Muslim99Muslim99
← Tafsir library

5. Al-Maaida

The Table · Medinan · 120 ayahs

سُورَةُ المَائـِدَةِ

Reading Irshad al-'Aql al-Salim by Abu al-Su'ud

Ayahs 91–100 of 120

91

إِنَّمَا يُرِيدُ ٱلشَّيْطَٰنُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ ٱلْعَدَٰوَةَ وَٱلْبَغْضَآءَ فِى ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ وَعَنِ ٱلصَّلَوٰةِ ۖ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ

Satan only wants to cause between you animosity and hatred through intoxicants and gambling and to avert you from the remembrance of Allah and from prayer. So will you not desist?

ثُمَّ قَرَّرَ ذَلِكَ بَيانُ ما فِيهِما مِنَ المَفاسِدِ الدُّنْيَوِيَّةِ والدِّينِيَّةِ المُقْتَضِيَةِ لِلتَّحْرِيمِ، فَقِيلَ: ﴿إنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ العَداوَةَ والبَغْضاءَ في الخَمْرِ والمَيْسِرِ﴾ وهو إشارَةٌ إلى مَفاسِدِهِما الدُّنْيَوِيَّةِ.

﴿وَيَصُدَّكم عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وعَنِ الصَّلاةِ﴾ إشارَةً إلى مَفاسِدِهِما الدِّينِيَّةِ، وتَخْصِيصُهُما بِإعادَةِ الذِّكْرِ وشَرْحِ ما فِيهِما مِنَ الوَبالِ؛ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ المَقْصُودَ بَيانُ حالِهِما، وذِكْرُ الأصْنامِ والأزْلامِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُما مِثْلُهُما في الحُرْمَةِ والشَّرارَةِ؛ لِقَوْلِهِ ﷺ: " «شارِبُ الخَمْرِ كَعابِدِ الوَثَنِ» " .

وَتَخْصِيصُ الصَّلاةِ بِالإفْرادِ مَعَ دُخُولِها في الذِّكْرِ لِلتَّعْظِيمِ، والإشْعارِ بِأنَّ الصّادَّ عَنْها كالصّادِّ عَنِ الإيمانِ لِما أنَّها عِمادُهُ.

ثُمَّ أُعِيدَ الحَثُّ عَلى الِانْتِهاءِ بِصِيغَةِ الِاسْتِفْهامِ مُرَتَّبًا عَلى ما تَقَدَّمَ مِن أصْنافِ الصَّوارِفِ، فَقِيلَ: ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ إيذانًا بِأنَّ الأمْرَ في الزَّجْرِ والتَّحْذِيرِ، وكَشْفِ ما فِيهِما مِنَ المَفاسِدِ والشُّرُورِ قَدْ بَلَغَ الغايَةَ، وأنَّ الأعْذارَ قَدِ انْقَطَعَتْ بِالكُلِّيَّةِ.

Al-Maaida 5:91Listen in Qur'an →
92

وَأَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَأَطِيعُوا۟ ٱلرَّسُولَ وَٱحْذَرُوا۟ ۚ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا ٱلْبَلَٰغُ ٱلْمُبِينُ

And obey Allah and obey the Messenger and beware. And if you turn away - then know that upon Our Messenger is only [the responsibility for] clear notification.

﴿وَأطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ عَطْفٌ عَلى اجْتَنِبُوهُ؛ أيْ: أطِيعُوهُما في جَمِيعِ ما أمَرا بِهِ ونَهَيا عَنْهُ.

﴿واحْذَرُوا﴾؛ أيْ: مُخالَفَتَهُما في ذَلِكَ، فَيَدْخُلُ فِيهِ مُخالَفَةُ أمْرِهِما ونَهْيِهِما في الخَمْرِ والمَيْسِرِ، دُخُولًا أوَّلِيًّا.

﴿فَإنْ تَوَلَّيْتُمْ﴾؛ أيْ: أعْرَضْتُمْ عَنْ الِامْتِثالِ بِما أُمِرْتُمْ بِهِ مِنَ الِاجْتِنابِ عَنِ الخَمْرِ والمَيْسِرِ، وعَنْ طاعَةِ اللَّهِ تَعالى وطاعَةِ رَسُولِهِ ﷺ، والِاحْتِرازِ عَنْ مُخالَفَتِهِما.

﴿فاعْلَمُوا أنَّما عَلى رَسُولِنا البَلاغُ المُبِينُ﴾ وقَدْ فَعَلَ ذَلِكَ بِما لا مَزِيدَ عَلَيْهِ، وخَرَجَ عَنْ عُهْدَةِ الرِّسالَةِ أيَّ خُرُوجٍ، وقامَتْ عَلَيْكُمُ الحُجَّةُ، وانْتَهَتِ الأعْذارُ، وانْقَطَعَتِ العِلَلُ، وما بَقِيَ بَعْدَ ذَلِكَ إلّا العِقابُ، وفِيهِ مِن عِظَمِ التَّهْدِيدِ وشِدَّةِ الوَعِيدِ ما لا يَخْفى.

وَأمّا ما قِيلَ مِن أنَّ المَعْنى: فاعْلَمُوا أنَّكم لَمْ تَضُرُّوا بِتَوَلِّيكُمُ الرَّسُولَ؛ لِأنَّهُ ما كُلِّفَ إلّا البَلاغَ المُبِينَ بِالآياتِ وقَدْ فَعَلَ، وإنَّما ضَرَرْتُمْ أنْفُسَكم حِينَ أعْرَضْتُمْ عَمّا كُلِّفْتُمُوهُ، فَلا يُساعِدُهُ المَقامُ؛ إذْ لا يُتَوَهَّمُ مِنهُمُ ادِّعاءُ أنَّهم بِتَوَلِّيهِمْ يَضُرُّونَهُ ﷺ، حَتّى يُرَدَّ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم لا يَضُرُّونَهُ، وإنَّما يَضُرُّونَ أنْفُسَهم.

