Muslim99Muslim99
← Tafsir library

5. Al-Maaida

The Table · Medinan · 120 ayahs

سُورَةُ المَائـِدَةِ

Reading Al-Bahr al-Muhit by Abu Hayyan al-Gharnati

Ayahs 11–20 of 120

11

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱذْكُرُوا۟ نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَن يَبْسُطُوٓا۟ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ ۖ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ۚ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ

O you who have believed, remember the favor of Allah upon you when a people determined to extend their hands [in aggression] against you, but He withheld their hands from you; and fear Allah. And upon Allah let the believers rely.

﴿يَـأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ الِلَّهِ عَلَيْكم إذْ هَمَّ قَوْمٌ أنْ يَبْسُطُوا إلَيْكم أيْدِيَهم فَكَفَّ أيْدِيَهم عَنْكم واتَّقُوا الَلَّهَ وعَلى الِلَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ رَوى أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّها نَزَلَتْ مِن أجْلِ كُفّارِ قُرَيْشٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهم في قَوْلِهِ: ﴿ولا يَجْرِمَنَّكم شَنَآنُ قَوْمٍ﴾ [المائدة: ٨]، وبِهِ قالَ مُقاتِلٌ. وقالَ الحَسَنُ: بَعَثَتْ قُرَيْشٌ رَجُلًا لِيَقْتُلَ الرَّسُولَ، ﷺ، فَأطْلَعَهُ اللَّهُ عَلى ذَلِكَ. وقالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ: إنَّهُ، عَلَيْهِ السَّلامُ، ذَهَبَ إلى يَهُودِ بَنِي النَّضِيرِ يَسْتَعِينُهم في دِيَةٍ فَهَمُّوا بِقَتْلِهِ. وقالَ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: أتى بَنِي قُرَيْظَةَ ومَعَهُ أبُو بَكْرٍ وعُمَرُ وعَلِيٌّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم، يَسْتَقْرِضُهم دِيَةَ مُسْلِمَيْنِ قَتَلَهُما عَمْرُو بْنُ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيُّ خَطَأً حَسِبَهُما مُشْرِكَيْنِ، فَقالُوا: نَعَمْ يا أبا القاسِمِ اجْلِسْ حَتّى نُطْعِمَكَ ونُقْرِضَكَ، فَأجْلَسُوهُ في صُفَّةٍ وهَمُّوا بِالقَتْلِ بِهِ، وعَمَدَ عَمْرُو بْنُ جَحّاشٍ إلى رَحًى عَظِيمَةٍ يَطْرَحُها عَلَيْهِ، فَأمْسَكَ اللَّهُ يَدَهُ، ونَزَلَ جِبْرِيلُ، عَلَيْهِ السَّلامُ، فَأخْبَرَهُ فَخَرَجَ. وقِيلَ: نَزَلَ مَنزِلًا في غَزْوَةِ ذاتِ الرِّقاعِ بَنِي مُحارِبِ بْنِ خَفْصَةَ بْنِ قَيْسِ بْنِ غَيْلانَ، وتَفَرَّقَ النّاسُ في العِضاهِ يَسْتَظِلُّونَ بِها، فَعَلَّقَ الرَّسُولُ سِلاحَهُ بِشَجَرَةٍ، فَجاءَ أعْرابِيٌّ فَسَلَّ سَيْفَ الرَّسُولِ، ﷺ، واسْمُهُ غَوْرَثٌ، وقِيلَ: دَعْثُورُ بْنُ الحارِثِ، ثُمَّ أقْبَلَ عَلَيْهِ فَقالَ: مَن يَمْنَعُكَ مِنِّي ؟ قالَ: اللَّهُ؛ قالَها ثَلاثًا، وقالَ: أتَخافُنِي ؟ قالَ: لا، فَشامَ السَّيْفَ وحُبِسَ. وفي البُخارِيِّ: أنَّ النَّبِيَّ، ﷺ، دَعا النّاسَ فاجْتَمَعُوا وهو جالِسٌ عِنْدَ النَّبِيِّ، ﷺ، لَمْ يُعاقِبْهُ. قِيلَ: أسْلَمَ. وقِيلَ: ضَرَبَ بِرَأْسِهِ ساقَ الشَّجَرَةِ حَتّى ماتَ. ورُوِيَ أنَّ المُشْرِكِينَ رَأوُا المُسْلِمِينَ قامُوا إلى صَلاةِ الظُّهْرِ يُصَلُّونَ مَعًا بِعُسْفانَ في غَزْوَةِ ذِي أنْمارٍ، فَلَمّا صَلَّوْا نَدِمُوا أنْ لا كانُوا أكَبُّوا عَلَيْهِمْ فَقالُوا: إنَّ لَهم صَلاةً بَعْدَها هي أحَبُّ إلَيْهِمْ مِن آبائِهِمْ وأبْنائِهِمْ، وهي صَلاةُ العَصْرِ، وهَمُّوا أنْ يُوقِعُوا بِهِمْ إذا قامُوا إلَيْها، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ، عَلَيْهِ السَّلامُ، بِصَلاةِ الخَوْفِ. وقَدْ طَوَّلُوا بِذِكْرِ أسْبابٍ أُخَرَ. ومُلَخَّصُ ما ذَكَرُوهُ أنَّ قُرَيْشًا، أوْ بَنِي النَّضِيرِ، أوْ قُرَيْظَةَ، أوْ غَوْرَثًا، هَمُّوا بِالقَتْلِ بِالرَّسُولِ، أوِ المُشْرِكِينَ هَمُّوا بِالقَتْلِ بِالمُسْلِمِينَ، أوْ نَزَلَتْ في مَعْنى ﴿اليَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن دِينِكُمْ﴾ [المائدة: ٣]، قالَهُ الزَّجّاجُ، أوْ عَقِيبَ الخَنْدَقِ حِينَ هَزَمَ اللَّهُ الأحْزابَ وكَفى الَلَّهُ المُؤْمِنِينَ القِتالَ. والَّذِي تَقْتَضِيهِ الآيَةُ أنَّ اللَّهَ تَعالى ذَكَّرَ المُؤْمِنِينَ بِنِعَمِهِ إذْ أرادَ قَوْمٌ مِنَ الكُفّارِ لَمْ يُعَيِّنْهُمُ اللَّهُ بَلْ أبْهَمَهم أنْ يَنالُوا المُسْلِمِينَ بِشَرٍّ، فَمَنَعَهُمُ اللَّهُ، ثُمَّ أمَرَهم بِالتَّقْوى والتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ. ويُقالُ: بَسَطَ إلَيْهِ لِسانَهُ؛ أيْ: شَتَمَهُ، وبَسَطَ إلَيْهِ يَدَهُ: مَدَّها لِيَبْطِشَ بِهِ. وقالَ تَعالى: ﴿ويَبْسُطُوا إلَيْكم أيْدِيَهم وألْسِنَتَهم بِالسُّوءِ﴾ [الممتحنة: ٢] ويُقالُ: فُلانٌ بَسِيطُ الباعِ ومَدَّ يَدَ الباعِ بِمَعْنًى، وكَفُّ الأيْدِيَ مَنعُها وحَبْسُها. وجاءَ الأمْرُ بِالتَّقْوى أمْرَ مُواجَهَةٍ مُناسِبًا لِقَوْلِهِ …

Al-Maaida 5:11Listen in Qur'an →
12

۞ وَلَقَدْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَٰقَ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ ٱثْنَىْ عَشَرَ نَقِيبًۭا ۖ وَقَالَ ٱللَّهُ إِنِّى مَعَكُمْ ۖ لَئِنْ أَقَمْتُمُ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَيْتُمُ ٱلزَّكَوٰةَ وَءَامَنتُم بِرُسُلِى وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ ٱللَّهَ قَرْضًا حَسَنًۭا لَّأُكَفِّرَنَّ عَنكُمْ سَيِّـَٔاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّٰتٍۢ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَٰرُ ۚ فَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ

And Allah had already taken a covenant from the Children of Israel, and We delegated from among them twelve leaders. And Allah said, "I am with you. If you establish prayer and give zakah and believe in My messengers and support them and loan Allah a goodly loan, I will surely remove from you your misdeeds and admit you to gardens beneath which rivers flow. But whoever of you disbelieves after that has certainly strayed from the soundness of the way."

