Muslim99Muslim99
← Tafsir library

5. Al-Maaida

The Table · Medinan · 120 ayahs

سُورَةُ المَائـِدَةِ

Reading Irshad al-'Aql al-Salim by Abu al-Su'ud

Ayahs 101–110 of 120

101

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَسْـَٔلُوا۟ عَنْ أَشْيَآءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِن تَسْـَٔلُوا۟ عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ ٱلْقُرْءَانُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا ٱللَّهُ عَنْهَا ۗ وَٱللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌۭ

O you who have believed, do not ask about things which, if they are shown to you, will distress you. But if you ask about them while the Qur'an is being revealed, they will be shown to you. Allah has pardoned that which is past; and Allah is Forgiving and Forbearing.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْألُوا عَنْ أشْياءَ﴾ هو اسْمُ جَمْعٍ عَلى رَأْيِ الخَلِيلِ، وسِيبَوَيْهِ، وجُمْهُورِ البَصْرِيِّينَ، كَطَرْفاءَ وقَصْباءَ، أصْلُهُ: شِيَآءُ بِهَمْزَتَيْنِ بَيْنَهُما ألِفٌ، فَقُلِبَتِ الكَلِمَةُ بِتَقْدِيمِ لامِها عَلى فائِها، فَصارَ وزْنُها لَفْعاءَ، ومُنِعَتِ الصَّرْفَ لِألِفِ التَّأْنِيثِ المَمْدُودَةِ.

وَقِيلَ: هو جَمْعُ شَيْءٍ، عَلى أنَّهُ مُخَفَّفٌ مِن شَيِّءٍ، كَهَيْنٍ مُخَفَّفٌ مِن هَيِّنٍ، والأصْلُ: أشْيِئاءُ، كَأهْوِناءَ بِزِنَةِ أفْعِلاءَ، فاجْتَمَعَتْ هَمْزَتانِ لامُ الكَلِمَةِ والَّتِي لِلتَّأْنِيثِ؛ إذِ الألِفُ كالهَمْزَةِ، فَخُفِّفَتِ الكَلِمَةُ بِأنْ قُلِبَتِ الهَمْزَةُ الأُولى ياءً لِانْكِسارِ ما قَبْلَها، فَصارَتْ أشْيِياءَ، فاجْتَمَعَتْ ياءانِ أُولاهُما عَيْنُ الكَلِمَةِ، فَحُذِفَتْ تَخْفِيفًا فَصارَتْ أشْياءَ، وزْنُها أفْلاءُ، ومُنِعَتِ الصَّرْفَ لِألِفِ التَّأْنِيثِ.

وَقِيلَ: إنَّما حُذِفَتْ مِن أشْيِياءَ الياءُ المُنْقَلِبَةُ مِنَ الهَمْزَةِ الَّتِي هي لامُ الكَلِمَةِ، وفُتِحَتِ الياءُ المَكْسُورَةُ لِتَسْلَمَ ألِفُ الجَمْعِ، فَوَزْنُها أفْعاءُ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ تُبْدَ لَكم تَسُؤْكُمْ﴾ صِفَةٌ لِأشْياءَ داعِيَةٌ إلى الِانْتِهاءِ عَنِ السُّؤالِ عَنْها، وحَيْثُ كانَتِ المَساءَةُ في هَذِهِ الشَّرْطِيَّةِ مُعَلَّقَةً بِإبْدائِها لا بِالسُّؤالِ عَنْها، عُقِّبَتْ بِشَرْطِيَّةٍ أُخْرى ناطِقَةٍ بِاسْتِلْزامِ السُّؤالِ عَنْها، لِإبْدائِها المُوجِبِ لِلْمَحْذُورِ قَطْعًا.

فَقِيلَ: ﴿وَإنْ تَسْألُوا عَنْها حِينَ يُنَزَّلُ القرآن تُبْدَ لَكُمْ﴾؛ أيْ: تِلْكَ الأشْياءُ المُوجِبَةُ لِلْمَساءَةِ بِالوَحْيِ، كَما يُنْبِئُ عَنْهُ تَقْيِيدُ السُّؤالِ بِحِينِ التَّنْزِيلِ، والمُرادُ بِها: ما يَشُقُّ عَلَيْهِمْ ويَغُمُّهم مِنَ التَّكالِيفِ الصَّعْبَةِ الَّتِي لا يُطِيقُونَ بِها، والأسْرارِ الخَفِيَّةِ الَّتِي يَفْتَضِحُونَ بِها بِظُهُورِها، ونَحْوِ ذَلِكَ مِمّا لا خَيْرَ فِيهِ، فَكَما أنَّ السُّؤالَ عَنِ الأُمُورِ الواقِعَةِ مُسْتَتْبِعٌ لِإبْدائِها، كَذَلِكَ السُّؤالُ عَنْ تِلْكَ التَّكالِيفِ مُسْتَتْبِعٌ لِإيجابِها عَلَيْهِمْ بِطَرِيقِ التَّشْدِيدِ، لِإساءَتِهِمُ الأدَبَ، واجْتِرائِهِمْ عَلى المَسْألَةِ والمُراجَعَةِ، وتَجاوُزِهِمْ عَمّا يَلِيقُ بِشَأْنِهِمْ مِنَ الاسْتِسْلامِ لِأمْرِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، مِن غَيْرِ بَحْثٍ فِيهِ ولا تَعَرُّضٍ لِكَيْفِيَّتِهِ وكَمِّيَّتِهِ؛ أيْ: لا تُكْثِرُوا مُساءَلَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَمّا لا يَعْنِيكم، مِن نَحْوِ تَكالِيفَ شاقَّةٍ، وعَلَيْكم إنْ أفْتاكم بِها وكَلَّفَكم إيّاها، حَسْبَما أُوحِيَ إلَيْهِ ولَمْ تُطِيقُوا بِها، نَحْوُ بَعْضِ أُمُورٍ مَسْتُورَةٍ تَكْرَهُونَ بُرُوزَها.

وَذَلِكَ مِثْلُ ما رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: «خَطَبَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَحَمِدَ اللَّهَ تَعالى وأثْنى عَلَيْهِ، ثُمَّ قالَ: " إنَّ اللَّهَ تَعالى كَتَبَ عَلَيْكُمُ الحَجَّ "، فَقامَ رَجُلٌ مِن بَنِي أسَدٍ يُقالُ لَهُ: عُكّاشَةُ بْنُ مِحْصَنٍ - وقِيلَ: هو سُراقَةُ بْنُ مالِكٍ - فَقالَ: أفِي كُلِّ عامٍ يا رَسُولَ اللَّهِ ؟ فَأعْرَضَ عَنْهُ حَتّى أعادَ مَسْألَتَهُ ثَلاثَ مَرّاتٍ؛ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " ويْحَكَ، وما يُؤْمِنُكَ أنْ أقُولَ: نَعَمْ، واللَّهِ لَوْ قُلْتُ: نَعَمْ، لَوَجَبَتْ، ولَوْ وجَبَتْ ما اسْتَطَعْتُمْ، ولَوْ تَرَكْتُمْ لَكَفَرْتُمْ، فاتْرُكُونِي ما تَرَكْتُكم، فَإنَّما هَلَكَ مَن كانَ قَبْلَكم بِكَثْرَةِ سُؤالِهِمْ واخْتِلافِهِمْ عَلى أنْبِيائِهِمْ، فَإذا أمَرْتُكم بِأمْرٍ فَخُذُوا مِنهُ ما اسْتَطَعْتُمْ، وإذا نَهَيْتُكم عَنْ شَيْءٍ …

Al-Maaida 5:101Listen in Qur'an →
102

قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌۭ مِّن قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا۟ بِهَا كَٰفِرِينَ

A people asked such [questions] before you; then they became thereby disbelievers.