Al-Maaida 5:92Listen in Qur'an →
93

لَيْسَ عَلَى ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ جُنَاحٌۭ فِيمَا طَعِمُوٓا۟ إِذَا مَا ٱتَّقَوا۟ وَّءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ ثُمَّ ٱتَّقَوا۟ وَّءَامَنُوا۟ ثُمَّ ٱتَّقَوا۟ وَّأَحْسَنُوا۟ ۗ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ

There is not upon those who believe and do righteousness [any] blame concerning what they have eaten [in the past] if they [now] fear Allah and believe and do righteous deeds, and then fear Allah and believe, and then fear Allah and do good; and Allah loves the doers of good.

﴿لَيْسَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جُناحٌ﴾؛ أيْ: إثْمٌ وحَرَجٌ.

﴿فِيما طَعِمُوا﴾؛ أيْ: تَناوَلُوا أكْلًا، أوْ شُرْبًا، فَإنَّ اسْتِعْمالَهُ في الشُّرْبِ أيْضًا مُسْتَفِيضٌ، مِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن لَمْ يَطْعَمْهُ فَإنَّهُ مِنِّي﴾ .

قِيلَ: لَمّا أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى تَحْرِيمَ الخَمْرِ بَعْدَ غَزْوَةِ الأحْزابِ، قالَ رِجالٌ مِن أصْحابِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: أُصِيبَ فُلانٌ يَوْمَ بَدْرٍ، وفُلانٌ يَوْمَ أُحُدٍ، وهم يَشْرَبُونَها، ونَحْنُ نَشْهَدُ أنَّهم في الجَنَّةِ. وفي رِوايَةٍ أُخْرى: لَمّا نَزَلَ تَحْرِيمُ الخَمْرِ والمَيْسِرِ، قالَتِ الصَّحابَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم: يا رَسُولَ اللَّهِ؛ فَكَيْفَ بِإخْوانِنا الَّذِينَ ماتُوا وهم يَشْرَبُونَ الخَمْرَ ويَأْكُلُونَ المَيْسِرَ ؟

وَفِي رِوايَةٍ أُخْرى؛ قالَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: يا رَسُولَ اللَّهِ؛ كَيْفَ بِإخْوانِنا الَّذِينَ ماتُوا، وقَدْ شَرِبُوا الخَمْرَ، وفَعَلُوا القِمارَ ؟ فَنَزَلَتْ.

وَلَيْسَتْ كَلِمَةُ " ما " في " ما طَعِمُوا " عِبارَةً عَنِ المُباحاتِ خاصَّةً، وإلّا لَزِمَ تَقْيِيدُ إباحَتِها بِاتِّقاءِ ما عَداها مِنَ المُحَرَّماتِ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذا ما اتَّقَوْا﴾ واللّازِمُ مُنْتَفٍ بِالضَّرُورَةِ، بَلْ هي عِبارَةٌ عَلى عُمُومِها، مَوْصُولَةً كانَتْ أوْ مَوْصُوفَةً، وإنَّما تَخَصَّصَتْ بِذَلِكَ القَيْدِ الطّارِئِ عَلَيْها، والمَعْنى: لَيْسَ عَلَيْهِمْ جُناحٌ فِيما تَناوَلُوهُ مِنَ المَأْكُولِ والمَشْرُوبِ كائِنًا ما كانَ، إذا اتَّقَوْا أنْ يَكُونَ في ذَلِكَ شَيْءٌ مِنَ المُحَرَّماتِ، وإلّا لَمْ يَكُنْ نَفْيُ الجُناحِ في كُلِّ ما طَعِمُوهُ، بَلْ في بَعْضِهِ، ولا مَحْذُورَ فِيهِ؛ إذِ اللّازِمُ مِنهُ تَقْيِيدُ إباحَةِ الكُلِّ، بِأنْ لا يَكُونَ فِيهِ مُحَرَّمٌ لا تُقَيَّدُ إباحَةُ بَعْضِهِ بِاتِّقاءِ بَعْضٍ آخَرَ مِنهُ، كَما هو اللّازِمُ مِنَ الأوَّلِ.

﴿وَآمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾؛ أيْ: واسْتَمَرُّوا عَلى الإيمانِ والأعْمالِ الصّالِحَةِ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ اتَّقَوْا﴾ عَطْفٌ عَلى اتَّقَوْا داخِلٌ مَعَهُ في حَيِّزِ الشَّرْطِ؛ أيِ: اتَّقَوْا ما حُرِّمَ عَلَيْهِمْ بَعْدَ ذَلِكَ مَعَ كَوْنِهِ مُباحًا فِيما سَبَقَ.

﴿وَآمَنُوا﴾؛ أيْ: بِتَحْرِيمِهِ وتَقْدِيمِ الِاتِّقاءِ عَلَيْهِ؛ إمّا لِلِاعْتِناءِ بِهِ، أوْ لِأنَّهُ الَّذِي يَدُلُّ عَلى التَّحْرِيمِ الحادِثِ الَّذِي هو المُؤْمِنُ بِهِ، أوِ اسْتَمَرُّوا عَلى الإيمانِ.

﴿ثُمَّ اتَّقَوْا﴾؛ أيْ: ما حَرُمَ عَلَيْهِمْ بَعْدَ ذَلِكَ مِمّا كانَ مُباحًا مِن قَبْلُ، عَلى أنَّ المَشْرُوطَ بِالِاتِّقاءِ في كُلِّ مَرَّةٍ إباحَةُ كُلِّ ما طَعِمُوهُ في ذَلِكَ الوَقْتِ، لا إباحَةُ كُلِّ ما طَعِمُوهُ قَبْلَهُ لِانْتِساخِ إباحَةِ بَعْضِهِ حِينَئِذٍ.

