Muslim99Muslim99
← Tafsir library

5. Al-Maaida

The Table · Medinan · 120 ayahs

سُورَةُ المَائـِدَةِ

Reading Al-Bahr al-Muhit by Abu Hayyan al-Gharnati

Ayahs 111–120 of 120

111

وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى ٱلْحَوَارِيِّۦنَ أَنْ ءَامِنُوا۟ بِى وَبِرَسُولِى قَالُوٓا۟ ءَامَنَّا وَٱشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ

And [remember] when I inspired to the disciples, "Believe in Me and in My messenger Jesus." They said, "We have believed, so bear witness that indeed we are Muslims [in submission to Allah]."

﴿إذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وعَلى والِدَتِكَ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ (إذْ) بَدَلًا مِن قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ﴾ [المائدة: ١٠٩]، والمَعْنى أنَّهُ يُوَبِّخُ الكافِرِينَ يَوْمَئِذٍ بِسُؤالِ الرُّسُلِ عَنْ إجابَتِهِمْ، وبِتَعَدُّدِ ما أظْهَرَ عَلى أيْدِيهِمْ مِنَ الآياتِ العِظامِ، فَكَذَّبُوهم، وسَمُّوهم سَحَرَةً، وجاوَزُوا حَدَّ التَّصْدِيقِ إلى أنِ اتَّخَذُوهم آلِهَةً، كَما قالَ بَعْضُ بَنِي إسْرائِيلَ فِيما أظْهَرَ عَلى يَدِ عِيسى مِنَ البَيِّناتِ ﴿هَذا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [النمل: ١٣] . واتَّخَذَهُ بَعْضُهم وأُمَّهُ إلَهَيْنِ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ العامِلُ في (إذْ) مُضْمَرًا، تَقْدِيرُهُ: اذْكُرْ يا مُحَمَّدُ، وقالَ هُنا بِمَعْنى يَقُولُ؛ لِأنَّ الظّاهِرَ مِن هَذا القَوْلِ أنَّهُ في القِيامَةِ؛ تَقْدُمَةً لِقَوْلِهِ: ﴿أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ﴾ [المائدة: ١١٦]، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ (إذْ) بَدَلًا مِن قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ﴾ [المائدة: ١٠٩] انْتَهى. وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ إذْ في مَوْضِعِ خَبَرِ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ: ذَلِكَ إذْ قالَ اللَّهُ. وإذا كانَ المُنادى عَلَمًا مُفْرَدًا ظاهِرَ الضَّمَّةِ مَوْصُوفًا بِابْنٍ مُتَّصِلًا مُضافًا إلى عَلَمٍ، جازَ فَتْحُهُ إتْباعًا لِفَتْحَةِ ابْنٍ، هَذا مَذْهَبُ الجُمْهُورِ. وأجازَ الفَرّاءُ وتَبِعَهُ أبُو البَقاءِ في ما لا يَظْهَرُ فِيهِ تَقْدِيرُ الضَّمَّةِ والفَتْحَةِ، فَإنْ لَمْ تَجْعَلْ ﴿ابْنَ مَرْيَمَ﴾ صِفَةً، وجَعَلْتَهُ بَدَلًا، أوْ مُنادًى، فَلا يَجُوزُ في ذَلِكَ العَلَمِ إلّا الضَّمُّ. وقَدْ خَلَطَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ، وبَعْضُ مَن يَنْتَمِي إلى النَّحْوِ هُنا، فَقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ (عِيسى) في مَحَلِّ الرَّفْعِ؛ لِأنَّهُ مُنادًى مَعْرِفَةٌ غَيْرُ مُضافٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ النَّصْبِ؛ لِأنَّهُ في نِيَّةِ الإضافَةِ، ثُمَّ جُعِلَ الِابْنُ تَوْكِيدًا، وكُلُّ ما كانَ مِثْلَ هَذا جازَ فِيهِ الوَجْهانِ، نَحْوَ يا زَيْدُ بْنَ عَمْرٍو؛ وأنْشَدَ النَّحْوِيُّونَ:

؎يا حَكَمُ بْنَ المُنْذِرِ بْنِ الجارُودْ أنْتَ الجَوادُ بْنُ الجَوادِ بْنِ الجُودِ

قالَ التَّبْرِيزِيُّ: الأظْهَرُ عِنْدِي أنَّ مَوْضِعَ (عِيسى) نَصْبٌ؛ لِأنَّكَ تَجْعَلُ الِاسْمَ مَعَ نَعْتِهِ إذا أضَفْتَهُ إلى العَلَمِ، كالشَّيْءِ الواحِدِ المُضافِ انْتَهى. والَّذِي ذَكَرَهُ النَّحْوِيُّونَ في نَحْوِ، يا زَيْدُ بْنَ بَكْرٍ إذا فَتَحْتَ آخِرَ المُنادى؛ أنَّها حَرَكَةُ إتْباعٍ لِحَرَكَةِ نُونِ ابْنٍ، ولَمْ يُعْتَدَّ بِسُكُونِ باءِ ابْنٍ؛ لِأنَّ السّاكِنَ حاجِزٌ غَيْرُ حَصِينٍ، قالُوا: ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِالذِّكْرِ هُنا؛ الإقْرارُ، وأنْ يُرادَ بِهِ الإعْلامُ، وفائِدَةُ هَذا الذِّكْرِ إسْماعُ الأُمَمِ ما خَصَّهُ بِهِ تَعالى مِنَ الكَرامَةِ، وتَأْكِيدُ حُجَّتِهِ عَلى جاحِدِهِ. وقِيلَ: أُمِرَ بِالذِّكْرِ تَنْبِيهًا لِغَيْرِهِ عَلى مَعْرِفَةِ حَقِّ النِّعْمَةِ، ووُجُوبِ شُكْرِ المُنْعِمِ. قالَ الحَسَنُ: ذِكْرُ النِّعْمَةِ شُكْرُها. والنِّعْمَةُ هُنا جِنْسٌ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ ما عَدَّدَهُ بَعْدَ هَذا التَّوْحِيدِ اللَّفْظِيِّ مِنَ النِّعَمِ، وإضافَتِها إلَيْهِ؛ تَنْبِيهًا عَلى عِظَمِها، ونِعَمُهُ عَلَيْهِ قَدْ عَدَّدَها هُنا، وفي البَقَرَةِ وآلِ عِمْرانَ ومَرْيَمَ، وفي مَواضِعَ مِنَ القُرْآنِ، ونِعْمَتُهُ عَلى أُمِّهِ؛ بَراءَتُها مِمّا نُسِبَ إلَيْها، وتَكْفِيلُها لِزَكَرِيّا، وتَقَبُّلُها بِقَبُولٍ حَسَنٍ، وما ذُكِرَ في سُورَةِ التَّحْرِيمِ (ومَرْيَمَ ابْنَةَ عِمْرانَ) إلى …

Al-Maaida 5:111Listen in Qur'an →
112

إِذْ قَالَ ٱلْحَوَارِيُّونَ يَٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَآئِدَةًۭ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ ۖ قَالَ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ

[And remember] when the disciples said, "O Jesus, Son of Mary, can your Lord send down to us a table [spread with food] from the heaven? [Jesus] said," Fear Allah, if you should be believers."

