Muslim99Muslim99
← Tafsir library

5. Al-Maaida

The Table · Medinan · 120 ayahs

سُورَةُ المَائـِدَةِ

Reading Tafsir Ibn 'Uthaymin by Muhammad ibn Salih al-'Uthaymin

Ayahs 11–20 of 120

11

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱذْكُرُوا۟ نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَن يَبْسُطُوٓا۟ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ ۖ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ۚ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ

O you who have believed, remember the favor of Allah upon you when a people determined to extend their hands [in aggression] against you, but He withheld their hands from you; and fear Allah. And upon Allah let the believers rely.

ثم قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُون﴾ [المائدة ١١].

الكلام على قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ تقدم كثيرًا، وأظنه لا يخفى.

وقوله: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ﴾ أَمَرَ الله تعالى أن نذكر نعمته لا من أجل مجرَّد الذِّكر والخبر، ولكن للقيام بشكر هذه النعمة؛ لأن مجرد أن أقول: إنَّ الله سلَّمني من العدو، إنَّ الله مكَّنني من العدو، إنَّ الله نصرني على العدو، إنَّ الله خذل عدوي. لا يكفي، لا بد أن يكون ذلك شكرًا لله عز وجل، فإن كان شكرًا بأن كان يتحدث الإنسان بنعمة الله ثناءً على الله فهذا من الشكر.

وقوله: ﴿نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ﴾ هذه متعلقة بقوله: ﴿نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ فتكون في موضع نصب على الحال.

﴿هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ﴾ مَن القوم؟ المشركون، هَمُّوا بقتل النبي ﷺ، وهَمُّوا أيضًا بأن يقاتلوه في مكة، ولكن الله قال: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ﴾ [الفتح ٢٤]، وقال في سورة النساء: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ﴾ [النساء ٩٠] فعِدَّة وقائع يَهُمُّ الكفار بأن يبسطوا أيديهم إلى الرسول عليه الصلاة والسلام وأصحابه، ولكن الله تعالى يكُفُّ أيديهم ويسلِّم الرسول وأصحابه.

﴿فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ﴾ ولم يستطيعوا أن ينالوكم بالسوء، وهذه نعمة عظيمة أن يَهُمَّ عدوك بشيء ثم يحجزه الله عنه؛ لقد قال الله عز وجل في سورة الأحزاب: ﴿إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾ [الأحزاب ٩]، وقال فيها: ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾ [الأحزاب ٢٥].

﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ أَمَر بذكر النعمة والتقوى، والتقوى: هي اتخاذ وقاية من عذاب الله بفعل الأوامر واجتناب النواهي.

﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ يعني: وليتوكل المؤمنون على الله، ونعلم جميعًا أن قوله: ﴿وَعَلَى اللَّهِ﴾ متعلق بـ(ليتوكل) فهي مقدمة عليها لإفادة الحصر، والفاء زيدت لتحسين اللفظ، وإلا لو قيل: وعلى الله ليتوكل، لصح الكلام.

وقوله: ﴿فَلْيَتَوَكَّلِ﴾ اللام لام الأمر، وأصلها مكسورة، لكنها تُسَكَّن إذا سبقها.. من يعرف؟

* طالب: الفاء، والواو، وثم.

* الشيخ: الفاء، والواو، وثم. صح.

في الآية التي معنا ما الذي سبقها؟ الفاء.

وفي قوله: ﴿ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ﴾ [الحج ١٥] (ثم).

﴿وَلْيَطَّوَّفُوا﴾ [الحج ٢٩] الواو.

﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ فاللام للأمر، والتوكل أحسن ما قيل فيه أنه صدق الاعتماد على الله في جلب المنافع ودفع المضارِّ ثقةً به تبارك وتعالى وتفويضًا إليه. هذا التوكل على الله؛ أن تعتمد على الله في جلب المنافع -والإنسان محتاج إلى المنافع- ودفع المضارِّ ثقةً بالله عز وجل وتفويضًا إليه. وبهذا يظهر الفرق بين توكل الإنسان على العبد وتوكله على الرب؛ توكل الإنسان على الرب تفويضٌ مطلق، ويعتقد الإنسان أن الله تعالى هو الذي له الحكم فيه وله السلطة عليه، توكله على شخص وكَّله أن يشتري له حاجة ليس كذلك، ليس تفويضًا إليه، ولكنه وكَّله يعتقد أنه دونه في المرتبة، أليس كذلك؟ يعني عندما تعتمد على شخص وكَّلته ليشتري لك حاجة هل هو كتوكلك على الله؟

لا، توكُّلي على الله توكل عبادة وتفويض واستسلام، وتوكُّلي على إنسان وكَّلته ليس إلا اعتمادًا على شخص أنا الذي أدبِّره، وأنا الذي أريد أن يتوكل، وأنا الذي بيدي فسخ وكالته، فالفرق بين التوكل على الله …

Al-Maaida 5:11Listen in Qur'an →
12

۞ وَلَقَدْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَٰقَ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ ٱثْنَىْ عَشَرَ نَقِيبًۭا ۖ وَقَالَ ٱللَّهُ إِنِّى مَعَكُمْ ۖ لَئِنْ أَقَمْتُمُ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَيْتُمُ ٱلزَّكَوٰةَ وَءَامَنتُم بِرُسُلِى وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ ٱللَّهَ قَرْضًا حَسَنًۭا لَّأُكَفِّرَنَّ عَنكُمْ سَيِّـَٔاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّٰتٍۢ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَٰرُ ۚ فَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ

And Allah had already taken a covenant from the Children of Israel, and We delegated from among them twelve leaders. And Allah said, "I am with you. If you establish prayer and give zakah and believe in My messengers and support them and loan Allah a goodly loan, I will surely remove from you your misdeeds and admit you to gardens beneath which rivers flow. But whoever of you disbelieves after that has certainly strayed from the soundness of the way."

ثم قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [المائدة ١٢] الجملة هنا مؤكَّدة بثلاثة مؤكِّدات، يعدُّها لنا الأخ، ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ﴾ الجملة مؤكدة بثلاثة مؤكدات.

* طالب: اللام.

* الشيخ: اللام ﴿لَقَدْ﴾، والثاني: (قد)، والثالث: القَسَم.

وهذه قاعدة: كلما جاء تعبيرٌ بهذا فهو مؤكَّد بثلاثة مؤكِّدات؛ ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين ٤] هذا مؤكَّد بثلاثة مؤكِّدات، ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ﴾ [البلد ٤] مؤكَّد، ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ﴾ [الأعراف ١١] مؤكَّد بثلاثة مؤكِّدات.