﴿وَأحْسَنُوا﴾؛ أيْ: عَمِلُوا الأعْمالَ الحَسَنَةَ الجَمِيلَةَ المُنْتَظِمَةَ لِجَمِيعِ ما ذُكِرَ مِنَ الأعْمالِ القَلْبِيَّةِ والقالَبِيَّةِ، ولَيْسَ تَخْصِيصُ هَذِهِ المَرّاتِ بِالذِّكْرِ لِتَخْصِيصِ الحُكْمِ بِها، بَلْ لِبَيانِ التَّعَدُّدِ والتَّكَرُّرِ بالِغًا ما بَلَغَ، والمَعْنى: أنَّهم إذا اتَّقَوُا المُحَرَّماتِ واسْتَمَرُّوا عَلى ما هم عَلَيْهِ مِنَ الإيمانِ والأعْمالِ الصّالِحَةِ، وكانُوا في طاعَةِ اللَّهِ ومُراعاةِ أوامِرِهِ ونَواهِيهِ، بِحَيْثُ كُلَّما حُرِّمَ عَلَيْهِمْ شَيْءٌ مِنَ المُباحاتِ اتَّقَوْهُ، ثَمَّ وثَمَّ، فَلا جُناحَ عَلَيْهِمْ فِيما طَعِمُوهُ في كُلِّ مَرَّةٍ مِنَ المَطاعِمِ والمَشارِبِ؛ إذْ لَيْسَ فِيها شَيْءٌ مُحَرَّمٌ عِنْدَ طَعْمِهِ.

وَأنْتَ خَبِيرٌ بِأنَّ ما عَدا اتِّقاءَ المُحَرَّماتِ …

Al-Maaida 5:93Listen in Qur'an →
94

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَيَبْلُوَنَّكُمُ ٱللَّهُ بِشَىْءٍۢ مِّنَ ٱلصَّيْدِ تَنَالُهُۥٓ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ ٱللَّهُ مَن يَخَافُهُۥ بِٱلْغَيْبِ ۚ فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَلَهُۥ عَذَابٌ أَلِيمٌۭ

O you who have believed, Allah will surely test you through something of the game that your hands and spears [can] reach, that Allah may make evident those who fear Him unseen. And whoever transgresses after that - for him is a painful punishment.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ﴾ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: واللَّهِ لَيُعامِلَّنَكم مُعامَلَةَ مَن يَخْتَبِرُكم لِيَتَعَرَّفَ أحْوالَكم.

﴿بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ﴾؛ أيْ: مِن صَيْدِ البَرِّ مَأْكُولًا أوْ غَيْرَ مَأْكُولٍ، ماعَدا المُسْتَثْنَياتِ مِنَ الفَواسِقِ؛ فاللّامُ لِلْعَهْدِ، نَزَلَتْ عامَ الحُدَيْبِيَةِ، ابْتَلاهُمُ اللَّهُ تَعالى بِالصَّيْدِ وهم مُحْرِمُونَ، كانَتِ الوُحُوشُ تَغْشاهم في رِحالِهِمْ، بِحَيْثُ كانُوا مُتَمَكِّنِينَ مِن صَيْدِها أخْذًا بِأيْدِيهِمْ، وطَعْنًا بِرِماحِهِمْ.

وَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَنالُهُ أيْدِيكم ورِماحُكُمْ﴾ فَهَمُّوا بِأخْذِها، فَنَزَلَتْ. ورُوِيَ أنَّهُ عَنَّ لَهم حِمارُ وحْشٍ، فَحَمَلَ عَلَيْهِ أبُو اليَسَرِ بْنُ عَمْرٍو، فَطَعَنَهُ بِرُمْحِهِ وقَتَلَهُ، فَقِيلَ لَهُ: قَتَلْتَهُ وأنْتَ مُحْرِمٌ؛ فَأتى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وسَألَهُ عَنْ ذَلِكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى الآيَةَ.

فالتَّأْكِيدُ القَسَمِيُّ في " ﴿لَيَبْلُوَنَّكُمُ﴾ " إنَّما هو لِتَحْقِيقِ أنَّ ما وقَعَ مِن عَدَمِ تَوَحُّشِ الصَّيْدِ عَنْهم لَيْسَ إلّا لِابْتِلائِهِمْ، لا لِتَحْقِيقِ وُقُوعِ المُبْتَلى بِهِ، كَما لَوْ كانَ النُّزُولُ قَبْلَ الِابْتِلاءِ، وتَنْكِيرُ شَيْءٍ لِلتَّحْقِيرِ المُؤْذِنِ بِأنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنَ الفِتَنِ الهائِلَةِ الَّتِي تَزِلُّ فِيها أقْدامُ الرّاسِخِينَ، كالِابْتِلاءِ بِقَتْلِ الأنْفُسِ وإتْلافِ الأمْوالِ، وإنَّما هو مِن قَبِيلِ ما ابْتُلِيَ بِهِ أهْلُ أيْلَةَ مِن صَيْدِ البَحْرِ، وفائِدَتُهُ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ مَن لَمْ يَتَثَبَّتْ في مِثْلِ هَذا، كَيْفَ يَتَثَبَّتُ عِنْدَ شَدائِدِ المِحَنِ، فَـ " ﴿مِنَ﴾ " في قَوْلِهِ تَعالى: " ﴿مِنَ الصَّيْدِ﴾ " بَيانِيَّةٌ قَطْعًا؛ أيْ: بِشَيْءٍ حَقِيرٍ هو الصَّيْدُ، وجَعْلُها تَبْعِيضِيَّةً يَقْتَضِي اعْتِبارَ قِلَّتِهِ وحَقارَتِهِ بِالنِّسْبَةِ إلى كُلِّ الصَّيْدِ، لا بِالنِّسْبَةِ إلى عَظائِمِ البَلايا، فَيَعْرى الكَلامُ عَنِ التَّنْبِيهِ المَذْكُورِ.