﴿إذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وعَلى والِدَتِكَ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ (إذْ) بَدَلًا مِن قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ﴾ [المائدة: ١٠٩]، والمَعْنى أنَّهُ يُوَبِّخُ الكافِرِينَ يَوْمَئِذٍ بِسُؤالِ الرُّسُلِ عَنْ إجابَتِهِمْ، وبِتَعَدُّدِ ما أظْهَرَ عَلى أيْدِيهِمْ مِنَ الآياتِ العِظامِ، فَكَذَّبُوهم، وسَمُّوهم سَحَرَةً، وجاوَزُوا حَدَّ التَّصْدِيقِ إلى أنِ اتَّخَذُوهم آلِهَةً، كَما قالَ بَعْضُ بَنِي إسْرائِيلَ فِيما أظْهَرَ عَلى يَدِ عِيسى مِنَ البَيِّناتِ ﴿هَذا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [النمل: ١٣] . واتَّخَذَهُ بَعْضُهم وأُمَّهُ إلَهَيْنِ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ العامِلُ في (إذْ) مُضْمَرًا، تَقْدِيرُهُ: اذْكُرْ يا مُحَمَّدُ، وقالَ هُنا بِمَعْنى يَقُولُ؛ لِأنَّ الظّاهِرَ مِن هَذا القَوْلِ أنَّهُ في القِيامَةِ؛ تَقْدُمَةً لِقَوْلِهِ: ﴿أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ﴾ [المائدة: ١١٦]، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ (إذْ) بَدَلًا مِن قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ﴾ [المائدة: ١٠٩] انْتَهى. وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ إذْ في مَوْضِعِ خَبَرِ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ: ذَلِكَ إذْ قالَ اللَّهُ. وإذا كانَ المُنادى عَلَمًا مُفْرَدًا ظاهِرَ الضَّمَّةِ مَوْصُوفًا بِابْنٍ مُتَّصِلًا مُضافًا إلى عَلَمٍ، جازَ فَتْحُهُ إتْباعًا لِفَتْحَةِ ابْنٍ، هَذا مَذْهَبُ الجُمْهُورِ. وأجازَ الفَرّاءُ وتَبِعَهُ أبُو البَقاءِ في ما لا يَظْهَرُ فِيهِ تَقْدِيرُ الضَّمَّةِ والفَتْحَةِ، فَإنْ لَمْ تَجْعَلْ ﴿ابْنَ مَرْيَمَ﴾ صِفَةً، وجَعَلْتَهُ بَدَلًا، أوْ مُنادًى، فَلا يَجُوزُ في ذَلِكَ العَلَمِ إلّا الضَّمُّ. وقَدْ خَلَطَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ، وبَعْضُ مَن يَنْتَمِي إلى النَّحْوِ هُنا، فَقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ (عِيسى) في مَحَلِّ الرَّفْعِ؛ لِأنَّهُ مُنادًى مَعْرِفَةٌ غَيْرُ مُضافٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ النَّصْبِ؛ لِأنَّهُ في نِيَّةِ الإضافَةِ، ثُمَّ جُعِلَ الِابْنُ تَوْكِيدًا، وكُلُّ ما كانَ مِثْلَ هَذا جازَ فِيهِ الوَجْهانِ، نَحْوَ يا زَيْدُ بْنَ عَمْرٍو؛ وأنْشَدَ النَّحْوِيُّونَ:

؎يا حَكَمُ بْنَ المُنْذِرِ بْنِ الجارُودْ أنْتَ الجَوادُ بْنُ الجَوادِ بْنِ الجُودِ

قالَ التَّبْرِيزِيُّ: الأظْهَرُ عِنْدِي أنَّ مَوْضِعَ (عِيسى) نَصْبٌ؛ لِأنَّكَ تَجْعَلُ الِاسْمَ مَعَ نَعْتِهِ إذا أضَفْتَهُ إلى العَلَمِ، كالشَّيْءِ الواحِدِ المُضافِ انْتَهى. والَّذِي ذَكَرَهُ النَّحْوِيُّونَ في نَحْوِ، يا زَيْدُ بْنَ بَكْرٍ إذا فَتَحْتَ آخِرَ المُنادى؛ أنَّها حَرَكَةُ إتْباعٍ لِحَرَكَةِ نُونِ ابْنٍ، ولَمْ يُعْتَدَّ بِسُكُونِ باءِ ابْنٍ؛ لِأنَّ السّاكِنَ حاجِزٌ غَيْرُ حَصِينٍ، قالُوا: ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِالذِّكْرِ هُنا؛ الإقْرارُ، وأنْ يُرادَ بِهِ الإعْلامُ، وفائِدَةُ هَذا الذِّكْرِ إسْماعُ الأُمَمِ ما خَصَّهُ بِهِ تَعالى مِنَ الكَرامَةِ، وتَأْكِيدُ حُجَّتِهِ عَلى جاحِدِهِ. وقِيلَ: أُمِرَ بِالذِّكْرِ تَنْبِيهًا لِغَيْرِهِ عَلى مَعْرِفَةِ حَقِّ النِّعْمَةِ، ووُجُوبِ شُكْرِ المُنْعِمِ. قالَ الحَسَنُ: ذِكْرُ النِّعْمَةِ شُكْرُها. والنِّعْمَةُ هُنا جِنْسٌ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ ما عَدَّدَهُ بَعْدَ هَذا التَّوْحِيدِ اللَّفْظِيِّ مِنَ النِّعَمِ، وإضافَتِها إلَيْهِ؛ تَنْبِيهًا عَلى عِظَمِها، ونِعَمُهُ عَلَيْهِ قَدْ عَدَّدَها هُنا، وفي البَقَرَةِ وآلِ عِمْرانَ ومَرْيَمَ، وفي مَواضِعَ مِنَ القُرْآنِ، ونِعْمَتُهُ عَلى أُمِّهِ؛ بَراءَتُها مِمّا نُسِبَ إلَيْها، وتَكْفِيلُها لِزَكَرِيّا، وتَقَبُّلُها بِقَبُولٍ حَسَنٍ، وما ذُكِرَ في سُورَةِ التَّحْرِيمِ (ومَرْيَمَ ابْنَةَ عِمْرانَ) إلى …

Al-Maaida 5:112Listen in Qur'an →
113

قَالُوا۟ نُرِيدُ أَن نَّأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَن قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ ٱلشَّٰهِدِينَ

They said, "We wish to eat from it and let our hearts be reassured and know that you have been truthful to us and be among its witnesses."

﴿إذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وعَلى والِدَتِكَ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ (إذْ) بَدَلًا مِن قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ﴾ [المائدة: ١٠٩]، والمَعْنى أنَّهُ يُوَبِّخُ الكافِرِينَ يَوْمَئِذٍ بِسُؤالِ الرُّسُلِ عَنْ إجابَتِهِمْ، وبِتَعَدُّدِ ما أظْهَرَ عَلى أيْدِيهِمْ مِنَ الآياتِ العِظامِ، فَكَذَّبُوهم، وسَمُّوهم سَحَرَةً، وجاوَزُوا حَدَّ التَّصْدِيقِ إلى أنِ اتَّخَذُوهم آلِهَةً، كَما قالَ بَعْضُ بَنِي إسْرائِيلَ فِيما أظْهَرَ عَلى يَدِ عِيسى مِنَ البَيِّناتِ ﴿هَذا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [النمل: ١٣] . واتَّخَذَهُ بَعْضُهم وأُمَّهُ إلَهَيْنِ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ العامِلُ في (إذْ) مُضْمَرًا، تَقْدِيرُهُ: اذْكُرْ يا مُحَمَّدُ، وقالَ هُنا بِمَعْنى يَقُولُ؛ لِأنَّ الظّاهِرَ مِن هَذا القَوْلِ أنَّهُ في القِيامَةِ؛ تَقْدُمَةً لِقَوْلِهِ: ﴿أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ﴾ [المائدة: ١١٦]، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ (إذْ) بَدَلًا مِن قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ﴾ [المائدة: ١٠٩] انْتَهى. وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ إذْ في مَوْضِعِ خَبَرِ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ: ذَلِكَ إذْ قالَ اللَّهُ. وإذا كانَ المُنادى عَلَمًا مُفْرَدًا ظاهِرَ الضَّمَّةِ مَوْصُوفًا بِابْنٍ مُتَّصِلًا مُضافًا إلى عَلَمٍ، جازَ فَتْحُهُ إتْباعًا لِفَتْحَةِ ابْنٍ، هَذا مَذْهَبُ الجُمْهُورِ. وأجازَ الفَرّاءُ وتَبِعَهُ أبُو البَقاءِ في ما لا يَظْهَرُ فِيهِ تَقْدِيرُ الضَّمَّةِ والفَتْحَةِ، فَإنْ لَمْ تَجْعَلْ ﴿ابْنَ مَرْيَمَ﴾ صِفَةً، وجَعَلْتَهُ بَدَلًا، أوْ مُنادًى، فَلا يَجُوزُ في ذَلِكَ العَلَمِ إلّا الضَّمُّ. وقَدْ خَلَطَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ، وبَعْضُ مَن يَنْتَمِي إلى النَّحْوِ هُنا، فَقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ (عِيسى) في مَحَلِّ الرَّفْعِ؛ لِأنَّهُ مُنادًى مَعْرِفَةٌ غَيْرُ مُضافٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ النَّصْبِ؛ لِأنَّهُ في نِيَّةِ الإضافَةِ، ثُمَّ جُعِلَ الِابْنُ تَوْكِيدًا، وكُلُّ ما كانَ مِثْلَ هَذا جازَ فِيهِ الوَجْهانِ، نَحْوَ يا زَيْدُ بْنَ عَمْرٍو؛ وأنْشَدَ النَّحْوِيُّونَ:

