قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا نَكْتُمُ شَهادَةَ اللَّهِ إنّا إذًا لَمِنَ الآثِمِينَ﴾، ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ كاتِمَ الشَّهادَةِ آثِمٌ، وبَيَّنَ في مَوْضِعٍ آخَرَ أنَّ هَذا الإثْمَ مِنَ الآثامِ القَلْبِيَّةِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿وَمَن يَكْتُمْها فَإنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣]، ومَعْلُومٌ أنَّ مَنشَأ الآثامِ والطّاعاتِ جَمِيعًا مِنَ القَلْبِ؛ لِأنَّهُ إذا صَلَحَ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، وإذا فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ.
⁕ ⁕ ⁕
قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب):
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوْ آخَرانِ مِن غَيْرِكُمْ﴾ الآيَةَ.
هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى قَبُولِ شَهادَةِ الكُفّارِ عَلى الوَصِيَّةِ في السَّفَرِ، وقَدْ جاءَتْ آياتٌ أُخَرُ تَدُلُّ عَلى خِلافِ ذَلِكَ كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّما يَفْتَرِي الكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ وأُولَئِكَ هُمُ الكاذِبُونَ﴾ [النحل: ١٠٥] .
وَقَوْلِهِ: ﴿وَلا تَقْبَلُوا لَهم شَهادَةً أبَدًا وأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ [النور: ٤]، أيْ فالكافِرُونَ أحْرى بِرَدِّ شَهادَتِهِمْ.
وَقَوْلِهِ: ﴿وَأشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنكُمْ﴾ [الطلاق: ٢] .
وَقَوْلِهِ: ﴿واسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِجالِكم فَإنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وامْرَأتانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ﴾ الآيَةَ [البقرة: ٢٨٢] .
والجَوابُ عَنْ هَذا عَلى قَوْلِ مَن لا يَقْبَلُ شَهادَةَ الكافِرِينَ عَلى الإيصاءِ في السَّفَرِ أنَّهُ يَقُولُ: إنَّ قَوْلَهُ ﴿أوْ آخَرانِ مِن غَيْرِكُمْ﴾، مَنسُوخٌ بِآياتِ اشْتِراطِ العَدالَةِ، والَّذِي يَقُولُ بِقَبُولِ شَهادَتِهِما يَقُولُ هي مُحْكَمَةٌ مُخَصِّصَةٌ لِعُمُومِ غَيْرِها، وهَذا الخِلافُ مَعْرُوفٌ ووَجْهُ الجَوابِ عَلى كِلا القَوْلَيْنِ ظاهِرٌ.
وَأمّا عَلى قَوْلِ مَن قالَ: إنَّ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ذَوا عَدْلٍ مِنكُمْ﴾ [المائدة: ٩٥]، أيْ مِن قَبِيلَةِ المُوصِي، وقَوْلِهِ: ﴿أوْ آخَرانِ مِن غَيْرِكُمْ﴾ أيْ مِن غَيْرِ قَبِيلَةِ المُوصِي مِن سائِرِ المُسْلِمِينَ، فَلا إشْكالَ في الآيَةِ.
وَلَكِنَّ جُمْهُورَ العُلَماءِ عَلى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿مِن غَيْرِكُمْ﴾ أيْ مِن غَيْرِ المُسْلِمِينَ، وأنَّ قَوْلَهُ: مِنكم أيْ مِنَ المُسْلِمِينَ. وعَلَيْهِ فالجَوابُ ما تَقَدَّمَ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.