﴿ولَقَدْ أخَذَ الَلَّهُ مِيثاقَ بَنِي إسْرائِيلَ وبَعَثْنا مِنهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وقالَ الَلَّهُ إنِّي مَعَكم لَئِنْ أقَمْتُمُ الصَّلاةَ وآتَيْتُمُ الزَّكاةَ وآمَنتُمْ بِرُسُلِي وعَزَّرْتُمُوهم وأقْرَضْتُمُ الَلَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكم سَيِّئاتِكم ولَأُدْخِلَنَّكم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الَأنْهارُ فَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنكم فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ﴾ ﴿فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهم لَعَنّاهم وجَعَلْنا قُلُوبَهم قاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ ونَسُوا حَظًّا مِمّا ذُكِّرُوا بِهِ ولا تَزالُ تَطَّلِعُ عَلى خائِنَةٍ مِنهم إلّا قَلِيلًا مِنهم فاعْفُ عَنْهم واصْفَحْ إنَّ الَلَّهَ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ﴾ [المائدة: ١٣] ﴿ومِنَ الَّذِينَ قالُوا إنّا نَصارى أخَذْنا مِيثاقَهم فَنَسُوا حَظًّا مِمّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأغْرَيْنا بَيْنَهُمُ العَداوَةَ والبَغْضاءَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ وسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ الَلَّهُ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [المائدة: ١٤] ﴿ياأهْلَ الكِتابِ قَدْ جاءَكم رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكم كَثِيرًا مِمّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الكِتابِ ويَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جاءَكم مِنَ اللَّهِ نُورٌ وكِتابٌ مُبِينٌ﴾ [المائدة: ١٥] ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ ويُخْرِجُهم مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ بِإذْنِهِ ويَهْدِيهِمْ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [المائدة: ١٦] ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ هو المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إنْ أرادَ أنْ يُهْلِكَ المَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وأُمَّهُ ومَن في الأرْضِ جَمِيعًا ولِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما يخْلُقُ ما يَشاءُ واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [المائدة: ١٧] ﴿وقالَتِ اليَهُودُ والنَّصارى نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكم بِذُنُوبِكم بَلْ أنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ ويُعَذِّبُ مَن يَشاءُ ولِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما وإلَيْهِ المَصِيرُ﴾ [المائدة: ١٨] ﴿يا أهْلَ الكِتابِ قَدْ جاءَكم رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكم عَلى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أنْ تَقُولُوا ما جاءَنا مِن بَشِيرٍ ولا نَذِيرٍ فَقَدْ جاءَكم بَشِيرٌ ونَذِيرٌ والَلَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [المائدة: ١٩] ﴿وإذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ ياقَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ الِلَّهِ عَلَيْكم إذْ جَعَلَ فِيكم أنْبِياءَ وجَعَلَكم مُلُوكًا وآتاكم ما لَمْ يُؤْتِ أحَدًا مِنَ العالَمِينَ﴾ [المائدة: ٢٠] ﴿ياقَوْمِ ادْخُلُوا الأرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكم ولا تَرْتَدُّوا عَلى أدْبارِكم فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ﴾ [المائدة: ٢١] ﴿قالُوا يا مُوسى إنَّ فِيها قَوْمًا جَبّارِينَ وإنّا لَنْ نَدْخُلَها حَتّى يَخْرُجُوا مِنها فَإنْ يَخْرُجُوا مِنها فَإنّا داخِلُونَ﴾ [المائدة: ٢٢] ﴿قالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ أنْعَمَ الَلَّهُ عَلَيْهِما ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ البابَ فَإذا دَخَلْتُمُوهُ فَإنَّكم غالِبُونَ وعَلى الِلَّهِ فَتَوَكَّلُوا إنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٢٣] ﴿قالُوا يامُوسى إنّا لَنْ نَدْخُلَها أبَدًا ما دامُوا فِيها فاذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ فَقاتِلا إنّا هاهُنا قاعِدُونَ﴾ [المائدة: ٢٤] ﴿قالَ رَبِّ إنِّي لا أمْلِكُ إلّا نَفْسِي وأخِي فافْرُقْ بَيْنَنا وبَيْنَ القَوْمِ الفاسِقِينَ﴾ [المائدة: ٢٥] ﴿قالَ فَإنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ في الأرْضِ فَلا تَأْسَ عَلى القَوْمِ الفاسِقِينَ﴾ [المائدة: ٢٦] .

نَقَّبَ في الجَبَلِ والحائِطِ فَتَحَ فِيهِ ما كانَ مُنْسَدًّا، والتَّنْقِيبُ التَّفْتِيشُ، ومِنهُ …

Al-Maaida 5:12Listen in Qur'an →
13

فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَٰقَهُمْ لَعَنَّٰهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَٰسِيَةًۭ ۖ يُحَرِّفُونَ ٱلْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِۦ ۙ وَنَسُوا۟ حَظًّۭا مِّمَّا ذُكِّرُوا۟ بِهِۦ ۚ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَىٰ خَآئِنَةٍۢ مِّنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًۭا مِّنْهُمْ ۖ فَٱعْفُ عَنْهُمْ وَٱصْفَحْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ

So for their breaking of the covenant We cursed them and made their hearts hard. They distort words from their [proper] usages and have forgotten a portion of that of which they were reminded. And you will still observe deceit among them, except a few of them. But pardon them and overlook [their misdeeds]. Indeed, Allah loves the doers of good.

﴿فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ﴾ [النساء: ١٣] تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مِثْلِ هَذِهِ الجُمْلَةِ.

(لَعَنّاهم) أيْ: طَرَدْناهم وأبْعَدْناهم مِنَ الرَّحْمَةِ، قالَهُ عَطاءٌ والزَّجّاجُ. أوْ عَذَّبْناهم بِالمَسْخِ قِرَدَةً وخَنازِيرَ كَما قالَ: ﴿أوْ نَلْعَنَهم كَما لَعَنّا أصْحابَ السَّبْتِ﴾ [النساء: ٤٧] أيْ: نَمْسَخَهم كَما مَسَخْناهم قالَهُ الحَسَنُ، ومُقاتِلٌ. أوْ عَذَّبْناهم بِأخْذِ الجِزْيَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وقالَ قَتادَةُ: نَقَضُوا المِيثاقَ بِتَكْذِيبِ الرُّسُلِ الَّذِينَ جاءُوا بَعْدَ مُوسى، وقَتْلِهِمُ الأنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ، وتَضْيِيعِ الفَرائِضِ.

﴿وجَعَلْنا قُلُوبَهم قاسِيَةً﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: جافِيَةً جافَّةً. وقِيلَ: غَلِيظَةً لا تَلِينُ. وقِيلَ: مُنْكِرَةً لا تَقْبَلُ الوَعْظَ، وكُلُّ هَذا مُتَقارِبٌ. وقَسْوَةُ القَلْبِ: غِلَظُهُ وصَلابَتُهُ، حَتّى لا يَنْفَعِلَ لِخَيْرٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ مِنَ السَّبْعَةِ: قاسِيَةً، اسْمُ فاعِلٍ مِن قَسا يَقْسُو. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: قَسِيَّةً، بِغَيْرِ ألِفٍ وبِتَشْدِيدِ الياءِ، وهي فَعِيلٌ لِلْمُبالَغَةِ كَشاهِدٍ وشَهِيدٍ. وقالَ قَوْمٌ: هَذِهِ القِراءَةُ لَيْسَتْ مِن مَعْنى القَسْوَةِ، وإنَّما هي كالقَسِيَّةِ مِنَ الدَّراهِمِ، وهي الَّتِي خالَطَها غِشٌّ وتَدْلِيسٌ، وكَذَلِكَ القُلُوبُ لَمْ يَصْفُ الإيمانُ بَلْ خالَطَها الكُفْرُ والفَسادُ. قالَ أبُو زُبَيْدٍ الطّائِيُّ:

لَهم صَواهِلُ في صُمِّ السِّلاحِ كَما صاحَ القَسِيّاتُ في أيْدِي الصَّيارِيفِ

وقالَ آخَرُ:

؎فَما زادُونِي غَيْرَ سَحْقِ عِمامَةٍ وخَمْسَ مِيءٍ فِيها قَسِيٌّ وزائِفُ

قالَ الفارِسِيُّ: هَذِهِ اللَّفْظَةُ مُعَرَّبَةٌ ولَيْسَتْ بِأصْلٍ في كَلامِ العَرَبِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ (قَسِيَّةً) أيْ: رَدِيئَةً مَغْشُوشَةً، مِن قَوْلِهِمْ: دِرْهَمٌ قَسِيٌّ، وهو مِنَ القَسْوَةِ، لِأنَّ الذَّهَبَ والفِضَّةَ الخالِصَتَيْنِ فِيهِما لِينٌ، والمَغْشُوشُ فِيهِ يُبْسٌ وصَلابَةٌ. والقاسِي والقاسِحُ، بِالحاءِ، أخَوانِ في الدَّلالَةِ عَلى اليُبْسِ والصَّلابَةِ. انْتَهى. وقالَ المُبَرِّدُ: سُمِّيَ الدِّرْهَمُ الزّائِفُ قَسِيًّا لِشِدَّتِهِ بِالغِشِّ الَّذِي فِيهِ، وهو يَرْجِعُ إلى المَعْنى الأوَّلِ، والقاسِي والقاسِحُ بِمَعْنًى واحِدٍ. انْتَهى. وقَوْلُ المُبَرِّدِ: مُخالِفٌ لِقَوْلِ الفارِسِيِّ، لِأنَّ المَعْهُودَ جَعْلُهُ عَرَبِيًّا مِنَ القَسْوَةِ، والفارِسِيُّ جَعَلَهُ مُعَرَّبًا دَخِيلًا في كَلامِ العَرَبِ ولَيْسَ مِن ألْفاظِها.