؎يا حَكَمُ بْنَ المُنْذِرِ بْنِ الجارُودْ أنْتَ الجَوادُ بْنُ الجَوادِ بْنِ الجُودِ

قالَ التَّبْرِيزِيُّ: الأظْهَرُ عِنْدِي أنَّ مَوْضِعَ (عِيسى) نَصْبٌ؛ لِأنَّكَ تَجْعَلُ الِاسْمَ مَعَ نَعْتِهِ إذا أضَفْتَهُ إلى العَلَمِ، كالشَّيْءِ الواحِدِ المُضافِ انْتَهى. والَّذِي ذَكَرَهُ النَّحْوِيُّونَ في نَحْوِ، يا زَيْدُ بْنَ بَكْرٍ إذا فَتَحْتَ آخِرَ المُنادى؛ أنَّها حَرَكَةُ إتْباعٍ لِحَرَكَةِ نُونِ ابْنٍ، ولَمْ يُعْتَدَّ بِسُكُونِ باءِ ابْنٍ؛ لِأنَّ السّاكِنَ حاجِزٌ غَيْرُ حَصِينٍ، قالُوا: ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِالذِّكْرِ هُنا؛ الإقْرارُ، وأنْ يُرادَ بِهِ الإعْلامُ، وفائِدَةُ هَذا الذِّكْرِ إسْماعُ الأُمَمِ ما خَصَّهُ بِهِ تَعالى مِنَ الكَرامَةِ، وتَأْكِيدُ حُجَّتِهِ عَلى جاحِدِهِ. وقِيلَ: أُمِرَ بِالذِّكْرِ تَنْبِيهًا لِغَيْرِهِ عَلى مَعْرِفَةِ حَقِّ النِّعْمَةِ، ووُجُوبِ شُكْرِ المُنْعِمِ. قالَ الحَسَنُ: ذِكْرُ النِّعْمَةِ شُكْرُها. والنِّعْمَةُ هُنا جِنْسٌ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ ما عَدَّدَهُ بَعْدَ هَذا التَّوْحِيدِ اللَّفْظِيِّ مِنَ النِّعَمِ، وإضافَتِها إلَيْهِ؛ تَنْبِيهًا عَلى عِظَمِها، ونِعَمُهُ عَلَيْهِ قَدْ عَدَّدَها هُنا، وفي البَقَرَةِ وآلِ عِمْرانَ ومَرْيَمَ، وفي مَواضِعَ مِنَ القُرْآنِ، ونِعْمَتُهُ عَلى أُمِّهِ؛ بَراءَتُها مِمّا نُسِبَ إلَيْها، وتَكْفِيلُها لِزَكَرِيّا، وتَقَبُّلُها بِقَبُولٍ حَسَنٍ، وما ذُكِرَ في سُورَةِ التَّحْرِيمِ (ومَرْيَمَ ابْنَةَ عِمْرانَ) إلى …

Al-Maaida 5:113Listen in Qur'an →
114

قَالَ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ ٱللَّهُمَّ رَبَّنَآ أَنزِلْ عَلَيْنَا مَآئِدَةًۭ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًۭا لِّأَوَّلِنَا وَءَاخِرِنَا وَءَايَةًۭ مِّنكَ ۖ وَٱرْزُقْنَا وَأَنتَ خَيْرُ ٱلرَّٰزِقِينَ

Said Jesus, the son of Mary, "O Allah, our Lord, send down to us a table [spread with food] from the heaven to be for us a festival for the first of us and the last of us and a sign from You. And provide for us, and You are the best of providers."

﴿إذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وعَلى والِدَتِكَ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ (إذْ) بَدَلًا مِن قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ﴾ [المائدة: ١٠٩]، والمَعْنى أنَّهُ يُوَبِّخُ الكافِرِينَ يَوْمَئِذٍ بِسُؤالِ الرُّسُلِ عَنْ إجابَتِهِمْ، وبِتَعَدُّدِ ما أظْهَرَ عَلى أيْدِيهِمْ مِنَ الآياتِ العِظامِ، فَكَذَّبُوهم، وسَمُّوهم سَحَرَةً، وجاوَزُوا حَدَّ التَّصْدِيقِ إلى أنِ اتَّخَذُوهم آلِهَةً، كَما قالَ بَعْضُ بَنِي إسْرائِيلَ فِيما أظْهَرَ عَلى يَدِ عِيسى مِنَ البَيِّناتِ ﴿هَذا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [النمل: ١٣] . واتَّخَذَهُ بَعْضُهم وأُمَّهُ إلَهَيْنِ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ العامِلُ في (إذْ) مُضْمَرًا، تَقْدِيرُهُ: اذْكُرْ يا مُحَمَّدُ، وقالَ هُنا بِمَعْنى يَقُولُ؛ لِأنَّ الظّاهِرَ مِن هَذا القَوْلِ أنَّهُ في القِيامَةِ؛ تَقْدُمَةً لِقَوْلِهِ: ﴿أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ﴾ [المائدة: ١١٦]، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ (إذْ) بَدَلًا مِن قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ﴾ [المائدة: ١٠٩] انْتَهى. وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ إذْ في مَوْضِعِ خَبَرِ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ: ذَلِكَ إذْ قالَ اللَّهُ. وإذا كانَ المُنادى عَلَمًا مُفْرَدًا ظاهِرَ الضَّمَّةِ مَوْصُوفًا بِابْنٍ مُتَّصِلًا مُضافًا إلى عَلَمٍ، جازَ فَتْحُهُ إتْباعًا لِفَتْحَةِ ابْنٍ، هَذا مَذْهَبُ الجُمْهُورِ. وأجازَ الفَرّاءُ وتَبِعَهُ أبُو البَقاءِ في ما لا يَظْهَرُ فِيهِ تَقْدِيرُ الضَّمَّةِ والفَتْحَةِ، فَإنْ لَمْ تَجْعَلْ ﴿ابْنَ مَرْيَمَ﴾ صِفَةً، وجَعَلْتَهُ بَدَلًا، أوْ مُنادًى، فَلا يَجُوزُ في ذَلِكَ العَلَمِ إلّا الضَّمُّ. وقَدْ خَلَطَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ، وبَعْضُ مَن يَنْتَمِي إلى النَّحْوِ هُنا، فَقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ (عِيسى) في مَحَلِّ الرَّفْعِ؛ لِأنَّهُ مُنادًى مَعْرِفَةٌ غَيْرُ مُضافٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ النَّصْبِ؛ لِأنَّهُ في نِيَّةِ الإضافَةِ، ثُمَّ جُعِلَ الِابْنُ تَوْكِيدًا، وكُلُّ ما كانَ مِثْلَ هَذا جازَ فِيهِ الوَجْهانِ، نَحْوَ يا زَيْدُ بْنَ عَمْرٍو؛ وأنْشَدَ النَّحْوِيُّونَ:

؎يا حَكَمُ بْنَ المُنْذِرِ بْنِ الجارُودْ أنْتَ الجَوادُ بْنُ الجَوادِ بْنِ الجُودِ

