Muslim99Muslim99
← Tafsir library

5. Al-Maaida

The Table · Medinan · 120 ayahs

سُورَةُ المَائـِدَةِ

Reading Tafsir Ibn 'Uthaymin by Muhammad ibn Salih al-'Uthaymin

Ayahs 111–120 of 120

111

وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى ٱلْحَوَارِيِّۦنَ أَنْ ءَامِنُوا۟ بِى وَبِرَسُولِى قَالُوٓا۟ ءَامَنَّا وَٱشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ

And [remember] when I inspired to the disciples, "Believe in Me and in My messenger Jesus." They said, "We have believed, so bear witness that indeed we are Muslims [in submission to Allah]."

طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ (١١١) إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١١٢) قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ (١١٣) قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (١١٤) قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِين﴾ [المائدة ١١١- ١١٥].

* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي﴾ (إذ) على حسب ما مر علينا مفعول لفعل محذوف، التقدير: اذكر إذ أوحيت. وقوله: ﴿أَنْ آمِنُوا بِي﴾ (أن) هنا تفسيرية؛ لأنها إذا وقعت بعد فعل تضمن معنى القول دون حروفه سميت تفسيرية، والوحي فعل متضمن لمعنى القول دون حروفه، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿أَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ﴾ [المؤمنون ٢٧]، فـ(أن) هنا يعربها أهل النحو على أنها تفسيرية، ﴿أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي﴾ أعاد حرف الجر في قوله: ﴿وَبِرَسُولِي﴾ وهو معطوف على قوله: ﴿بِي﴾؛ لأنه إذا عطف على ضمير متصل فإنه يؤتى بحرف الجر الذي كان في المعطوف عليه، هذا هو الأشهر في اللغة العربية، وربما يخرج الكلام عن الأصل، مثل قوله تعالى: ﴿واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحامِ﴾ على قراءة، والقراءة المشهورة ﴿وَالْأَرْحَامَ﴾ [النساء ١]، ومثل قوله: ﴿وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة ٢١٧] ولم يقل: وبالمسجد، وإلا فالأصل أنه إذا عطف على ضمير متصل فإنه يعاد حرف الجر.

﴿قَالُوا آمَنَّا﴾ -هذا جواب ﴿أَنْ آمِنُوا بِي﴾ - ﴿وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾ يجوز في مثل هذا -أي ﴿بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾ - يجوز أن تضعف النون وألا تضعف، إن ضعفت فلا بد من الإتيان بالضمير ﴿بِأَنَّنَا﴾، وإن لم تضعف أدغمت النون بنون الضمير فصارت: بأنا مسلمون، وقد جاء ذلك في القرآن.

﴿إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ﴾ هذه أيضًا جملة استئنافية، عامل (إذ) محذوف، والتقدير: اذكر إذ قال الحواريون: يا عيسى بن مريم. عيسى: منادى، وهو في مثل هذا يُبنى على الضم في محل نصب، ولكن جاءت (ابن) وهي صفة أو عطف بيان منصوبة، ولم تتبع موصوفها، لماذا؟ لأنها مضافة، ولهذا تقول: يا زيدُ بنَ عبد الله، ولا تقول: يا زيدُ بنُ عبد الله؛ لأن هذا لو سلط عليه العامل -أعني المضاف- لنصبه، فإذا كان العامل لو سلط عليه مباشرة لنصبه فكيف والعامل لم يسلط عليه إلا بواسطة، واسطة أيش؟

* طالب: البدلية.

* الشيخ: المعطوف عليه عطف بيان أو بدل.

﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ﴾ فيها قراءتان، قراءة: ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ﴾ وقراءة: ﴿هَلْ تَسْتَطِيعُ رَبَّكَ﴾ ، وكلاهما سبعية، أما ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ﴾ فهي فعل وفاعل، وأما ﴿هَلْ تَسْتَطِيعُ رَبَّكَ﴾ فهي فعل وفاعل متصل، ومفعول به، الفاعل المتصل في (هَلْ تَسْتَطِيعُ) يعود على من؟ على عيسى.

﴿أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾، قوله: ﴿مِنَ السَّمَاءِ﴾ جار ومجرور صفة لـ(مائدة)؛ وذلك لأن الجار والمجرور والفعل إذا أتى بعد النكرة فهو صفة، وإن أتى بعد المعرفة فهو حال.

قال: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾، قوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ …

Al-Maaida 5:111Listen in Qur'an →
112

إِذْ قَالَ ٱلْحَوَارِيُّونَ يَٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَآئِدَةًۭ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ ۖ قَالَ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ

[And remember] when the disciples said, "O Jesus, Son of Mary, can your Lord send down to us a table [spread with food] from the heaven? [Jesus] said," Fear Allah, if you should be believers."

طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ (١١١) إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١١٢) قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ (١١٣) قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (١١٤) قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِين﴾ [المائدة ١١١- ١١٥].

* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي﴾ (إذ) على حسب ما مر علينا مفعول لفعل محذوف، التقدير: اذكر إذ أوحيت. وقوله: ﴿أَنْ آمِنُوا بِي﴾ (أن) هنا تفسيرية؛ لأنها إذا وقعت بعد فعل تضمن معنى القول دون حروفه سميت تفسيرية، والوحي فعل متضمن لمعنى القول دون حروفه، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿أَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ﴾ [المؤمنون ٢٧]، فـ(أن) هنا يعربها أهل النحو على أنها تفسيرية، ﴿أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي﴾ أعاد حرف الجر في قوله: ﴿وَبِرَسُولِي﴾ وهو معطوف على قوله: ﴿بِي﴾؛ لأنه إذا عطف على ضمير متصل فإنه يؤتى بحرف الجر الذي كان في المعطوف عليه، هذا هو الأشهر في اللغة العربية، وربما يخرج الكلام عن الأصل، مثل قوله تعالى: ﴿واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحامِ﴾ على قراءة، والقراءة المشهورة ﴿وَالْأَرْحَامَ﴾ [النساء ١]، ومثل قوله: ﴿وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة ٢١٧] ولم يقل: وبالمسجد، وإلا فالأصل أنه إذا عطف على ضمير متصل فإنه يعاد حرف الجر.

