (فَإنْ قُلْتَ): كَيْفَ يَحْتَمِلُ إثْمَ قَتْلِهِ لَهُ ﴿ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ [الأنعام: ١٦٤] ؟ (قُلْتُ): المُرادُ بِمِثْلِ إثْمِي عَلى الِاتِّساعِ في الكَلامِ كَما تَقُولُ: قَرَأْتُ قِراءَةَ فُلانٍ، وكَتَبْتُ كِتابَتَهُ، تُرِيدُ المِثْلَ وهو اتِّساعٌ فاشٍ مُسْتَفِيضٌ لا يَكادُ يُسْتَعْمَلُ غَيْرُهُ. (فَإنْ قُلْتَ): فَحِينَ كَفَّ هابِيلُ عَنْ قَتْلِ أخِيهِ واسْتَسْلَمَ وتَحَرَّجَ عَمّا كانَ مَحْظُورًا في شَرِيعَتِهِ مِنَ الدَّفْعِ، فَأيْنَ الإثْمُ حَتّى يَتَحَمَّلَ أخُوهُ مِثْلَهُ، فَيَجْتَمِعُ عَلَيْهِ الإثْمانِ ؟ (قُلْتُ): هو مُقَدَّرٌ؛ فَهو يَتَحَمَّلُ مِثْلَ الإثْمِ المُقَدَّرِ، كَأنَّهُ قالَ: إنِّي أُرِيدُ أنْ تَبُوءَ بِمِثْلِ إثْمِي لَوْ بَسَطْتُ إلَيْكَ يَدِي. انْتَهى. وقِيلَ: بِإثْمِي، الَّذِي يَخْتَصُّ بِي فِيما فَرَطَ لِي؛ أيْ: يُؤْخَذُ مِن سَيِّئاتِي فَتُطْرَحُ عَلَيْكَ بِسَبَبِ ظُلْمِكَ لِي، وتَبُوءُ بِإثْمِكَ في قَتْلِي. ويُعَضِّدُ هَذا قَوْلُ النَّبِيِّ، ﷺ: «يُؤْتى بِالظّالِمِ والمَظْلُومِ يَوْمَ القِيامَةِ فَيُؤْخَذُ مِن حَسَناتِ الظّالِمِ فَيُزادُ في حَسَناتِ المَظْلُومِ حَتّى يَنْتَصِفَ، فَإنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَسَناتٌ أُخِذَ مِن سَيِّئاتِ المَظْلُومِ فَتُطْرَحُ عَلَيْهِ» وتَلَخَّصَ مِن قَوْلِهِ ﴿بِإثْمِي وإثْمِكَ﴾ وجْهانِ؛ أحَدُهُما: بِإثْمِي اللّاحِقِ لِي؛ أيْ: بِمِثْلِ إثْمِي اللّاحِقِ …

Al-Maaida 5:29Listen in Qur'an →
30

فَطَوَّعَتْ لَهُۥ نَفْسُهُۥ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُۥ فَأَصْبَحَ مِنَ ٱلْخَٰسِرِينَ

And his soul permitted to him the murder of his brother, so he killed him and became among the losers.