قالَ التَّبْرِيزِيُّ: الأظْهَرُ عِنْدِي أنَّ مَوْضِعَ (عِيسى) نَصْبٌ؛ لِأنَّكَ تَجْعَلُ الِاسْمَ مَعَ نَعْتِهِ إذا أضَفْتَهُ إلى العَلَمِ، كالشَّيْءِ الواحِدِ المُضافِ انْتَهى. والَّذِي ذَكَرَهُ النَّحْوِيُّونَ في نَحْوِ، يا زَيْدُ بْنَ بَكْرٍ إذا فَتَحْتَ آخِرَ المُنادى؛ أنَّها حَرَكَةُ إتْباعٍ لِحَرَكَةِ نُونِ ابْنٍ، ولَمْ يُعْتَدَّ بِسُكُونِ باءِ ابْنٍ؛ لِأنَّ السّاكِنَ حاجِزٌ غَيْرُ حَصِينٍ، قالُوا: ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِالذِّكْرِ هُنا؛ الإقْرارُ، وأنْ يُرادَ بِهِ الإعْلامُ، وفائِدَةُ هَذا الذِّكْرِ إسْماعُ الأُمَمِ ما خَصَّهُ بِهِ تَعالى مِنَ الكَرامَةِ، وتَأْكِيدُ حُجَّتِهِ عَلى جاحِدِهِ. وقِيلَ: أُمِرَ بِالذِّكْرِ تَنْبِيهًا لِغَيْرِهِ عَلى مَعْرِفَةِ حَقِّ النِّعْمَةِ، ووُجُوبِ شُكْرِ المُنْعِمِ. قالَ الحَسَنُ: ذِكْرُ النِّعْمَةِ شُكْرُها. والنِّعْمَةُ هُنا جِنْسٌ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ ما عَدَّدَهُ بَعْدَ هَذا التَّوْحِيدِ اللَّفْظِيِّ مِنَ النِّعَمِ، وإضافَتِها إلَيْهِ؛ تَنْبِيهًا عَلى عِظَمِها، ونِعَمُهُ عَلَيْهِ قَدْ عَدَّدَها هُنا، وفي البَقَرَةِ وآلِ عِمْرانَ ومَرْيَمَ، وفي مَواضِعَ مِنَ القُرْآنِ، ونِعْمَتُهُ عَلى أُمِّهِ؛ بَراءَتُها مِمّا نُسِبَ إلَيْها، وتَكْفِيلُها لِزَكَرِيّا، وتَقَبُّلُها بِقَبُولٍ حَسَنٍ، وما ذُكِرَ في سُورَةِ التَّحْرِيمِ (ومَرْيَمَ ابْنَةَ عِمْرانَ) إلى …

Al-Maaida 5:114Listen in Qur'an →
115

قَالَ ٱللَّهُ إِنِّى مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ ۖ فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ فَإِنِّىٓ أُعَذِّبُهُۥ عَذَابًۭا لَّآ أُعَذِّبُهُۥٓ أَحَدًۭا مِّنَ ٱلْعَٰلَمِينَ

Allah said, "Indeed, I will sent it down to you, but whoever disbelieves afterwards from among you - then indeed will I punish him with a punishment by which I have not punished anyone among the worlds."

﴿قالَ اللَّهُ إنِّي مُنَزِّلُها عَلَيْكم فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكم فَإنِّي أُعَذِّبُهُ عَذابًا لا أُعَذِّبُهُ أحَدًا مِنَ العالَمِينَ﴾ الظّاهِرُ أنَّ المائِدَةَ نَزَلَتْ؛ لِأنَّهُ تَعالى ذَكَرَ أنَّهُ مُنَزِّلُها، وبِإنْزالِها قالَ الجُمْهُورُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: شَرَطَ عَلَيْهِمْ شَرْطَهُ المُتَعارَفَ في الأُمَمِ؛ أنَّهُ مَن كَفَرَ بَعْدَ آيَةِ الِاقْتِراحِ، عُذِّبَ أشَدَّ عَذابٍ. قالَ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ لَمّا سَمِعُوا الشَّرْطَ أشْفَقُوا فَلَمْ تَنْزِلْ. قالَ مُجاهِدٌ: فَهو مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِلنّاسِ؛ لِئَلّا يَسْألُوا هَذا الآياتِ، واخْتَلَفَ مَن قالَ إنَّها نَزَلَتْ، هَلْ رُفِعَتْ بِإحْداثٍ أحْدَثُوهُ أمْ لَمْ تُرْفَعْ ؟ وقالَ الأكْثَرُونَ: أكَلُوا مِنها أرْبَعِينَ يَوْمًا بُكْرَةً وعَشِيَّةً. وقالَ إسْحاقُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: يَأْكُلُونَ مِنها مَتى شاءُوا. وقِيلَ: بَطِرُوا فَكانَتْ تَنْزِلُ عَلَيْهِمْ يَوْمًا بَعْدَ يَوْمٍ. وقالَ المُؤَرِّخُونَ: كانَتْ تَنْزِلُ عِنْدَ ارْتِفاعِ الضُّحى، فَيَأْكُلُونَ مِنها، ثُمَّ تَرْتَفِعُ إلى السَّماءِ وهم يَنْظُرُونَ إلى ظِلِّها في الأرْضِ. واخْتَلَفُوا في كَيْفِيَّةِ نُزُولِها، وفِيما كانَ عَلَيْها، وفي عَدَدِ مَن أكَلَ مِنها، وفِيما آلَ إلَيْهِ حالُ مَن أكَلَ مِنها، اخْتِلافًا مُضْطَرِبًا مُتَعارِضًا ذَكَرَهُ المُفَسِّرُونَ، ضَرَبْتُ عَنْ ذِكْرِهِ صَفْحًا، إذْ لَيْسَ مِنهُ شَيْءٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ لَفْظُ الآيَةِ. وأحْسَنُ ما يُقالُ فِيهِ ما خَرَّجَهُ التِّرْمِذِيُّ في أبْوابِ التَّفْسِيرِ عَنْ عَمّارِ بْنِ ياسِرٍ، قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أُنْزِلَتِ المائِدَةُ مِنَ السَّماءِ خُبْزًا ولَحْمًا، وأُمِرُوا أنْ لا يَدَّخِرُوا لِغَدٍ، ولا يَخُونُوا، فَخانُوا، وادَّخَرُوا، ورَفَعُوا لِغَدٍ، فَمُسِخُوا قِرَدَةً وخَنازِيرَ» . قالَ أبُو عِيسى هَذا حَدِيثٌ رَواهُ عاصِمٌ وغَيْرُ واحِدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ قَتادَةَ عَنْ خِلاسٍ عَنْ عَمّارِ بْنِ ياسِرٍ، مَرْفُوعًا، ولا نَعْلَمُهُ مَرْفُوعًا، إلّا مِن حَدِيثِ الحَسَنِ بْنِ قَزَعَةَ؛ حَدَّثَنا حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ، قالَ: حَدَّثَنا سُفْيانُ بْنُ حَبِيبٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ عُرْوَةَ نَحْوَهُ، ولَمْ يَرْفَعْهُ، وهَذا أصَحُّ مِن حَدِيثِ الحَسَنِ بْنِ قَزَعَةَ، ولا نَعْلَمُ الحَدِيثَ مَرْفُوعًا أصْلًا. وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ (مُنَزِّلُها) مُشَدَّدًا. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ مُخَفَّفًا، والأعْمَشُ وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ، إنِّي سَأُنْزِلُها، بِسِينِ الِاسْتِقْبالِ بَعْدُ؛ أيْ: بَعْدَ إنْزالِها. والعَذابُ هُنا بِمَعْنى التَّعْذِيبِ، فانْتِصابُهُ انْتِصابُ المَصْدَرِ، وأجازَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا بِهِ عَلى السَّعَةِ، وهو إعْرابٌ سائِغٌ. ولا يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالعَذابِ؛ ما يُعَذِّبُ بِهِ إذْ يَلْزَمُ أنْ يَتَعَدّى إلَيْهِ الفِعْلُ بِحَرْفِ الجَرِّ، فَكانَ يَكُونُ التَّرْكِيبُ؛ فَإنِّي أُعَذِّبُهُ بِعَذابٍ. لا يُقالُ حُذِفَ حَرْفُ الجَرِّ، فَتَعَدّى الفِعْلُ إلَيْهِ، فَنَصَبَهُ؛ لِأنَّ حَذْفَ الحَرْفِ في مِثْلِ هَذا مُخْتَصٌّ بِالضَّرُورَةِ. والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في لا أُعَذِّبُهُ يَعُودُ عَلى العَذابِ بِمَعْنى التَّعْذِيبِ، والمَعْنى؛ لا أُعَذِّبُ مِثْلَ التَّعْذِيبِ أحَدًا. وأجازَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ لا أُعَذِّبُ بِهِ أحَدًا، وأنْ يَكُونَ مَفْعُولًا بِهِ عَلى السَّعَةِ، وأنْ يَكُونَ ضَمِيرَ المَصْدَرِ المُؤَكَّدِ، كَقَوْلِكَ: ظَنَنْتُهُ زَيْدًا مُنْطَلِقًا، فَلا يَعُودُ عَلى العَذابِ. ورابِطُ الجُمْلَةِ الواقِعَةِ صِفَةً لِعَذابٍ هو العُمُومُ الَّذِي في المَصْدَرِ المُؤَكَّدِ، …