﴿قَالُوا آمَنَّا﴾ -هذا جواب ﴿أَنْ آمِنُوا بِي﴾ - ﴿وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾ يجوز في مثل هذا -أي ﴿بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾ - يجوز أن تضعف النون وألا تضعف، إن ضعفت فلا بد من الإتيان بالضمير ﴿بِأَنَّنَا﴾، وإن لم تضعف أدغمت النون بنون الضمير فصارت: بأنا مسلمون، وقد جاء ذلك في القرآن.

﴿إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ﴾ هذه أيضًا جملة استئنافية، عامل (إذ) محذوف، والتقدير: اذكر إذ قال الحواريون: يا عيسى بن مريم. عيسى: منادى، وهو في مثل هذا يُبنى على الضم في محل نصب، ولكن جاءت (ابن) وهي صفة أو عطف بيان منصوبة، ولم تتبع موصوفها، لماذا؟ لأنها مضافة، ولهذا تقول: يا زيدُ بنَ عبد الله، ولا تقول: يا زيدُ بنُ عبد الله؛ لأن هذا لو سلط عليه العامل -أعني المضاف- لنصبه، فإذا كان العامل لو سلط عليه مباشرة لنصبه فكيف والعامل لم يسلط عليه إلا بواسطة، واسطة أيش؟

* طالب: البدلية.

* الشيخ: المعطوف عليه عطف بيان أو بدل.

﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ﴾ فيها قراءتان، قراءة: ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ﴾ وقراءة: ﴿هَلْ تَسْتَطِيعُ رَبَّكَ﴾ ، وكلاهما سبعية، أما ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ﴾ فهي فعل وفاعل، وأما ﴿هَلْ تَسْتَطِيعُ رَبَّكَ﴾ فهي فعل وفاعل متصل، ومفعول به، الفاعل المتصل في (هَلْ تَسْتَطِيعُ) يعود على من؟ على عيسى.

﴿أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾، قوله: ﴿مِنَ السَّمَاءِ﴾ جار ومجرور صفة لـ(مائدة)؛ وذلك لأن الجار والمجرور والفعل إذا أتى بعد النكرة فهو صفة، وإن أتى بعد المعرفة فهو حال.

قال: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾، قوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ …

Al-Maaida 5:112Listen in Qur'an →
113

قَالُوا۟ نُرِيدُ أَن نَّأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَن قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ ٱلشَّٰهِدِينَ

They said, "We wish to eat from it and let our hearts be reassured and know that you have been truthful to us and be among its witnesses."

طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ (١١١) إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١١٢) قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ (١١٣) قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (١١٤) قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِين﴾ [المائدة ١١١- ١١٥].

* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي﴾ (إذ) على حسب ما مر علينا مفعول لفعل محذوف، التقدير: اذكر إذ أوحيت. وقوله: ﴿أَنْ آمِنُوا بِي﴾ (أن) هنا تفسيرية؛ لأنها إذا وقعت بعد فعل تضمن معنى القول دون حروفه سميت تفسيرية، والوحي فعل متضمن لمعنى القول دون حروفه، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿أَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ﴾ [المؤمنون ٢٧]، فـ(أن) هنا يعربها أهل النحو على أنها تفسيرية، ﴿أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي﴾ أعاد حرف الجر في قوله: ﴿وَبِرَسُولِي﴾ وهو معطوف على قوله: ﴿بِي﴾؛ لأنه إذا عطف على ضمير متصل فإنه يؤتى بحرف الجر الذي كان في المعطوف عليه، هذا هو الأشهر في اللغة العربية، وربما يخرج الكلام عن الأصل، مثل قوله تعالى: ﴿واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحامِ﴾ على قراءة، والقراءة المشهورة ﴿وَالْأَرْحَامَ﴾ [النساء ١]، ومثل قوله: ﴿وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة ٢١٧] ولم يقل: وبالمسجد، وإلا فالأصل أنه إذا عطف على ضمير متصل فإنه يعاد حرف الجر.

﴿قَالُوا آمَنَّا﴾ -هذا جواب ﴿أَنْ آمِنُوا بِي﴾ - ﴿وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾ يجوز في مثل هذا -أي ﴿بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾ - يجوز أن تضعف النون وألا تضعف، إن ضعفت فلا بد من الإتيان بالضمير ﴿بِأَنَّنَا﴾، وإن لم تضعف أدغمت النون بنون الضمير فصارت: بأنا مسلمون، وقد جاء ذلك في القرآن.

﴿إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ﴾ هذه أيضًا جملة استئنافية، عامل (إذ) محذوف، والتقدير: اذكر إذ قال الحواريون: يا عيسى بن مريم. عيسى: منادى، وهو في مثل هذا يُبنى على الضم في محل نصب، ولكن جاءت (ابن) وهي صفة أو عطف بيان منصوبة، ولم تتبع موصوفها، لماذا؟ لأنها مضافة، ولهذا تقول: يا زيدُ بنَ عبد الله، ولا تقول: يا زيدُ بنُ عبد الله؛ لأن هذا لو سلط عليه العامل -أعني المضاف- لنصبه، فإذا كان العامل لو سلط عليه مباشرة لنصبه فكيف والعامل لم يسلط عليه إلا بواسطة، واسطة أيش؟

* طالب: البدلية.

* الشيخ: المعطوف عليه عطف بيان أو بدل.

﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ﴾ فيها قراءتان، قراءة: ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ﴾ وقراءة: ﴿هَلْ تَسْتَطِيعُ رَبَّكَ﴾ ، وكلاهما سبعية، أما ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ﴾ فهي فعل وفاعل، وأما ﴿هَلْ تَسْتَطِيعُ رَبَّكَ﴾ فهي فعل وفاعل متصل، ومفعول به، الفاعل المتصل في (هَلْ تَسْتَطِيعُ) يعود على من؟ على عيسى.