﴿لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَخافُهُ بِالغَيْبِ﴾؛ أيْ: لِيَتَمَيَّزَ الخائِفُ مِن عِقابِهِ الأُخْرَوِيِّ، وهو غائِبٌ مُتَرَقِّبٌ لِقُوَّةِ إيمانِهِ، فَلا يَتَعَرَّضُ لِلصَّيْدِ مِمَّنْ لا يَخافُهُ، كَذَلِكَ لِضَعْفِ إيمانِهِ فَيُقَدَّمُ عَلَيْهِ، وإنَّما عُبِّرَ عَنْ ذَلِكَ بِعِلْمِ اللَّهِ تَعالى اللّازِمِ لَهُ؛ إيذانًا بِمَدارِ الجَزاءِ ثَوابًا وعِقابًا، فَإنَّهُ أدْخَلُ في حَمْلِهِمْ عَلى الخَوْفِ.

وَقِيلَ: المَعْنى: لِيَتَعَلَّقَ علمه تعالى بِمَن يَخافُهُ بِالفِعْلِ، فَإنَّ علمه تعالى بِأنَّهُ سَيَخافُهُ، وإنْ كانَ مُتَعَلِّقًا بِهِ قَبْلَ خَوْفِهِ، لَكِنَّ تَعَلُّقَهُ بِأنَّهُ خائِفٌ بِالفِعْلِ، وهو الَّذِي يَدُورُ عَلَيْهِ أمْرُ الجَزاءِ، إنَّما يَكُونُ عِنْدَ تَحَقُّقِ الخَوْفِ بِالفِعْلِ.

وَقِيلَ: هُناكَ مُضافٌ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: لِيَعْلَمَ أوْلِياءُ اللَّهِ. وقُرِئَ: ( لِيُعْلِمَ ) مِنَ الإعْلامِ عَلى حَذْفِ المَفْعُولِ الأوَّلِ؛ أيْ: لِيُعْلِمَ اللَّهُ عِبادَهُ ... إلَخْ، والعِلْمُ عَلى القِراءَتَيْنِ مُتَعَدٍّ إلى واحِدٍ، وإظْهارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ في مَوْقِعِ الإضْمارِ لِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ وإدْخالِ الرَّوْعَةِ.

﴿فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذَلِكَ﴾؛ أيْ: بَعْدَ بَيانِ أنَّ ما وقَعَ ابْتِلاءٌ مِن جِهَتِهِ تَعالى لِما ذُكِرَ مِنَ الحِكْمَةِ، لا بَعْدَ تَحْرِيمِهِ، أوِ النَّهْيِ عَنْهُ، كَما قالَهُ بَعْضُهم؛ إذِ النَّهْيُ والتَّحْرِيمُ لَيْسَ أمْرًا حادِثًا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الشَّرْطِيَّةُ بِالفاءِ، ولا بَعْدَ الِابْتِلاءِ كَما اخْتارَهُ آخَرُونَ؛ لِأنَّ نَفْسَ الِابْتِلاءِ …

Al-Maaida 5:94Listen in Qur'an →
95

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَقْتُلُوا۟ ٱلصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌۭ ۚ وَمَن قَتَلَهُۥ مِنكُم مُّتَعَمِّدًۭا فَجَزَآءٌۭ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ ٱلنَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِۦ ذَوَا عَدْلٍۢ مِّنكُمْ هَدْيًۢا بَٰلِغَ ٱلْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّٰرَةٌۭ طَعَامُ مَسَٰكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَٰلِكَ صِيَامًۭا لِّيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِۦ ۗ عَفَا ٱللَّهُ عَمَّا سَلَفَ ۚ وَمَنْ عَادَ فَيَنتَقِمُ ٱللَّهُ مِنْهُ ۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌۭ ذُو ٱنتِقَامٍ

O you who have believed, do not kill game while you are in the state of ihram. And whoever of you kills it intentionally - the penalty is an equivalent from sacrificial animals to what he killed, as judged by two just men among you as an offering [to Allah] delivered to the Ka'bah, or an expiation: the feeding of needy people or the equivalent of that in fasting, that he may taste the consequence of his deed. Allah has pardoned what is past; but whoever returns [to violation], then Allah will take retribution from him. And Allah is Exalted in Might and Owner of Retribution.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ ما يُتَدارَكُ بِهِ الِاعْتِداءُ مِنَ الأحْكامِ إثْرَ بَيانِ ما يَلْحَقُهُ مِنَ العَذابِ.

والتَّصْرِيحُ بِالنَّهْيِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وأنْتُمْ حُرُمٌ﴾ مَعَ كَوْنِهِ مَعْلُومًا لا سِيَّما مِن قَوْلِهِ تَعالى: " ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وأنْتُمْ حُرُمٌ﴾ "؛ لِتَأْكِيدِ الحُرْمَةِ وتَرْتِيبِ ما يَعْقُبُهُ عَلَيْهِ، واللّامُ في " ﴿الصَّيْدَ﴾ " لِلْعَهْدِ حَسْبَما سَلَفَ، وحُرُمٌ جَمْعُ حَرامٍ، وهو المُحْرِمُ وإنْ كانَ في الحِلِّ، وفي حُكْمِهِ مَن في الحَرَمِ وإنْ كانَ حَلالًا، كَرُدُحٍ جَمْعُ رَداحٍ. والجُمْلَةُ حالٌ مِن فاعِلِ " لا تَقْتُلُوا "؛ أيْ: لا تَقْتُلُوهُ وأنْتُمْ مُحْرِمُونَ.

﴿وَمَن قَتَلَهُ﴾؛ أيِ: الصَّيْدَ المَعْهُودَ، وذِكْرُ القَتْلِ في المَوْضِعَيْنِ دُونَ الذَّبْحِ، لِلْإيذانِ بِكَوْنِهِ في حُكْمِ المَيْتَةِ.