﴿قَدْ سَألَها قَوْمٌ﴾؛ أيْ: سَألُوا هَذِهِ المَسْألَةَ، لَكِنْ لا عَيْنَها، بَلْ مِثْلَها في كَوْنِها مَحْظُورَةً ومُسْتَتْبِعَةً لِلْوَبالِ، وعَدَمُ التَّصْرِيحِ بِالمِثْلِ لِلْمُبالَغَةِ في التَّحْذِيرِ.

﴿مِن قَبْلِكُمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِسَألَها.

﴿ثُمَّ أصْبَحُوا بِها﴾؛ أيْ: بِسَبَبِها، أوْ بِمَرْجُوعِها.

﴿كافِرِينَ﴾ فَإنَّ بَنِي إسْرائِيلَ كانُوا يَسْتَفْتُونَ أنْبِياءَهم في أشْياءَ، فَإذا أُمِرُوا بِها تَرَكُوها، فَهَلَكُوا.

Al-Maaida 5:102Listen in Qur'an →
103

مَا جَعَلَ ٱللَّهُ مِنۢ بَحِيرَةٍۢ وَلَا سَآئِبَةٍۢ وَلَا وَصِيلَةٍۢ وَلَا حَامٍۢ ۙ وَلَٰكِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ يَفْتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ ۖ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ

Allah has not appointed [such innovations as] bahirah or sa'ibah or wasilah or ham. But those who disbelieve invent falsehood about Allah, and most of them do not reason.

﴿ما جَعَلَ اللَّهُ مِن بَحِيرَةٍ ولا سائِبَةٍ ولا وصِيلَةٍ ولا حامٍ﴾ رَدٌّ وإبْطالٌ لِما ابْتَدَعَهُ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ، حَيْثُ كانُوا إذا نُتِجَتِ النّاقَةُ خَمْسَةَ أبْطُنٍ آخِرُها ذَكَرٌ، بَحَرُوا أُذُنَها؛ أيْ: شَقُّوها، وحَرَّمُوا رُكُوبَها ودَرَّها، ولا تُطْرَدُ عَنْ ماءٍ ولا عَنْ مَرْعًى، وكانَ يَقُولُ الرَّجُلَ: إذا قَدِمْتُ مِن سَفَرِي، أوْ بَرِئْتُ مِن مَرَضِي، فَناقَتِي سائِبَةٌ، وجَعَلَها كالبَحِيرَةِ في تَحْرِيمِ الِانْتِفاعِ بِها. وقِيلَ: كانَ الرَّجُلُ إذا أعْتَقَ عَبْدًا قالَ: هو سائِبَةٌ، فَلا عَقْلَ بَيْنَهُما ولا مِيراثَ.

وَإذا ولَدَتِ الشّاةُ أُنْثى فَهي لَهم، وإنْ ولَدَتْ ذَكَرًا فَهو لِآلِهَتِهِمْ، وإنْ ولَدَتْ ذَكَرًا وأُنْثى قالُوا: وصَلَتْ أخاها، فَلَمْ يَذْبَحُوا الذَّكَرَ لِآلِهَتِهِمْ، وإذا نُتِجَتْ مِن صُلْبِ الفَحْلِ عَشَرَةُ أبْطُنٍ قالُوا: قَدْ حَمى ظَهْرَهُ، فَلا يُرْكَبُ ولا يُحْمَلُ عَلَيْهِ، ولا يُمْنَعُ مِن ماءٍ ولا مَرْعًى.

وَمَعْنى " ما جَعَلَ ": ما شَرَعَ وما وضَعَ؛ ولِذَلِكَ عُدِّيَ إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ، هو بَحِيرَةٍ وما عُطِفَ عَلَيْها.

وَ" مِن " مَزِيدَةٌ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ، فَإنَّ الجَعْلَ التَّكْوِينِيَّ كَما يَجِيءُ تارَةً مُتَعَدِّيًا إلى مَفْعُولَيْنِ وأُخْرى إلى واحِدٍ، كَذَلِكَ الجَعْلُ التَّشْرِيعِيُّ يَجِيءُ مَرَّةً مُتَعَدِّيًا إلى مَفْعُولَيْنِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الكَعْبَةَ البَيْتَ الحَرامَ قِيامًا لِلنّاسِ﴾، وأُخْرى إلى واحِدٍ كَما في الآيَةِ الكَرِيمَةِ.

﴿وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ﴾ حَيْثُ يَفْعَلُونَ ما يَفْعَلُونَ، ويَقُولُونَ: اللَّهُ أمَرَنا بِهَذا، وإمامُهم عَمْرُو بْنُ لُحَيٍّ، فَإنَّهُ أوَّلُ مَن فَعَلَ هَذِهِ الأفاعِيلَ الباطِلَةَ، هَذا شَأْنُ رُؤَسائِهِمْ وكُبَرائِهِمْ.

﴿وَأكْثَرُهُمْ﴾ وهم أراذِلُهُمُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَهم مِن مُعاصِرِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، كَما يَشْهَدُ بِهِ سِياقُ النَّظْمِ الكَرِيمِ.

﴿لا يَعْقِلُونَ﴾ أنَّهُ افْتِراءٌ باطِلٌ حَتّى يُخالِفُوهم، ويَهْتَدُوا إلى الحَقِّ بِأنْفُسِهِمْ، فَيَبْقَوْنَ في أسْرِ التَّقْلِيدِ، وهَذا بَيانٌ لِقُصُورِ عُقُولِهِمْ وعَجْزِهِمْ عَنْ الِاهْتِداءِ بِأنْفُسِهِمْ.

Al-Maaida 5:103Listen in Qur'an →
104

وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا۟ إِلَىٰ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَإِلَى ٱلرَّسُولِ قَالُوا۟ حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ ءَابَآءَنَآ ۚ أَوَلَوْ كَانَ ءَابَآؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْـًۭٔا وَلَا يَهْتَدُونَ

And when it is said to them, "Come to what Allah has revealed and to the Messenger," they say, "Sufficient for us is that upon which we found our fathers." Even though their fathers knew nothing, nor were they guided?

وَقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَإذا قِيلَ لَهُمْ﴾؛ أيْ: لِلَّذِينَ عَبَّرَ عَنْهم بِأكْثَرِهِمْ عَلى سَبِيلِ الهِدايَةِ والإرْشادِ.

﴿تَعالَوْا إلى ما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ مِنَ الكِتابِ المُبَيِّنِ لِلْحَلالِ والحَرامِ.

﴿وَإلى الرَّسُولِ﴾ الَّذِي أُنْزِلَ هو عَلَيْهِ لِتَقِفُوا عَلى حَقِيقَةِ الحالِ، وتُمَيِّزُوا الحَرامَ مِنَ الحَلالِ.

﴿قالُوا حَسْبُنا ما وجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا﴾ بَيانٌ لِعِنادِهِمْ واسْتِعْصائِهِمْ عَلى الهُدى إلى الحَقِّ، وانْقِيادِهِمْ لِلدّاعِي إلى الضَّلالِ.

﴿أوَلَوْ كانَ آباؤُهم لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا ولا يَهْتَدُونَ﴾ .

قِيلَ: الواوُ لِلْحالِ دَخَلَتْ عَلَيْها الهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ والتَّعْجِيبِ؛ أيْ: أحَسْبُهم ذَلِكَ، ولَوْ كانَ آباؤُهم جَهَلَةً ضالِّينَ.