* طالب: شيخ، بارك الله فيكم، قلنا: إن البدعة هي مخالَفة الشرع في إحدى السِّتِّ التي ذكرناها، شيخ، بارك الله فيكم، يعني ما يحصل مثلًا في الأيام اللي تُقام في بعض البلدان؛ يوم كذا ويوم كذا ويوم كذا مما لا يُتقرَّب به إلى الله، بعض أهل العلم يقولون: هذه بِدَعٌ أُحدثت، وهم يقولون: هذه ليست بِدَعًا، نحن لا نتقرب إلى الله، إنما مناسبات وتنشيط وذِكرى، ما وجه كونها بدعة؟

* الشيخ: هذه بعض العلماء يقول: إنها ليست بدعة؛ يعني يوم الشجرة، يوم كذا، ويوم كذا؛ يقول: هذه المقصود بها تذكير الناس، أما إذا كانت المناسبة مناسبة تولِّي أمير على إمْرةٍ أو رئيس على رئاسة أو مَلِك على مُلْك فهذه إنما تُفعل للتعظيم، ولا يجوز؛ لأن الأعياد لا يمكن أن تكون إلا بمناسبات شرعية، لا يجوز أن تكون إلا بمناسبات شرعية، غير المناسبات الشرعية لا تُشرَع، لكن ما يُذكر عن أيام الشجرة وأشباهها يقولون: إننا لا نتخذها على سبيل أنها عيد؛ ولذلك لا نخصُّها بيوم معيَّن، إنما هي تذكير وتنشيط وكأنها ابتداء عمل، ولكن عندي أنه لو أن الناس تنَزَّهوا عنها لكان أحسن.

* الطالب: شيخ، أحسن الله إليك، ﴿وَلَقَدْ﴾ قلنا: فيه ثلاثة مؤكِّدات، ما هي؟

* الشيخ: نعم؛ اللام، و(قد)، والقسم؛ لأن تقدير الكلام: واللهِ لقد.

* طالب: شيخ، بارك الله فيكم، هل يجوز إطلاق لفظ (آية) على القطعة من التوراة أو الإنجيل، أو يقال: إن الآية تختص بالقرآن لأنه لم نعلم أنه حصل تحدٍّ إلا للقرآن؟

* الشيخ: ما هو لازم التحدي.

* الطالب: ما هو بلازم؟

* الشيخ: ما هو بلازم، إذا كان هذا الشرع من عند الله عز وجل فهو آية؛ لأنه كما قلنا: إن هذه الشرائع لا يمكن للبشر أن يأتوا بمثلها.

* الطالب: إذا أنكر البعض على من يقول: إن هذه الآية من التوراة أو الإنجيل، هل هو مصيب في إنكاره؟

* الشيخ: ما أرى هذا إلا إذا كان ينكرها خوفًا من الالتباس؛ لأن العامِّيَّ إذا سمعها يظن هذه التوراة والإنجيل قرآنًا.

* طالب: بالنسبة يا شيخ، عِلة أن الأيام هذه لا تكون أعيادًا؟

* الشيخ: أيش؟

* الطالب: أن الأيام هذه لا تكون أعيادًا تكون لحشد الهمة، لكن ألا يُشكل عليها أنها تَشَبُّه، يعني أسبوع كذا، ويوم كذا ويوم كذا (...) علَّها بعِلَّة التشَبُّه، فهل هذا له (...) نظر؟

* الشيخ: هو عِلَّة التشَبُّه تشتبه على كثير من الناس، مع أن الأئمة نصُّوا على أنه إذا كان مصدر الشيء من غير المسلمين ثم انتشر وصار المسلمون يفعلونه زال التشبُّه؛ لأن التشبُّه حقيقته أن يقوم الإنسان بما يختص به غيره، وما دام أنه شاعت هذه المسألة فلا، كان مثلًا لبس البنطلون، أتى من أين؟

* طلبة: من الغرب.

* الشيخ: أتى من الكفار، لكن تبعهم المسلمون وصار الآن يلبسه المسلم والكافر.

* طالب: شيخ، بارك الله فيكم، تحرِّي الإنسان لأوقات تكون عند الناس مثلًا كاجتماعهم في حفلٍ أو فرحٍ، فيتحرَّى هذا الموقع ويذهب يعني ويخطب بهم بخير ويعِظُهم بخير، وكذلك إن رآهم مجتمعين في عزاء في بيت أو غيره، فهل هذا، يعني هل يدخل أو لا يدخل في قولنا: تخصيصها بالمكان أو الزمان؟

* الشيخ: أما من جهة الموعظة فالموعظة إذا وُجد سببٌ لها فإنها تُفعَل في أي مكان، …

Al-Maaida 5:12Listen in Qur'an →
13

فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَٰقَهُمْ لَعَنَّٰهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَٰسِيَةًۭ ۖ يُحَرِّفُونَ ٱلْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِۦ ۙ وَنَسُوا۟ حَظًّۭا مِّمَّا ذُكِّرُوا۟ بِهِۦ ۚ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَىٰ خَآئِنَةٍۢ مِّنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًۭا مِّنْهُمْ ۖ فَٱعْفُ عَنْهُمْ وَٱصْفَحْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ

So for their breaking of the covenant We cursed them and made their hearts hard. They distort words from their [proper] usages and have forgotten a portion of that of which they were reminded. And you will still observe deceit among them, except a few of them. But pardon them and overlook [their misdeeds]. Indeed, Allah loves the doers of good.

ثم قال الله عز وجل: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ﴾ [المائدة ١٣] ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ﴾ الفاء عاطفة، والعطف بالفاء يفيد الترتيب، وإذا كان عطفًا عطف فعل على فعل فإنه يفيد السببية مع الترتيب، فإذا قلت: جاء زيد فعمرو، هذا للترتيب المحض؛ لأن العطف هنا عطف مفرد على مفرد، وإذا جاء جملة على جملة فإنه قد يفيد الترتيب مع السببية وهو الغالب، مثل أن تقول: كفر فلان فكان في النار، آمن فلان فكان في الجنة، أي: بسببه، وأحيانًا تكون لمجرد الترتيب؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا﴾ [الأعراف ٤].

فهنا ﴿أَهْلَكْنَاهَا﴾ هو بعد مجيء البأس، هنا ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ﴾، هذه الفاء قلت: إنها عاطفة تفيد الترتيب وتفيد السببية، مع أن الباء التي بعدها تفيد السببية أيضًا.

﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ﴾ (الباء) للسببية، وهي حرف جر، و(ما) مصدرية، وعلامة المصدرية التي يحوّل ما بعدها إلى مصدر، هذه علامة المصدرية، أن يحول ما بعدها إلى مصدر؛ فهنا ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ﴾ أنا قلت: إنها مصدرية، والصواب أنها زائدة؛ لأن الذي بعدها فعل، ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ﴾ أي: فبنقضهم ميثاقهم، فـ(ما) هنا زائدة للتوكيد.