﴿مِنكُمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن فاعِلِ " قَتَلَهُ "؛ أيْ: كائِنًا مِنكم.

﴿مُتَعَمِّدًا﴾ حالٌ مِنهُ أيْضًا ذاكِرًا لِإحْرامِهِ، عالِمًا بِحُرْمَةِ قَتْلِ ما يَقْتُلُهُ، والتَّقْيِيدُ بِالتَّعَمُّدِ، مَعَ أنَّ مَحْظُوراتِ الإحْرامِ يَسْتَوِي فِيها العَمْدُ والخَطَأُ، لِما أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في المُتَعَمِّدِ، كَما مَرَّ مِن قِصَّةِ أبِي اليَسَرِ، ولِأنَّ الأصْلَ فِعْلُ المُتَعَمِّدِ، والخَطَأُ لاحِقٌ بِهِ لِلتَّغْلِيظِ.

وَعَنِ الزُّهْرِيِّ: نَزَلَ الكِتابُ بِالعَمْدِ ووَرَدَتِ السُّنَّةُ بِالخَطَأِ. وعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: لا أرى في الخَطَأِ شَيْئًا أخْذًا بِاشْتِراطِ التَّعَمُّدِ في الآيَةِ، وهو قَوْلُ داوُدَ. وعَنْ مُجاهِدٍ والحَسَنِ: أنَّ المُرادَ بِالتَّعَمُّدِ: هو تَعَمُّدُ القَتْلِ مَعَ نِسْيانِ الإحْرامِ، أمّا إذا قَتَلَهُ عَمْدًا وهو ذاكِرٌ لِإحْرامِهِ؛ فَلا حُكْمَ عَلَيْهِ وأمْرُهُ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ؛ لِأنَّهُ أعْظَمُ مِن أنْ يَكُونَ لَهُ كَفّارَةٌ.

﴿فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ﴾ بِرَفْعِهِما؛ أيْ: فَعَلَيْهِ جَزاءٌ مُماثِلٌ لِما قَتَلَهُ، وقُرِئَ بِرَفْعِ الأوَّلِ ونَصْبِ الثّانِي عَلى إعْمالِ المَصْدَرِ، وقُرِئَ بِجَرِّ الثّانِي عَلى إضافَتِهِ إلى مَفْعُولِهِ، وقُرِئَ: ( فَجَزاؤُهُ مِثْلُ ما قَتَلَ ) عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرِيَّةِ، وقُرِئَ بِنَصْبِهِما عَلى تَقْدِيرِ فَلْيُجْزَ جَزاءً، أوْ فَعَلَيْهِ أنْ يُجْزى جَزاءً مِثْلَ ما قَتَلَ.

والمُرادُ بِهِ عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ وأبِي يُوسُفَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: المِثْلُ بِاعْتِبارِ القِيمَةِ يُقَوَّمُ يَوْمَ الصَّيْدِ حَيْثُ صِيدَ، أوْ في أقْرَبِ الأماكِنِ إلَيْهِ، فَإنْ بَلَغَتْ قِيمَتُهُ قِيمَةَ هَدْيٍ، يُخَيَّرُ الجانِي بَيْنَ أنْ يَشْتَرِيَ بِها ما قِيمَتُهُ قِيمَةُ الصَّيْدِ فَيُهْدِيَهُ إلى الحَرَمِ، وبَيْنَ أنْ يَشْتَرِيَ بِها طَعامًا فَيُعْطِيَ كُلَّ مِسْكِينٍ نِصْفَ صاعٍ مِن بُرٍّ، أوْ صاعًا مِن غَيْرِهِ، وبَيْنَ أنْ يَصُومَ عَنْ طَعامِ كُلِّ مِسْكِينٍ يَوْمًا، فَإنْ فَضَلَ ما لا يَبْلُغُ طَعامَ مِسْكِينٍ تَصَدَّقَ بِهِ، أوْ صامَ عَنْهُ يَوْمًا كامِلًا؛ إذْ لَمْ يُعْهَدْ في الشَّرْعِ صَوْمُ ما دُونَهُ.

فَيَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِنَ النَّعَمِ﴾ بَيانًا لِلْهَدْيِ المُشْتَرى بِالقِيمَةِ عَلى أحَدِ وُجُوهِ التَّخْيِيرِ، فَإنَّ مَن فَعَلَ ذَلِكَ يَصْدُقُ عَلَيْهِ أنَّهُ جَزى بِمِثْلِ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ.

وَعِنْدَ مالِكٍ والشّافِعِيِّ رَحِمَهُما اللَّهُ تَعالى ومَن يَرى رَأْيَهُما: هو المِثْلُ بِاعْتِبارِ الخِلْقَةِ والهَيْئَةِ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى أوْجَبَ مِثْلَ المَقْتُولِ مُقَيَّدًا بِالنَّعَمِ، فَمَنِ اعْتَبَرَ …

Al-Maaida 5:95Listen in Qur'an →
96

أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ ٱلْبَحْرِ وَطَعَامُهُۥ مَتَٰعًۭا لَّكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ ۖ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ ٱلْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًۭا ۗ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِىٓ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ

Lawful to you is game from the sea and its food as provision for you and the travelers, but forbidden to you is game from the land as long as you are in the state of ihram. And fear Allah to whom you will be gathered.

﴿أُحِلَّ لَكُمْ﴾ الخِطابُ لِلْمُحْرِمِينَ.

﴿صَيْدُ البَحْرِ﴾؛ أيْ: ما يُصادُ في المِياهِ كُلِّها، بَحْرًا كانَ، أوْ نَهْرًا، أوْ غَدِيرًا، وهو ما لا يَعِيشُ إلّا في الماءِ، مَأْكُولًا أوْ غَيْرَ مَأْكُولٍ.