﴿أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾، قوله: ﴿مِنَ السَّمَاءِ﴾ جار ومجرور صفة لـ(مائدة)؛ وذلك لأن الجار والمجرور والفعل إذا أتى بعد النكرة فهو صفة، وإن أتى بعد المعرفة فهو حال.

قال: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾، قوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ …

Al-Maaida 5:113Listen in Qur'an →
114

قَالَ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ ٱللَّهُمَّ رَبَّنَآ أَنزِلْ عَلَيْنَا مَآئِدَةًۭ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًۭا لِّأَوَّلِنَا وَءَاخِرِنَا وَءَايَةًۭ مِّنكَ ۖ وَٱرْزُقْنَا وَأَنتَ خَيْرُ ٱلرَّٰزِقِينَ

Said Jesus, the son of Mary, "O Allah, our Lord, send down to us a table [spread with food] from the heaven to be for us a festival for the first of us and the last of us and a sign from You. And provide for us, and You are the best of providers."

﴿قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ الإعراب في قوله: ﴿اللَّهُمَّ رَبَّنَا﴾ هو أن (الله) منادى مبني على الضم في محل نصب، و(رب) بدل أو عطف بيان، وإن شئت فاجعله صفة نعتًا، ولكنه صار منصوبا؛ لأنه مضاف، وقوله: ﴿تَكُونُ لَنَا عِيدًا﴾ الجملة صفة لـ ﴿مَائِدَةً﴾ و﴿عِيدًا﴾ خبر ﴿تَكُونُ﴾ واسمها مستتر، وقوله: ﴿لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا﴾ بدل من قوله (لنا)، لكنه بإعادة حرف الجر، بدل لكنه بإعادة العامل؛ لأن قوله: (لنا) يشمل الأول والآخر، لكن أتى بالتفصيل في قوله: ﴿لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا﴾. وقوله: ﴿وَآيَةً مِنْكَ﴾ معطوفة على ﴿عِيدًا﴾، وقوله: ﴿وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ الجملة تدل على أن الله تبارك وتعالى موصوف بهذا الوصف. ﴿ارْزُقْنَا﴾ فعل أمر، لكن هل يقال في الأمر الموجه إلى الله: إنه فعل أمر؟ لا يقال تأدبًا مع الله، ولكنه يقال: فعل طلب أو فعل سؤال أو ما أشبه ذلك.

﴿قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ يعني قال عيسى بن مريم مستجيبًا لطلب هؤلاء الحواريين، سائلًا الله عز وجل أن ينزل عليهم مائدة من السماء، والسماء يحتمل أن تكون العلو أو تكون من السماء ذاتها، وهي السقف المحفوظ، كما سبق.

﴿تَكُونُ لَنَا عِيدًا﴾ أي نتذكرها كلما جاء وقتها؛ لأن العيد اسم لما يعود ويتكرر، ومنه الأعياد الشرعية وهي: عيد الفطر، وعيد الأضحى، وعيد الأسبوع.

وقوله: ﴿لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا﴾ أولهم الذين كانوا في عهد عيسى، وآخرهم الذين كانوا من بعده.

﴿وَآيَةً مِنْكَ﴾ أي علامة على قدرتك وعلى سمعك وعلمك، وآية على صدق عيسى عليه الصلاة والسلام؛ لأن هؤلاء طلبوا الآية ليعلموا أن عيسى قد صدقهم.

﴿وَارْزُقْنَا﴾ أي: أعطنا؛ لأن الرزق بمعنى العطاء، ومنه قوله تبارك وتعالى: ﴿فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾ [النساء ٨] أي: أعطوهم منه.

﴿وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ يعني: أخيرهم من جهة الكم والكيف، فلا أحد أكرم من الله، ولا أحد أجود من الله عز وجل.

* في هذه الآية فوائد، منها: أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لا يستطيعون أن يأتوا بكل ما يُطلَب منهم، وأنهم كغيرهم مفتقرون إلى الله يسألونه ويلجئون إليه.

* ومن فوائد هذه الآية: أنه ينبغي للإنسان في حال الدعاء أن يذكر هذين المعنيين: الألوهية والربوبية؛ لقوله: ﴿اللَّهُمَّ رَبَّنَا﴾؛ لأن هذا نوع من التوسل، يتوسل الإنسان بألوهية الله عز وجل وربوبيته.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن عيسى عليه الصلاة والسلام أجاب الحواريين على وجه الأمانة التامة؛ لأنه قال: ﴿رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ كما قالوا هم: ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن هذه المائدة تكون عيدًا للنصارى، كلما جاء زمنها فهو عيد لهم. فإذا قال قائل: هل هذا يقتضي أن نقول: كلما مر وقت المناسبات فإننا نجعله عيداً؟ فالجواب: لا؛ لأن هذه الأشياء ليس فيها قياس، وهي كانت عيدًا بطلب من؟ بطلب نبيهم، بطلب نبيهم عليه الصلاة والسلام.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن ما جاء على خلاف المعهود، وكان خارقًا للعادة فهو آية؛ لقوله: ﴿وَآيَةً مِنْكَ﴾، ووجه هذا أنه لم يعهد أن المائدة تنزل من السماء عِيانًا يشاهدها الناس، فيكون نزولها -ولا سيما أنه بطلب بعد اقتراح- يكون نزولها آية ودليلًا على صدق من تكلم بالرسالة.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن عيسى بن مريم مفتقِر إلى الله تعالى؛ إلى عطائه، وينبني على هذه الفائدة بطلان دعوى النصارى أنه إله.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله تبارك وتعالى خير الرازقين، وهذا فرد من قاعدة عامة وهي قول الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ [النحل ٦٠] فكل وصف كمال فلله …

Al-Maaida 5:114Listen in Qur'an →
115

قَالَ ٱللَّهُ إِنِّى مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ ۖ فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ فَإِنِّىٓ أُعَذِّبُهُۥ عَذَابًۭا لَّآ أُعَذِّبُهُۥٓ أَحَدًۭا مِّنَ ٱلْعَٰلَمِينَ

Allah said, "Indeed, I will sent it down to you, but whoever disbelieves afterwards from among you - then indeed will I punish him with a punishment by which I have not punished anyone among the worlds."