(ما) تأتي زائدة، وتأتي مصدرية، وتأتي موصولة، وتأتي شرطية، وقد جمع بعضهم معانيها في بيت واحد فقال:

مَحَامِلُ مَا عَشـــرٌ إِذَا رُمْــــتَعَدَّهَـــــــــــــــــــــا ∗∗∗ فَحَافِظْ عَلَى بَيْتٍ سَلِيمٍ مِــــنَالشِّــــــــــــــعْرِ؎سَتَفْهَمُ شَرْطَ الْوَصْلِ فَاعْجَبْ لِنُكْرِهَا ∗∗∗ بِكَفٍّ وَنَفْيٍ زِيدَ تَعْظِيــــــــــــــــــــمُمَصْــــــــــــــدَرِ

من جملة ما ذكرنا من المعاني أنها زائدة كما في هذه الآية (بكف ونفي زيد) هذه الزائدة.

فإذا قال: ما الفائدة من الزائدة؟

قلنا: الفائدة التوكيد، وهكذا جميع حروف الزيادة العاملة وغير العاملة فائدتها التوكيد.

﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ﴾ النقض ضد العقد؛ أي: حلهم الميثاق. وقوله: ﴿مِيثَاقَهُمْ﴾ أي: الذي واثقهم الله عليه، وهو قوله: ﴿لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ فهؤلاء نقضوا الميثاق بسببه.

﴿لَعَنَّاهُمْ﴾ واللعن هو الطرد والإبعاد عن رحمة الله، فكانوا -والعياذ بالله- مطرودين مبعدين عن رحمة الله، لا ينالهم الله برحمة، ﴿لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً﴾، ومن لعنه الله لعنه اللاعنون كما قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: «وما لي لا ألعن من لعنه الله أو من لعنه رسول الله»متفق عليه؛ البخاري (٥٩٣٩)، ومسلم (٢١٢٥ / ١٢٠)..

﴿لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً﴾، وفي قراءة ﴿قَسِيَّةً﴾ ، ﴿قَاسِيَةً﴾ اسم فاعل، ﴿قَسِيَّةً﴾ صفة مشبهة، أيهما أغلظ؟ الصفة المشبهة أغلظ؛ لأنها وصف ملازم؛ كما قال ابن مالك رحمه الله:

............................... ∗∗∗ كَطَاهــــــــرِ الْقَلْــــبِ جَمِيــــــلِالظَّاهِـــــــــــــــــــــــــــــــرِ

فهي -أي الصفة المشبهة- ملازمة، إذن ﴿قَاسِيَةً﴾ و﴿قَسِيَّةً﴾ إذا جاءت قراءتان فالمعنى أن الأمرين كلاهما حاصل؛ فهي قسية، وهذا وصفها، قاسية، عند وجود ما يوجب لين القلب تقسو، والعياذ بالله؛ فهي قسيّة وصفًا، قاسية فعلًا، كما قلنا في قراءة: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة ٤] و﴿مَلِكِ﴾ ، قلنا: نجمع القراءتين فيكون المعنى أنه ملك ذو تصرف؛ أي ملك مالك، بعض ملوك الدنيا يكون أيش؟ ملكًا غير مالك، وكثير من الناس مالك ولكنه غير ملك، كلنا يملك مالًا لكن لسنا ملوكًا.

إذا قسية وقاسية قريب من هذا، قسية وصفها الملازم، قاسية عند حدوث ما يوجب لين القلب تقسو والعياذ بالله.

﴿وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ …

Al-Maaida 5:13Listen in Qur'an →
14

وَمِنَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓا۟ إِنَّا نَصَٰرَىٰٓ أَخَذْنَا مِيثَٰقَهُمْ فَنَسُوا۟ حَظًّۭا مِّمَّا ذُكِّرُوا۟ بِهِۦ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ ٱلْعَدَاوَةَ وَٱلْبَغْضَآءَ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَٰمَةِ ۚ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ ٱللَّهُ بِمَا كَانُوا۟ يَصْنَعُونَ

And from those who say, "We are Christians" We took their covenant; but they forgot a portion of that of which they were reminded. So We caused among them animosity and hatred until the Day of Resurrection. And Allah is going to inform them about what they used to do.

ثم قال: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ﴾ [المائدة ١٤] يعني: وأخذنا من الذين قالوا: إنا نصارى ميثاقهم، ولم يقل: ومن النصارى، بل قال: ﴿قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾، مع أنها في الآية الأخرى يثبت الله تعالى لهم هذا الوصف، مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى﴾ [الحج ١٧] فيثبت لهم هذا الوصف، لكن هنا قال: ﴿قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾، وفائدتها إقامة الحجة عليهم، حيث يدّعون أنهم نصارى، وأنهم أهل نصر للحق، ومع ذلك نسوا حظًّا مما ذكروا به.

﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ﴾ إذن أخذ الله الميثاق من اليهود، وأخذ الله الميثاق من النصارى، وكذلك من هذه الأمة، فإن الله تعالى أخذ منها الميثاق؛ كما قال: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ [المائدة ٧].

وقد أخذ الله الميثاق على بني آدم كلهم أن يؤمنوا به وبرسله ويوحّدوه ولا يشركوا به شيئًا. أخذ الله الميثاق على النصارى، على الذين قالوا: إنا نصارى ﴿فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ [المائدة ١٤].

﴿نَسُوا﴾ أي: تركوا، وهذا نسيان عمل، وهل يمكن أن يكون نسيان علم؟ لا يمكن، إن قلنا: إن بني إسرائيل قد سقطت عنهم المؤاخذة بالنسيان؛ لأنه إذا كان سقطت عنهم المؤاخذة فإنهم لا يعاقبون، لكن إذا قلنا: إن عدم المؤاخذة بالنسيان خاص بهذه الأمة قلنا: إن قوله: ﴿نَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ يتناول نسيان العلم ونسيان العمل، ولا شك أن نسيان العمل أشد من نسيان العلم، حتى على القول بأنهم يؤاخذون بنسيان العلم.

وقوله: ﴿حَظًّا﴾ معناها نصيب، نسوا حظًّا مما ذكروا به.

﴿فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ ولم يذكر الله تعالى لهؤلاء النصارى مثل ما ذكر لليهود؛ لأنه ذكر لليهود أنه لعنهم، وجعل قلوبهم قاسية، وابتلوا بتحريف الكلم عن مواضعه، ونسوا حظًّا مما ذكروا به، أما هؤلاء فيقول: ﴿أَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ﴾. هذا للعقاب.

يقول عز وجل: ﴿فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ﴾ أي: ألقيناها بينهم، لكنه عبر بالإغراء كأن كل واحد قد أُغري بالآخر من شدة العداوة بينهم، العداوة والبغضاء، العداوة بالقول والفعل، والبغضاء بالقلب، يعني فلا موالاة بينهم، ولا مودة، بل العداوة التي هي ضد الولاية، والبغضاء التي هي ضد المودة.