وقَرَأ الهَيْصَمُ بْنُ شَدّاخٍ: (قُسِيَّةً)، بِضَمِّ القافِ وتَشْدِيدِ الياءِ، كَحُنِيٍّ. وقُرِئَ بِكَسْرِ القافِ إتْباعًا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: خَذَلْناهم ومَنَعْناهُمُ الألْطافَ حَتّى قَسَتْ قُلُوبُهم، أوْ أمْلَيْنا لَهم ولَمْ نُعاجِلْهم بِالعُقُوبَةِ حَتّى قَسَتْ. انْتَهى. وهو عَلى مَذْهَبِهِ الِاعْتِزالِيِّ. وأمّا أهْلُ السُّنَّةِ فَيَقُولُونَ: إنَّ اللَّهَ خَلَقَ القَسْوَةَ في قُلُوبِهِمْ.

﴿يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ﴾ أيْ: يُغَيِّرُونَ ما شَقَّ عَلَيْهِمْ مِن أحْكامِها، كَآيَةِ الرَّجْمِ بَدَّلُوها لِرُؤَسائِهِمْ بِالتَّحْمِيمِ وهو تَسْوِيدُ الوَجْهِ بِالفَحْمِ، قالَ مَعْناهُ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ، وقالُوا: التَّحْرِيفُ بِالتَّأْوِيلِ لا بِتَغْيِيرِ الألْفاظِ، ولا قُدْرَةَ لَهم عَلى تَغْيِيرِها ولا يُمْكِنُ. ألا تَراهم وضَعُوا أيْدِيَهم عَلى آيَةِ الرَّجْمِ ؟ وقالَ مُقاتِلٌ: تَحْرِيفُهُمُ الكَلِمَ هو تَغْيِيرُهم صِفَةَ الرَّسُولِ أزالُوها وكَتَبُوا مَكانَها صِفَةً أُخْرى فَغَيَّرُوا المَعْنى والألْفاظَ، والصَّحِيحُ أنَّ تَحْرِيفَ …

Al-Maaida 5:13Listen in Qur'an →
14

وَمِنَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓا۟ إِنَّا نَصَٰرَىٰٓ أَخَذْنَا مِيثَٰقَهُمْ فَنَسُوا۟ حَظًّۭا مِّمَّا ذُكِّرُوا۟ بِهِۦ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ ٱلْعَدَاوَةَ وَٱلْبَغْضَآءَ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَٰمَةِ ۚ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ ٱللَّهُ بِمَا كَانُوا۟ يَصْنَعُونَ

And from those who say, "We are Christians" We took their covenant; but they forgot a portion of that of which they were reminded. So We caused among them animosity and hatred until the Day of Resurrection. And Allah is going to inform them about what they used to do.

﴿ومِنَ الَّذِينَ قالُوا إنّا نَصارى أخَذْنا مِيثاقَهُمْ﴾ . الظّاهِرُ أنَّ (مِن) تَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ: أخَذْنا، وأنَّ الضَّمِيرَ في مِيثاقَهم عائِدٌ عَلى المَوْصُولِ، وأنَّ الجُمْلَةَ مَعْطُوفَةٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ [المائدة: ١٢] والمَعْنى: أنَّهُ تَعالى أخَذَ مِنَ النَّصارى مِيثاقَ أنْفُسِهِمْ وهو الإيمانُ بِاللَّهِ والرُّسُلِ وبِأفْعالِ الخَيْرِ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ في مِيثاقَهم عائِدٌ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ، ويَكُونُ مَصْدَرًا شَبِيهًا؛ أيْ: وأخَذْنا مِنَ النَّصارى مِيثاقًا مِثْلَ مِيثاقِ بَنِي إسْرائِيلَ. وقِيلَ: ومِنَ الَّذِينَ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: (مِنهم) مِن قَوْلِهِ: ﴿ولا تَزالُ تَطَّلِعُ عَلى خائِنَةٍ مِنهُمْ﴾ [المائدة: ١٣]؛ أيْ: مِنَ اليَهُودِ، ومِنَ الَّذِينَ قالُوا إنّا نَصارى. ويَكُونُ قَوْلُهُ: أخَذْنا مِيثاقَهم مُسْتَأْنَفًا، وهَذا فِيهِ بُعْدٌ لِلْفَصْلِ، ولِتَهْيِئَةِ العامِلِ لِلْعَمَلِ في شَيْءٍ وقَطْعِهِ عَنْهُ دُونَ ضَرُورَةٍ. وقالَ قَتادَةُ: أُخِذَ عَلى النَّصارى المِيثاقُ كَما أُخِذَ عَلى أهْلِ التَّوْراةِ أنْ يُؤْمِنُوا بِمُحَمَّدٍ، ﷺ، فَتَرَكُوا ما أُمِرُوا بِهِ. وقالَ غَيْرُهُ: أُخِذَ المِيثاقُ عَلَيْهِمْ بِالعَمَلِ بِالتَّوْراةِ، وبِكُتُبِ اللَّهِ المُنَزَّلَةِ وأنْبِيائِهِ ورُسُلِهِ. وفي قَوْلِهِ: ﴿قالُوا إنّا نَصارى﴾، تَوْبِيخٌ لَهم وزَجْرٌ عَمّا ادَّعَوْهُ مِن أنَّهم ناصِرُو دِينِ اللَّهِ وأنْبِيائِهِ، إذْ جَعَلَ ذَلِكَ مِنهم مُجَرَّدَ دَعْوى لا حَقِيقَةً. وحَيْثُ جاءَ النَّصارى مِن غَيْرِ نِسْبَةٍ إلى أنَّهم قالُوا عَنْ أنْفُسِهِمْ ذَلِكَ، فَإنَّما هو مِن بابِ العَلَمِ لَمْ يُلْحَظْ فِيهِ المَعْنى الأوَّلُ الَّذِي قَصَدُوهُ مِنَ النَّصْرِ، كَما صارَ اليَهُودُ عَلَمًا لَمْ يُلْحَظْ فِيهِ مَعْنى قَوْلِهِ: هُدْنا إلَيْكَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): فَهَلّا قِيلَ: ومَنِ النَّصارى (قُلْتُ): لِأنَّهم إنَّما سَمَّوْا بِذَلِكَ أنْفُسَهُمُ ادِّعاءً لِنُصْرَةِ اللَّهِ، وهُمُ الَّذِينَ قالُوا لِعِيسى: نَحْنُ أنْصارُ اللَّهِ ثُمَّ اخْتَلَفُوا بَعْدُ إلى نَسْطُورِيَّةَ ويَعْقُوبِيَّةَ ومَلْكانِيَّةَ. انْتَهى. وقَدْ تَقَدَّمَ في أوائِلِ البَقَرَةِ أنَّهُ قِيلَ: سُمُّوا نَصارى لِأنَّهم مِن قَرْيَةٍ بِالشّامِ تُسَمّى ناصِرَةً، وقَوْلُهُ: وهُمُ الَّذِينَ قالُوا لِعِيسى نَحْنُ أنْصارُ اللَّهِ، القائِلُ لِذَلِكَ هُمُ الحَوارِيُّونَ، وهم عِنْدَ الزَّمَخْشَرِيِّ كُفّارٌ؛ قَدْ أوْضَحَ ذَلِكَ عَلى زَعْمِهِ في آخِرِ هَذِهِ السُّورَةِ، وعِنْدَ غَيْرِهِ هم مُؤْمِنُونَ، ولَمْ يَخْتَلِفُوا هم، إنَّما اخْتَلَفَ مَن جاءَ بَعْدَهم مِمَّنْ يَدَّعِي تَبَعِيَّتَهم.

﴿فَنَسُوا حَظًّا مِمّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ قالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: في مَكْتُوبِ الإنْجِيلِ أنْ يُؤْمِنُوا بِمُحَمَّدٍ، ﷺ . والحَظُّ هو الإيمانُ بِهِ، وتَنْكِيرُ الحَظِّ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ بِهِ حَظٌّ واحِدٌ وهو الإيمانُ بِالرَّسُولِ، وخُصَّ هَذا الواحِدُ بِالذِّكْرِ مَعَ أنَّهم تَرَكُوا أكْثَرَ ما أمَرَهُمُ اللَّهُ بِهِ، لِأنَّ هَذا هو المُعَظَّمُ والمُهِمُّ.