قال الله تعالى: ﴿إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ﴾، في قراءة: ﴿مُنْزِلُهَا عليكم﴾ ، ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ﴾ أي بعد إنزالها، وبنيت (بعد) على الضم لأنه حذف المضاف إليه ونوي معناه، و(قبل) و(بعد) إذا حذف المضاف إليه ونوي معناه بني على الضم، وإذا حذف ونوي لفظه أعرب لكن بدون تنوين، وإذا حذف ولم ينو لفظه أعرب ولكن بتنوين، فمثلا إذا قلت: ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾ [الروم ٤] هنا حذف المضاف إليه ونوي معناه، وفي قول الشاعر:

فَسَاغَ لِيَ الشَّرَابُ وَكُنْتُ قَبْلًا ∗∗∗ أَكَادُ أَغَصُّ بِالْمَاءِ الْفُرَاتِ

هذا لم يُنوَ لا لفظه ولا معناه، وإذا قلت: سأزورك من قبلِ ومن بعدِ مجيء فلان، الأُولى حُذف المضاف إليه ونُوي لفظه، والثانية وُجد المضاف إليه.

فصار إما أن يُحذف المضاف إليه وإما أن يوجد في (قبل) و(بعد) وأخواتهما، إنْ وُجد المضاف إليه فهما معربان بلا تنوين، وإن حُذف ونوي لفظه فهما معربان بلا تنوين أيضًا، وإن حذف ونوي معناه فهما مبنيان على الضم، وإن حذف ولم يُنوَ لفظه ولا معناه فهما معربان منونان. فالأحوال إذن أربعة.

يقول الله عز وجل: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ﴾ من أي الأحوال؟ ما هو؟ حذف المضاف إليه ونوي معناه.

﴿فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ﴾ الفاء رابطة للجواب، جواب الشرط في قوله: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ﴾، وإنما ارتبطت بالفاء لأن الجملة اسمية، وكلما وقعت جملة الشرط اسمية وجب قرنها بالفاء أو بـ(إذا) الفجائية، ﴿فَإِنِّي﴾ فيها قراءتان: ﴿فَإِنِّيَ﴾ و﴿فَإِنِّي﴾، فأما على السكون فالياء مبنية على السكون، وأما على الفتح فهي مبنية على الفتح لأنها ضمير متكلم.

﴿أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ﴾ الضمير يعود في قوله: ﴿لَا أُعَذِّبُهُ﴾ -وأعني بذلك الهاء- يعود إلى أيش؟ على العذاب، يعني لا أعذب أحدًا مثل هذا العذاب، ﴿أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾: (أعذب) نصبت هنا مفعولين، هل أصلهما المبتدأ والخبر أو لا؟ لا؛ لأنك لو حذفت العامل وجعلت ضمير المفعول به في ﴿لَا أُعَذِّبُهُ﴾ جعلته ضمير رفع لم يصح، لو قلت: هو أحد ما صح؛ لأن الضمير يعود على العذاب.

نبدأ تفسير الآية: يقول الله عز وجل: ﴿قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ﴾ وفي قراءة: ﴿مُنْزِلُهَا﴾ ، فهل هذا للحال أو للمستقبل؟ يعني هل أن الله عز وجل وعد بإنزالها وأنزلها؟ أو هو وعد ولكن لم يتحقق؛ لأن الله تعالى اشترط شرطًا لم يلتزمْه بنو إسرائيل؟

في ذلك قولان للعلماء، فمنهم من قال: إن الله أنزله لأن وعده حق وهو لا يخلف الميعاد، وقد قال الله تعالى: ﴿إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ﴾ أو ﴿مُنْزِلُهَا﴾ ثم توعد من كفر بعد إنزال هذه الآية، وقال بعضهم: إنه لم ينزلها لأن الله اشترط قال: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ﴾، ولما رأوا هذا الشرط الثقيل الذي يصعب أن يحقق عدلوا عن طلبهم فلم تنزل المائدة، وهؤلاء أيدوا رأيهم بأن النصارى لا يعرفون عن هذه المائدة شيئًا في كتبهم وقالوا: إنها لو نزلت لكانت عيدًا لأولهم وآخرهم كما طلب عيسى عليه الصلاة والسلام، ولما لم يكن عندهم علم بهذه المائدة علمنا أنهم لم يقبلوا الشرط الذي اشترطه الله فلم ينزلها الله عز وجل، والآية في الحقيقة محتملة، يعني لا يستطيع الإنسان أن يجزم بهذا ولا هذا.

فإن قال قائل: لماذا لا نجزم بأنها لم تنزل لأنها لم توجد في كتبهم؟

فالجواب عن هذا سهل؛ أن لعلها من جملة ما نسي وترك من دين النصارى، فلم يكن عندهم علم منها، والله أعلم أنزلت أم لم تنزل، ومتى احتملت الآية معنيين على السواء ولا مرجح، فإن كانا لا يتنافيان حملت عليهما جميعًا، وإن كانا يتنافيان فالتوقف، وهنا فيما أرى أن الآية محتملة هل نزلت أم لم تنزل.

* من فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات الكلام لله عز وجل؛ لقوله: ﴿قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ﴾.

* ومنها: أن كلامه تبارك وتعالى بحرف …

Al-Maaida 5:115Listen in Qur'an →
116

وَإِذْ قَالَ ٱللَّهُ يَٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ ءَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ ٱتَّخِذُونِى وَأُمِّىَ إِلَٰهَيْنِ مِن دُونِ ٱللَّهِ ۖ قَالَ سُبْحَٰنَكَ مَا يَكُونُ لِىٓ أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِى بِحَقٍّ ۚ إِن كُنتُ قُلْتُهُۥ فَقَدْ عَلِمْتَهُۥ ۚ تَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِى وَلَآ أَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِكَ ۚ إِنَّكَ أَنتَ عَلَّٰمُ ٱلْغُيُوبِ

And [beware the Day] when Allah will say, "O Jesus, Son of Mary, did you say to the people, 'Take me and my mother as deities besides Allah?'" He will say, "Exalted are You! It was not for me to say that to which I have no right. If I had said it, You would have known it. You know what is within myself, and I do not know what is within Yourself. Indeed, it is You who is Knower of the unseen.