﴿أَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [المائدة ٦٤] يعني: حتى إلى وقتنا هذا، فالنصارى مختلفون متعادون يضلّل بعضهم بعضًا، ويكفّر بعضهم بعضًا.

فإن قال قائل: نحن الآن نجد أن النصارى متفقون؟

نقول: هذا الاتفاق اتفاق ظاهري، وإلا ففي قلوبهم من البغضاء بعضهم لبعض ما لا يعلمه إلا الله، ثم هم متفقون على أيش؟ على عدو ثالث، مثل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [المائدة ٥١]، فهم متفقون على عدو ثالث وإلا فهم فيما بينهم مختلفون، قلوبهم متنافرة واعتداءات ظاهرة.

وقوله: ﴿إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ نقول: العداوة الآن والبغضاء بين النصارى وبين طوائفهم لا شك أنها موجودة؛ لأن خبر الله صدق، وقد قال: ﴿إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾، لكن ما نشاهده من الاتفاق الظاهري فإنه مخالف لما في الباطن، ثم -كما قلت لكم- اتفاقهم الآن الظاهري ضد أيش؟ ضد عدو للجميع، وليس هذا بغريب في مسائل الدنيا وسياستها.

أما يوم القيامة مر علينا أنه اليوم الذي يبعث فيه الناس، وأنه سمي بذلك اليوم لأمور ثلاثة:

الأول: أن الناس يقومون فيه من قبورهم لرب العالمين.

والثاني: أنه يقام فيه الأشهاد.

والثالث: أنه يقام …

Al-Maaida 5:14Listen in Qur'an →
15

يَٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَٰبِ قَدْ جَآءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًۭا مِّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ ٱلْكِتَٰبِ وَيَعْفُوا۟ عَن كَثِيرٍۢ ۚ قَدْ جَآءَكُم مِّنَ ٱللَّهِ نُورٌۭ وَكِتَٰبٌۭ مُّبِينٌۭ

O People of the Scripture, there has come to you Our Messenger making clear to you much of what you used to conceal of the Scripture and overlooking much. There has come to you from Allah a light and a clear Book.

ثم قال الله تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [المائدة ١٥] إلى آخره.

﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ﴾ هم اليهود والنصارى، وإذا كان كذلك فالمراد بالكتاب هنا الجنس، وهي التوراة والإنجيل، وأضافهم الله تعالى إلى الكتاب، وسمّاهم أهلًا له لإقامة الحجة عليهم ونفي العذر، كأنه قال: يا أهل الكتاب، أنتم أهل كتاب، عندكم علم، وعندكم معرفة قد جاءكم رسولنا وأنتم تعرفون هذا الرسول كما تعرفون أيش؟ أبناءكم.

قوله: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا﴾ يريد به محمدًا صلى الله عليه وعلى آله وسلم.

﴿يُبَيِّنُ لَكُمْ﴾: ﴿يُبَيِّنُ﴾ الجملة حال من (رسول)، أي حال كونه يبين لكم، أي: يظهر لكم كثيرًا مما كنتم تخفون من الكتاب، والبعض الآخر يعفو عنه، فيبين كثيرًا مما كنتم تخفون من الكتاب مما تقوم به الحجة عليكم، ويعفو عن كثير مما لا تدعو الحاجة إلى ذكرهم. ومن تدبر القرآن وجد فيه أخبارًا كثيرة عن بني إسرائيل، قال الله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا﴾ [الأنعام ٩١] فهذا دأب أهل الكتاب.

﴿يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ﴾ أي: يبين لكم حكمه؛ لأن الحاجة تدعو إليه ﴿وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ أي: يتركه ولا يذكره؛ لأنه لا حاجة لذكره.

ثم قال: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ﴾، قوله: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ﴾ ﴿نُورٌ وَكِتَابٌ﴾ النور هل المراد محمد ﷺ، أو المراد ما يحصل من الكتاب والسنة من الهدى؟ الثاني، المراد: الثاني، وعلى هذا فيكون قوله: ﴿وَكِتَابٌ﴾ معطوفًا على ﴿نُورٌ﴾ من باب عطف المقتضِي على المقتضَى، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا﴾ [النساء ١٧٤] فمحمد ﷺ أتى بالنور الذي هو الهدى الساطع اللامع الذي لا ظلمة معه.

﴿وَكِتَابٌ مُبِينٌ﴾ كتاب مبين هو القرآن، وسمي كتابًا لأمور ثلاثة:

أولًا: أنه مكتوب في اللوح المحفوظ.

وثانيًا: أنه مكتوب في الصحف التي بأيدي الملائكة.

والثالث: أنه مكتوب في الصحف التي بأيدينا. و(فِعال) بمعنى (مَفْعول) كما جاء ذلك كثيرًا في اللغة العربية مثل: (غِراس، وبِناء).

وقال: ﴿مُبِينٌ﴾ هل المراد: مبين لغيره أو بيِّن بنفسه؟ كلاهما، المراد كلاهما؛ وذلك لأن (أبان) الرباعي يستعمل لازمًا ويستعمل متعديًا، فتقول: أبان الصبحُ بمعنى: بان، وتقول: فلان أبان الحقَّ، بمعنى: أظهر، وإذا كانت الكلمة تستعمل في معنيين فإنها تُحمل عليهما على الشرطين اللذين ذكرناهما سابقًا، وهما: ألا يتنافيا، وأن تكون تحتملهما على السواء، وهنا الكلمة تحتمل هذا وهذا، مع أن بعضهما لازم من بعض، فإنه إذا كان مُبينًا لغيره فهو بيّن بنفسه.

﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ﴾ [المائدة ١٦] ﴿يَهْدِي بِهِ﴾ الباء هنا للسببية، والهداية هنا إن كان المراد به يعني بدلالته فالهداية هنا هداية دلالة، وإن كان المراد بقوله: ﴿بِهِ﴾ ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ﴾ أي: باتباعه فالهداية هداية توفيق ودلالة أيضًا.

ننظر إلى بقية السياق ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ﴾: ﴿مَنِ﴾ مفعول أول، ﴿سُبُلَ﴾ مفعول ثان، و﴿رِضْوَانَهُ﴾ مفعول لـ﴿اتَّبَعَ﴾. إذن المهديُّ هو مُتّبع الرضوان، والذي هُدي إليه هي سبل السلام.

﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ﴾ أي: تطلبه وابتغاه، ورأى ما يرضي الله فقام به.

﴿سُبُلَ السَّلَامِ﴾ ولم يقل: سبيل السلام، مع أن التعبير الغالب أنه يُعبّر عن طريق الإسلام بالإفراد، وعن طرق …

Al-Maaida 5:15Listen in Qur'an →
16

يَهْدِى بِهِ ٱللَّهُ مَنِ ٱتَّبَعَ رِضْوَٰنَهُۥ سُبُلَ ٱلسَّلَٰمِ وَيُخْرِجُهُم مِّنَ ٱلظُّلُمَٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ بِإِذْنِهِۦ وَيَهْدِيهِمْ إِلَىٰ صِرَٰطٍۢ مُّسْتَقِيمٍۢ

By which Allah guides those who pursue His pleasure to the ways of peace and brings them out from darknesses into the light, by His permission, and guides them to a straight path.