﴿فَأغْرَيْنا بَيْنَهُمُ العَداوَةَ والبَغْضاءَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾ الضَّمِيرُ في بَيْنَهم يُعُودُ عَلى النَّصارى، قالَهُ الرَّبِيعُ. وقالَ الزَّجّاجُ: النَّصارى مِنهم والنَّسْطُورِيَّةُ واليَعْقُوبِيَّةُ والمَلْكانِيَّةُ؛ كُلُّ فِرْقَةٍ مِنهم تُعادِي الأُخْرى. وقِيلَ: الضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى اليَهُودِ والنَّصارى؛ أيْ: بَيْنَ اليَهُودِ والنَّصارى، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والسُّدِّيُّ؛ فَإنَّهم أعْداءٌ يَلْعَنُ بَعْضُهم بَعْضًا ويُكَفِّرُ بَعْضُهم …

Al-Maaida 5:14Listen in Qur'an →
15

يَٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَٰبِ قَدْ جَآءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًۭا مِّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ ٱلْكِتَٰبِ وَيَعْفُوا۟ عَن كَثِيرٍۢ ۚ قَدْ جَآءَكُم مِّنَ ٱللَّهِ نُورٌۭ وَكِتَٰبٌۭ مُّبِينٌۭ

O People of the Scripture, there has come to you Our Messenger making clear to you much of what you used to conceal of the Scripture and overlooking much. There has come to you from Allah a light and a clear Book.

﴿ياأهْلَ الكِتابِ قَدْ جاءَكم رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكم كَثِيرًا مِمّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الكِتابِ ويَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ قالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ: أوَّلُ ما نَزَلْ مِن هَذِهِ السُّورَةِ هاتانِ الآيَتانِ في شَأْنِ اليَهُودِ والنَّصارى، ثُمَّ نَزَلَ سائِرُ السُّورَةِ بِعَرَفَةَ في حَجَّةِ الوَداعِ. وأهْلُ الكِتابِ يَعُمُّ اليَهُودَ والنَّصارى. فَقِيلَ: الخِطابُ لِلْيَهُودِ خاصَّةً، ويُؤَيِّدُهُ ما رَوى خالِدٌ الحَذّاءُ «عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: أتى اليَهُودُ الرَّسُولَ، ﷺ، يَسْألُونَهُ عَنِ الرَّجْمِ، فاجْتَمَعُوا في بَيْتٍ فَقالَ: ”أيُّكم أعْلَمُ ؟“ فَأشارُوا إلى ابْنِ صُورِيّا فَقالَ: ”أنْتَ أعْلَمُهم“ قالَ: سَلْ عَمّا شِئْتَ، قالَ: ”أنْتَ أعْلَمُهم ؟“ قالَ إنَّهم يَقُولُونَ ذَلِكَ، قالَ: " فَناشَدْتُكَ اللَّهَ الَّذِي أنْزَلَ التَّوْراةَ عَلى مُوسى، والَّذِي رَفَعَ الطُّورَ؛ فَناشَدَهُ بِالمَواثِيقِ الَّتِي أُخِذَتْ عَلَيْهِمْ حَتّى أخَذَهُ أفْكَلٌ، فَقالَ: إنَّ نِساءَنا نِساءٌ حِسانٌ فَكَثُرَ فِينا القَتْلُ، فاخْتَصَرْنا فَجَلَدْنا مِائَةً مِائَةً، وحَلَقْنا الرُّءُوسَ، وخالَفْنا بَيْنَ الرُّءُوسِ عَلى الدّابِراتِ - أحْسَبُهُ قالَ: الإبِلِ - قالَ: فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿ياأهْلَ الكِتابِ قَدْ جاءَكم رَسُولُنا﴾» . وقِيلَ: الخِطابُ لِلْيَهُودِ والنَّصارى الَّذِينَ يُخْفُونَ صِفَةَ رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ، والرَّجْمَ ونَحْوَهُ. وأكْثَرُ نَوازِلِ الإخْفاءِ إنَّما نَزَلَتْ لِلْيَهُودِ، لِأنَّهم كانُوا مُجاوِرِي الرَّسُولِ في مُهاجَرِهِ. والمَعْنِيُّ بِقَوْلِهِ: رَسُولُنا مُحَمَّدٌ، ﷺ، وأُضِيفَ إلى اللَّهِ تَعالى إضافَةَ تَشْرِيفٍ. وفي هَذِهِ الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى صِحَّةِ نُبُوَّتِهِ، لِأنَّ إعْلامَهُ بِما يُخْفُونَ مِن كِتابِهِمْ وهو أُمِّيٌّ لا يَقْرَأُ ولا يَكْتُبُ ولا يَصْحَبُ القُرّاءَ، دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ إنَّما يُعَلِّمُهُ اللَّهُ تَعالى. وقَوْلُهُ: مِنَ الكِتابِ يَعْنِي، التَّوْراةَ، ﴿ويَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾؛ أيْ: مِمّا يُخْفُونَ لا يُبَيِّنُهُ إذا لَمْ تَدْعُ إلَيْهِ مَصْلَحَةٌ دِينِيَّةٌ، ولا يَفْضَحُكم بِذَلِكَ إبْقاءً عَلَيْكم. وقالَ الحَسَنُ: ويَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ، هو ما جاءَ بِهِ الرَّسُولُ مِن تَخْفِيفِ ما كانَ شُدِّدَ عَلَيْهِمْ، وتَحْلِيلِ ما كانَ حُرِّمَ عَلَيْهِمْ. وقِيلَ: لا يُؤاخِذُكم بِها، وهَذا المَتْرُوكُ الَّذِي لا يُبَيَّنُ هو في مَعْنى افْتِخارِهِمْ ونَحْوِهِ مِمّا لا يَتَعَيَّنُ في مِلَّةِ الإسْلامِ فَضْحُهم بِهِ وتَكْذِيبُهم، والظّاهِرُ أنَّ فاعِلَ (يُبَيِّنُ ويَعْفُو) عائِدٌ عَلى رَسُولُنا، ويَجُوزُ أنْ يُعُودَ عَلى اللَّهِ تَعالى.

﴿قَدْ جاءَكم مِنَ اللَّهِ نُورٌ وكِتابٌ مُبِينٌ﴾ قِيلَ: هو القُرْآنُ؛ سَمّاهُ نُورًا لِكَشْفِ ظُلُماتِ الشِّرْكِ والشَّكِّ، أوْ لِأنَّهُ ظاهِرُ الإعْجازِ. وقِيلَ: النُّورُ الرَّسُولُ. وقِيلَ: الإسْلامُ. وقِيلَ: النُّورُ مُوسى، والكِتابُ المُبِينُ: التَّوْراةُ. ولَوِ اتَّبَعُوها حَقَّ الِاتِّباعِ لَآمَنُوا بِمُحَمَّدٍ، ﷺ، إذْ هي آمِرَةٌ بِذَلِكَ مُبَشِّرَةٌ بِهِ.

﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ﴾ أيْ: رِضا اللَّهِ، سُبُلُ السَّلامِ طُرُقُ النَّجاةِ، والسَّلامَةُ مِن عَذابِ اللَّهِ. والضَّمِيرُ في (بِهِ) ظاهِرُهُ أنَّهُ يُعُودُ عَلى كِتابِ اللَّهِ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ عائِدًا عَلى الرَّسُولِ. قِيلَ: ويَحْتَمِلُ أنْ يَعُودَ عَلى الإسْلامِ. وقِيلَ: سُبُلُ السَّلامِ، قِيلَ: دِينُ الإسْلامِ. وقالَ الحَسَنُ والسُّدِّيُّ: السَّلامُ: هو اللَّهُ تَعالى، وسُبُلُهُ: دِينُهُ الَّذِي شَرَعَهُ. وقِيلَ: طُرُقُ الجَنَّةِ. وقَرَأ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ، …

Al-Maaida 5:15Listen in Qur'an →
16

يَهْدِى بِهِ ٱللَّهُ مَنِ ٱتَّبَعَ رِضْوَٰنَهُۥ سُبُلَ ٱلسَّلَٰمِ وَيُخْرِجُهُم مِّنَ ٱلظُّلُمَٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ بِإِذْنِهِۦ وَيَهْدِيهِمْ إِلَىٰ صِرَٰطٍۢ مُّسْتَقِيمٍۢ

By which Allah guides those who pursue His pleasure to the ways of peace and brings them out from darknesses into the light, by His permission, and guides them to a straight path.