﴿وَطَعامُهُ﴾؛ أيْ: وما يُطْعَمُ مِن صَيْدِهِ، وهو تَخْصِيصٌ بَعْدَ تَعْمِيمٍ، والمَعْنى: أُحِلَّ لَكُمُ التَّعَرُّضُ لِجَمِيعِ ما يُصادُ في المِياهِ والِانْتِفاعُ بِهِ، وأكْلُ ما يُؤْكَلُ مِنهُ، وهو السَّمَكُ عِنْدَنا، وعِنْدَ ابْنِ أبِي لَيْلى جَمِيعُ ما يُصادُ فِيهِ، عَلى أنَّ تَفْسِيرَ الآيَةِ عِنْدَهُ: أُحِلَّ لَكم صَيْدُ حَيَوانِ البَحْرِ وأنْ تَطْعَمُوهُ، وقُرِئَ: ( وطَعْمَهُ ) . وقِيلَ: صَيْدُ البَحْرِ: ما صِيدَ فِيهِ، وطَعامُهُ: ما قَذَفَهُ أوْ نَضَبَ عَنْهُ.

﴿مَتاعًا لَكُمْ﴾ نُصِبَ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ مُخْتَصٌّ بِالطَّعامِ، كَما أنَّ " نافِلَةً " في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَوَهَبْنا لَهُ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ نافِلَةً﴾ حالٌ مُخْتَصَّةٌ بِيَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ؛ أيْ: أُحِلَّ لَكم طَعامُهُ تَمْتِيعًا لِلْمُقِيمِينَ مِنكم يَأْكُلُونَهُ طَرِيًّا.

﴿وَلِلسَّيّارَةِ﴾ مِنكم يَتَزَوَّدُونَهُ قَدِيدًا. وقِيلَ: نُصِبَ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ؛ أيْ: مَتَّعَكم بِهِ مَتاعًا. وقِيلَ: مُؤَكِّدٌ لِمَعْنى أُحِلَّ لَكم، فَإنَّهُ في قُوَّةِ مَتَّعَكم بِهِ تَمْتِيعًا، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ .

﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكم صَيْدُ البَرِّ﴾ وقُرِئَ عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْفاعِلِ، ونَصْبِ ( صَيْدُ البَرِّ ) وهو ما يُفْرِخُ فِيهِ، وإنْ كانَ يَعِيشُ في الماءِ في بَعْضِ الأوْقاتِ كَطَيْرِ الماءِ.

﴿ما دُمْتُمْ حُرُمًا﴾؛ أيْ: مُحْرِمِينَ، وقُرِئَ بِكَسْرِ الدّالِ مَن دامَ يَدامُ، وظاهِرُهُ يُوجِبُ حُرْمَةَ ما صادَهُ الحَلالُ عَلى المُحْرِمِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَدْخَلٌ فِيهِ، وهو قَوْلُ عُمَرَ وابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم. وعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، وعَطاءٍ، ومُجاهِدٍ، وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم: أنَّهُ يَحِلُّ لَهُ أكْلُ ما صادَهُ الحَلالُ، وإنْ صادَهُ لِأجْلِهِ إذا لَمْ يُشِرْ إلَيْهِ ولَمْ يَدُلَّ عَلَيْهِ، وكَذا ما ذَبَحَهُ قَبْلَ إحْرامِهِ، وهو مَذْهَبُ أبِي حَنِيفَةَ؛ لِأنَّ الخِطابَ لِلْمُحْرِمِينَ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: وحُرِّمَ عَلَيْكم ما صِدْتُمْ في البَرِّ فَيَخْرُجُ مِنهُ مَصِيدُ غَيْرِهِمْ، وعِنْدَ مالِكٍ، والشّافِعِيِّ، وأحْمَدَ: لا يُباحُ ما صِيدَ لَهُ.

﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾ فِيما نَهاكم عَنْهُ، أوْ في جَمِيعِ المَعاصِي الَّتِي مِن جُمْلَتِها ذَلِكَ.

﴿الَّذِي إلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ لا إلى غَيْرِهِ، حَتّى يُتَوَهَّمَ الخَلاصُ مِن أخْذِهِ تَعالى بِالِالتِجاءِ إلَيْهِ.

Al-Maaida 5:96Listen in Qur'an →
97

۞ جَعَلَ ٱللَّهُ ٱلْكَعْبَةَ ٱلْبَيْتَ ٱلْحَرَامَ قِيَٰمًۭا لِّلنَّاسِ وَٱلشَّهْرَ ٱلْحَرَامَ وَٱلْهَدْىَ وَٱلْقَلَٰٓئِدَ ۚ ذَٰلِكَ لِتَعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ وَأَنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ

Allah has made the Ka'bah, the Sacred House, standing for the people and [has sanctified] the sacred months and the sacrificial animals and the garlands [by which they are identified]. That is so you may know that Allah knows what is in the heavens and what is in the earth and that Allah is Knowing of all things.