وَقِيلَ: لِلْعَطْفِ عَلى شَرْطِيَّةٍ أُخْرى مُقَدَّرَةٍ قَبْلَها، وهو الأظْهَرُ، والتَّقْدِيرُ: أحَسْبُهم ذَلِكَ، أوْ أيَقُولُونَ هَذا القَوْلَ، لَوْ لَمْ يَكُنْ آباؤُهم لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا مِنَ الدِّينِ، ولا يَهْتَدُونَ لِلصَّوابِ، ولَوْ كانُوا لا يَعْلَمُونَ ... إلَخْ.

وَكِلْتاهُما في مَوْقِعِ الحالِ؛ أيْ: أحَسْبُهم ما وجَدُوا عَلَيْهِ آباءَهم كائِنِينَ عَلى كُلِّ حالٍ مَفْرُوضٍ، وقَدْ حُذِفَتِ الأُولى في البابِ حَذْفًا مُطَّرِدًا؛ لِدَلالَةِ الثّانِيَةِ عَلَيْها دَلالَةً واضِحَةً، كَيْفَ لا وإنَّ الشَّيْءَ إذا تَحَقَّقَ عِنْدَ المانِعِ، فَلَأنْ يَتَحَقَّقَ عِنْدَ عَدَمِهِ أوْلى، كَما في قَوْلِكَ: أحْسِنْ إلى فُلانٍ وإنْ أساءَ إلَيْكَ؛ أيْ: أحْسِنْ إلَيْهِ إنْ لَمْ يُسِئْ إلَيْكَ وإنْ أساءَ؛ أيْ: أحْسِنْ إلَيْهِ كائِنًا عَلى كُلِّ حالٍ مَفْرُوضٍ. وقَدْ حُذِفَتِ الأُولى لِدَلالَةِ الثّانِيَةِ عَلَيْها دَلالَةً ظاهِرَةً؛ إذِ الإحْسانُ حَيْثُ أُمِرَ بِهِ عِنْدَ المانِعِ، فَلَأنْ يُؤْمَرَ بِهِ عِنْدَ عَدَمِهِ أوْلى.

وَعَلى هَذا السِّرِّ يَدُورُ ما في " إنْ، ولَوِ " الوَصْلِيَّتَيْنِ مِنَ المُبالَغَةِ والتَّأْكِيدِ، وجَوابُ " لَوْ " مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ ما سَبَقَ عَلَيْهِ؛ أيْ: لَوْ كانَ آباؤُهم لا يَعْلَمُونَ شَيْئًا ولا يَهْتَدُونَ، حَسْبُهم ذَلِكَ، أوْ يَقُولُونَ ذَلِكَ. وما في " لَوْ " مِن مَعْنى الِامْتِناعِ والِاسْتِبْعادِ، إنَّما هو بِالنَّظَرِ إلى زَعْمِهِمْ لا إلى نَفْسِ الأمْرِ، وفائِدَتُهُ المُبالَغَةُ في الإنْكارِ والتَّعْجِيبِ بِبَيانِ أنَّ ما قالُوهُ مُوجِبٌ لِلْإنْكارِ والتَّعْجِيبِ، إذا كانَ كَوْنُ آبائِهِمْ جَهَلَةً ضالِّينَ في حَيِّزِ الِاحْتِمالِ البَعِيدِ، فَكَيْفَ إذا كانَ ذَلِكَ واقِعًا لا رَيْبَ فِيهِ.

وَقِيلَ: مَآلُ الوَجْهَيْنِ واحِدٌ؛ لِأنَّ الجُمْلَةَ المُقَدَّرَةَ حالٌ، فَكَذا ما عُطِفَ عَلَيْها.

وَأنْتَ خَبِيرٌ بِأنَّ الحالَ عَلى الوَجْهِ الأخِيرِ مَجْمُوعُ الجُمْلَتَيْنِ لا الأخِيرَةُ فَقَطْ، وأنَّ الواوَ لِلْعَطْفِ لا لِلْحالِ، وقَدْ مَرَّ التَّحْقِيقُ في قَوْلِهِ تَعالى: " ﴿أوَلَوْ كانَ آباؤُهم لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا ولا يَهْتَدُونَ﴾ "؛ فَتَدَبَّرْ.

Al-Maaida 5:104Listen in Qur'an →
105

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ ۖ لَا يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا ٱهْتَدَيْتُمْ ۚ إِلَى ٱللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًۭا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ

O you who have believed, upon you is [responsibility for] yourselves. Those who have gone astray will not harm you when you have been guided. To Allah is you return all together; then He will inform you of what you used to do.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكم أنْفُسَكُمْ﴾؛ أيِ: الزَمُوا أمْرَ أنْفُسِكم وإصْلاحِها. وقُرِئَ بِالرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ؛ أيْ: واجِبَةٌ عَلَيْكم أنْفُسُكم.

وَقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿لا يَضُرُّكم مَن ضَلَّ إذا اهْتَدَيْتُمْ﴾ إمّا مَجْزُومٌ عَلى أنَّهُ جَوابٌ لِلْأمْرِ، أوْ نَهْيٌ مُؤَكِّدٌ لَهُ، وإنَّما ضُمَّتِ الرّاءُ اتِّباعًا لِضَمَّةِ الضّادِ المَنقُولَةِ إلَيْها مِنَ الرّاءِ المُدْغَمَةِ؛ إذِ الأصْلُ: لا يَضْرُرْكم، ويُؤَيِّدُهُ القِراءَةُ بِفَتْحِ الرّاءِ، وقِراءَةُ مَن قَرَأ: ( لا يَضِرْكم ) بِكَسْرِ الضّادِ وضَمِّها، مِن ضارَ يَضِيرُهُ ويَضُورُهُ، وإمّا مَرْفُوعٌ عَلى أنَّهُ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ في مَوْقِعِ التَّعْلِيلِ لِما قَبْلَهُ، ويَعْضُدُهُ قِراءَةُ مَن قَرَأ: ( لا يَضِيرُكم )؛ أيْ: لا يَضِرْكم ضَلالُ مَن ضَلَّ إذا كُنْتُمْ مُهْتَدِينَ.

وَلا يُتَوَهَّمَنَّ أنَّ فِيهِ رُخْصَةً في تَرْكِ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ، والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ مَعَ اسْتِطاعَتِهِما، كَيْفَ لا ومِن جُمْلَةِ الِاهْتِداءِ أنْ يُنْكَرَ عَلى المُنْكَرِ حَسْبَما تَفِي بِهِ الطّاقَةُ، قالَ ﷺ: " «مَن رَأى مِنكم مُنْكَرًا فاسْتَطاعَ أنْ يُغَيِّرَهُ فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسانِهِ، فَإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ» " .

وَقَدْ «رُوِيَ أنَّ الصِّدِّيقَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ يَوْمًا عَلى المِنبَرِ: يَأيُّها النّاسُ إنَّكم تَقْرَءُونَ هَذِهِ الآيَةَ، وتَضَعُونَها غَيْرَ مَوْضِعِها، ولا تَدْرُونَ ما هي، وإنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " إنَّ النّاسَ إذا رَأوْا مُنْكَرًا فَلَمْ يُغَيِّرُوهُ عَمَّهُمُ اللَّهُ بِعِقابٍ، فَأْمُرُوا بِالمَعْرُوفِ وانْهَوْا عَنِ المُنْكَرِ، ولا تَغْتَرُّوا بِقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ: " يَأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا " ... إلَخْ، فَيَقُولُ أحَدُكم: عَلَيَّ نَفْسِي، واللَّهِ لِتَأْمُرُنَّ بِالمَعْرُوفِ وتَنْهُنَّ عَنِ المُنْكَرِ، أوْ لَيَسْتَعْمِلَنَّ اللَّهُ عَلَيْكم شِرارَكم، فَيَسُومُونَكم سُوءَ العَذابِ، ثُمَّ لَيَدْعُوَنَّ خِيارُكم فَلا يُسْتَجابُ لَهم» " .