﴿ياأهْلَ الكِتابِ قَدْ جاءَكم رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكم كَثِيرًا مِمّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الكِتابِ ويَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ قالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ: أوَّلُ ما نَزَلْ مِن هَذِهِ السُّورَةِ هاتانِ الآيَتانِ في شَأْنِ اليَهُودِ والنَّصارى، ثُمَّ نَزَلَ سائِرُ السُّورَةِ بِعَرَفَةَ في حَجَّةِ الوَداعِ. وأهْلُ الكِتابِ يَعُمُّ اليَهُودَ والنَّصارى. فَقِيلَ: الخِطابُ لِلْيَهُودِ خاصَّةً، ويُؤَيِّدُهُ ما رَوى خالِدٌ الحَذّاءُ «عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: أتى اليَهُودُ الرَّسُولَ، ﷺ، يَسْألُونَهُ عَنِ الرَّجْمِ، فاجْتَمَعُوا في بَيْتٍ فَقالَ: ”أيُّكم أعْلَمُ ؟“ فَأشارُوا إلى ابْنِ صُورِيّا فَقالَ: ”أنْتَ أعْلَمُهم“ قالَ: سَلْ عَمّا شِئْتَ، قالَ: ”أنْتَ أعْلَمُهم ؟“ قالَ إنَّهم يَقُولُونَ ذَلِكَ، قالَ: " فَناشَدْتُكَ اللَّهَ الَّذِي أنْزَلَ التَّوْراةَ عَلى مُوسى، والَّذِي رَفَعَ الطُّورَ؛ فَناشَدَهُ بِالمَواثِيقِ الَّتِي أُخِذَتْ عَلَيْهِمْ حَتّى أخَذَهُ أفْكَلٌ، فَقالَ: إنَّ نِساءَنا نِساءٌ حِسانٌ فَكَثُرَ فِينا القَتْلُ، فاخْتَصَرْنا فَجَلَدْنا مِائَةً مِائَةً، وحَلَقْنا الرُّءُوسَ، وخالَفْنا بَيْنَ الرُّءُوسِ عَلى الدّابِراتِ - أحْسَبُهُ قالَ: الإبِلِ - قالَ: فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿ياأهْلَ الكِتابِ قَدْ جاءَكم رَسُولُنا﴾» . وقِيلَ: الخِطابُ لِلْيَهُودِ والنَّصارى الَّذِينَ يُخْفُونَ صِفَةَ رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ، والرَّجْمَ ونَحْوَهُ. وأكْثَرُ نَوازِلِ الإخْفاءِ إنَّما نَزَلَتْ لِلْيَهُودِ، لِأنَّهم كانُوا مُجاوِرِي الرَّسُولِ في مُهاجَرِهِ. والمَعْنِيُّ بِقَوْلِهِ: رَسُولُنا مُحَمَّدٌ، ﷺ، وأُضِيفَ إلى اللَّهِ تَعالى إضافَةَ تَشْرِيفٍ. وفي هَذِهِ الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى صِحَّةِ نُبُوَّتِهِ، لِأنَّ إعْلامَهُ بِما يُخْفُونَ مِن كِتابِهِمْ وهو أُمِّيٌّ لا يَقْرَأُ ولا يَكْتُبُ ولا يَصْحَبُ القُرّاءَ، دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ إنَّما يُعَلِّمُهُ اللَّهُ تَعالى. وقَوْلُهُ: مِنَ الكِتابِ يَعْنِي، التَّوْراةَ، ﴿ويَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾؛ أيْ: مِمّا يُخْفُونَ لا يُبَيِّنُهُ إذا لَمْ تَدْعُ إلَيْهِ مَصْلَحَةٌ دِينِيَّةٌ، ولا يَفْضَحُكم بِذَلِكَ إبْقاءً عَلَيْكم. وقالَ الحَسَنُ: ويَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ، هو ما جاءَ بِهِ الرَّسُولُ مِن تَخْفِيفِ ما كانَ شُدِّدَ عَلَيْهِمْ، وتَحْلِيلِ ما كانَ حُرِّمَ عَلَيْهِمْ. وقِيلَ: لا يُؤاخِذُكم بِها، وهَذا المَتْرُوكُ الَّذِي لا يُبَيَّنُ هو في مَعْنى افْتِخارِهِمْ ونَحْوِهِ مِمّا لا يَتَعَيَّنُ في مِلَّةِ الإسْلامِ فَضْحُهم بِهِ وتَكْذِيبُهم، والظّاهِرُ أنَّ فاعِلَ (يُبَيِّنُ ويَعْفُو) عائِدٌ عَلى رَسُولُنا، ويَجُوزُ أنْ يُعُودَ عَلى اللَّهِ تَعالى.

﴿قَدْ جاءَكم مِنَ اللَّهِ نُورٌ وكِتابٌ مُبِينٌ﴾ قِيلَ: هو القُرْآنُ؛ سَمّاهُ نُورًا لِكَشْفِ ظُلُماتِ الشِّرْكِ والشَّكِّ، أوْ لِأنَّهُ ظاهِرُ الإعْجازِ. وقِيلَ: النُّورُ الرَّسُولُ. وقِيلَ: الإسْلامُ. وقِيلَ: النُّورُ مُوسى، والكِتابُ المُبِينُ: التَّوْراةُ. ولَوِ اتَّبَعُوها حَقَّ الِاتِّباعِ لَآمَنُوا بِمُحَمَّدٍ، ﷺ، إذْ هي آمِرَةٌ بِذَلِكَ مُبَشِّرَةٌ بِهِ.

﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ﴾ أيْ: رِضا اللَّهِ، سُبُلُ السَّلامِ طُرُقُ النَّجاةِ، والسَّلامَةُ مِن عَذابِ اللَّهِ. والضَّمِيرُ في (بِهِ) ظاهِرُهُ أنَّهُ يُعُودُ عَلى كِتابِ اللَّهِ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ عائِدًا عَلى الرَّسُولِ. قِيلَ: ويَحْتَمِلُ أنْ يَعُودَ عَلى الإسْلامِ. وقِيلَ: سُبُلُ السَّلامِ، قِيلَ: دِينُ الإسْلامِ. وقالَ الحَسَنُ والسُّدِّيُّ: السَّلامُ: هو اللَّهُ تَعالى، وسُبُلُهُ: دِينُهُ الَّذِي شَرَعَهُ. وقِيلَ: طُرُقُ الجَنَّةِ. وقَرَأ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ، …

Al-Maaida 5:16Listen in Qur'an →
17

لَّقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓا۟ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ مَرْيَمَ ۚ قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ ٱللَّهِ شَيْـًٔا إِنْ أَرَادَ أَن يُهْلِكَ ٱلْمَسِيحَ ٱبْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُۥ وَمَن فِى ٱلْأَرْضِ جَمِيعًۭا ۗ وَلِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ۚ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ ۚ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌۭ

They have certainly disbelieved who say that Allah is Christ, the son of Mary. Say, "Then who could prevent Allah at all if He had intended to destroy Christ, the son of Mary, or his mother or everyone on the earth?" And to Allah belongs the dominion of the heavens and the earth and whatever is between them. He creates what He wills, and Allah is over all things competent.

﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ هو المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ ظاهِرُهُ أنَّهم قالُوا بِأنَّ اللَّهَ هو المَسِيحُ حَقِيقَةً، وحَقِيقَةُ ما حَكاهُ تَعالى عَنْهم يُنافِي أنْ يَكُونَ اللَّهُ هو المَسِيحُ، لِأنَّهم قالُوا ابْنُ مَرْيَمَ، ومَن كانَ ابْنَ امْرَأةٍ مَوْلُودًا مِنها اسْتَحالَ أنْ يَكُونَ هو اللَّهُ تَعالى؛ واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في تَأْوِيلِ هَذِهِ الآيَةِ. فَذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّهم كُلَّهم قائِلُونَ هَذا القَوْلَ وهم عَلى ثَلاثِ فِرَقٍ كَما تَقَدَّمَ، وأنَّهم أجْمَعُوا، وإنِ اخْتَلَفَتْ مَقالاتُهم، عَلى أنَّ مَعْبُودَهم جَوْهَرٌ واحِدٌ أقانِيمُ ثَلاثَةٌ: الأبُ، والِابْنُ، والرُّوحُ؛ أيِ: الحَياةُ ويُسَمُّونَها رُوحَ القُدُسِ. وأنَّ الِابْنَ لَمْ يَزَلْ مَوْلُودًا مِنَ الأبِ، ولَمْ يَزَلِ الأبُ والِدًا لِلِابْنِ، ولَمْ تَزَلِ الرُّوحُ مُنْتَقِلَةً بَيْنَ الأبِ والِابْنِ. وأجْمَعُوا عَلى أنَّ المَسِيحَ لاهُوتٌ وناسُوتٌ؛ أيْ: إلَهٌ وإنْسانٌ. فَإذا قالُوا: المَسِيحُ إلَهٌ واحِدٌ، فَقَدْ قالُوا: اللَّهُ هو المَسِيحُ. وذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّ القائِلِينَ بِهَذا القَوْلِ فِرْقَةٌ غَيْرُ مُعَيَّنَةٍ، يَقُولُونَ: إنَّ الكَلِمَةَ اتَّحَدَتْ بِعِيسى سَواءٌ قُدِّرَتْ ذاتًا أمْ صِفَةً. وذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّ اليَعْقُوبِيَّةَ مِنَ النَّصارى هي القائِلَةُ بِهَذِهِ المَقالَةِ، ذَكَرَهُ البَغَوِيُّ في مَعالِمِ التَّنْزِيلِ.

قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: وكُلُّ طَوائِفِهِمُ الثَّلاثَةُ اليَعْقُوبِيَّةُ، والمَلْكانِيَّةُ، والنَّسْطُورِيَّةُ، يُنْكِرُونَ هَذِهِ المَقالَةَ، والَّذِي يُقِرُّونَ بِهِ أنَّ عِيسى ابْنُ اللَّهِ تَعالى، وأنَّهُ إلَهٌ. وإذا اعْتَقَدُوا فِيهِ أنَّهُ إلَهٌ لَزِمَ مِن ذَلِكَ قَوْلُهم بِأنَّهُ اللَّهُ. انْتَهى. وقَدْ رَأيْتُ مِن نَصارى بِلادِ الأنْدَلُسِ مَن كانَ يَنْتَمِي إلى العِلْمِ فِيهِمْ، وذَكَرَ لِي أنَّ عِيسى نَفْسَهُ هو اللَّهُ تَعالى، ونَصارى الأنْدَلُسِ مَلْكِيَّةٌ. قُلْتُ لَهُ: كَيْفَ تَقُولُ ذَلِكَ، ومِنَ المُتَّفَقِ عَلَيْهِ أنَّ عِيسى كانَ يَأْكُلُ ويَشْرَبُ، فَتَعَجَّبَ مِن قَوْلِي وقالَ: إذا كُنْتَ أنْتَ بَعْضَ مَخْلُوقاتِ اللَّهِ قادِرًا عَلى أنْ تَأْكُلَ وتَشْرَبَ، فَكَيْفَ لا يَكُونُ اللَّهُ قادِرًا عَلى ذَلِكَ ؟ فاسْتَدْلَلْتُ مِن ذَلِكَ عَلى فَرْطِ غَباوَتِهِ وجَهْلِهِ بِصِفاتِ اللَّهِ تَعالى. وذَهَبَ ابْنُ عَبّاسٍ إلى أنَّهم أهْلُ نَجْرانَ، وزَعَمَ طائِفَةٌ مِنهم أنَّهُ إلَهُ الأرْضِ، واللَّهُ إلَهُ السَّماءِ. ومِن بَعْضِ اعْتِقاداتِ النَّصارى اسْتَنْبَطَ مَن تَسَتَّرَ بِالإسْلامِ ظاهِرًا وانْتَمى إلى الصُّوفِيَّةِ حُلُولَ اللَّهِ تَعالى في الصُّوَرِ الجَمِيلَةِ، ومَن ذَهَبَ مِن مَلاحِدَتِهِمْ إلى القَوْلِ بِالِاتِّحادِ والوَحْدَةِ: كالحَلّاجِ، والشَّوْذِيِّ، وابْنِ أحْلى، وابْنِ العَرَبِيِّ المُقِيمِ - كانَ - بِدِمَشْقَ، وابْنِ الفارِضِ. وأتْباعِ هَؤُلاءِ كابْنِ سَبْعِينَ، والتُّسْتَرِيِّ تِلْمِيذِهِ، وابْنِ مُطَرِّفٍ المُقِيمِ بِمُرْسِيَةَ، والصَّفّارِ المَقْتُولِ بِغِرْناطَةَ، وابْنِ اللَّبّاجِ. وأبُو الحَسَنِ المُقِيمُ - كانَ - بِلُورَقَةَ. ومِمَّنْ رَأيْناهُ يُرْمى بِهَذا المَذْهَبِ المَلْعُونِ العَفِيفُ التِّلِمْسانِيُّ ولَهُ في ذَلِكَ أشْعارٌ كَثِيرَةٌ، وابْنُ عَيّاشٍ المالِقِيُّ الأسْوَدُ الأقْطَعُ المُقِيمُ - كانَ - بِدِمَشْقَ، وعَبْدُ الواحِدِ بْنُ المُؤَخَّرِ المُقِيمُ - كانَ - بِصَعِيدِ مِصْرَ، والأيْكِيُّ العَجَمِيُّ الَّذِي كانَ تَوَلّى المَشْيَخَةَ بَخانِقاهِ سَعِيدِ السُّعَداءِ بِالقاهِرَةِ مِن دِيارِ مِصْرَ، وأبُو يَعْقُوبَ بْنُ مُبَشِّرٍ تِلْمِيذُ التُّسْتَرِيِّ المُقِيمُ - …

Al-Maaida 5:17Listen in Qur'an →
18

وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ وَٱلنَّصَٰرَىٰ نَحْنُ أَبْنَٰٓؤُا۟ ٱللَّهِ وَأَحِبَّٰٓؤُهُۥ ۚ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم ۖ بَلْ أَنتُم بَشَرٌۭ مِّمَّنْ خَلَقَ ۚ يَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ ۚ وَلِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ۖ وَإِلَيْهِ ٱلْمَصِيرُ

But the Jews and the Christians say, "We are the children of Allah and His beloved." Say, "Then why does He punish you for your sins?" Rather, you are human beings from among those He has created. He forgives whom He wills, and He punishes whom He wills. And to Allah belongs the dominion of the heavens and the earth and whatever is between them, and to Him is the [final] destination.

﴿وقالَتِ اليَهُودُ والنَّصارى نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ﴾ ظاهِرُ اللَّفْظِ أنَّ جَمِيعَ اليَهُودِ والنَّصارى قالُوا عَنْ جَمِيعِهِمْ ذَلِكَ ولَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ في الكَلامِ لَفٌّ وإيجازٌ؛ والمَعْنى: وقالَتْ كُلُّ فِرْقَةٍ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى عَنْ نَفْسِها، خاصَّةً: نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ، وقالَتِ اليَهُودُ: لَيْسَتِ النَّصارى عَلى شَيْءٍ، وقالَتِ النَّصارى: لَيْسَتِ اليَهُودُ عَلى شَيْءٍ. والبُنُوَّةُ هُنا بُنُوَّةُ الحَنانِ والرَّأْفَةِ. وما ذَكَرُوا مِن أنَّ اللَّهَ أوْحى إلى إسْرائِيلَ أنَّ أوْلادَكَ بِكْرِي فَضَلُّوا بِذَلِكَ، وقالُوا: نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ، لا يَصِحُّ. ولَوْ صَحَّ ما رَوَوْا: كانَ مَعْناهُ بِكْرًا في التَّشْرِيفِ والنُّبُوَّةِ ونَحْوِ ذَلِكَ. وجَعَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ قَوْلَهم: أبْناءُ اللَّهِ، عَلى حَذْفِ مُضافٍ، وأُقِيمَ هَذا مَقامَهُ؛ أيْ: نَحْنُ أشْياعُ ابْنَيِ اللَّهِ عُزَيْرٍ والمَسِيحِ؛ كَما قِيلَ لِأشْياعِ أبِي خُبَيْبٍ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ الخُبَيْبِيُّونَ، وكَما كانَ يَقُولُ رَهْطُ مَسْلَمَةَ: نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ، ويَقُولُ أقْرِباءُ المَلِكِ وحَشَمُهُ: نَحْنُ المُلُوكُ. وأحِبّاؤُهُ جَمْعُ حَبِيبٍ فَعِيلٍ بِمَعْنى مَفْعُولٍ؛ أيْ: مَحْبُوبُوهُ، أُجْرِيَ مَجْرى فَعِيلٍ مِنَ المُضاعَفِ الَّذِي هو اسْمُ الفاعِلِ، نَحْوَ: لَبِيبٍ وألِبّاءَ. وقائِلُ هَذِهِ المَقالَةِ بَعْضُ اليَهُودِ الَّذِينَ كانُوا بِحَضْرَةِ الرَّسُولِ، فَنُسِبَ إلى الجَمِيعِ لِأنَّ ما وقَعَ مِن بَعْضٍ قَدْ يُنْسَبُ إلى الجَمِيعِ. قالَ الحَسَنُ: يَعْنُونَ في القُرْبِ مِنهُ؛ أيْ: نَحْنُ أقْرَبُ إلى اللَّهِ مِنكم لَهُ، يَفْخَرُونَ بِذَلِكَ عَلى المُسْلِمِينَ. قالَ ابْنُ عَيّاشٍ: هم طائِفَةٌ مِنَ اليَهُودِ خَوَّفَهُمُ الرَّسُولُ عِقابَ اللَّهِ فَقالُوا: أتُخَوِّفُنا بِاللَّهِ ونَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ ؟ ورُوِيَ أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ يَهُودَ المَدِينَةِ كَعْبَ بْنَ الأشْرَفِ وغَيْرَهُ مِن نَصارى نَجْرانَ السَّيِّدِ والعاقِبِ - خاصَمُوا أصْحابَ الرَّسُولِ، ﷺ، فَعَيَّرَهُمُ الصَّحابَةُ بِالكُفْرِ وغَضَبِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، فَقالَتِ اليَهُودُ: إنَّما غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْنا كَما يَغْضَبُ الرَّجُلُ عَلى ولَدِهِ، نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ. هَذا قَوْلُ اليَهُودِ، وأمّا النَّصارى فَإنَّهم زَعَمُوا أنَّ عِيسى قالَ لَهم: اذْهَبُوا إلى أبِي وأبِيكم.