﴿جَعَلَ اللَّهُ الكَعْبَةَ﴾ قالَ مُجاهِدٌ: سُمِّيَتْ كَعْبَةً لِكَوْنِها مُكَعَّبَةً مُرَبَّعَةً. وقِيلَ: لِانْفِرادِها مِنَ البِناءِ. وقِيلَ: لِارْتِفاعِها مِنَ الأرْضِ ونُتُوئِها.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿البَيْتَ الحَرامَ﴾ عَطْفُ بَيانٍ عَلى جِهَةِ المَدْحِ دُونَ التَّوْضِيحِ، كَما تَجِيءُ الصِّفَةُ كَذَلِكَ. وقِيلَ: مَفْعُولٌ ثانٍ لِجَعَلَ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قِيامًا لِلنّاسِ﴾ نُصِبَ عَلى الحالِ، ويَرُدُّهُ عَطْفُ ما بَعْدَهُ عَلى المَفْعُولِ الأوَّلِ كَما سَيَجِيءُ، بَلْ هَذا هو المَفْعُولُ الثّانِي. وقِيلَ: الجَعْلُ بِمَعْنى: الإنْشاءِ والخَلْقِ، وهو حالٌ كَما مَرَّ، ومَعْنى كَوْنِهِ قِيامًا لَهم: أنَّهُ مَدارٌ لِقِيامِ أمْرِ دِينِهِمْ ودُنْياهم؛ إذْ هو سَبَبٌ لِانْتِعاشِهِمْ في أُمُورِ مَعاشِهِمْ ومَعادِهِمْ، يَلُوذُ بِهِ الخائِفُ، ويَأْمَنُ فِيهِ الضَّعِيفُ، ويَرْبَحُ فِيهِ التُّجّارُ، ويَتَوَجَّهُ إلَيْهِ الحُجّاجُ والعُمّارُ. وقُرِئَ: ( قِيَمًا ) عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ عَلى وزْنِ شِبَعٍ، أُعِلَّ عَيْنُهُ بِما أُعِلَّ في فِعْلِهِ.

﴿والشَّهْرَ الحَرامَ﴾؛ أيِ: الَّذِي يُؤَدّى فِيهِ الحَجُّ، وهو ذُو الحِجَّةِ. وقِيلَ: جِنْسُ الشَّهْرِ الحَرامِ، وهو وما بَعْدَهُ عَطْفٌ عَلى الكَعْبَةِ، فالمَفْعُولُ الثّانِي مَحْذُوفٌ ثِقَةً بِما مَرَّ؛ أيْ: وجُعِلَ الشَّهْرُ الحَرامُ.

﴿والهَدْيَ والقَلائِدَ﴾ أيْضًا قِيامًا لَهم، والمُرادُ بِالقَلائِدِ: ذَواتُ القَلائِدِ، وهي البُدْنُ، خُصَّتْ بِالذِّكْرِ؛ لِأنَّ الثَّوابَ فِيها أكْثَرُ وبَهاءَ الحَجِّ بِها أظْهَرُ.

﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى الجَعْلِ المَذْكُورِ خاصَّةً، أوْ مَعَ ما ذُكِرَ مِنَ الأمْرِ بِحِفْظِ حُرْمَةِ الإحْرامِ وغَيْرِهِ، ومَحَلُّهُ النَّصْبُ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ السِّياقُ، وهو العامِلُ في اللّامِ بَعْدَهُ؛ أيْ: شُرِعَ ذَلِكَ.

﴿لِتَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ فَإنَّ تَشْرِيعَ هَذِهِ الشَّرائِعِ المُسْتَتْبِعَةِ لِدَفْعِ المَضارِّ الدِّينِيَّةِ والدُّنْيَوِيَّةِ قَبْلَ وُقُوعِها، وجَلْبِ المَنافِعِ الأوْلَوِيَّةِ والأُخْرَوِيَّةِ مِن أوْضَحِ الدَّلائِلِ عَلى حِكْمَةِ الشّارِعِ، وعَدَمِ خُرُوجِ شَيْءٍ عَنْ عِلْمِهِ المُحِيطِ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ تَعْمِيمٌ إثْرَ تَخْصِيصٍ لِلتَّأْكِيدِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِما في السَّماواتِ والأرْضِ: الأعْيانُ المَوْجُودَةُ فِيهِما، وبِكُلِّ شَيْءٍ: الأُمُورُ المُتَعَلِّقَةُ بِتِلْكَ المَوْجُوداتِ مِنَ العَوارِضِ والأحْوالِ الَّتِي هي مِن قَبِيلِ المَعانِي.

Al-Maaida 5:97Listen in Qur'an →
98

ٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ وَأَنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ

Know that Allah is severe in penalty and that Allah is Forgiving and Merciful.

﴿اعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقابِ﴾ وعِيدٌ لِمَنِ انْتَهَكَ مَحارِمَهُ، أوْ أصَرَّ عَلى ذَلِكَ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ وعْدٌ لِمَن حافَظَ عَلى مُراعاةِ حُرُماتِهِ تَعالى، أوْ أقْلَعَ عَنْ الِانْتِهاكِ بَعْدَ تَعاطِيهِ، ووَجْهُ تَقْدِيمِ الوَعِيدِ ظاهِرٌ.

Al-Maaida 5:98Listen in Qur'an →
99

مَّا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلَّا ٱلْبَلَٰغُ ۗ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ

Not upon the Messenger is [responsibility] except [for] notification. And Allah knows whatever you reveal and whatever you conceal.

﴿ما عَلى الرَّسُولِ إلا البَلاغُ﴾ تَشْدِيدٌ في إيجابِ القِيامِ بِما أمَرَ بِهِ؛ أيِ: الرَّسُولُ قَدْ أتى بِما وجَبَ عَلَيْهِ مِنَ التَّبْلِيغِ بِما لا مَزِيدَ عَلَيْهِ، وقامَتْ عَلَيْهِ الحُجَّةُ، ولَزِمَتْكُمُ الطّاعَةُ، فَلا عُذْرَ لَكم مِن بَعْدُ في التَّفْرِيطِ.

﴿واللَّهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وما تَكْتُمُونَ﴾ فَيُؤاخِذُكم بِذَلِكَ نَقِيرًا أوْ قِطْمِيرًا.

Al-Maaida 5:99Listen in Qur'an →
100

قُل لَّا يَسْتَوِى ٱلْخَبِيثُ وَٱلطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ ٱلْخَبِيثِ ۚ فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ يَٰٓأُو۟لِى ٱلْأَلْبَٰبِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ

Say, "Not equal are the evil and the good, although the abundance of evil might impress you." So fear Allah, O you of understanding, that you may be successful.