Al-Maaida 5:115Listen in Qur'an →
116

وَإِذْ قَالَ ٱللَّهُ يَٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ ءَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ ٱتَّخِذُونِى وَأُمِّىَ إِلَٰهَيْنِ مِن دُونِ ٱللَّهِ ۖ قَالَ سُبْحَٰنَكَ مَا يَكُونُ لِىٓ أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِى بِحَقٍّ ۚ إِن كُنتُ قُلْتُهُۥ فَقَدْ عَلِمْتَهُۥ ۚ تَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِى وَلَآ أَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِكَ ۚ إِنَّكَ أَنتَ عَلَّٰمُ ٱلْغُيُوبِ

And [beware the Day] when Allah will say, "O Jesus, Son of Mary, did you say to the people, 'Take me and my mother as deities besides Allah?'" He will say, "Exalted are You! It was not for me to say that to which I have no right. If I had said it, You would have known it. You know what is within myself, and I do not know what is within Yourself. Indeed, it is You who is Knower of the unseen.

﴿وإذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اتَّخِذُونِي وأُمِّيَ إلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: (إذْ) زائِدَةٌ. وقالَ غَيْرُهُ بِمَعْنى (إذا) . والظّاهِرُ أنَّها عَلى أصْلِ وضْعِها، وأنَّ ما بَعْدَها مِنَ الفِعْلِ الماضِي قَدْ وقَعَ، ولا يَئُولُ قَوْلٌ. قالَ السُّدِّيُّ وغَيْرُهُ: كانَ هَذا القَوْلُ مِنَ اللَّهِ تَعالى حِينَ رَفَعَ عِيسى إلَيْهِ، وقالَتِ النَّصارى ما قالَتْ، وادَّعَتْ أنَّ عِيسى أمَرَهم بِذَلِكَ، واخْتارَهُ الطَّبَرِيُّ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ والجُمْهُورُ: هَذا القَوْلُ مِنَ اللَّهِ تَعالى، إنَّما هو يَوْمُ القِيامَةِ يَقُولُ لَهُ عَلى رُءُوسِ الخَلائِقِ، فَيَعْلَمُ الكُفّارُ أنَّ ما كانُوا عَلَيْهِ باطِلٌ، فَيَقَعُ التَّجَوُّزُ في اسْتِعْمالِ (إذْ) بِمَعْنى (إذا)، والماضِي بَعْدَهُ بِمَعْنى المُسْتَقْبَلِ، وفي إيلاءِ الِاسْتِفْهامِ الِاسْمَ، ومَجِيءِ الفِعْلِ بَعْدَهُ دَلالَةٌ عَلى صُدُورِ الفِعْلِ في الوُجُودِ، لَكِنْ وقَعَ الِاسْتِفْهامُ عَنِ النِّسْبَةِ، أكانَ هَذا الفِعْلُ الواقِعُ صادِرًا عَنِ المُخاطَبِ، أمْ لَيْسَ بِصادِرٍ عَنْهُ ؟ بَيانُ ذَلِكَ أنَّكَ تَقُولُ: أضْرَبْتَ زَيْدًا، فَهَذا اسْتِفْهامٌ، هَلْ صَدَرَ مِنكَ ضَرْبٌ لِزَيْدٍ أمْ لا ؟ ولا إشْعارَ فِيهِ بِأنَّ ضَرْبَ زِيدٍ قَدْ وقَعَ. فَإذا قُلْتَ: أنْتَ ضَرَبْتَ زَيْدًا ؟ كانَ الضَّرْبُ قَدْ وقَعَ بِزَيْدٍ، لَكِنَّكَ اسْتَفْهَمْتَ عَنْ إسْنادِهِ لِلْمُخاطَبِ، وهَذِهِ مَسْألَةٌ بَيانِيَّةٌ، نَصَّ عَلى ذَلِكَ أبُو الحَسَنِ الأخْفَشُ. وذَكَرَ المُفَسِّرُونَ: أنَّهُ لَمْ يَقُلْ أحَدٌ مِنَ النَّصارى بِإلَهِيَّةِ مَرْيَمَ، فَكَيْفَ قِيلَ: (إلَهَيْنِ) ؟ وأجابُوا بِأنَّهم لَمّا قالُوا لَمْ تَلِدْ بَشَرًا، وإنَّما ولَدَتْ إلَهًا، لَزِمَهم أنْ يَقُولُوا مِن حَيْثُ البَعْضِيَّةُ بِإلَهِيَّةِ مَن ولَدَتْهُ، فَصارُوا بِمَثابَةِ مَن قالَ انْتَهى. والظّاهِرُ صُدُورُ هَذا القَوْلِ في الوُجُودِ، لا مِن عِيسى، ولا يَلْزَمُ مِن صُدُورِ القَوْلِ وُجُودُ الِاتِّخاذِ.

﴿قالَ سُبْحانَكَ﴾ أيْ تَنْزِيهًا لَكَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: عَنْ أنْ يُقالَ هَذا ويُنْطَقَ بِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مِن أنْ يَكُونَ لَكَ شَرِيكٌ. والظّاهِرُ الأوَّلُ لِقَوْلِهِ بَعْدُ ﴿ما يَكُونُ لِي أنْ أقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾ . قالَ أبُو رَوْقٍ: لَمّا سَمِعَ عِيسى هَذا المَقالَ، ارْتَعَدَتْ مَفاصِلُهُ، وانْفَجَرَتْ مِن أصْلِ كُلِّ شَعْرَةٍ عَيْنٌ مِن دَمٍ، فَقالَ عِنْدَ ذَلِكَ مُجِيبًا لِلَّهِ تَعالى: ﴿سُبْحانَكَ﴾ تَنْزِيهًا وتَعْظِيمًا لَكَ وبَراءَةً لَكَ مِنَ السُّوءِ.

﴿ما يَكُونُ لِي أنْ أقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾ هَذا نَفْيٌ يُعَضِّدُهُ دَلِيلُ العَقْلِ، فَيَمْتَنِعُ عَقْلًا ادِّعاءُ بَشَرٍ مُحْدَثٍ الأُلُوهِيَّةَ، و(بِحَقٍّ) خَبَرُ (لَيْسَ) أيْ لَيْسَ مُسْتَحَقًّا، وأجازُوا في (لِي) أنْ يَكُونَ تَبْيِينًا وأنْ يَكُونَ صِلَةً صِفَةً لِقَوْلِهِ (بِحَقٍّ) لِي تَقَدَّمَ، فَصارَ حالًا؛ أيْ بِحَقٍّ لِي، ويَظْهَرُ أنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِحَقٍّ؛ لِأنَّ الباءَ زائِدَةٌ، (وحَقٍّ) بِمَعْنى مُسْتَحَقٍّ؛ أيْ ما لَيْسَ مُسْتَحَقًّا. وأجازَ بَعْضُهم أنْ يَكُونَ الكَلامُ قَدْ تَمَّ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ما لَيْسَ لِي﴾ وجَعَلَ (بِحَقٍّ) مُتَعَلِّقًا بِعِلْمِيَّتِهِ الَّذِي هو جَوابُ الشَّرْطِ. ورُدَّ ذَلِكَ بِادِّعاءِ التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ فِيما ظاهِرُهُ خِلافُ ذَلِكَ، ولا يُصارُ إلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ، إلّا لِمَعْنًى يَقْتَضِي ذَلِكَ، أوْ بِتَوْقِيفٍ، أوْ فِيما لا يُمْكِنُ فِيهِ إلّا ذَلِكَ انْتَهى هَذا القَوْلُ ورَدُّهُ. ويَمْتَنِعُ أنْ يَتَعَلَّقَ …

Al-Maaida 5:116Listen in Qur'an →
117

مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَآ أَمَرْتَنِى بِهِۦٓ أَنِ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ رَبِّى وَرَبَّكُمْ ۚ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًۭا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ ۖ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِى كُنتَ أَنتَ ٱلرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ ۚ وَأَنتَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ شَهِيدٌ

I said not to them except what You commanded me - to worship Allah, my Lord and your Lord. And I was a witness over them as long as I was among them; but when You took me up, You were the Observer over them, and You are, over all things, Witness.