﴿قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكم بِذُنُوبِكُمْ﴾ أيْ: إنْ كُنْتُمْ كَما زَعَمْتُمْ، فَلِمَ يُعَذِّبُكم بِذُنُوبِكم ؟ وكانُوا قَدْ قالُوا لِلنَّبِيِّ، ﷺ، في غَيْرِ ما مَوْطِنٍ: نَحْنُ نَدْخُلُ النّارَ فَنُقِيمُ فِيها أرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ تَخْلُفُونَنا فِيها؛ والمَعْنى: لَوْ كانَتْ مَنزِلَتُكم مِنهُ فَوْقَ مَنزِلَةِ البَشَرِ لَما عَذَّبَكم ؟ وأنْتُمْ قَدْ أقْرَرْتُمْ أنَّهُ يُعَذِّبُكم، وهَذا عَلى أنَّ العَذابَ هو في الآخِرَةِ. ويَحْتَمِلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ العَذابَ في الدُّنْيا بِمَسْخِ آبائِهِمْ عَلى تَعَدِّيهِمْ في السَّبْتِ، وبِقَتْلِ أنْفُسِهِمْ عَلى عِبادَةِ العِجْلِ، وبِالتِّيهِ عَلى امْتِناعِهِمْ مِن قِتالِ الجَبّارِينَ، وبِافْتِضاحِ مَن أذْنَبَ مِنهم بِأنْ يُصْبِحَ مَكْتُوبًا عَلى بابِهِ ذَنْبُهُ وعُقُوبَتُهُ عَلَيْهِ فَتُنَفَّذُ فِيهِمْ، والإلْزامُ بِكِلا التَّعْذِيبَيْنِ صَحِيحٌ. أمّا الأوَّلُ فَلِإقْرارِهِمْ أنَّ ذَلِكَ سَيَقَعُ، وأمّا الآخَرُ فَلِوُقُوعِ ذَلِكَ فِيما مَضى لا يُمْكِنُ إنْكارُ شَيْءٍ مِنهُ. والِاحْتِجاجُ بِما وقَعَ أقْوى. وخَرَّجَ الزَّمَخْشَرِيُّ التَّعْذِيبَيْنِ الدُّنْيَوِيَّ والأُخْرَوِيَّ في كَلامِهِ، …

Al-Maaida 5:18Listen in Qur'an →
19

يَٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَٰبِ قَدْ جَآءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَىٰ فَتْرَةٍۢ مِّنَ ٱلرُّسُلِ أَن تَقُولُوا۟ مَا جَآءَنَا مِنۢ بَشِيرٍۢ وَلَا نَذِيرٍۢ ۖ فَقَدْ جَآءَكُم بَشِيرٌۭ وَنَذِيرٌۭ ۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌۭ

O People of the Scripture, there has come to you Our Messenger to make clear to you [the religion] after a period [of suspension] of messengers, lest you say, "There came not to us any bringer of good tidings or a warner." But there has come to you a bringer of good tidings and a warner. And Allah is over all things competent.

﴿يا أهْلَ الكِتابِ قَدْ جاءَكم رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكم عَلى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أنْ تَقُولُوا ما جاءَنا مِن بَشِيرٍ ولا نَذِيرٍ﴾ أهْلُ الكِتابِ هُمُ اليَهُودُ والنَّصارى، والرَّسُولُ هُ ومُحَمَّدٌ، ﷺ . وقِيلَ: المُخاطَبُ بِأهْلِ الكِتابِ هُنا هُمُ اليَهُودُ خاصَّةً، ويُرَجِّحُهُ ما رُوِيَ في سَبَبِ النُّزُولِ وأنَّ مُعاذَ بْنَ جَبَلٍ، وسَعْدَ بْنَ عُبادَةَ، وعُقْبَةَ بْنَ وهْبٍ، قالُوا: يا مَعْشَرَ اليَهُودِ اتَّقُوا اللَّهَ، فَواللَّهِ إنَّكم لَتَعْلَمُونَ أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ.

ويُبَيِّنُ لَكم؛ أيْ: يُوَضِّحُ لَكم ويُظْهِرُ. ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولُ يُبَيِّنُ حُذِفَ اخْتِصارًا، أوْ يَكُونَ هو المَذْكُورُ في الآيَةِ قَبْلَ هَذا؛ أيْ: يُبَيِّنُ لَكم ما كُنْتُمْ تُخْفُونَ، أوْ يَكُونَ دَلَّ عَلَيْهِ مَعْنى الكَلامِ؛ أيْ: شَرائِعَ الدِّينِ. أوْ حُذِفَ اقْتِصارًا واكْتِفاءًا بِذِكْرِ التَّبْيِينِ مُسْنَدًا إلى الفاعِلِ، دُونَ أنْ يَقْصِدَ تَعَلُّقَهُ بِمَفْعُولٍ؛ والمَعْنى: يَكُونُ مِنهُ التَّبْيِينُ والإيضاحُ. ويُبَيِّنُ لَكم هُنا وفي الآيَةِ قَبْلُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِ. وعَلى فَتْرَةٍ، مُتَعَلِّقٌ بَـ جاءَكم، أوْ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِ؛ والمَعْنى: عَلى فُتُورٍ وانْقِطاعٍ مِن إرْسالِ الرُّسُلِ.

والفَتْرَةُ الَّتِي كانَتْ بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ، وعِيسى، عَلَيْهِ السَّلامُ،، قالَ قَتادَةُ: خَمْسُمِائَةِ سَنَةٍ وسِتُّونَ. وقالَ الضَّحّاكُ: أرْبَعُمِائَةِ سَنَةٍ وبِضْعٌ وثَلاثُونَ سَنَةً. وقِيلَ: أرْبَعُمِائَةٍ ونَيِّفٌ وسِتُّونَ. وذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ في كِتابِ الطَّبَقاتِ لَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: إنْ كانَ بَيْنَ مِيلادِ عِيسى والنَّبِيِّ، عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ، خَمْسُمِائَةِ سَنَةٍ وتِسْعٌ وسِتُّونَ سَنَةً، بُعِثَ في أوَّلِها ثَلاثَةُ أنْبِياءَ. وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ أرْسَلْنا إلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُما فَعَزَّزْنا بِثالِثٍ﴾ [يس: ١٤] وهو شَمْعُونُ وكانَ مِنَ الحَوارِيِّينَ. وقالَ الكَلْبِيُّ مِثْلَ قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ إلّا أنَّهُ قالَ: بَيْنَهُما أرْبَعَةُ أنْبِياءَ، واحِدٌ مِنَ العَرَبِ مَن بَنِي عَبْسٍ وهو خالِدُ بْنُ سِنانٍ الَّذِي قالَ فِيهِ النَّبِيُّ، ﷺ: ”ضَيَّعَهُ قَوْمُهُ“ . ورُوِيَ عَنِ الكَلْبِيِّ أيْضًا خَمْسُمِائَةٍ وأرْبَعُونَ. وقالَ وهْبٌ: سِتُّمِائَةِ سَنَةٍ وعِشْرُونَ. وقِيلَ: سَبْعُمِائَةِ سَنَةٍ. وقالَ مُقاتِلٌ: سِتُّمِائَةِ سَنَةٍ، ورُوِيَ هَذا عَنْ قَتادَةَ والضَّحّاكِ. وذَكَرَ ابْنُ عَطِيَّةَ أنَّ هَذا رُوِيَ في الصَّحِيحِ. فَإنْ كانا كَما ذَكَرَ وجَبَ أنْ لا يُعْدَلَ عَنْهُ لِسِواهُ. وهَذِهِ التَّوارِيخُ نَقَلَها المُفَسِّرُونَ مِن كُتُبِ اليُونانِ وغَيْرِهِمْ مِمَّنْ لا يَتَحَرّى النَّقْلَ. وذَكَرَ ابْنُ سَعْدٍ في الطَّبَقاتِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والزَّمَخْشَرِيِّ عَنِ الكَلْبِيِّ قالا: كانَ بَيْنَ مُوسى وعِيسى ألْفُ سَنَةٍ وسَبْعُمِائَةِ سَنَةٍ، وألْفُ نَبِيٍّ، زادَ ابْنُ عَبّاسٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ دُونَ مَن أُرْسِلَ مِن غَيْرِهِمْ، ولَمْ يَكُنْ بَيْنَهُما فَتْرَةٌ؛ والمَعْنى: الِامْتِنانُ عَلَيْهِمْ بِإرْسالِ الرُّسُلِ عَلى حِينِ انْطَمَسَتْ آثارُ الوَحْيِ، وهم أحْوَجُ ما يَكُونُونَ إلَيْهِ لِيَعُدُّوهُ أعْظَمَ نِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وفَتْحَ بابٍ إلى الرَّحْمَةِ، ويُلْزِمُهُمُ الحُجَّةَ فَلا يَعْتَلُّوا غَدًا بِأنَّهُ لَمْ يُرْسِلْ إلَيْهِمْ مَن يُنَبِّهُهم مِن غَفْلَتِهِمْ. وأنْ تَقُولُوا: مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ فَقَدَّرَهُ البَصْرِيُّونَ: كَراهَةَ أوْ حَذارِ أنْ تَقُولُوا. وقَدَّرَهُ الفَرّاءُ: لِئَلّا تَقُولُوا. ويَعْنِي يَوْمَ القِيامَةِ عَلى سَبِيلِ …