قال الله عز وجل: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ مقول القول هو قوله: ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ﴾، إذن فالجملة في محل نصب. واعلم أن مقول القول لا يكون إلا جملة، إلا إذا أُجري مَجرى الظن، إذا أجري مجرى الظن فإنه قد يُسلَّط على المفرد، وإلا فلا يكون إلا جملة، فأين الجملة هنا؟

﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ في ﴿أَأَنْتَ﴾ قراءتان: ﴿آانْتَ﴾ بمد الهمزة الثانية، وبالقصر ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ﴾ فيها قراءتان: ﴿أُمِّي﴾ و﴿أُمِّيَ﴾. و(اتخذ) تنصب مفعولين، الأول فيها -في هذه الآية- هو الياء، في قوله: ﴿اتَّخِذُونِي﴾، والثاني قوله: ﴿إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾.

﴿قَالَ سُبْحَانَكَ﴾ أي تنزيهًا لك، فهو منصوب على أنه مفعول مطلق لفعل واجب الحذف، ولهذا لا تجد الفعل مع (سبحان) أبدًا، وإنما قلنا: إنه مفعول مطلق لأن المصدر (تسبيح)، وكل لفظ يكون بمعنى المصدر ولكنه لا يشتمل على حروفه يسمى مفعولًا مطلقًا، ويسمى اسم مصدر.

﴿سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾ الباء في قوله: ﴿بِحَقٍّ﴾ الباء حرف جر زائد، ومعنى زائد أي: إعرابًا؛ إذ لا شيء في القرآن زائد معنًى أبدًا، ولكنها زائدة إعرابًا، وأما معنى فإن لها معنًى عظيمًا، وهو التوكيد. كيف نعرب ﴿بِحَقٍّ﴾؟

* الطالب: ﴿بِحَقٍّ﴾ خبر (ليس) منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد.

* الشيخ: فتحة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، أين اسم (ليس)؟

* طالب: مستتر.

* الشيخ: مستتر، يعود علام؟

* طالب: (...).

* الشيخ: أحسنت ﴿إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ﴾ هذه جملة شرطية، فعل الشرط ﴿كُنْتُ﴾، والتاء اسم كان، و﴿فَقَدْ عَلِمْتَهُ﴾ جواب الشرط، واقترنت بالفاء لأن الجزاء صُدر بـ(قد).

ثم قال: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ الإعراب واضح.

﴿إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ الجملة استئنافية تفيد عموم علم الله عز وجل.

قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ﴾ يعني: اذكر يا محمد لهؤلاء القوم هذا الذي صدر من الله إلى عيسى، ﴿يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ﴾ وهذا القول يكون يوم القيامة ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ الاستفهام هنا لا شك أنه لا يراد به الاستعلام؛ لأن الله تعالى يعلم، ولكن المراد به التوبيخ، توبيخ من؟ توبيخ من قالوا: إن عيسى وأمه إلهان، وهو نظير قول الله تعالى: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (٨) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ [التكوير ٨، ٩]، هي لم تفعل شيئًا، ولكنها تسأل توبيخًا لمن فعلوا، فهنا ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ﴾ الاستفهام هنا للتوبيخ، توبيخ من؟ من جعلوا عيسى وأمه إلهين من دون الله.

و﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ﴾ يقول علماء البلاغة: هناك فرق بين أن تقول: أأنت قلت، وبين أن تقول: أقلت، قالوا: إنه إذا وقع المستفهم عنه بعد همزة الاستفهام مُصدَّرًا باسم فالمطلوب به التعيين، تعيين الفاعل، وإذا جاء الفعل بعد الهمزة فالمقصود به تعيين الفعل الحادث، إذا قلت: أقام زيد، تستفهم عن أيش؟ عن الفعل الحادث، يعني هل قام أو هو قاعد، وقلت: أزيد القائم؟ تعيين الفاعل. فهنا ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ﴾ تعيين أيش؟ الفاعل، ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي﴾ أي: اجعلوني ﴿وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أي معبودين.

وقوله: ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أي من سوى الله عز وجل. كان جواب عيسى عليه الصلاة والسلام: ﴿سُبْحَانَكَ﴾ أي: تنزيهًا لك، أنزهك عما لا يليق بك ولا يليق بالله أن يكون له …

Al-Maaida 5:116Listen in Qur'an →
117

مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَآ أَمَرْتَنِى بِهِۦٓ أَنِ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ رَبِّى وَرَبَّكُمْ ۚ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًۭا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ ۖ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِى كُنتَ أَنتَ ٱلرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ ۚ وَأَنتَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ شَهِيدٌ

I said not to them except what You commanded me - to worship Allah, my Lord and your Lord. And I was a witness over them as long as I was among them; but when You took me up, You were the Observer over them, and You are, over all things, Witness.

ثم قال الله تعالى: ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ﴾ [المائدة ١١٧] ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ﴾ أي: للناس ﴿إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ ﴿أَنِ﴾ هذه تفسيرية؛ لأنها وقعت بعد ما تضمن معنى القول دون حروفه، وهو ﴿أَمَرْتَنِي﴾.

﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾ ﴿رَبِّي﴾ هذه بدل أو صفة من لفظ الجلالة.

﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ﴾ إعرابها واضح، هذه ما فيها إشكال إلا قوله: ﴿مَا دُمْتُ فِيهِمْ﴾ فإن (ما دام) تعمل عمل (كان) إذا سُبِقَت بـ(ما) المصدرية الظرفية، أما إذا سبقت بـ(ما) النافية فليست من أخوات (كان)، فإذا قلت: ما دمت قائمًا، يعني لم أقم قيامًا دائمًا، فهذه نافية.