وَعَنْهُ ﷺ: " «ما مِن قَوْمٍ عُمِلَ فِيهِمْ مُنْكَرٌ، أوْ سُنَّ فِيهِمْ قَبِيحٌ، فَلَمْ يُغَيِّرُوهُ ولَمْ يُنْكِرُوهُ، إلّا وحَقٌّ عَلى اللَّهِ تَعالى أنْ يَعُمَّهم بِالعُقُوبَةِ جَمِيعًا، ثُمَّ لا يُسْتَجابُ لَهم» " .

والآيَةُ نَزَلَتْ لَمّا كانَ المُؤْمِنُونَ يَتَحَسَّرُونَ عَلى الكَفَرَةِ، وكانُوا يَتَمَنَّوْنَ إيمانَهم، وهم مِنَ الضَّلالِ بِحَيْثُ لا يَكادُونَ يَرْعَوُونَ عَنْهُ بِالأمْرِ والنَّهْيِ.

وَقِيلَ: كانَ الرَّجُلُ إذا أسْلَمَ لامُوهُ، وقالُوا لَهُ: سَفَّهْتَ آباءَكَ وضَلَّلْتَهم؛ أيْ: نَسَبْتَهم إلى السَّفاهَةِ والضَّلالِ، فَنَزَلَتْ تَسْلِيَةً لَهُ بِأنَّ ضَلالَ آبائِهِ لا يَضُرُّهُ ولا يَشِينُهُ.

﴿إلى اللَّهِ﴾ لا إلى أحَدٍ سِواهُ.

﴿مَرْجِعُكُمْ﴾ رُجُوعُكم يَوْمَ القِيامَةِ.

﴿جَمِيعًا﴾ بِحَيْثُ لا يَتَخَلَّفُ عَنْهُ أحَدٌ مِنَ المُهْتَدِينَ وغَيْرِهِمْ.

﴿فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ في الدُّنْيا مِن أعْمالِ الهِدايَةِ والضَّلالِ، فَهو وعْدٌ ووَعِيدٌ لِلْفَرِيقَيْنِ، وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّ أحَدًا لا يُؤاخَذُ بِعَمَلِ غَيْرِهِ.

Al-Maaida 5:105Listen in Qur'an →
106

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ شَهَٰدَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ حِينَ ٱلْوَصِيَّةِ ٱثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍۢ مِّنكُمْ أَوْ ءَاخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنتُمْ ضَرَبْتُمْ فِى ٱلْأَرْضِ فَأَصَٰبَتْكُم مُّصِيبَةُ ٱلْمَوْتِ ۚ تَحْبِسُونَهُمَا مِنۢ بَعْدِ ٱلصَّلَوٰةِ فَيُقْسِمَانِ بِٱللَّهِ إِنِ ٱرْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِى بِهِۦ ثَمَنًۭا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ ۙ وَلَا نَكْتُمُ شَهَٰدَةَ ٱللَّهِ إِنَّآ إِذًۭا لَّمِنَ ٱلْءَاثِمِينَ

O you who have believed, testimony [should be taken] among you when death approaches one of you at the time of bequest - [that of] two just men from among you or two others from outside if you are traveling through the land and the disaster of death should strike you. Detain them after the prayer and let them both swear by Allah if you doubt [their testimony, saying], "We will not exchange our oath for a price, even if he should be a near relative, and we will not withhold the testimony of Allah. Indeed, we would then be of the sinful."

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ الأحْكامِ المُتَعَلِّقَةِ بِأُمُورِ دُنْياهم، إثْرَ بَيانِ الأحْوالِ المُتَعَلِّقَةِ بِأُمُورِ دِينِهِمْ، وتَصْدِيرُهُ بِحَرْفَيِ النِّداءِ والتَّنْبِيهِ؛ لِإظْهارِ كَمالِ العِنايَةِ بِمَضْمُونِهِ.

وَقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿شَهادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ بِالرَّفْعِ والإضافَةِ إلى الظَّرْفِ تَوَسُّعًا، إمّا بِاعْتِبارِ جَرَيانِها بَيْنَهم، أوْ بِاعْتِبارِ تَعَلُّقِها بِما يَجْرِي بَيْنَهم مِنَ الخُصُوماتِ مُبْتَدَأٌ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذا حَضَرَ أحَدَكُمُ المَوْتُ﴾؛ أيْ: شارَفَهُ وظَهَرَتْ عَلائِمُهُ، ظَرْفٌ لَها، وتَقْدِيمُ المَفْعُولِ لِإفادَةِ كَمالِ تَمَكُّنِ الفاعِلِ عِنْدَ النَّفْسِ وقْتَ وُرُودِهِ عَلَيْها، فَإنَّهُ أدْخَلُ في تَهْوِينِ أمْرِ المَوْتِ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿حِينَ الوَصِيَّةِ﴾ بَدَلٌ مِنهُ، لا ظَرْفٌ لِلْمَوْتِ كَما تُوُهِّمَ، ولا لِحُضُورِهِ كَما قِيلَ؛ فَإنَّ في الإبْدالِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ الوَصِيَّةَ مِنَ المُهِمّاتِ المُقَرَّرَةِ الَّتِي لا يَنْبَغِي أنْ يَتَهاوَنَ بِها المُسْلِمُ ويَذْهَلَ عَنْها.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿اثْنانِ﴾ خَبَرٌ لِلْمُبْتَدَأِ بِتَقْدِيرِ المُضافِ؛ أيْ: شَهادَةُ بَيْنِكم حِينَئِذٍ شَهادَةُ اثْنَيْنِ، أوْ فاعِلُ شَهادَةِ بَيْنِكم عَلى أنَّ خَبَرَها مَحْذُوفٌ؛ أيْ: فِيما نَزَلَ عَلَيْكم أنْ يَشْهَدَ بَيْنَكُمُ اثْنانِ.

وَقُرِئَ: ( شَهادَةٌ ) بِالرَّفْعِ والتَّنْوِينِ والإعْرابُ كَما سُبِقَ، وقُرِئَ: ( شَهادَةً ) بِالنَّصْبِ والتَّنْوِينِ عَلى أنَّ عامِلَها مُضْمَرٌ، هو العامِلُ في اثْنانِ أيْضًا؛ أيْ: لِيُقِمْ شَهادَةً بَيْنَكُمُ اثْنانِ.

﴿ذَوا عَدْلٍ مِنكُمْ﴾؛ أيْ: مِن أقارِبِكم؛ لِأنَّهم أعْلَمُ بِأحْوالِ المَيِّتِ وأنْصَحُ لَهُ، وأقْرَبُ إلى تَحَرِّي ما هو أصْلَحُ لَهُ. وقِيلَ: مِنَ المُسْلِمِينَ، وهُما صِفَتانِ لِاثْنانِ.

﴿أوْ آخَرانِ﴾ عَطْفٌ عَلى اثْنانِ تابِعٌ لَهُ فِيما ذُكِرَ مِنَ الخَبَرِيَّةِ والفاعِلِيَّةِ؛ أيْ: أوْ شَهادَةُ آخَرَيْنِ، أوْ أنْ يَشْهَدَ بَيْنَكم آخَرانِ، أوْ لِيُقِمْ شَهادَةً بَيْنَكم آخَرانِ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن غَيْرِكُمْ﴾ صِفَةٌ لِآخَرانِ؛ أيْ: كائِنانِ مِن غَيْرِكم؛ أيْ: مِنَ الأجانِبِ. وقِيلَ: مِن أهْلِ الذِّمَّةِ، وقَدْ كانَ ذَلِكَ في بَدْءِ الإسْلامِ لِعِزَّةِ وُجُودِ المُسْلِمِينَ لا سِيَّما في السَّفَرِ، ثُمَّ نُسِخَ. وعَنْ مَكْحُولٍ: أنَّهُ نَسَخَها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنكُمْ﴾ .