ثم قال الله تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [المائدة ١٥] إلى آخره.

﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ﴾ هم اليهود والنصارى، وإذا كان كذلك فالمراد بالكتاب هنا الجنس، وهي التوراة والإنجيل، وأضافهم الله تعالى إلى الكتاب، وسمّاهم أهلًا له لإقامة الحجة عليهم ونفي العذر، كأنه قال: يا أهل الكتاب، أنتم أهل كتاب، عندكم علم، وعندكم معرفة قد جاءكم رسولنا وأنتم تعرفون هذا الرسول كما تعرفون أيش؟ أبناءكم.

قوله: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا﴾ يريد به محمدًا صلى الله عليه وعلى آله وسلم.

﴿يُبَيِّنُ لَكُمْ﴾: ﴿يُبَيِّنُ﴾ الجملة حال من (رسول)، أي حال كونه يبين لكم، أي: يظهر لكم كثيرًا مما كنتم تخفون من الكتاب، والبعض الآخر يعفو عنه، فيبين كثيرًا مما كنتم تخفون من الكتاب مما تقوم به الحجة عليكم، ويعفو عن كثير مما لا تدعو الحاجة إلى ذكرهم. ومن تدبر القرآن وجد فيه أخبارًا كثيرة عن بني إسرائيل، قال الله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا﴾ [الأنعام ٩١] فهذا دأب أهل الكتاب.

﴿يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ﴾ أي: يبين لكم حكمه؛ لأن الحاجة تدعو إليه ﴿وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ أي: يتركه ولا يذكره؛ لأنه لا حاجة لذكره.

ثم قال: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ﴾، قوله: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ﴾ ﴿نُورٌ وَكِتَابٌ﴾ النور هل المراد محمد ﷺ، أو المراد ما يحصل من الكتاب والسنة من الهدى؟ الثاني، المراد: الثاني، وعلى هذا فيكون قوله: ﴿وَكِتَابٌ﴾ معطوفًا على ﴿نُورٌ﴾ من باب عطف المقتضِي على المقتضَى، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا﴾ [النساء ١٧٤] فمحمد ﷺ أتى بالنور الذي هو الهدى الساطع اللامع الذي لا ظلمة معه.

﴿وَكِتَابٌ مُبِينٌ﴾ كتاب مبين هو القرآن، وسمي كتابًا لأمور ثلاثة:

أولًا: أنه مكتوب في اللوح المحفوظ.

وثانيًا: أنه مكتوب في الصحف التي بأيدي الملائكة.

والثالث: أنه مكتوب في الصحف التي بأيدينا. و(فِعال) بمعنى (مَفْعول) كما جاء ذلك كثيرًا في اللغة العربية مثل: (غِراس، وبِناء).

وقال: ﴿مُبِينٌ﴾ هل المراد: مبين لغيره أو بيِّن بنفسه؟ كلاهما، المراد كلاهما؛ وذلك لأن (أبان) الرباعي يستعمل لازمًا ويستعمل متعديًا، فتقول: أبان الصبحُ بمعنى: بان، وتقول: فلان أبان الحقَّ، بمعنى: أظهر، وإذا كانت الكلمة تستعمل في معنيين فإنها تُحمل عليهما على الشرطين اللذين ذكرناهما سابقًا، وهما: ألا يتنافيا، وأن تكون تحتملهما على السواء، وهنا الكلمة تحتمل هذا وهذا، مع أن بعضهما لازم من بعض، فإنه إذا كان مُبينًا لغيره فهو بيّن بنفسه.

﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ﴾ [المائدة ١٦] ﴿يَهْدِي بِهِ﴾ الباء هنا للسببية، والهداية هنا إن كان المراد به يعني بدلالته فالهداية هنا هداية دلالة، وإن كان المراد بقوله: ﴿بِهِ﴾ ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ﴾ أي: باتباعه فالهداية هداية توفيق ودلالة أيضًا.

ننظر إلى بقية السياق ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ﴾: ﴿مَنِ﴾ مفعول أول، ﴿سُبُلَ﴾ مفعول ثان، و﴿رِضْوَانَهُ﴾ مفعول لـ﴿اتَّبَعَ﴾. إذن المهديُّ هو مُتّبع الرضوان، والذي هُدي إليه هي سبل السلام.

﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ﴾ أي: تطلبه وابتغاه، ورأى ما يرضي الله فقام به.

﴿سُبُلَ السَّلَامِ﴾ ولم يقل: سبيل السلام، مع أن التعبير الغالب أنه يُعبّر عن طريق الإسلام بالإفراد، وعن طرق …

Al-Maaida 5:16Listen in Qur'an →
17

لَّقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓا۟ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ مَرْيَمَ ۚ قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ ٱللَّهِ شَيْـًٔا إِنْ أَرَادَ أَن يُهْلِكَ ٱلْمَسِيحَ ٱبْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُۥ وَمَن فِى ٱلْأَرْضِ جَمِيعًۭا ۗ وَلِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ۚ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ ۚ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌۭ

They have certainly disbelieved who say that Allah is Christ, the son of Mary. Say, "Then who could prevent Allah at all if He had intended to destroy Christ, the son of Mary, or his mother or everyone on the earth?" And to Allah belongs the dominion of the heavens and the earth and whatever is between them. He creates what He wills, and Allah is over all things competent.

ثم قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ لا يخفى أن الجملة الآن مؤكدة بثلاثة مؤكدات وهي: اللام، وقد، والقسم المقدر؛ لأن قولك: (ولقد)، يقدر بقولك: واللهِ لقد، ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا﴾.

إذا قال قائل: ما الذي أعلمكم أن هناك شيئًا محذوفًا هو القسم؟ نقول: أعلمنا ذلك ربنا عز وجل، أعلمنا ذلك الله؛ لأن الله تعالى قال: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء ١٩٣ - ١٩٥]، واللسان العربي كلما جاءت مثل هذه الصيغة فهي مقدرة بقسم، وعلى هذا فيكون الذي دلنا على ذلك هو كلام الله عز وجل.

﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ وهؤلاء هم النصارى بنص القرآن، ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة ٣٠].

وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ﴾ (هو) ضمير فصل، وضمير الفصل يفيد ثلاثة أشياء: الأول: الحصر، والثاني: التوكيد، والثالث: التمييز بين الصفة والخبر، وهذا الأخير أحيانًا يستغنى عنه ويعرف الخبر بدونه، لكن يؤتى به، كقوله تعالى: ﴿لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ﴾ [الشعراء ٤٠]، فهنا (هم) ضمير؟

* طالب: فصل.