وإذا قلت: لا أجلس ما دمت قائمًا، فهذه مصدرية ظرفية، الجملة الأخيرة إثبات، والجملة الأولى نفي.

هنا هل هي مصدرية ظرفية؟ نعم، فعليه تكون (التاء) اسمها، والجار والمجرور خبر.

﴿فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [المائدة ١١٧] ما فيها إشكال في الإعراب.

يقول عيسى عليه الصلاة والسلام: ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ﴾ يعني: إلا الذي أمرتني به، وما هو؟ ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾، وأتى بقوله: ﴿إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ﴾ قبل أن يقول: ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ ليبين أنه عليه الصلاة والسلام رسول مُبَلِّغ مأمور، فبدأ بما يدل على الرسالة وأنه مأمور قبل أن يذكر ما أُرْسِل به.

وقوله: ﴿أَمَرْتَنِي بِهِ﴾ يعني: كلَّفتني بإبلاغه أمرًا منك.

﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾ ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ العبادة تطلق على معنيين؛ المعنى الأول التعبد، والمعنى الثاني المتعبَّد به؛ فإذا قلت: الصلاة عبادة، فالمراد بذلك المتعبَّد به، وإذا قلت: صلى هذا الرجل لعبادة الله عز وجل، فالمراد تعبُّده هو.

وقوله: ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾ وقوله: ﴿رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾ من أجل أن يبرهن لهم أنه ليس برب.

﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ﴾ يعني: كنت أشهد عليهم بما هم عليه من التوحيد والإخلاص.

﴿مَا دُمْتُ فِيهِمْ﴾ يعني: مدة دوامي فيهم ﴿فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي﴾ أي: قبضتني، يقال: تَوَفَّى الرجل حقَّه أي: قبضه.

﴿كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ﴾ أي: أنت المُراقِب الذي تحفظ أعمالهم وتشهدها وتعلمها.

﴿وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ هذا التعميم بعد التخصيص؛ يعني: أنت على كل شيء شهيد من أفعالهم وغيرها.

* ففي الآية فوائد؛ منها: أن الرسل عليهم الصلاة والسلام مكلَّفون بالرسالة أمرًا من الله؛ لقوله: ﴿مَا أَمَرْتَنِي بِهِ﴾، وهذا له شواهد في القرآن كثيرة، مثل قول الله تعالى لرسوله محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ [المائدة ٦٧].

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: حُسْن أدب الرسل مع الله عز وجل؛ حيث قال: ﴿إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ﴾؛ وجه ذلك: أنه يُشعِر بأن عيسى رسولٌ مأمور مكلَّف بالأمر.

* ومن فوائدها: أن عيسى عليه الصلاة والسلام أُمِر أن يبلِّغ الناس بأنه عبد والله تعالى رب؛ لقوله: ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾ والرب مقابله العبد.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه لا حق لعيسى في الألوهية ولا الربوبية؛ لقوله: ﴿رَبِّي﴾، ومَنْ ليس له ربوبية ليس له ألوهية.

فإن قال قائل: أليس يُحْيِي الموتى ويُبْرِئ الأكْمَه والأبرص؟ فالجواب: بلى ولكن بإذن الله.

* من فوائد هذه الآية الكريمة: أن الرسل عليهم الصلاة والسلام شهداء على أمتهم ما داموا فيهم؛ لقوله: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ﴾، ومع ذلك هم شهداء على ما …

Al-Maaida 5:117Listen in Qur'an →
118

إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ ۖ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ

If You should punish them - indeed they are Your servants; but if You forgive them - indeed it is You who is the Exalted in Might, the Wise.

يقول الله عز وجل: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ﴾ في النهاية، ﴿وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾.

﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ﴾ بمعنى: إن تُقَدِّر لهم ما يستحقون أن يُعَذَّبوا عليه فإنهم عبادك، وليس المراد أنه يعذبهم بدون جُرْمٍ، فإنه سبحانه وتعالى منزَّهٌ عن ذلك غاية التنزيه؛ لقول الله تعالى: ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف ٤٩]، ولقوله: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت ٤٦]، لكن معنى: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ﴾ بأن تُقَدِّر عليهم ذنبًا يكون سببًا للعذاب فإنهم عبادك.

ومع هذا نقول: إن الله تعالى لن يُقَدِّر لهم ذنوبًا يستحقون عليها العذاب إلا إذا عَلِمَ ما في قلوبهم من الإعراض، وعدم قَبول الحق؛ قال الله تبارك وتعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ﴾ [المائدة ٤٩]، فالذنوب سبب للإعراض، والعياذ بالله، وقال عز وجل: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف ٥].

إذن كلمة ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ﴾ لا بد لها من مقدمات؛ الأولى: فعل ما يستحقون عليه العذاب، الثانية: أنهم يُقَدَّر لهم ما يَحْصُل به العذاب؛ لأنهم أهل لذلك؛ إذ إن الله تعالى وعد: ﴿أَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ [الليل ٥ - ٧] لكن الذنب ذنب العبد ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ﴾ [الأنفال ٢٣].

وقوله: ﴿فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ﴾ هذه المراد بها العبادة الكونية لا الشرعية؛ لأنَّ العبد بالعبودية الشرعية لا يستحق أن يُعَذَّب، ولكن المراد العبودية الكونية؛ لأن الله تعالى يفعل ما يشاء، قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾ [التغابن ٢].

وقوله: ﴿فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ﴾ الجملة لا يَخْفَى أنها جواب أيش؟ جواب الشرط، واقترنت بالفاء؛ لأنها جملة اسمية، والجملة الاسمية إذا وقعت جوابًا للشرط سواء كان جازمًا أم غير جازم فإنها تقرن بالفاء، وقد نظم بعضهم الجمل التي ترتبط بالفاء إذا وقعت جوابًا للشرط في قوله:

اسْمِيَّةٌ طَلَبِيَّـــــــــــةٌوَبِجَـــــــــــــــــامِدٍ ∗∗∗ وَبِمَا وَقَدْ وَبِلَنْ وَبِالتَّنْفِيسِ

سبعة مواضع، هنا من أي المواضع؟ الجملة الاسمية، لكنها جملة اسمية أُكِّدت بـ(إن) فاقترنت بالفاء.