﴿إنْ أنْتُمْ﴾ مَرْفُوعٌ بِمُضْمَرٍ يُفَسِّرُهُ ما بَعْدَهُ، تَقْدِيرُهُ: إنْ ضَرَبْتُمْ، فَلَمّا حُذِفَ الفِعْلُ انْفَصَلَ الضَّمِيرُ، وهَذا رَأْيُ جُمْهُورِ البَصْرِيِّينَ، وذَهَبَ الأخْفَشُ والكُوفِيُّونَ إلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ؛ بِناءً عَلى جَوازِ وُقُوعِ المُبْتَدَأِ بَعْدَ " أنِ " الشَّرْطِيَّةِ، كَجَوازِ وُقُوعِهِ بَعْدَ إذا.

فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ضَرَبْتُمْ في الأرْضِ﴾؛ أيْ: سافَرْتُمْ فِيها، لا مَحَلَّ لَهُ مِنَ الإعْرابِ عِنْدَ الأوَّلِينَ لِكَوْنِهِ مُفَسِّرًا، ومَرْفُوعٌ عَلى الخَبَرِيَّةِ عِنْدَ الباقِينَ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأصابَتْكم مُصِيبَةُ المَوْتِ﴾ عَطْفٌ عَلى الشَّرْطِيَّةِ، وجَوابُهُ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ؛ أيْ: إنْ سافَرْتُمْ فَقارَبَكُمُ الأجَلُ حِينَئِذٍ، وما مَعَكم مِنَ الأقارِبِ، أوْ مِن أهْلِ الإسْلامِ مَن يَتَوَلّى أمْرَ الشَّهادَةِ، كَما هو الغالِبُ المُعْتادُ في الأسْفارِ، فَلْيَشْهَدْ آخَرانِ، أوْ فاسْتَشْهِدُوا آخَرَيْنِ، أوْ فالشّاهِدانِ آخَرانِ، كَذا قِيلَ، والأنْسَبُ أنْ يُقَدَّرَ عَيْنُ ما سَبَقَ؛ أيْ: فَآخَرانِ عَلى مَعْنى: شَهادَةُ بَيْنِكم …

Al-Maaida 5:106Listen in Qur'an →
107

فَإِنْ عُثِرَ عَلَىٰٓ أَنَّهُمَا ٱسْتَحَقَّآ إِثْمًۭا فَـَٔاخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ ٱلَّذِينَ ٱسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلْأَوْلَيَٰنِ فَيُقْسِمَانِ بِٱللَّهِ لَشَهَٰدَتُنَآ أَحَقُّ مِن شَهَٰدَتِهِمَا وَمَا ٱعْتَدَيْنَآ إِنَّآ إِذًۭا لَّمِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ

But if it is found that those two were guilty of perjury, let two others stand in their place [who are] foremost [in claim] from those who have a lawful right. And let them swear by Allah, "Our testimony is truer than their testimony, and we have not transgressed. Indeed, we would then be of the wrongdoers."

﴿فَإنْ عُثِرَ﴾؛ أيِ: اطُّلِعَ بَعْدَ التَّحْلِيفِ.

﴿عَلى أنَّهُما اسْتَحَقّا إثْمًا﴾ حَسْبَما اعْتَرَفا بِهِ بِقَوْلِهِما: إنّا إذًا لَمِنَ الآثِمِينَ؛ أيْ: فَعَلا ما يُوجِبُ إثْمًا مِن تَحْرِيفٍ وكَتْمٍ، بِأنْ ظَهَرَ بِأيْدِيهِما شَيْءٌ مِنَ التَّرِكَةِ، وادَّعَيا اسْتِحْقاقَهُما لَهُ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، كَما وقَعَ في سَبَبِ النُّزُولِ حَسْبَما سَيَأْتِي.

﴿فَآخَرانِ﴾؛ أيْ: رَجُلانِ آخَرانِ، وهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ﴿يَقُومانِ مَقامَهُما﴾، ولا مَحْظُورَ في الفَصْلِ بِالخَبَرِ بَيْنَ المُبْتَدَأِ وبَيْنَ وصْفِهِ الَّذِي هو الجارُّ والمَجْرُورُ بَعْدَهُ؛ أيْ: يَقُومانِ مَقامَ الَّذِينَ عُثِرَ عَلى خِيانَتِهِما، ولَيْسَ المُرادُ بِمَقامِهِما: مَقامَ أداءِ الشَّهادَةِ الَّتِي تَوَلَّياها ولَمْ يُؤَدِّياها كَما هي، بَلْ هو مَقامُ الحَبْسِ والتَّحْلِيفِ عَلى الوَجْهِ المَذْكُورِ لِإظْهارِ الحَقِّ، وإبْرازِ كَذِبِهِما فِيما ادَّعَيا مِنِ اسْتِحْقاقِهِما لِما في أيْدِيهِما.

﴿مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ﴾ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ عَلى قِراءَةِ عَلِيٍّ، وابْنِ عَبّاسٍ، وأُبَيٍّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم؛ أيْ: مِن أهْلِ المَيِّتِ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ.

﴿عَلَيْهِمُ الأوْلَيانِ﴾ مِن بَيْنِهِمْ؛ أيِ: الأقْرَبانِ إلى المَيِّتِ الوارِثانِ لَهُ الأحَقّانِ بِالشَّهادَةِ؛ أيْ: بِاليَمِينِ كَما سَتَعْرِفُهُ، ومَفْعُولُ " اسْتَحَقَّ " مَحْذُوفٌ؛ أيِ: اسْتَحَقّا عَلَيْهِمْ أنْ يُجَرِّدُوهُما لِلْقِيامِ بِها؛ لِأنَّها حَقُّهُما، ويُظْهِرُوا بِهِما كَذِبَ الكاذِبَيْنِ وهُما في الحَقِيقَةِ الآخَرانِ القائِمانِ مَقامَ الأوَّلَيْنِ عَلى وضْعِ المُظْهَرِ مَقامَ المُضْمَرِ.

وَقُرِئَ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، وهو الأظْهَرُ؛ أيْ: مِنَ الَّذِينَ اسْتُحِقَّ عَلَيْهِمُ الإثْمُ؛ أيْ: جُنِيَ عَلَيْهِمْ، وهم أهْلُ المَيِّتِ وعَشِيرَتُهُ، فالأوْلَيانِ مَرْفُوعٌ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: ومَن هُما ؟ فَقِيلَ: الأوْلَيانِ، أوْ هو بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ في " يَقُومانِ "، أوْ مِن " آخَرانِ "، وقَدْ جُوِّزَ ارْتِفاعُهُ بِاسْتَحَقَّ عَلى حَذْفِ المُضافِ؛ أيِ: اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ انْتِدابُ الأوَّلَيْنِ مِنهم لِلشَّهادَةِ.

وَقُرِئَ: ( الأوَّلِينَ ) عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِلَّذِينَ ... إلَخْ، مَجْرُورٌ، أوْ مَنصُوبٌ عَلى المَدْحِ، ومَعْنى الأوَّلِيَّةِ: التَّقَدُّمُ عَلى الأجانِبِ في الشَّهادَةِ لِكَوْنِهِمْ أحَقَّ بِها. وقُرِئَ: ( الأوَّلِيَّيْنِ ) عَلى التَّثْنِيَةِ وانْتِصابُهُ عَلى المَدْحِ، وقُرِئَ: ( الأوَّلانِ ) .

﴿فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ﴾ عَطْفٌ عَلى " يَقُومانِ " .