Al-Maaida 5:19Listen in Qur'an →
20

وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِۦ يَٰقَوْمِ ٱذْكُرُوا۟ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنۢبِيَآءَ وَجَعَلَكُم مُّلُوكًۭا وَءَاتَىٰكُم مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًۭا مِّنَ ٱلْعَٰلَمِينَ

And [mention, O Muhammad], when Moses said to his people, "O my people, remember the favor of Allah upon you when He appointed among you prophets and made you possessors and gave you that which He had not given anyone among the worlds.

﴿وإذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم إذْ جَعَلَ فِيكم أنْبِياءَ وجَعَلَكم مُلُوكًا وآتاكم ما لَمْ يُؤْتِ أحَدًا مِنَ العالَمِينَ﴾ مُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ تَمَرُّدَ أسْلافِ اليَهُودِ عَلى مُوسى، وعِصْيانَهم إيّاهُ، مَعَ تَذْكِيرِهِ إيّاهم نِعَمَ اللَّهِ وتَعْدادِهِ لِما هو العَظِيمُ مِنها، وأنَّ هَؤُلاءِ الَّذِينَ هم بِحَضْرَةِ الرَّسُولِ هم جارُونَ مَعَكم مَجْرى أسْلافِهِمْ مَعَ مُوسى. ونِعْمَةُ اللَّهِ يُرادُ بِها الجِنْسُ؛ والمَعْنى: واذْكُرْ لَهم يا مُحَمَّدُ عَلى جِهَةِ إعْلامِهِمْ بِغَيْبِ كُتُبِهِمْ لِيَتَحَقَّقُوا نُبُوَّتَكَ. ويَنْتَظِمُ في ذَلِكَ ذِكْرُ نِعَمِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، وتَلَقِّيهِمْ تِلْكَ النِّعَمِ بِالكُفْرِ وقِلَّةِ الطّاعَةِ. وعَدَّدَ عَلَيْهِمْ مِن نِعَمِهِ ثَلاثًا: الأُولى: جَعْلُ أنْبِياءَ فِيهِمْ وذَلِكَ أعْظَمُ الشَّرَفِ، إذْ هُمُ الوَسائِطُ بَيْنَ اللَّهِ وبَيْنَ خَلْقِهِ، والمُبَلِّغُونَ عَنِ اللَّهِ شَرائِعَهُ. قِيلَ: لَمْ يُبْعَثْ في أُمَّةٍ ما بُعِثَ في بَنِي إسْرائِيلَ مِنَ الأنْبِياءِ. وقالَ ابْنُ السّائِبِ ومُقاتِلٌ: الأنْبِياءُ هُنا هُمُ السَّبْعُونَ الَّذِينَ اخْتارَهم مُوسى لِمِيقاتِ رَبِّهِ، وكانُوا مِن خِيارِ قَوْمِهِ. وقِيلَ: هُمُ الَّذِينَ أُرْسِلُوا مِن بَعْدُ في بَنِي إسْرائِيلَ كَمُوسى، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ وغَيْرُهُ؛ وعَلى هَذا القَوْلِ يَكُونُ ”جَعَلَ“ لا يُرادُ بِها حَقِيقَةُ الماضِي بِالفِعْلِ، إذْ بَعْضُهم كانَ قَدْ ظَهَرَ عِنْدَ خِطابِ مُوسى إيّاهم، وبَعْضُهم لَمْ يُخْلَقْ بَلْ أخْبَرَ أنَّهُ سَيَكُونُ فِيهِمْ. الثّانِيَةُ: جَعْلُهم مُلُوكًا ظاهِرُهُ الِامْتِنانُ عَلَيْهِمْ بِأنْ جَعَلَهم مُلُوكًا إذْ جَعَلَ مِنهم مُلُوكًا، إذِ المُلْكُ شَرَفٌ في الدُّنْيا واسْتِيلاءٌ، فَذَكَّرَهم بِأنَّ مِنهم قادَةَ الآخِرَةِ وقادَةَ الدُّنْيا. وقالَ السُّدِّيُّ وغَيْرُهُ: وجَعَلَكم أحْرارًا تَمْلِكُونَ ولا تُمْلَكُونَ، إذْ كُنْتُمْ خَدَمًا لِلْقِبْطِ فَأنْقَذَكم مِنهم، فَسُمِّيَ اسْتِنْقاذُهم مُلْكًا. وقالَ قَوْمٌ: جَعَلَهم مُلُوكًا بِإنْزالِ المَنِّ والسَّلْوى عَلَيْهِمْ وتَفْجِيرِ الحَجَرِ لَهم، وكَوْنِ ثِيابِهِمْ لا تَبْلى ولا تَتَّسِخُ وتَطُولُ كُلَّما طالُوا، فَهم مُلُوكٌ لِرَفْعِ هَذِهِ الكُلَفِ عَنْهم. وقالَ قَتادَةُ: مُلُوكًا لِأنَّهم أوَّلُ مَنِ اتَّخَذَ الخُدّامَ واقْتَنَوُا الأرِقّاءَ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ وقَتادَةُ: وإنَّما قالَ وجَعَلَكم مُلُوكًا، لِأنّا كُنّا نَتَحَدَّثُ أنَّ أوَّلَ مَن خَدَمَهُ آخَرُ مِن بَنِي آدَمَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا ضَعِيفٌ، لِأنَّ القِبْطَ كانُوا يَسْتَخْدِمُونَ بَنِي إسْرائِيلَ. وظاهِرُ أمْرِ بَنِي آدَمَ أنَّ بَعْضَهم يُسَخِّرُ بَعْضًا مُنْذُ تَناسَلُوا وكَثُرُوا. انْتَهى.

وهَذِهِ الأقْوالُ الثَّلاثَةُ عامَّةٌ في جَمِيعِ بَنِي إسْرائِيلَ، وهو ظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلَكم مُلُوكًا﴾ . وقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وجَماعَةٌ: مَن كانَ لَهُ مَسْكَنٌ وامْرَأةٌ وخادِمٌ فَهو مَلِكٌ. وقِيلَ: مَن لَهُ مَسْكَنٌ ولا يُدْخَلُ عَلَيْهِ فِيهِ إلّا بِإذْنٍ فَهو مَلِكٌ. وقِيلَ: مَن لَهُ زَوْجَةٌ وخادِمٌ، ورُوِيَ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقالَ عِكْرِمَةُ: مَن مَلَكَ عِنْدَهم خادِمًا وبَيْتًا دُعِيَ عِنْدَهم مَلِكًا. وقِيلَ: مِن لَهُ مَنزِلٌ واسِعٌ فِيهِ ماءٌ جارٍ. وقِيلَ: مَن لَهُ مالٌ لا يَحْتاجُ فِيهِ إلى تَكَلُّفِ الأعْمالِ وتَحَمُّلِ المَشاقِّ. وقِيلَ: مُلُوكٌ لِقَناعَتِهِمْ، وهو مُلْكٌ خَفِيٌّ. ولِهَذا جاءَ في الحَدِيثِ: «القَناعَةُ كَنْزٌ لا يَنْفَدُ» . وقِيلَ: …

Al-Maaida 5:20Listen in Qur'an →

Commentary: Al-Bahr al-Muhit by Abu Hayyan al-Gharnati. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.