﴿قُلْ لا يَسْتَوِي الخَبِيثُ والطَّيِّبُ﴾ حُكْمٌ عامٌّ في نَفْيِ المُساواةِ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى بَيْنَ الرَّدِيءِ مِنَ الأشْخاصِ، والأعْمالِ، والأمْوالِ، وبَيْنَ جَيِّدِها، قُصِدَ بِهِ التَّرْغِيبُ في جَيِّدِ كُلٍّ مِنها، والتَّحْذِيرُ عَنْ رَدِيئِها، وإنْ كانَ سَبَبُ النُّزُولِ شُرَيْحُ بْنُ ضَبُعَةَ البَكْرِيُّ الَّذِي مَرَّتْ قِصَّتُهُ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ﴾ ... إلَخْ.

وَقِيلَ: نَزَلَ في «رَجُلٍ سَألَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: إنَّ الخَمْرَ كانَتْ تِجارَتِي، وإنِّي اعْتَقَدْتُ مِن بَيْعِها مالًا، فَهَلْ يَنْفَعُنِي مِن ذَلِكَ المالِ إنْ عَمِلْتُ فِيهِ بِطاعَةِ اللَّهِ تَعالى ؟ فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: " إنْ أنْفَقْتَهُ في حَجٍّ، أوْ جِهادٍ، أوْ صَدَقَةٍ، لَمْ يَعْدِلْ جَناحَ بَعُوضَةٍ، إنَّ اللَّهَ لا يَقْبَلُ إلّا الطَّيِّبَ "» . وقالَ عَطاءٌ والحَسَنُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: الخَبِيثُ والطَّيِّبُ: الحَرامُ والحَلالُ.

وَتَقْدِيمُ الخَبِيثِ في الذِّكْرِ لِلْإشْعارِ مِن أوَّلِ الأمْرِ بِأنَّ القُصُورَ الَّذِي يُنْبِئُ عَنْهُ عَدَمُ الِاسْتِواءِ فِيهِ لا في مُقابِلِهِ، فَإنَّ مَفْهُومَ عَدَمِ الِاسْتِواءِ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ المُتَفاوِتَيْنِ زِيادَةً ونُقْصانًا، وإنْ جازَ اعْتِبارُهُ بِحَسَبِ زِيادَةِ الزّائِدِ، لَكِنَّ المُتَبادِرَ اعْتِبارُهُ بِحَسَبِ قُصُورِ القاصِرِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الأعْمى والبَصِيرُ﴾ إلى غَيْرِ ذَلِكَ. وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ فَلَعَلَّ تَقْدِيمَ الفاضِلِ فِيهِ لِما أنَّ صِلَتَهُ مَلَكَةٌ لِصِلَةِ المَفْضُولِ.

﴿وَلَوْ أعْجَبَكَ كَثْرَةُ الخَبِيثِ﴾؛ أيْ: وإنْ سَرَّكَ كَثْرَتُهُ، والخِطابُ لِكُلِّ واحِدٍ مِنَ الَّذِينَ أُمِرَ النَّبِيُّ ﷺ بِخِطابِهِمْ، والواوُ لِعَطْفِ الشَّرْطِيَّةِ عَلى مِثْلِها المُقَدَّرِ، وقِيلَ: لِلْحالِ وقَدْ مَرَّ؛ أيْ: لَوْ لَمْ تُعْجِبْكَ كَثْرَةُ الخَبِيثِ، ولَوْ أعْجَبَتْكَ، وكِلْتاهُما في مَوْقِعِ الحالِ مِن فاعِلِ " لا يَسْتَوِي "؛ أيْ: لا يَسْتَوِيانِ كائِنَيْنِ عَلى كُلِّ حالٍ مَفْرُوضٍ، كَما في قَوْلِكَ: أحْسِنْ إلى فُلانٍ وإنْ أساءَ إلَيْكَ؛ أيْ: أحْسِنْ إلَيْهِ إنْ لَمْ يُسِئْ إلَيْكَ وإنْ أساءَ إلَيْكَ؛ أيْ: كائِنًا عَلى كُلِّ حالٍ مَفْرُوضٍ، وقَدْ حُذِفَتِ الأُولى حَذْفًا مُطَّرِدًا لِدَلالَةِ الثّانِيَةِ عَلَيْها دَلالَةً واضِحَةً، فَإنَّ الشَّيْءَ إذا تَحَقَّقَ مَعَ المُعارِضِ، فَلِأنْ يَتَحَقَّقَ بِدُونِهِ أوْلى، وعَلى هَذا السِّرِّ يَدُورُ ما في " لَوْ " و" إنِ " الوَصْلِيَّتَيْنِ مِنَ المُبالَغَةِ والتَّأْكِيدِ، وجَوابُ " لَوْ " مَحْذُوفٌ في الجُمْلَتَيْنِ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُما عَلَيْهِ، وسَيَأْتِي تَمامُ تَحْقِيقِهِ في مَواقِعَ عَدِيدَةٍ بِإذْنِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.

﴿فاتَّقُوا اللَّهَ يا أُولِي الألباب﴾؛ أيْ: في تَحَرِّي الخَبِيثِ وإنْ كَثُرَ، وآثِرُوا عَلَيْهِ الطَّيِّبَ وإنْ قَلَّ، فَإنَّ مَدارَ الِاعْتِبارِ هو الجُودَةُ والرَّداءَةُ، لا الكَثْرَةُ والقِلَّةُ؛ فالمَحْمُودُ القَلِيلُ خَيْرٌ مِنَ المَذْمُومِ الكَثِيرِ، بَلْ كُلَّما كَثُرَ الخَبِيثُ كانَ أخْبَثَ.

﴿لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ راجِينَ أنْ تَنالُوا الفَلاحَ.

Al-Maaida 5:100Listen in Qur'an →

Commentary: Irshad al-'Aql al-Salim by Abu al-Su'ud. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.