﴿لَشَهادَتُنا﴾ المُرادُ بِالشَّهادَةِ: اليَمِينُ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَشَهادَةُ أحَدِهِمْ أرْبَعُ شَهاداتٍ بِاللَّهِ﴾؛ أيْ: لَيَمِينُنا عَلى أنَّهُما كاذِبانِ فِيما ادَّعَيا مِنَ الاسْتِحْقاقِ، مَعَ كَوْنِها حَقَّةً صادِقَةً في نَفْسِها.

﴿أحَقُّ﴾ بِالقَبُولِ.

﴿مِن شَهادَتِهِما﴾؛ أيْ: مِن يَمِينِهِما، مَعَ كَوْنِها كاذِبَةً في نَفْسِها، لِما أنَّهُ قَدْ ظَهَرَ لِلنّاسِ اسْتِحْقاقُهُما لِلْإثْمِ، ويَمِينُنا مُنَزَّهَةٌ عَنِ الرَّيْبِ والرِّيبَةِ، فَصِيغَةُ التَّفْضِيلِ مَعَ أنَّهُ لا حَقِّيَّةَ في يَمِينِهِما رَأْسًا، إنَّما هي لِإمْكانِ قَبُولِها في الجُمْلَةِ، بِاعْتِبارِ احْتِمالِ صِدْقِهِما في ادِّعاءِ تَمَلُّكِهِما لِما ظَهَرَ في أيْدِيهِما.

﴿وَما اعْتَدَيْنا﴾ عَطْفٌ عَلى جَوابِ القَسَمِ؛ أيْ: ما تَجاوَزْنا فِيها الحَقَّ، أوْ ما اعْتَدَيْنا عَلَيْهِما بِإبْطالِ حَقِّهِما.

﴿إنّا إذًا لَمِنَ الظّالِمِينَ﴾ اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ؛ أيْ: إنّا إنِ اعْتَدَيْنا …

Al-Maaida 5:107Listen in Qur'an →
108

ذَٰلِكَ أَدْنَىٰٓ أَن يَأْتُوا۟ بِٱلشَّهَٰدَةِ عَلَىٰ وَجْهِهَآ أَوْ يَخَافُوٓا۟ أَن تُرَدَّ أَيْمَٰنٌۢ بَعْدَ أَيْمَٰنِهِمْ ۗ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَٱسْمَعُوا۟ ۗ وَٱللَّهُ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلْفَٰسِقِينَ

That is more likely that they will give testimony according to its [true] objective, or [at least] they would fear that [other] oaths might be taken after their oaths. And fear Allah and listen; and Allah does not guide the defiantly disobedient people.

﴿ذَلِكَ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ سِيقَ لِبَيانِ أنَّ ما ذُكِرَ مُسْتَتْبِعٌ لِلْمَنافِعِ، وارِدٌ عَلى مُقْتَضى الحِكْمَةِ والمَصْلَحَةِ؛ أيِ: الحُكْمُ الَّذِي تَقَدَّمَ تَفْصِيلُهُ.

﴿أدْنى أنْ يَأْتُوا بِالشَّهادَةِ عَلى وجْهِها﴾؛ أيْ: أقْرَبُ إلى أنْ يُؤَدِّيَ الشُّهُودُ الشَّهادَةَ عَلى وجْهِها الَّذِي تَحَمَّلُوها عَلَيْهِ مِن غَيْرِ تَحْرِيفٍ ولا خِيانَةٍ، خَوْفًا مِنَ العَذابِ الأُخْرَوِيِّ، وهَذِهِ كَما تَرى حِكْمَةُ شَرْعِيَّةِ التَّحْلِيفِ بِالتَّغْلِيظِ المَذْكُورِ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوْ يَخافُوا أنْ تُرَدَّ أيْمانٌ بَعْدَ أيْمانِهِمْ﴾ بَيانٌ لِحِكْمَةِ شَرْعِيَّةِ رَدِّ اليَمِينِ عَلى الوَرَثَةِ مَعْطُوفٌ عَلى مُقَدَّرٍ يُنْبِئُ عَنْهُ المَقامُ، كَأنَّهُ قِيلَ: ذَلِكَ أدْنى أنْ يَأْتُوا بِالشَّهادَةِ عَلى وجْهِها، ويَخافُوا عَذابَ الآخِرَةِ بِسَبَبِ اليَمِينِ الكاذِبَةِ، أوْ يَخافُوا الِافْتِضاحَ عَلى رُءُوسِ الأشْهادِ بِإبْطالِ أيْمانِهِمْ والعَمَلِ بِأيْمانِ الوَرَثَةِ، فَيَنْزَجِرُوا عَنِ الخِيانَةِ المُؤَدِّيَةِ إلَيْهِ، فَأيُّ الخَوْفَيْنِ وقَعَ حَصَلَ المَقْصِدُ الَّذِي هو الإتْيانُ بِالشَّهادَةِ عَلى وجْهِها.

وَقِيلَ: هو عَطْفٌ عَلى " ﴿يَأْتُوا﴾ " عَلى مَعْنى: أنَّ ذَلِكَ أقْرَبُ إلى أنْ يَأْتُوا بِالشَّهادَةِ عَلى وجْهِها، أوْ إلى أنْ يَخافُوا الِافْتِضاحَ بِرَدِّ اليَمِينِ عَلى الوَرَثَةِ، فَلا يَحْلِفُوا عَلى مُوجَبِ شَهادَتِهِمْ إنْ لَمْ يَأْتُوا بِها عَلى وجْهِها، فَيَظْهَرُ كَذِبُهم بِنُكُولِهِمْ.

وَأمّا ما قِيلَ: مِن أنَّ المَعْنى: أنَّ ذَلِكَ أقْرَبُ إلى أحَدِ الأمْرَيْنِ اللَّذَيْنِ أيُّهُما وقَعَ كانَ فِيهِ الصَّلاحُ: أداءِ الشَّهادَةِ عَلى الصِّدْقِ، والِامْتِناعِ عَنْ أدائِها عَلى الكَذِبِ؛ فَيَأْباهُ المَقامُ؛ إذْ لا تَعَلُّقَ لَهُ بِالحادِثَةِ أصْلًا، ضَرُورَةَ أنَّ الشّاهِدَ مُضْطَرٌّ فِيها إلى الجَوابِ، فالِامْتِناعُ عَنِ الشَّهادَةِ الكاذِبَةِ مُسْتَلْزِمٌ لِلْإتْيانِ بِالصّادِقَةِ قَطْعًا، فَلَيْسَ هُناكَ أمْرانِ أيُّهُما وقَعَ كانَ فِيهِ الصَّلاحُ، حَتّى يَتَوَسَّطَ بَيْنَهُما كَلِمَةُ أوْ، وإنَّما يَتَأتّى ذَلِكَ في شُهُودٍ لَمْ يُتَّهَمُوا بِخِيانَةٍ عَلى أنَّ إضافَةَ الِامْتِناعِ عَنِ الشَّهادَةِ الكاذِبَةِ إلى خَوْفِ رَدِّ اليَمِينِ عَلى الوَرَثَةِ، ونِسْبَةَ الإتْيانِ بِالصّادِقَةِ إلى غَيْرِهِ مَعَ أنَّ ما يَقْتَضِي أحَدَهُما يَقْتَضِي الآخَرَ لا مَحالَةَ تَحَكُّمٌ بَحْتٌ؛ فَتَأمَّلْ.

﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾ في مُخالَفَةِ أحْكامِهِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها هَذا الحُكْمُ.

﴿واسْمَعُوا﴾ ما تُؤْمَرُونَ بِهِ كائِنًا ما كانَ سَمْعَ طاعَةٍ وقَبُولٍ.