قال: ﴿فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ يعني: إن قَدَّرْتَ لهم أسباب المغفرة فَغَفَرْت لهم ﴿فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ العزيز الغالب.

قالوا: والعزة ثلاثة أنواع: عزة القهر والغلبة، وعزة الامتناع، وعزة الشرف التي يُعَبِّر عنها بعضهم بعزة القَدْر؛ أما عزة الغلبة فظاهر مثل قول الله تعالى: ﴿يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ﴾ [المنافقون ٨]، ومثل قوله تعالى: ﴿فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾ [فاطر ١٠] هذا واضح أن المراد بها الغلبة.

عزة الامتناع قالوا: معناها: أن الله عز وجل أعظم من أن يناله ما يكون عيبًا أو نقصًا؛ يعني: يمتنع عليه النقص، رجعوا في ذلك إلى الاشتقاق؛ قالوا: لأنه يُقال: أرض عَزَازٌ؛ أي: صلبة لا تؤثر فيها المعاول لامتناعها وشدتها.

والثالث: عزة الشرف، عزة الشرف يعني أنه عز وجل ذو قَدْر عظيم وشرف عظيم، كما تقول لصديقك: أنت عزيز علي، أيش معناه؟ أي: أنت ذو قدر عظيم عندي.

و﴿الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ﴿الْحَكِيمُ﴾ مشتقة من (حَكَمَ) و(أَحْكَم)، فإن كانت من (حَكَم) فـ(فعيل) بمعنى (فاعل)، وإن كانت من (أَحْكَم) فـ(فعيل) بمعنى مُحكِم، إتيان (فعيل) بمعنى (فاعل) كثير؛ كسميع بمعنى سامع، بصير بمعنى باصر وهكذا، لكن …

Al-Maaida 5:118Listen in Qur'an →
119

قَالَ ٱللَّهُ هَٰذَا يَوْمُ يَنفَعُ ٱلصَّٰدِقِينَ صِدْقُهُمْ ۚ لَهُمْ جَنَّٰتٌۭ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدًۭا ۚ رَّضِىَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا۟ عَنْهُ ۚ ذَٰلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ

Allah will say, "This is the Day when the truthful will benefit from their truthfulness." For them are gardens [in Paradise] beneath which rivers flow, wherein they will abide forever, Allah being pleased with them, and they with Him. That is the great attainment.

﴿قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ في هذه الآيات كلها: إثبات القول لله عز وجل، وأنه مسموع وأنه بحرف؛ لأن مقول القول هو حروف، والله تعالى يخاطب من يُخاطِب به فيكون مسموعًا، فيكون في هذا رد على القائلين بأن كلام الله هو المعنى القائم بنفسه كما هو مذهب الأشعري، قصدي بالأشعري المنتسب لأبي الحسن الأشعري، لا نفس أبي الحسن.

﴿قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ ﴿هَذَا﴾ المشار إليه: يوم القيامة، و﴿يَوْمُ﴾ خبر المبتدأ؛ ولهذا جاء مرفوعًا، وليس ظرفًا؛ إذ لو كان ظرفًا لكان منصوبًا، لكن فيه قراءة سبعية بالنصب ﴿هَذَا يَوْمَ يَنْفَعُ﴾ وعلى هذه القراءة يكون هذا الواقع يقع يومَ ينفع الصادقين صدقهم.

وقوله: ﴿يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ الصدق يكون بالقول وبالعمل؛ يعني بالفعل وبالاعتقاد، أما الصدق بالقول فهو مطابقة الخبر للواقع، مطابقة الخبر للواقع هذا صدق؛ صدق بالقول، وأما الصدق بالاعتقاد فأن يكون اعتقاده مطابقًا لقوله، مثال ذلك: قول القائل: لا إله إلا الله، هذا خبر، صِدْق ولّا كَذِب؟ صدق، لكن هل يصدقه القلب؛ بمعنى هل القلب يؤمن بهذا بأنه لا إله إلا الله أو لا؟

إن كان يؤمن بذلك اجتمع في حقه صِدْق القول وصدق الاعتقاد.

صدقُ الفعل أن يكون الفعل متبعًا فيه الشريعة ومطابقًا لما في القلب، وعلى هذا فالمبتدع ليس صادقًا، والمنافق ليس صادقًا؛ لأن فعله لا يطابق ما في قلبه، والمبتدع ليس بصادق؛ لأنه لو كان صادق الإيمان ما خرج عن شريعة الرحمن.

﴿يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ والصديقية مرتبة هي أعلى المراتب بعد النبوة، وسيأتي الكلام عليها إن شاء الله في الفوائد.

﴿يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ ﴿لَهُمْ﴾ خبر مقدم، وهذا يقتضي الاختصاص أي لهم دون غيرهم.

﴿جَنَّاتٌ تَجْرِي﴾ الجنات جمع جنة، وهي الدار التي أعدها الله عز وجل للمتقين، فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خَطَر على قلب بشر، تأتي في القرآن مفردة ومجموعة ومثناة؛ أما الإفراد فباعتبار الجنس فتشمل كل ما كان من الجنات، وأما الجمع فباعتبار الأنواع؛ لأنها درجات متعددة أعد الله للمجاهدين في سبيله مئة درجة، وأما التثنية فباعتبار الجنس، وهذا في قوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن ٤٦]، ثم قال: ﴿وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن ٦٢].

﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ الجريان معروف، و﴿الْأَنْهَارُ﴾ جمع نهر وهو الماء، هذا ما نعرفه في الدنيا، لكنه في الجنة أنهار أصنافها أربعة ذكرها الله تعالى في سورة القتال فقال: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى﴾ [محمد ١٥]، هذا في الشراب، في المأكل: ﴿وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ [محمد ١٥] في عدم المسؤولية عما أكلوا أو تركوا: ﴿وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ [محمد ١٥].