* الشيخ: ضمير فصل؟ ما الذي أعلمك؟ نصب ما بعده وإلا كان مرفوعًا، هنا ﴿إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ﴾ لا نحتاج إليه من حيث التمييز بين الصفة وبين الخبر؛ لأن الضمائر لا تُنعت ولا يُنعت بها، وهنا لا يمكن أن تكون ﴿الْغَالِبِينَ﴾ نعتًا للواو من وجهين: أولًا: للقاعدة التي ذكرنا وهي: أن الضمائر لا تُنعت ولا يُنعت بها، والثاني أيش؟ الثاني: أن ﴿الْغَالِبِينَ﴾ منصوبة، والواو مرفوعة، ولا يمكن أن تكون نعتًا لها.

على كل حال نرجع إلى فوائد ضمير الفصل، ثلاث: أولًا؟

* الطلبة: الحصر.

* الشيخ: ثانيًا؟

* الطلبة: التوكيد.

* الشيخ: ثالثًا؟

* الطلبة: التمييز.

* الشيخ: التمييز بين الخبر والصفة، هنا ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ أكدوا تأكيدًا بهذا الضمير أنه المسيح بن مريم، ﴿قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [التوبة ٣٠]، فكيف يكون الله هو المسيح بن مريم؟! ابن مريم مخلوق ولَّا خالق؟ مخلوق، والخالق هو الله، فكيف يكون الخالق عين المخلوق؟! هذا مستحيل عقلًا، كما هو مستحيل شرعًا.

هم أيضًا قالوا: إن المسيح ابن الله، كما قالت اليهود: ﴿عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة 30] .

﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ (المسيح) بمعنى: الماسح، والمسيح الدجال بمعنى: الممسوح، انتبهوا للفرق، (المسيح) هنا بمعنى (الماسح).

قال العلماء: لأنه لا يمسح ذا عاهة إلا برأ بإذن الله، يبرئ الأكمه والأبرص بإذن الله، فسمي مسيحًا، المسيح الدجال، (مسيح) بمعنى (ممسوح)؛ لأن عينه ممسوحة، حيث إنه أعور.

وأما من استحب من العلماء -رحمهم الله وعفا عنهم- أن يقال في المسيح الدجال: المسيخ، يعني الممسوخ، وفي عيسى بن مريم: المسيح، فهذا غلط؛ لأن الذي علم أمته أن يقولوا: «أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ، وَمِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ، وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ»متفق عليه؛ البخاري (٨٣٢) ، ومسلم (٥٨٩ / ١٢٩) من حديث عائشة. أعلم منهم بذلك، ومع ذلك سماه: المسيح.

وقوله: ﴿ابْنُ مَرْيَمَ﴾ أضافه إلى أمه؛ لأنه ليس له أب، فأضيف إلى أمه، وسيأتينا في الفوائد -إن شاء الله-: أن من ليس له أب يضاف إلى أمه.

﴿ابْنُ مَرْيَمَ﴾ مريم بنت من؟

* الطلبة: عمران.

* الشيخ: وأخت من؟

* طلبة: هارون.

* الشيخ: أخت هارون؟ إذن هي أخت لموسى وهارون؟

* …

Al-Maaida 5:17Listen in Qur'an →
18

وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ وَٱلنَّصَٰرَىٰ نَحْنُ أَبْنَٰٓؤُا۟ ٱللَّهِ وَأَحِبَّٰٓؤُهُۥ ۚ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم ۖ بَلْ أَنتُم بَشَرٌۭ مِّمَّنْ خَلَقَ ۚ يَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ ۚ وَلِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ۖ وَإِلَيْهِ ٱلْمَصِيرُ

But the Jews and the Christians say, "We are the children of Allah and His beloved." Say, "Then why does He punish you for your sins?" Rather, you are human beings from among those He has created. He forgives whom He wills, and He punishes whom He wills. And to Allah belongs the dominion of the heavens and the earth and whatever is between them, and to Him is the [final] destination.

ثم قال الله عز وجل: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ اليهود: أتباع موسى الذين يدعون أنهم متبعون له، والنصارى: أتباع عيسى الذين يدعون أنهم متبعون له، قالوا عن أنفسهم: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾، ولا يريدون أنهم أبناء الله بنوة الولادة؛ لأنه ما ادعى أحد منهم ذلك، غاية ما هنالك أن اليهود قالوا: عزير ابن الله، والنصارى قالوا: المسيح ابن الله، لكن الأبناء هنا من باب المبالغة في المحبة والمودة، أي: أننا كأبنائه في مودته لنا وشفقته علينا وإكرامنا وإعزازنا، وما أشبه ذلك.

وعلى هذا فيكون قوله: ﴿وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ من باب عطف الصفة الأعم على الصفة الأخص، وإن كان بعض المفسرين قال: إنه من باب عطف المرادف على مرادفه؛ لأن المراد بالأبناء هم الأحبة، لكن ما ذكرناه أولى؛ لأن الأصل في المتعاطفين هو التغاير، والتغاير إما بالذوات، وإما بالأوصاف، فإذا قلنا: ﴿أَبْنَاءُ اللَّهِ﴾، يعني: كأبنائه في الشفقة والحنو والإعزاز، وما إلى ذلك، قلنا: ﴿أَحِبَّاؤُهُ﴾ تكون من باب عطف المعنى العام على المعنى الأخص.

قال الله تعالى مفندًا دعواهم: ﴿قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ﴾، فهنا أبطل الحجة قبل أن يذكر الرد، وهكذا ينبغي في المناظرة أن تبطل حجة الخصم، ثم يؤتى بما يثبت خلاف قوله، هنا قال: ﴿فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ﴾، وهذا يتضمن الشيئين مما ينافي أن يكونوا أحبة وأبناءً:

الأول: أنهم أذنبوا، والأصل في الابن ألا يكون مذنبًا في جانب والده، بل يكون سميعًا مطيعًا له، لا عاصيًا مذنبًا.

الثاني من جهة الأبوة: التعذيب، التعذيب منافٍ لدعواهم أن الله أب لهم أو أنه حبيبهم؛ لأن العادة أن المحب يعفو ويصفح عن حبيبه إذا اعتدى أو أذنب أو ما أشبه ذلك.

فهنا نقض الله تعالى دعواهم بأمرين: الأمر الأول: أنهم أذنبوا، والثاني: أنهم عذبوا، فكيف تقولون: إنكم أحباء له وأنتم تعصونه وتذنبون؟! ثم كيف يكون حبيبًا لكم وهو يعذبكم ﴿فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ﴾؟!

ثم احتج الله عليهم بعد أن أبطل حجتهم فقال: ﴿بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ﴾، و(بل) هنا للإضراب الإبطالي أو الانتقالي؟ الإبطالي، لما قالوا: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ قال: ﴿بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ﴾ كسائر البشر.