﴿إنِّي أُرِيدُ أنْ تَبُوءَ بِإثْمِي وإثْمِكَ فَتَكُونَ مِن أصْحابِ النّارِ﴾ ذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّ الإرادَةَ هُنا مَجازٌ لا مَحَبَّةُ إيثارِ شَهْوَةٍ، وإنَّما هي تَخْيِيرٌ في شَرَّيْنِ كَما تَقُولُ العَرَبُ في الشَّرِّ خِيارٌ؛ والمَعْنى: إنْ قَتَلْتَنِي؛ وسَبَقَ بِذَلِكَ قَدَرٌ، فاخْتِيارِي أنْ أكُونَ مَظْلُومًا يَنْتَصِرُ اللَّهُ لِي في الآخِرَةِ. وذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّ الإرادَةَ هُنا حَقِيقَةٌ لا مَجازٌ، لا يُقالُ: كَيْفَ جازَ أنْ يُرِيدَ شَقاوَةَ أخِيهِ وتَعْذِيبَهُ بِالنّارِ ؟ لِأنَّ جَزاءَ الظّالِمِ حَسَنٌ أنْ يُرادَ، وإذا جازَ أنْ يُرِيدَهُ اللَّهُ تَعالى جازَ أنْ يُرِيدَهُ العَبْدُ لِأنَّهُ لا يُرِيدُ إلّا ما هو حَسَنٌ، قالَهُالزَّمَخْشَرِيُّ، وفِيهِ دَسِيسَةُ الِاعْتِزالِ. وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: إنَّما وقَعَتِ الإرادَةُ بَعْدَ ما بَسَطَ يَدَهُ لِلْقَتْلِ وهو مُسْتَقْبَحٌ، فَصارَ بِذَلِكَ كافِرًا؛ لِأنَّ مَنِ اسْتَحَلَّ ما حَرَّمَ اللَّهُ فَقَدْ كَفَرَ، والكافِرُ يُرِيدُ أنْ يُرادَ بِهِ الشَّرُّ. وقِيلَ: المَعْنى أنَّهُ لَمّا قالَ: لَأقْتُلَنَّكَ اسْتَوْجَبَ النّارَ بِما تَقَدَّمَ في عِلْمِ اللَّهِ، وعَلى المُؤْمِنِ أنْ يُرِيدَ ما أرادَ اللَّهُ، وظاهِرُ الآيَةِ أنَّهُما آثِمانِ. قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ وقَتادَةُ: تَحْمِلُ إثْمَ قَتْلِي، وإثْمَكَ الَّذِي كانَ مِنكَ قَبْلَ قَتْلِي، فَحُذِفَ المُضافُ؛ هَذا قَوْلُ عامَّةِ المُفَسِّرِينَ. وقالَ الزَّجّاجُ: بِإثْمِ قَتْلِي وإثْمِكَ الَّذِي مِن أجْلِهِ لَمْ يُتَقَبَّلْ قُرْبانُكَ، وهو راجِعٌ في المَعْنى إلى ما قَبْلَهُ. وقِيلَ: المَعْنى: بِإثْمِي أنْ لَوْ قاتَلْتُكَ وقَتَلْتُكَ، وإثْمِ نَفْسِكَ في قِتالِي وقَتْلِي، وهَذا هو الإثْمُ الَّذِي يَقْتَضِيهِ قَوْلُهُ، ﷺ: «إذا التَقى المُسْلِمانِ بِسَيْفَيْهِما فالقاتِلُ والمَقْتُولُ في النّارِ " . قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ هَذا القاتِلُ، فَما بالُ المَقْتُولِ ؟ قالَ: إنَّهُ كانَ حَرِيصًا عَلى قَتْلِ صاحِبِهِ» فَكَأنَّ هابِيلَ أرادَ أنِّي لَسْتُ بِحَرِيصٍ عَلى قَتْلِكَ، فالإثْمُ الَّذِي كانَ يَلْحَقُنِي لَوْ كُنْتُ حَرِيصًا عَلى قَتْلِكَ أُرِيدُ أنْ تَحْمِلَهُ أنْتَ مَعَ إثْمِكَ في قَتْلِي.

قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ (فَإنْ قُلْتَ): كَيْفَ يَحْتَمِلُ إثْمَ قَتْلِهِ لَهُ ﴿ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ [الأنعام: ١٦٤] ؟ (قُلْتُ): المُرادُ بِمِثْلِ إثْمِي عَلى الِاتِّساعِ في الكَلامِ كَما تَقُولُ: قَرَأْتُ قِراءَةَ فُلانٍ، وكَتَبْتُ كِتابَتَهُ، تُرِيدُ المِثْلَ وهو اتِّساعٌ فاشٍ مُسْتَفِيضٌ لا يَكادُ يُسْتَعْمَلُ غَيْرُهُ. (فَإنْ قُلْتَ): فَحِينَ كَفَّ هابِيلُ عَنْ قَتْلِ أخِيهِ واسْتَسْلَمَ وتَحَرَّجَ عَمّا كانَ مَحْظُورًا في شَرِيعَتِهِ مِنَ الدَّفْعِ، فَأيْنَ الإثْمُ حَتّى يَتَحَمَّلَ أخُوهُ مِثْلَهُ، فَيَجْتَمِعُ عَلَيْهِ الإثْمانِ ؟ (قُلْتُ): هو مُقَدَّرٌ؛ فَهو يَتَحَمَّلُ مِثْلَ الإثْمِ المُقَدَّرِ، كَأنَّهُ قالَ: إنِّي أُرِيدُ أنْ تَبُوءَ بِمِثْلِ إثْمِي لَوْ بَسَطْتُ إلَيْكَ يَدِي. انْتَهى. وقِيلَ: بِإثْمِي، الَّذِي يَخْتَصُّ بِي فِيما فَرَطَ لِي؛ أيْ: يُؤْخَذُ مِن سَيِّئاتِي فَتُطْرَحُ عَلَيْكَ بِسَبَبِ ظُلْمِكَ لِي، وتَبُوءُ بِإثْمِكَ في قَتْلِي. ويُعَضِّدُ هَذا قَوْلُ النَّبِيِّ، ﷺ: «يُؤْتى بِالظّالِمِ والمَظْلُومِ يَوْمَ القِيامَةِ فَيُؤْخَذُ مِن حَسَناتِ الظّالِمِ فَيُزادُ في حَسَناتِ المَظْلُومِ حَتّى يَنْتَصِفَ، فَإنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَسَناتٌ أُخِذَ مِن سَيِّئاتِ المَظْلُومِ فَتُطْرَحُ عَلَيْهِ» وتَلَخَّصَ مِن قَوْلِهِ ﴿بِإثْمِي وإثْمِكَ﴾ وجْهانِ؛ أحَدُهُما: بِإثْمِي اللّاحِقِ لِي؛ أيْ: بِمِثْلِ إثْمِي اللّاحِقِ …

Al-Maaida 5:30Listen in Qur'an →

Commentary: Al-Bahr al-Muhit by Abu Hayyan al-Gharnati. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.