وقوله: ﴿مِنْ تَحْتِهَا﴾ يعني لا من فوقها، ولكن هل معناه من تحت السقف؟ لا، ﴿مِنْ تَحْتِهَا﴾ أي: من تحت هذه الأشجار والقصور والخيام، وجريان هذه الأنهار كما جاء في السنة بدون أخدودأخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (٣٤٩٥٤)، وعبد الرزاق في التفسير (٣١٠٩) عن مسروق مقطوعًا. وبدون حفر تجري على السطح، لا تحتاج إلى أخدود تقوم، ولا الحُفَر تُحْفر، وإنما تجري حسب رغبة الساكنين يُصَرِّفها الإنسان كما شاء.

﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [النساء ٥٧] الخلود: هو المُكث الطويل، فإن أُكِّد بالأبدية صار أبديًّا، وقيل: إن الخلود: هو المكث الدائم ما لم يقم دليل على أنه مؤقت، وعلى كل حال فإن …

Al-Maaida 5:119Listen in Qur'an →
120

لِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ ۚ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌۢ

To Allah belongs the dominion of the heavens and the earth and whatever is within them. And He is over all things competent.

ثم قال جل وعلا: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ لله وحده، واستفدنا (وحده) من تقديم الخبر، أي: لله وحده لا غيره.

﴿مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ يتصرَّف فيه كما يشاء ولا يشاركه أحد في ملكه، قال الله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ (٢٢) وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ ٢٢ - ٢٣].

وقوله: ﴿السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ جَمَع (السماوات)؛ لأن عددها سبع، وأفرد (الأرض) باعتبار الجنس، وإلا فإن الأرضين سبع.

﴿وَمَا فِيهِنَّ﴾ ﴿مَا فِيهِنَّ﴾ ﴿مَا﴾ هنا اسم موصول، وعبَّر بـ﴿مَا﴾ الأداة التي يُعَبَّر بها عن غير العاقل، قالوا: لأن أكثر ما في السماوات والأرض من غير العقلاء، وأكبر ما في السماوات والأرض من غير العقلاء؛ فلهذا قال: ﴿وَمَا فِيهِنَّ﴾، وقيل: بل عبَّر بـ﴿مَا﴾؛ لأنها تشمل الأعيان والأحوال، فكأنه قال: ﴿وَمَا فِيهِنَّ﴾ من أعيانٍ وأحوال، و(مَن) إنما يعبر بها في العاقل لتعيين الشخص نفسه، وهذه فائدة لا تكد تجدها عند كثير من النحويين، لكن ابن القيم رحمه الله في بدائع الفوائد أشار إليها؛ أنَّ (مَنْ) للعاقل إذا قُصِدَ التعيين؛ يعني عينه، أما إذا قُصِدَ عموم الأعيان والأحوال فإنه يؤتى بـ(ما).

وأَبْيَن مثال لذلك قول الله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء ٣]، ولم يقل: (من)، لكن لو قال قائل لشخص: تزوج مَن شئت مِن بناتي، فـ(مَن) هنا جاءت لأجل التعيين، وهذا معنى لطيف؛ أنه إذا قُصِدَ بـ(ما) ما يشمل الأعيان والأحوال فإنها أفصح من الإتيان بـ(من).

وقوله: ﴿مَا فِيهِنَّ﴾ من المخلوقات العظيمة، واسمع إلى قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «أَطَّتِ السَّمَاءُ، وَحُقَّ لَهَا أَنْ تَئِطَّ»أخرجه الترمذي (٢٣١٢)، وابن ماجه (٤١٩٠) من حديث أبي ذر. «أَطَّتْ» يعني صار لها صوت كسرير الرحل عند ثِقَلِ الحمل، البعير إذا حَمَّلْت عليها فإن رحلها يكون له صوت يسمَّى أطيطًا.

﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أي: مع عموم ملكه قدرتُه أيضًا عامة على كل شيء، ما من موجود إلا وهو قادر على إعدامه، وما من معدوم إلا وهو قادر على إيجاده تبارك وتعالى، ولا يُسْتَثْنى من هذا شيء، هو قادر على كل شيء، وأخطأ صاحب الجلالين في التفسير؛ حيث قال عند هذه الآية: (وخَصَّ العقل ذاته فليس عليها بقادر)؛ فإن هذا قول منكر، لكن هذا مقتضى مذهبه حيث ينفي أن تقوم الأفعال الاختيارية بالله؛ يعني عنده أن الله لا ينزل ولا يستوي على العرش ولا يضحك ولا يفرح، ومن المعلوم أن الأفعال الاختيارية تكون بمشيئته فهو قادر على إيجادها وإعدامها، فالقول هذا منكر مبنيٌّ على عقيدة فاسدة.

ونحن نقول: إن الله على كل شي قدير ولا نستثنى، يفعل ما يشاء عز وجل.

* طالب: في قوله: ﴿لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ قلنا: تقديم الخبر يفيد الحصر، الثاني: كيف حصر على ﴿الصَّادِقِينَ﴾ مع أن الجنات..؟

* الشيخ: لا، أصلًا ليس هناك مؤمن إلا وهو صادق، فلا إشكال.

* طالب: قوله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ إذا أُكِّدَ الخلود بالأبدية، فهل يكون من لازمه الخلود بمكان الخلود؟

* الشيخ: إي معلوم، لو عُدِمَ المكان أين يكون الخالد؟ ضروري.

* طالب: (...) قوله تعالى: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ﴾ (...) أسباب المغفرة (...) إن الله قد يغفر لعباده بمقتضى رحمته تفضُّلًا منه؟

* الشيخ: المغفرة ما فيها إشكال، الإشكال ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ﴾؛ فإنه لن يعذبهم إلا بذنب.

* الطالب: الإشكال عندي (...) قَدَّرْت له أسباب المغفرة.

* الشيخ: في مقابل قدَّرْت له أسباب العذاب.

* الطالب: (...) حين يعتقد أن الله سبحانه …

Al-Maaida 5:120Listen in Qur'an →

Commentary: Tafsir Ibn 'Uthaymin by Muhammad ibn Salih al-'Uthaymin. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.