والبشر هم بنو آدم، وسموا بشرًا؛ لأن أبشارهم بَادِيَة، بخلاف بقية المخلوقات فإن غالبها أن أبشارها غير بادية، بنو آدم أبشارهم بَادِيَة لحكمة عظيمة؛ ولذلك تجدهم مفتقرين إلى اللباس شتاءً وصيفًا، وحياءً وخجلًا، فأراد الله عز وجل أن يجعل أبشارهم بَادِيَةً حتى يعرفوا أنهم مضطرون إلى ستر هذه العورة، وإلى فعل ما يقوون به أنفسهم من الأذى، إشارة إلى أنهم كما أنهم مستحقون لهذا حسًّا فهم مستحقون له أيضًا معنًى، فليلبسوا لباس التقوى حتى يتقوا به النار، كما يلبسوا لباس الجلود حتى يتقوا بها الأذى. ﴿بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ﴾ أي: من سائر المخلوقات.

ثم قال عز وجل: ﴿يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ فالأمر إليه، يغفر لمن يشاء أن يغفر له فيوفقه لفعل أسباب المغفرة، وإنما قلنا ذلك؛ لأن لدينا قاعدة مهمة وهي: أن كل فعل قرنه الله بالمشيئة فلا بد أن يكون موافقًا للحكمة؛ لأن مشيئة الله ليست مشيئة مجردة ترجح شيئًا على شيء بدون سبب، وعلى هذا فقوله: ﴿لِمَنْ يَشَاءُ﴾ أي: لمن اقتضت حكمته أن يغفر له، وهو التائب من الذنب.

وكذلك من منَّ الله عليه بالمغفرة بدون توبة، وهو المذكور في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء ٤٨].

﴿وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ يعذب من يشاء أن يعذبه بأن فعل ما يقتضي التعذيب، وليس الأمر لمجرد مشيئة؛ لأن الله تعالى لا يعذب أحدًا إلا بذنب، قال الله …

Al-Maaida 5:18Listen in Qur'an →
19

يَٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَٰبِ قَدْ جَآءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَىٰ فَتْرَةٍۢ مِّنَ ٱلرُّسُلِ أَن تَقُولُوا۟ مَا جَآءَنَا مِنۢ بَشِيرٍۢ وَلَا نَذِيرٍۢ ۖ فَقَدْ جَآءَكُم بَشِيرٌۭ وَنَذِيرٌۭ ۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌۭ

O People of the Scripture, there has come to you Our Messenger to make clear to you [the religion] after a period [of suspension] of messengers, lest you say, "There came not to us any bringer of good tidings or a warner." But there has come to you a bringer of good tidings and a warner. And Allah is over all things competent.

ثم قال تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ﴾ في هذه الصفحة الواحدة نداء لأهل الكتاب مرتين.

﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ﴾ والمراد بهم اليهود والنصارى.

﴿قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا﴾ وهو محمد ﷺ.

﴿يُبَيِّنُ لَكُمْ﴾ ﴿يُبَيِّنُ﴾ الجملة الحالية حال من (رسول)، يعني: حال كونه يبين لكم، أي: يوضّح ويُفصّل.

ولم يذكر الله تبارك وتعالى المبيَّن ليكون أعم؛ لأن حذف المفعول يفيد العموم، وهذه قاعدة معروفة في اللغة العربية: أن الحذف يفيد العموم.

فهنا ﴿يُبَيِّنُ لَكُمْ﴾ أي شيء يبيّن؟ نقول: يبيّن كل ما يحتاج الناس إلى بيانه؛ ولهذا قال الله تعالى في القرآن الكريم: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل ٨٩].

وقوله: ﴿عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ﴾ يعني: حال كون البيان على فترة من الرسل؛ أي: مدة من الزمن لم يأتِ فيها رسول، هذه المدة ليس لنا كبير فائدة في معرفتها على التحديد، لكن نعرف أنها مدة طويلة تُقدّر بنحو ست مئة سنة بين عيسى وبين محمد ﷺ؛ لأن آخر الأنبياء الذين بُعثوا إلى الناس هو عيسى عليه الصلاة والسلام، ومِن بعده محمد ﷺ، فليس بينهما نبي.

ولهذا ما يذكر في بعض التواريخ: أن خالد بن سنان وفلانًا وفلانًا أنهم أنبياء، وأنهم بعثوا بعد عيسى، فهذا كله ليس بصحيح؛ لأن النبي ﷺ قد أخبر بأنه ليس بينه وبين عيسى نبي، ويدل لذلك أن عيسى قال: ﴿مُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف ٦]، فلم يأتِ أحد بعد عيسى إلا محمد رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم.

﴿عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ﴾ وإنما نص على هذه الفترة ليتبين أن الناس في أشد الحاجة إلى بعثة الرسول، وهذا هو الواقع؛ فإن الله تعالى نظر إلى أهل الأرض، فمقتهم عربهم وعجمهم -أي: أبغضهم وكرههم- لأنهم ليسوا على دين إلا بقايا من أهل الكتاب، بقايا قليلة، كما قال تعالى: ﴿فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ﴾ أيش؟ ﴿إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ﴾ [هود ١١٦] بقي القليل، وهذا القليل أيضًا يحتاج إلى رسول؛ فلهذا نص على الفترة، وهي المدة الطويلة التي بلغت نحو ست مئة سنة ليتبين شدة حاجة الناس إلى أيش؟ إلى بعث الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم.

ثم قال: ﴿أَنْ تَقُولُوا﴾ أي: لئلا تقولوا، فـ(أن) وما دخلت عليه هنا في موقع التعليل؛ يعني: أرسلناه إليكم لئلا تحتجّوا فتقولوا: ما جاءنا من بشير ولا نذير؛ وذلك لطول أيش؟ لطول المدة، لم يأتهم رسل ولا أنبياء، فيحتجّون يقولون: ما جاءنا من بشير ولا نذير.

وقوله: ﴿مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ﴾ هذه (مِن) يعربها المعربون على أنها زائدة لفظًا، لكنها تزيد في المعنى التوكيدَ، وهذه قاعدة معروفة عند البلاغيين: أن جميع الحروف الزائدة تفيد التوكيد، وأصل الكلام: ما جاءنا بشيرٌ ولا نذيرٌ، هذا الأصل، لكن إذا دخلت (مِن) صارت أدل على النفي مما لو لم تدخل؛ ولهذا يقولون: إن النفي قد يكون نصًّا في التعميم إذا كان الحرف النافي هي (لا)، أو اقترن بحرف الجر الزائد سواء كان (مِن) أو الباء.