﴿ما قُلْتُ لَهم إلّا ما أمَرْتَنِي بِهِ أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي ورَبَّكُمْ﴾ أخْبَرَ أنَّهُ لَمْ يَتَعَدَّ أمْرَ اللَّهِ في أنْ أمَرَ بِعِبادَتِهِ، وأقَرَّ بِرُبُوبِيَّتِهِ. وفي قَوْلِهِ: ﴿رَبِّي ورَبَّكُمْ﴾ بَراءَةٌ مِمّا ادَّعَوْهُ فِيهِ، وفي الإنْجِيلِ قالَ يا مَعاشِرَ بَنِي المَعْمُودِيَّةِ ؟ قُومُوا بِنا إلى أبِي وأبِيكم، وإلَهِي وإلَهِكم، ومُخَلِّصِي ومُخَلِّصِكم. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: كانَ الأصْلُ أنْ يُقالَ: ما أمَرْتُهم إلّا ما أمَرْتَنِي بِهِ، إلّا أنَّهُ وضَعَ القَوْلَ مَوْضِعَ الأمْرِ؛ نُزُولًا عَلى مُوجِبِ الأدَبِ. وقالَ الحَسَنُ: إنَّما عَدَلَ لِئَلّا يَجْعَلَ نَفْسَهُ ورَبَّهُ آمِرِينَ مَعًا، ودَلَّ عَلى أنَّ الأصْلَ ما ذَكَرَ (أنْ) المُفَسِّرَةُ انْتَهى. قالَ الحَوْفِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ: (وأنْ) في (أنِ اعْبُدُوا) مُفَسِّرَةٌ لا مَوْضِعَ لَها مِنَ الإعْرابِ، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن (ما)، وصَحَّ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنَ الضَّمِيرِ في بِهِ، زادَ ابْنُ عَطِيَّةَ أنَّهُ يَصِحُّ أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ خَفْضٍ عَلى تَقْدِيرِهِ: .

﴿أنِ اعْبُدُوا﴾، وأجازَ أبُو البَقاءِ الجَرَّ عَلى البَدَلِ مِنَ الهاءِ، والرَّفْعَ عَلى إضْمارِ (هو)، والنَّصْبَ عَلى إضْمارِ (أعْنِي)، أوْ بَدَلًا مِن مَوْضِعِ (بِهِ) . قالَ: ولا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى (أنْ) المُفَسِّرَةِ؛ لِأنَّ القَوْلَ قَدْ صُرِّحَ بِهِ، و(أنْ) لا تَكُونُ مَعَ التَّصْرِيحِ بِالقَوْلِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (أنْ) في قَوْلِهِ: ﴿أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ إنْ جَعَلْتَها مُفَسِّرَةً لَمْ يَكُنْ لَها بُدٌّ مِن مُفَسَّرٍ، والمُفَسَّرُ إمّا فِعْلُ القَوْلِ، وإمّا فِعْلُ الأمْرِ، وكِلاهُما لا وجْهَ لَهُ؛ أمّا فِعْلُ القَوْلِ، فَيُحْكى بَعْدَهُ الكَلامُ مِن غَيْرِ أنْ يُوَسَّطَ بَيْنَهُما حَرْفُ التَّفْسِيرِ، لا تَقُولُ: ما قُلْتُ لَهم إلّا ﴿أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي ورَبَّكُمْ﴾، ولَكِنْ ما قَلْتُ لَهم إلّا اعْبُدُوا اللَّهَ، وأمّا فِعْلُ الأمْرِ، فَمُسْنَدٌ إلى ضَمِيرِ اللَّهِ تَعالى، فَلَوْ فَسَّرْتَهُ بِاعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي ورَبَّكم، لَمْ يَسْتَقِمْ؛ لِأنَّ اللَّهَ لا يَقُولُ: اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي ورَبَّكم، وإنْ جَعَلْتَها مَوْصُولَةً بِالفِعْلِ، لَمْ يَخْلُ مِن أنْ تَكُونَ بَدَلًا مِن ما أمَرْتَنِي بِهِ، أوْ مِنَ الهاءِ في بِهِ، وكِلاهُما غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ؛ لِأنَّ البَدَلَ هو الَّذِي يَقُومُ مَقامَ المُبَدَّلِ مِنهُ، ولا يُقالُ ما قُلْتُ لَهم إلّا أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ، بِمَعْنى ما قُلْتُ لَهم إلّا عِبادَتَهُ؛ لِأنَّ العِبادَةَ لا تُقالُ، وكَذَلِكَ إذا جَعَلْتَهُ بَدَلًا مِنَ الهاءِ؛ لِأنَّكَ لَوْ أقَمْتَ ﴿أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ لَمْ يَصِحَّ لِبَقاءِ المَوْصُولِ بِغَيْرِ راجِعٍ إلَيْهِ مِن صِلَتِهِ. فَإنْ قُلْتَ: فَكَيْفَ تَصْنَعُ ؟ قُلْتُ: يُحْمَلُ فِعْلُ القَوْلِ عَلى مَعْناهُ؛ لِأنَّ مَعْنى ﴿ما قُلْتُ لَهم إلّا ما أمَرْتَنِي بِهِ﴾ ما أمَرْتُهم إلّا بِما أمَرْتَنِي بِهِ حَتّى يَسْتَقِيمَ تَفْسِيرُهُ بِـ ﴿أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي ورَبَّكُمْ﴾ ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً عَطْفًا عَلى بَيانِ الهاءِ، لا بَدَلًا انْتَهى. وفِيهِ بَعْضُ تَلْخِيصٍ. أمّا قَوْلُهُ: وأمّا فِعْلُ الأمْرِ إلى آخِرِ المَنعِ، وقَوْلُهُ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى، لا يَقُولُ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي ورَبَّكم، فَإنَّما لَمْ يَسْتَقِمْ؛ لِأنَّهُ جَعَلَ الجُمْلَةَ وما بَعْدَها مَضْمُومَةً إلى فِعْلِ الأمْرِ، ويَسْتَقِيمُ أنْ يَكُونَ فِعْلُ الأمْرِ مُفَسَّرًا بِقَوْلِهِ: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ﴾، ويَكُونُ ﴿رَبِّي ورَبَّكُمْ﴾ مِن كَلامِ عِيسى، عَلى إضْمارِ أعْنِي؛ أيْ أعْنِي رَبِّي …

Al-Maaida 5:117Listen in Qur'an →
118

إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ ۖ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ

If You should punish them - indeed they are Your servants; but if You forgive them - indeed it is You who is the Exalted in Might, the Wise.