﴿واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ﴾ الخارِجِينَ عَنِ الطّاعَةِ؛ أيْ: فَإنْ لَمْ تَتَّقُوا ولَمْ تَسْمَعُوا كُنْتُمْ فاسِقِينَ، واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ؛ أيْ: إلى طَرِيقِ الجَنَّةِ، أوْ إلى ما فِيهِ نَفْعُهم.

Al-Maaida 5:108Listen in Qur'an →
109

۞ يَوْمَ يَجْمَعُ ٱللَّهُ ٱلرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَآ أُجِبْتُمْ ۖ قَالُوا۟ لَا عِلْمَ لَنَآ ۖ إِنَّكَ أَنتَ عَلَّٰمُ ٱلْغُيُوبِ

[Be warned of] the Day when Allah will assemble the messengers and say, "What was the response you received?" They will say, "We have no knowledge. Indeed, it is You who is Knower of the unseen"

﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ﴾ نَصْبٌ عَلى أنَّهُ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن مَفْعُولِ " اتَّقُوا " لِما بَيْنَهُما مِنَ المُلابَسَةِ، فَإنَّ مَدارَ البَدَلِيَّةِ لَيْسَ مُلابَسَةَ الظَّرْفِيَّةِ والمَظْرُوفِيَّةِ ونَحْوِها فَقَطْ، بَلْ هو تَعَلُّقٌ ما مُصَحِّحٌ لِانْتِقالِ الذِّهْنِ مِنَ المُبْدَلِ مِنهُ إلى البَدَلِ بِوَجْهٍ إجْمالِيٍّ، كَما فِيما نَحْنُ فِيهِ، فَإنَّ كَوْنَهُ تَعالى خالِقَ الأشْياءِ كافَّةً، مالِكَ يَوْمِ الدِّينِ خاصَّةً، كافٍ في البابِ، مَعَ أنَّ الأمْرَ بِتَقْوى اللَّهِ تَعالى يَتَبادَرُ مِنهُ إلى الذِّهْنِ أنَّ المُتَّقى أيُّ شَأْنٍ مِن شُئُونِهِ، وأيُّ فِعْلٍ مِن أفْعالِهِ.

وَقِيلَ: هُناكَ مُضافٌ مَحْذُوفٌ بِهِ يَتَحَقَّقُ الِاشْتِمالُ؛ أيْ: اتَّقُوا عِقابَ اللَّهِ، فَحِينَئِذٍ يَجُوزُ انْتِصابُهُ مِنهُ بِطَرِيقِ الظَّرْفِيَّةِ.

وَقِيلَ: مَنصُوبٌ بِمُضْمَرٍ مَعْطُوفٍ عَلى " اتَّقُوا " وما عُطِفَ عَلَيْهِ؛ أيْ: واحْذَرُوا، أوِ اذْكُرُوا يَوْمَ ... إلَخْ؛ فَإنَّ تَذْكِيرَ ذَلِكَ اليَوْمِ الهائِلِ مِمّا يُضْطَرُّهم إلى تَقْوى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وتَلَقِّي أمْرِهِ بِسَمْعِ الإجابَةِ والطّاعَةِ.

وَقِيلَ: هو ظَرْفٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: " ﴿لا يَهْدِي﴾ "؛ أيْ: لا يَهْدِيهِمْ يَوْمَئِذٍ إلى طَرِيقِ الجَنَّةِ كَما يَهْدِي إلَيْهِ المُؤْمِنِينَ.

وَقِيلَ: مَنصُوبٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: " ﴿واسْمَعُوا﴾ " بِحَذْفِ مُضافٍ؛ أيِ: اسْمَعُوا خَبَرَ ذَلِكَ اليَوْمِ.

وَقِيلَ: مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُؤَخَّرٍ قَدْ حُذِفَ لِلدَّلالَةِ عَلى ضِيقِ العِبارَةِ عَنْ شَرْحِهِ وبَيانِهِ، لِكَمالِ فَظاعَةِ ما يَقَعُ فِيهِ مِنَ الطّامَّةِ التّامَّةِ والدَّواهِي العامَّةِ، كَأنَّهُ قِيلَ: يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ ... إلَخْ، يَكُونُ مِنَ الأحْوالِ والأهْوالِ ما لا يَفِي بِبَيانِهِ نِطاقُ المَقالِ، وإظْهارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ في مَوْضِعِ الإضْمارِ لِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ وتَشْدِيدِ التَّهْوِيلِ، وتَخْصِيصُ الرُّسُلِ بِالذِّكْرِ لَيْسَ لِاخْتِصاصِ الجَمْعِ بِهِمْ دُونَ الأُمَمِ، كَيْفَ لا و ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النّاسُ وذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ .

وَقَدْ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإمامِهِمْ﴾ بَلْ لِإبانَةِ شَرَفِهِمْ وأصالَتِهِمْ، والإيذانِ بِعَدَمِ الحاجَةِ إلى التَّصْرِيحِ بِجَمْعِ غَيْرِهِمْ؛ بِناءً عَلى ظُهُورِ كَوْنِهِمْ أتْباعًا لَهم، ولِإظْهارِ سُقُوطِ مَنزِلَتِهِمْ وعَدَمِ لِياقَتِهِمْ بِالِانْتِظامِ في سِلْكِ جَمْعِ الرُّسُلِ، كَيْفَ لا وهم عَلَيْهِمُ السَّلامُ يُجْمَعُونَ عَلى وجْهِ الإجْلالِ، وأُولَئِكَ يُسْحَبُونَ عَلى وُجُوهِهِمْ بِالأغْلالِ.

﴿فَيَقُولُ﴾ لَهم مُشِيرًا إلى خُرُوجِهِمْ عَنْ عُهْدَةِ الرِّسالَةِ، كَما يَنْبَغِي حَسْبَما يُعْرِبُ عَنْهُ تَخْصِيصُ السُّؤالِ بِجَوابِ الأُمَمِ إعْرابًا واضِحًا إلّا لِصَدْرِ الخِطابِ، بِأنْ يُقالَ: هَلْ بَلَّغْتُمْ رِسالاتِي ؟

وَ" ماذا " في قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ماذا أُجِبْتُمْ﴾ عِبارَةٌ عَنْ مَصْدَرِ الفِعْلِ، فَهو نَصْبٌ عَلى المَصْدَرِيَّةِ؛ أيْ: أيَّ إجابَةٍ أُجِبْتُمْ مِن جِهَةِ أُمَمِكم، إجابَةَ قَبُولٍ، أوْ إجابَةَ رَدٍّ.

وَقِيلَ: عِبارَةٌ عَنِ الجَوابِ، فَهو في مَحَلِّ النَّصْبِ بَعْدَ حَذْفِ الجارِّ عَنْهُ؛ أيْ: بِأيِّ جَوابٍ أُجِبْتُمْ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ فَفي تَوْجِيهِ السُّؤالِ عَمّا صَدَرَ عَنْهم، وهم شُهُودٌ إلى الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، كَسُؤالِ المَوْءُودَةِ بِمَحْضَرٍ مِنَ الوائِدِ، والعُدُولِ عَنْ إسْنادِ الجَوابِ إلَيْهِمْ بِأنْ يُقالَ: ماذا أجابُوا مِنَ الأنْباءِ، عَنْ كَمالِ تَحْقِيرِ شَأْنِهِمْ، وشِدَّةِ الغَيْظِ …