هنا يقول: ﴿مِنْ بَشِيرٍ﴾ قلنا: إن (مِن) زائدة من حيث الإعراب، فمن يستطيع أن يعربها؟

* طالب: ﴿بَشِيرٍ﴾ فاعل مرفوع، وعلامة رفعه الضمة المقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر.

* الشيخ: ﴿بَشِيرٍ﴾ فاعل مرفوع بضمة مقدرة على آخره، منع من ظهورها أيش؟ اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد؛ لأن حرف الجر أداة لفظية، فلا بد أن يكون تأثيرها في اللفظ أكثر من تأثير المعنى.

سؤال خارجي: لو عطفنا على الفاعل المجرور بـ(مِن) ما لم تدخل عليه (مِن)، فماذا نصنع؟

* طالب: يُرفع بحركة ظاهرة.

* الشيخ: يُرفع، وجوبًا؟

* الطالب: وجوبًا، …

Al-Maaida 5:19Listen in Qur'an →
20

وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِۦ يَٰقَوْمِ ٱذْكُرُوا۟ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنۢبِيَآءَ وَجَعَلَكُم مُّلُوكًۭا وَءَاتَىٰكُم مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًۭا مِّنَ ٱلْعَٰلَمِينَ

And [mention, O Muhammad], when Moses said to his people, "O my people, remember the favor of Allah upon you when He appointed among you prophets and made you possessors and gave you that which He had not given anyone among the worlds.

ثم قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ (إذ) هذه ظرف، ومن القواعد المقررة عند النحويين: أن كل ظرف أو جار ومجرور فلا بد أن يكون له متعلق؛ لأنه لا يقع إلا معمولًا أو معمولًا فيه، إن كان ظرفًا فهو معمول فيه، وإن كان جارًّا ومجرورًا فإنه في محل المفعول به، فيكون معمولًا فيه، إذن لا بد لكل جار ومجرور أو ظرف لا بد له من متعلق، هذا المتعلق هو العامل في الواقع؛ ولهذا قال ناظم الجمل:

لَا بُدَّ لِلْجَارِ مِنَ التَّعَلُّقِ ∗∗∗ بِفِعْلٍ اوْ مَعْنَاهُ نَحْوِ مُرْتَقِي

وجه ذلك أن نقول: إنه لا بد منه؛ لأن الظرف مفعول فيه، فلا بد من فعل يقع فيه، والجار والمجرور في محل المفعول به، فيقول هنا: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى﴾.

(إذ) هذه ظرف تحتاج إلى عامل، أرى أن جميع المعربين إلا من لا نطلع على إعرابهم في القرآن الكريم كلما جاءت (إذ) غالبًا يُقدّرون لها: اذكر إذ قال.

وهنا هل نقول: إن متعلق (إذ) (اذكر)، فيكون هنا الخطاب موجّهًا إلى الرسول ﷺ، أو أن المراد: اذكروا، أي: يا أهل الكتاب؟

نقول: يحتمل هذا أو هذا، فإن كان الثاني فمعناه أن الله سبحانه وتعالى بنفسه يُذكّرهم، وإن كان الأول فمعناه أنه أمر رسوله أن يذكرهم، ومؤدّى المعنيين واحد: اذكروا إذ قال موسى لقومه، وهم بنو إسرائيل.

﴿يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾.

قوله: ﴿يَا قَوْمِ﴾ ناداهم مناداة البعيد، قال أهل البلاغة: وهذا يدل على إعراضهم وصدودهم وعلى بلاهتهم.

ولا شك أن بني إسرائيل من أشد الناس عتوًّا حتى على نبيهم موسى عليه الصلاة والسلام؛ فلذلك قال: ﴿يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾، والنعمة هي الإفضال والإحسان، والمراد: اذكروا هذه النعمة لتقوموا بشكرها.

ثم بيّن هذه النعمة فقال: ﴿إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ﴾ هذه (إذ) متعلقة بـ﴿نِعْمَةَ﴾؛ لأنها بمعنى إنعام، أي: اذكروا إنعام الله عليكم؛ إذ جعل فيكم أنبياء.

وقوله: ﴿جَعَلَ فِيكُمْ﴾ (في) هذه للظرفية، وينبغي أن نجعلها على معناها، وألا نجعلها بمعنى (مِن) منكم أنبياء، بل نقول: فيكم؛ لأن النبي يكون من ثِقة قومه ومن أشراف قومه، وهي كقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ [الجمعة ٢].

﴿إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ﴾ و﴿أَنْبِيَاءَ﴾ فيها قراءتان: ﴿أَنْبِئَاءَ﴾ و﴿أَنْبِيَاءَ﴾، وكلاهما قراءة صحيحة؛ لأنهما سبعيتان.

وهل المراد هنا بالأنبياء: الرسل أو الأنبياء الذين دون الرسل؟ يحتمل هذا وهذا؛ لأن فيهم رسلًا، وفيهم أنبياء بلا رسالة.

﴿وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا﴾ أي: صيّركم ملوكًا، وتأمّل الفرق بين الأنبياء والملوك؛ الأنبياء قال: ﴿فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ﴾، الملوك قال: ﴿جَعَلَكُمْ مُلُوكًا﴾، فهل معنى العبارة الثانية كالأولى؟ ولكنه جعل الملك عامًّا؛ لأن أي واحد منهم يمكن أن يكون ملكًا بخلاف النبوة فإنها من عند الله؛ ولهذا قال: ﴿فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ﴾ ولم يقل: جعلكم أنبياء؟

أو يقال: ﴿جَعَلَكُمْ مُلُوكًا﴾ والملوكية هنا اعتبارية، أي: باعتبار كونكم خدمًا أذلاء لآل فرعون أصبحتم الآن أحرارًا تملكون أنفسكم، ولا أحد يقيدكم فيما تريدون؟

الجواب: يحتمل هذا وهذا، يحتمل أن المعنى ﴿جَعَلَكُمْ مُلُوكًا﴾ أي: جعل فيكم الملوك، ولكنه في النبوة قال: ﴿فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ﴾؛ لأنه ليس كل أحد يستطيع أن يكون نبيًّا، بخلاف الْمُلك فإنه ربما يكون أي واحد ملكًا، أو أن المراد بالملكية هنا الملكية النسبية؛ يعني: باعتبار أنكم كنتم أذلاء وخدمًا لآل فرعون أصبحتم الآن مالكين لأنفسكم، ولا شك أن هذا وهذا حصل.

﴿وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ ﴿آتَاكُمْ﴾ بمعنى أعطاكم، والفرق بين (أتاكم) و(آتاكم) أن (أتاكم) بمعنى جاءكم، و(آتاكم) بمعنى أعطاكم؛ ولهذا (آتاكم) تنصب مفعولين، لكن ليس …

Al-Maaida 5:20Listen in Qur'an →

Commentary: Tafsir Ibn 'Uthaymin by Muhammad ibn Salih al-'Uthaymin. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.