﴿إنْ تُعَذِّبْهم فَإنَّهم عِبادُكَ وإنْ تَغْفِرْ لَهم فَإنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿فَإنَّهم عِبادُكَ﴾ والَّذِينَ عَذَّبْتَهم جاحِدِينَ لِآياتِكَ مُكَذِّبِينَ لِأنْبِيائِكَ، وإنْ تَغْفِرْ لَهم فَإنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ القَوِيُّ عَلى الثَّوابِ والعِقابِ، الحَكِيمُ الَّذِي لا يُثِيبُ ولا يُعاقِبُ إلّا عَنْ حِكْمَةٍ وصَوابٍ. فَإنْ قُلْتَ: المَغْفِرَةُ لا تَكُونُ لِلْكُفّارِ، فَكَيْفَ قالَ: ﴿وإنْ تَغْفِرْ لَهُمْ﴾ ؟ قُلْتُ: ما قالَ: إنَّكَ تَغْفِرُ لَهم، ولَكِنَّهُ بَنى الكَلامَ عَلى أنْ يُقالَ: إنْ عَذَّبْتَهم عَدَلْتَ؛ لِأنَّهم أحِقّاءُ بِالعَذابِ، وإنْ غَفَرْتَ لَهم مَعَ كُفْرِهِمْ، لَمْ تَعْدَمْ في المَغْفِرَةِ وجْهَ حِكْمَةٍ؛ لِأنَّ المَغْفِرَةَ حَسَنَةٌ لِكُلِّ مُجْرِمٍ في المَعْقُولِ، بَلْ مَتى كانَ المُجْرِمُ أعْظَمَ جُرْمًا، كانَ العَفْوُ عَنْهُ أحْسَنَ. وهَذا مِنَ الزَّمَخْشَرِيِّ مَيْلٌ إلى مَذاهِبِ أهْلِ السُّنَّةِ، فَإنَّ غُفْرانَ الكُفْرِ جائِزٌ عِنْدَهم، وعِنْدَ جُمْهُورِ البَصْرِيِّينَ مِنَ المُعْتَزِلَةِ عَقْلًا، قالُوا: لِأنَّ العِقابَ حَقٌّ لِلَّهِ عَلى الذَّنْبِ، وفي إسْقاطِ مَنفَعَةٍ، ولَيْسَ في إسْقاطِهِ عَلى اللَّهِ مَضَرَّةٌ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ حَسَنًا، ودَلَّ الدَّلِيلُ السَّمْعِيُّ في شَرْعِنا عَلى أنَّهُ لا يَقَعُ، فَلَعَلَّ هَذا الدَّلِيلَ السَّمْعِيَّ، ما كانَ مَوْجُودًا في شَرْعِ عِيسى، عَلَيْهِ السَّلامُ انْتَهى كَلامُ جُمْهُورِ البَصْرِيِّينَ مِنَ المُعْتَزِلَةِ. وقالَ أهْلُ السُّنَّةِ: مَقْصُودُ عِيسى تَفْوِيضُ الأُمُورِ كُلِّها إلى اللَّهِ تَعالى، وتَرْكُ الِاعْتِراضِ بِالكُلِّيَّةِ، ولِذَلِكَ خَتَمَ الكَلامَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ أيْ قادِرٌ عَلى ما تُرِيدُ في كُلِّ ما تَفْعَلُ، لا اعْتِراضَ عَلَيْكَ. وقِيلَ: لَمّا قالَ لِعِيسى: ﴿أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ﴾ [المائدة: ١١٦] الآيَةَ، عُلِمَ أنَّ قَوْمًا مِنَ النَّصارى حَكَوْا هَذا الكَلامَ عَنْهُ، والحاكِي هَذا الكُفْرَ، لا يَكُونُ كافِرًا، بَلْ مُذْنِبًا حَيْثُ كَذَبَ، وغُفْرانُ الذَّنْبِ جائِزٌ، فَلِهَذا قالَ: ﴿وإنْ تَغْفِرْ لَهُمْ﴾ . وقِيلَ: كانَ عِنْدَ عِيسى أنَّهم أحْدَثُوا المَعاصِيَ، وعَمِلُوا بَعْدَهُ بِما لَمْ يَأْمُرْهم بِهِ، إلّا أنَّهم عَلى عَمُودِ دِينِهِ، فَقالَ: ﴿وإنْ تَغْفِرْ لَهُمْ﴾ ما أحْدَثُوا بَعْدِي مِنَ المَعاصِي، وهَذا يَتَوَجَّهُ عَلى قَوْلِ مَن قالَ: إنَّ قَوْلَ اللَّهِ لَهُ ﴿أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ﴾ [المائدة: ١١٦] كانَ وقْتَ الرَّفْعِ؛ لِأنَّهُ قالَ ذَلِكَ، وهم أحْياءٌ لا يَدْرِي ما يَمُوتُونَ عَلَيْهِ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ في (تُعَذِّبُهم) عائِدٌ عَلى مَن ماتَ كافِرًا، وفي ﴿وإنْ تَغْفِرْ لَهُمْ﴾ عائِدٌ عَلى مَن تابَ مِنهم قَبْلَ المَوْتِ. وقِيلَ: قالَ ذَلِكَ عَلى وجْهِ الِاسْتِعْطافِ لَهم، والرَّأْفَةِ بِهِمْ مَعَ عِلْمِهِ بِأنَّ الكُفّارَ لا يُغْفَرُ لَهم، ولِهَذا لَمْ يَقُلْ: لِأنَّهم عَصَوْكَ ؟ انْتَهى. وهَذا فِيهِ بُعْدٌ؛ لِأنَّ الِاسْتِعْطافَ، لا يَحْسُنُ إلّا لِمَن يُرْجى لَهُ العَفْوُ والتَّخْفِيفُ، والكُفّارُ لا يُرْجى لَهم ذَلِكَ. والَّذِي أخْتارُهُ مِن هَذِهِ الأقْوالِ؛ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى ﴿وإذْ قالَ اللَّهُ ياعِيسى ابْنَ مَرْيَمَ أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ﴾ [المائدة: ١١٦] قَوْلٌ قَدْ صَدَرَ، ومَعْنًى يَعْطِفُهُ عَلى ما صَدَرَ ومَضى، ومَجِيئُهُ بِـ (إذْ) الَّتِي هي ظَرْفٌ لِما مَضى، ويُقالُ الَّتِي هي حَقِيقَةٌ في الماضِي، فَجَمِيعُ ما جاءَ في هَذِهِ الآياتِ مِن (إذْ) قالَ: هو مَحْمُولٌ عَلى أصْلِ وضْعِهِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ، فَقَوْلُ عِيسى: ﴿وإنْ تَغْفِرْ لَهُمْ﴾، فَعَبَّرَ …

Al-Maaida 5:118Listen in Qur'an →
119

قَالَ ٱللَّهُ هَٰذَا يَوْمُ يَنفَعُ ٱلصَّٰدِقِينَ صِدْقُهُمْ ۚ لَهُمْ جَنَّٰتٌۭ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدًۭا ۚ رَّضِىَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا۟ عَنْهُ ۚ ذَٰلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ

Allah will say, "This is the Day when the truthful will benefit from their truthfulness." For them are gardens [in Paradise] beneath which rivers flow, wherein they will abide forever, Allah being pleased with them, and they with Him. That is the great attainment.