Al-Maaida 5:109Listen in Qur'an →
110

إِذْ قَالَ ٱللَّهُ يَٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ ٱذْكُرْ نِعْمَتِى عَلَيْكَ وَعَلَىٰ وَٰلِدَتِكَ إِذْ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ تُكَلِّمُ ٱلنَّاسَ فِى ٱلْمَهْدِ وَكَهْلًۭا ۖ وَإِذْ عَلَّمْتُكَ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ وَٱلتَّوْرَىٰةَ وَٱلْإِنجِيلَ ۖ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ ٱلطِّينِ كَهَيْـَٔةِ ٱلطَّيْرِ بِإِذْنِى فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًۢا بِإِذْنِى ۖ وَتُبْرِئُ ٱلْأَكْمَهَ وَٱلْأَبْرَصَ بِإِذْنِى ۖ وَإِذْ تُخْرِجُ ٱلْمَوْتَىٰ بِإِذْنِى ۖ وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ عَنكَ إِذْ جِئْتَهُم بِٱلْبَيِّنَٰتِ فَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِنْهُمْ إِنْ هَٰذَآ إِلَّا سِحْرٌۭ مُّبِينٌۭ

[The Day] when Allah will say, "O Jesus, Son of Mary, remember My favor upon you and upon your mother when I supported you with the Pure Spirit and you spoke to the people in the cradle and in maturity; and [remember] when I taught you writing and wisdom and the Torah and the Gospel; and when you designed from clay [what was] like the form of a bird with My permission, then you breathed into it, and it became a bird with My permission; and you healed the blind and the leper with My permission; and when you brought forth the dead with My permission; and when I restrained the Children of Israel from [killing] you when you came to them with clear proofs and those who disbelieved among them said, "This is not but obvious magic."

﴿إذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ ما جَرى بَيْنَهُ تَعالى، وبَيْنَ واحِدٍ مِنَ الرُّسُلِ المَجْمُوعِينَ مِنَ المُفاوَضَةِ عَلى التَّفْصِيلِ، إثْرَ بَيانِ ما جَرى بَيْنَهُ تَعالى وبَيْنَ الكُلِّ عَلى وجْهِ الإجْمالِ، لِيَكُونَ ذَلِكَ كالأُنْمُوذَجِ لِتَفاصِيلِ أحْوالِ الباقِينَ، وتَخْصِيصُ شَأْنِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِالبَيانِ؛ تَفْصِيلًا مِن بَيْنِ شُئُونِ سائِرِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، مَعَ دَلالَتِها عَلى كَمالِ هَوْلِ ذَلِكَ اليَوْمِ، ونِهايَةِ سُوءِ حالِ المُكَذِّبِينَ بِالرُّسُلِ، لِما أنَّهُ شَأْنُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مُتَعَلِّقٌ بِكِلا الفَرِيقَيْنِ مِن أهْلِ الكِتابِ، الَّذِينَ نُعِيَتْ عَلَيْهِمْ في السُّورَةِ الكَرِيمَةِ جِناياتُهم، فَتَفْصِيلُهُ أعْظَمُ عَلَيْهِمْ وأجْلَبُ لِحَسْرَتِهِمْ ونَدامَتِهِمْ، وأفَتُّ في أعَضادِهِمْ، وأدْخَلُ في صَرْفِهِمْ عَنْ غَيِّهِمْ وعِنادِهِمْ.

وَ" إذْ " بَدَلٌ مِن " يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ " ... إلَخْ، وصِيغَةُ الماضِي لِما ذُكِرَ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى تَحَقُّقِ الوُقُوعِ، وإظْهارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ في مَقامِ الإضْمارِ، لِما مَرَّ مِنَ المُبالَغَةِ في التَّهْوِيلِ.

وَكَلِمَةُ " عَلى " في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وعَلى والِدَتِكَ﴾ مُتَعَلِّقَةٌ بِنَفْسِ النِّعْمَةِ إنْ جُعِلَتْ مَصْدَرًا؛ أيِ: اذْكُرْ إنْعامِي عَلَيْكُما، أوْ بِمَحْذُوفٍ هو حالٌ مِنها إنْ جُعِلَتِ اسْمًا؛ أيِ: اذْكُرْ نِعْمَتِي كائِنَةً عَلَيْكُما، ولَيْسَ المُرادُ بِأمْرِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ يَوْمَئِذٍ بِذِكْرِ النِّعْمَةِ المُنْتَظِمَةِ في سِلْكِ التَّعْدِيدِ، تَكْلِيفَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ شُكْرَها والقِيامَ بِمَواجِبِها، ولاتَ حِينَ تَكْلِيفٍ مَعَ خُرُوجِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ عَنْ عُهْدَةِ الشُّكْرِ في أوانِهِ أيَّ خُرُوجٍ، بَلْ إظْهارَ أمْرِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ بِتَعْدادِ تِلْكَ النِّعَمِ حَسْبَما بَيَّنَهُ اللَّهُ تَعالى اعْتِدادًا بِها، وتَلَذُّذًا بِذِكْرِها عَلى رُءُوسِ الأشْهادِ، لِتَكُونَ حِكايَةُ ذَلِكَ عَلى ما أنْبَأ عَنْهُ النَّظْمُ الكَرِيمُ، تَوْبِيخًا ومَزْجَرَةً لِلْكَفَرَةِ المُخْتَلِفِينَ في شَأْنِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، إفْراطًا وتَفْرِيطًا وإبْطالًا لِقَوْلِهِما جَمِيعًا.

﴿إذْ أيَّدْتُكَ﴾ ظَرْفٌ لِنِعْمَتِي؛ أيِ: اذْكُرْ إنْعامِي عَلَيْكُما وقْتَ تَأْيِيدِي لَكَ، أوْ حالٌ مِنها؛ أيِ: اذْكُرْها كائِنَةً وقْتَ تَأْيِيدِي لَكَ. وقُرِئَ: ( آيَدْتُكَ ) والمَعْنى واحِدٌ؛ أيْ: قَوَّيْتُكَ.

﴿بِرُوحِ القُدُسِ﴾ بِجِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِتَثْبِيتِ الحُجَّةِ، أوْ بِالكَلامِ الَّذِي يُحْيِي بِهِ الدِّينَ، وإضافَتُهُ إلى " القُدُسِ "؛ لِأنَّهُ سَبَبُ الطُّهْرِ عَنْ أوْضارِ الآثامِ، أوْ يُحْيِي بِهِ المَوْتى، أوِ النُّفُوسَ حَياةً أبَدِيَّةً.

وَقِيلَ: الأرْواحُ مُخْتَلِفَةُ الحَقائِقِ، فَمِنها طاهِرَةٌ نُورانِيَّةٌ، ومِنها خَبِيثَةٌ ظَلْمانِيَّةٌ، ومِنها مُشْرِقَةٌ، ومِنها كَدِرَةٌ، ومِنها حُرَّةٌ، ومِنها نَذْلَةٌ، وكانَ رُوحُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ طاهِرَةً مُشْرِقَةً نُورانِيَّةً عُلْوِيَّةً، وأيًّا ما كانَ فَهو نِعْمَةٌ عَلَيْهِما.

﴿تُكَلِّمُ النّاسَ في المَهْدِ وكَهْلا﴾ اسْتِئْنافٌ مُبَيِّنٌ لِتَأْيِيدِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، أوْ حالٌ مِنَ الكافِ، وذِكْرُ تَكْلِيمِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ في حالِ الكُهُولَةِ؛ لِبَيانِ أنَّ كَلامَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ في تَيْنِكَ الحالَتَيْنِ كانَ عَلى نَسَقٍ واحِدٍ بَدِيعٍ، صادِرًا عَنْ كَمالِ العَقْلِ مُقارِنًا لِرَزانَةِ الرَّأْيِ والتَّدْبِيرِ بِهِ، واسْتُدِلَّ عَلى أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ سَيَنْزِلُ مِنَ …

Al-Maaida 5:110Listen in Qur'an →

Commentary: Irshad al-'Aql al-Salim by Abu al-Su'ud. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.