قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أهْلَ الكِتابِ قَدْ جاءَكم رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكم كَثِيرًا مِمّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الكِتابِ﴾ [ الآيَةَ [المائدة: ١٥]، لَمْ يُبَيِّنْ هُنا شَيْئًا مِن ذَلِكَ الكَثِيرِ الَّذِي يُبَيِّنُهُ لَهُمُ الرَّسُولُ ﷺ مِمّا كانُوا يُخْفُونَ مِنَ الكِتابِ، يَعْنِي التَّوْراةَ والإنْجِيلَ، وبَيَّنَ كَثِيرًا مِنهُ في مَواضِعَ أُخَرَ.
فَمِمّا كانُوا يُخْفُونَ مِن أحْكامِ التَّوْراةِ رَجْمُ الزّانِي المُحْصَنِ، وبَيَّنَهُ القُرْآنُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ يُدْعَوْنَ إلى كِتابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهم ثُمَّ يَتَوَلّى فَرِيقٌ مِنهم وهم مُعْرِضُونَ﴾ [آل عمران: ٢٣] .
يَعْنِي يُدْعَوْنَ إلى التَّوْراةِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهم في حَدِّ الزّانِي المُحْصَنِ بِالرَّجْمِ، وهم مُعْرِضُونَ عَنْ ذَلِكَ مُنْكِرُونَ لَهُ، ومِن ذَلِكَ، ما أخْفَوْهُ مِن صِفاتِ الرَّسُولِ ﷺ في كِتابِهِمْ، وإنْكارِهِمْ أنَّهم يَعْرِفُونَ أنَّهُ هو الرَّسُولُ، كَما بَيَّنَهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿وَكانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمّا جاءَهم ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلى الكافِرِينَ﴾ [البقرة: ٨٩] .
وَمِن ذَلِكَ إنْكارُهم أنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَيْهِمْ بَعْضَ الطَّيِّباتِ بِسَبَبِ ظُلْمِهِمْ ومَعاصِيهِمْ، كَما قالَ تَعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ [النساء: ٦٠]، وقَوْلِهِ: ﴿وَعَلى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ ومِنَ البَقَرِ والغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما إلّا ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما أوِ الحَوايا أوْ ما اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْناهم بِبَغْيِهِمْ وإنّا لَصادِقُونَ﴾ [الأنعام: ١٤٦] .
فَإنَّهم أنْكَرُوا هَذا، وقالُوا لَمْ يُحَرَّمْ عَلَيْنا إلّا ما كانَ مُحَرَّمًا عَلى إسْرائِيلَ، فَكَذَّبَهُمُ القُرْآنُ في ذَلِكَ، في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلًّا لِبَنِي إسْرائِيلَ إلّا ما حَرَّمَ إسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ مِن قَبْلِ أنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فاتْلُوها إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [آل عمران: ٩٣] .
وَمِن ذَلِكَ كَتْمُ النَّصارى بِشارَةَ عِيسى ابْنِ مَرْيَمَ لَهم بِمُحَمَّدٍ ﷺ، وقَدْ بَيَّنَها تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿وَإذْ قالَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ يابَنِي إسْرائِيلَ إنِّي رَسُولُ اللَّهِ إلَيْكم مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ ومُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أحْمَدُ﴾ [الصف: ٦]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ المُبَيِّنَةِ لِما أخْفَوْهُ مِن كُتُبِهِمْ.