﴿قالَ اللَّهُ هَذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿هَذا يَوْمُ﴾، بِالرَّفْعِ عَلى أنَّ هَذا مُبْتَدَأٌ، و(يَوْمُ) خَبَرُهُ، والجُمْلَةُ مَحْكِيَّةٌ بِـ (قالَ)، وهي في مَوْضِعِ المَفْعُولِ بِهِ لِـ (قالَ) أيْ هَذا الوَقْتُ وقْتُ نَفْعِ الصّادِقِينَ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى صِدْقِ عِيسى، عَلَيْهِ السَّلامُ. وقَرَأ نافِعٌ (هَذا يَوْمَ) بِفَتْحِ المِيمِ. وخَرَّجَهُ الكُوفِيُّونَ عَلى أنَّهُ مَبْنِيٌّ خَبَرٌ لِهَذا، وبُنِيَ لِإضافَتِهِ إلى الجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ، وهم لا يَشْتَرِطُونَ كَوْنَ الفِعْلِ مَبْنِيًّا في بِناءِ الظَّرْفِ المُضافِ إلى الجُمْلَةِ، فَعَلى قَوْلِهِمْ تَتَّحِدُ القِراءَتانِ في المَعْنى. وقالَ البَصْرِيُّونَ: شَرْطُ هَذا البِناءِ إذا أُضِيفَ الظَّرْفُ إلى الجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ، أنْ يَكُونَ مُصَدَّرًا بِفِعْلٍ مَبْنِيٍّ؛ لِأنَّهُ لا يَسْرِي إلَيْهِ البِناءُ، إلّا مِنَ المَبْنِيِّ الَّذِي أُضِيفَ إلَيْهِ. والمَسْألَةُ مُقَرَّرَةٌ في عِلْمِ النَّحْوِ، فَعَلى قَوْلِ البَصْرِيِّينَ: هو مُعْرَبٌ لا مَبْنِيٌّ، وخُرِّجَ نَصْبُهُ عَلى وجْهَيْنِ ذَكَرَهُما الزَّمَخْشَرِيُّ وغَيْرُهُ؛ أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ ظَرْفًا لِـ (قالَ)، وهَذا إشارَةٌ إلى المَصْدَرِ، فَيَكُونُ مَنصُوبًا عَلى المَصْدَرِيَّةِ؛ أيْ قالَ اللَّهُ هَذا القَوْلَ، أوْ إشارَةٌ إلى الخَبَرِ، أوِ القَصَصِ، كَقَوْلِكَ: قالَ زَيْدٌ شِعْرًا، أوْ قالَ زَيْدٌ خُطْبَةً، فَيَكُونُ إشارَةً إلى مَضْمُونِ الجُمْلَةِ. واخْتُلِفَ في نَصْبِهِ، أهْوَ عَلى المَصْدَرِيَّةِ، أوْ يَنْتَصِبُ مَفْعُولًا بِهِ ؟ فَعَلى هَذا الخِلافِ يَنْتَصِبُ إذا كانَ إشارَةً إلى الخَبَرِ، أوِ القَصَصِ، نَصْبَ المَصْدَرِ، أوْ نَصْبَ المَفْعُولِ بِهِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وانْتِصابُهُ عَلى الظَّرْفِ. وتَقْدِيرُهُ ﴿قالَ اللَّهُ هَذا﴾ القَصَصَ، أوِ الخَبَرَ ﴿يَوْمُ يَنْفَعُ﴾ مَعْنًى يُزِيلُ وصْفَ الآيَةِ، وبَهاءَ اللَّفْظِ والمَعْنى، والوَجْهُ الثّانِي: أنْ يَكُونَ ظَرْفًا خَبَرَ (هَذا)، (وهَذا) مَرْفُوعٌ عَلى الِابْتِداءِ، والتَّقْدِيرُ هَذا الَّذِي ذَكَرْناهُ مِن كَلامِ عِيسى واقِعٌ يَوْمَ يَنْفَعُ، ويَكُونُ هَذا يَوْمَ يَنْفَعُ، جُمْلَةً مَحْكِيَّةً بِـ (قالَ) . قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقَرَأ الأعْمَشُ يَوْمًا يَنْفَعُ، بِالتَّنْوِينِ، كَقَوْلِهِ: ﴿واتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي﴾ [البقرة: ٤٨] . وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ عَيّاشٍ الشّامِيُّ ﴿هَذا يَوْمُ﴾ بِالرَّفْعِ والتَّنْوِينِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿صِدْقُهُمْ﴾ بِالرَّفْعِ فاعِلُ (يَنْفَعُ)، وقُرِئَ بِالنَّصْبِ، وخُرِّجَ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ؛ أيْ لِصِدْقِهِمْ، أوْ عَلى إسْقاطِ حَرْفِ الجَرِّ؛ أيْ بِصِدْقِهِمْ، أوْ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ؛ أيِ الَّذِينَ يَصْدُقُونَ صِدْقَهَمْ، أوْ مَفْعُولٌ بِهِ؛ أيْ يَصْدُقُونَ الصِّدْقَ، كَما تَقُولُ: صَدَقْتُهُ القِتالَ، والمَعْنى يُحَقِّقُونَ الصِّدْقَ.

قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: إنْ أُرِيدَ صِدْقُهم في الآخِرَةِ، فَلَيْسَتْ بِدارِ عَمَلٍ، وإنْ أُرِيدَ في الدُّنْيا، فَلَيْسَ بِمُطابِقٍ لِما ورَدَ فِيهِ، لِأنَّهُ في مَعْنى الشَّهادَةِ لِعِيسى، عَلَيْهِ السَّلامُ، بِالصِّدْقِ فِيما يُجِيبُ بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ، قُلْتُ: مَعْناهُ الصِّدْقُ المُسْتَمِرُّ بِالصّادِقِينَ في دُنْياهم وآخِرَتِهِمُ انْتَهى. وهَذا بِناءً عَلى قَوْلِ مَن قالَ: إنَّ هَذا القَوْلَ يَكُونُ مِنَ اللَّهِ تَعالى في الآخِرَةِ، وقَدِ اتَّبَعَ الزَّمَخْشَرِيَّ الزَّجّاجُ في قَوْلِهِ: هَذا حَقِيقَتُهُ الحِكايَةُ، ومَعْنى ﴿يَنْفَعُ الصّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ الَّذِي كانَ في الدُّنْيا يَنْفَعُهم في القِيامَةِ، …

Al-Maaida 5:119Listen in Qur'an →
120

لِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ ۚ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌۢ

To Allah belongs the dominion of the heavens and the earth and whatever is within them. And He is over all things competent.

﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وما فِيهِنَّ وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ . لَمّا ادَّعَتِ النَّصارى في عِيسى وأُمِّهِ الأُلُوهِيَّةَ، اقْتَضَتِ الدَّعْوى أنْ يَكُونا مالِكَيْنِ قادِرَيْنِ، فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِمّا يُقالُ يَوْمَ القِيامَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَقْطُوعًا مِن ذَلِكَ مُخاطَبًا بِهِ مُحَمَّدًا ﷺ، وأُمَّتَهُ انْتَهى. وقِيلَ: هَذا جَوابُ سائِلٍ مَن يُعْطِيهِمْ ﴿ذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ [المائدة: ١١٩] فَقِيلَ: الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: ما في السَّماواتِ والأرْضِ العُقَلاءُ وغَيْرُهم، فَهَلْ غَلَّبَ العُقَلاءَ، فَقِيلَ: ومَن فِيهِنَّ، قُلْتُ: (ما) تَتَناوَلُ الأجْناسَ كُلَّها تَناوُلًا عامًّا، ألا تَراكَ تَقُولُ: إذا رَأيْتَ شَبَحًا مِن بَعِيدٍ ما هو قَبْلَ أنْ تَعْرِفَ أعاقِلٌ هو أمْ غَيْرُ عاقِلٍ ؟ فَكانَ أوْلى بِإرادَةِ العُمُومِ انْتَهى كَلامُهُ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: غُلِّبَ غَيْرُ العُقَلاءِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ كُلَّ المَخْلُوقاتِ مُسَخَّرِينَ في قَبْضَةِ قَهْرِهِ وقَدَرِهِ وقَضائِهِ وقُدْرَتِهِ، وهم في ذَلِكَ التَّسْخِيرِ كالجَماداتِ الَّتِي لا قُدْرَةَ لَها، وكالبَهائِمِ الَّتِي لا عَقْلَ لَها، فَعِلْمُ الكُلِّ بِالنِّسْبَةِ إلى عِلْمِهِ كَلا عِلْمٍ، وقُدْرَةُ الكُلِّ بِالنِّسْبَةِ إلى قُدْرَتِهِ كَلا قُدْرَةٍ. وقالَ أيْضًا: مُفْتَتَحُ السُّورَةِ، كانَ بِذِكْرِ العَهْدِ المُنْعَقِدِ بَيْنَ الرُّبُوبِيَّةِ، والعُبُودِيَّةِ، فَيُشْرَعُ العَبْدُ في العُبُودِيَّةِ، ويَنْتَهِي إلى الفَناءِ المَحْضِ عَنْ نَفْسِهِ بِالكُلِّيَّةِ، فالأوَّلُ هو الشَّرِيعَةُ، وهو البِدايَةُ، والآخَرُ هو الحَقِيقَةُ، وهو النِّهايَةُ، فَمُفْتَتَحُ السُّورَةِ مِنَ الشَّرِيعَةِ، ومُخْتَتَمُها بِذِكْرِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ وكِبْرِيائِهِ تَعالى وعِزَّتِهِ وقَهْرِهِ وعُلُّوِهِ، وذَلِكَ هو الوُصُولُ إلى مَقامِ الحَقِيقَةِ، فَما أحْسَنَ المُناسَبَةَ بَيْنَ ذَلِكَ المُفْتَتَحِ وهَذا المُخْتَتَمِ انْتَهى كَلامُهُ. ولَيْسَتِ الحَقِيقَةُ والشَّرِيعَةُ والتَّمْيِيزُ بَيْنَهُما، لا مِن كَلامِ الصَّحابَةِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم، ولا مِن كَلامِ التّابِعِينَ، وإنَّما ذَلِكَ مِن ألْفاظِ الصُّوفِيَّةِ واصْطِلاحاتِهِمْ، ولَهم في ذَلِكَ كَلامٌ طَوِيلٌ، واللَّهُ أعْلَمُ بِالصَّوابِ.

Al-Maaida 5:120Listen in Qur'an →

Commentary: Al-Bahr al-Muhit by Abu Hayyan al-Gharnati. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.