Muslim99Muslim99
← Tafsir library

5. Al-Maaida

The Table · Medinan · 120 ayahs

سُورَةُ المَائـِدَةِ

Reading Adwa' al-Bayan by Muhammad al-Amin al-Shinqiti

Ayahs 1–10 of 120

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

1

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَوْفُوا۟ بِٱلْعُقُودِ ۚ أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ ٱلْأَنْعَٰمِ إِلَّا مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّى ٱلصَّيْدِ وَأَنتُمْ حُرُمٌ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ

O you who have believed, fulfill [all] contracts. Lawful for you are the animals of grazing livestock except for that which is recited to you [in this Qur'an] - hunting not being permitted while you are in the state of ihram. Indeed, Allah ordains what He intends.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

سُورَةُ المائِدَةِ

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُحِلَّتْ لَكم بَهِيمَةُ الأنْعامِ إلّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ﴾، لَمْ يُبَيِّنْ هُنا ما هَذا الَّذِي يُتْلى عَلَيْهِمُ المُسْتَثْنى مِن حِلِّيَّةِ بَهِيمَةِ الأنْعامِ؛ ولَكِنَّهُ بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ والدَّمُ ولَحْمُ الخِنْزِيرِ﴾ [المائدة: ٣]، إلى قَوْلِهِ: ﴿وَما ذُبِحَ عَلى النُّصُبِ﴾، فالمَذْكُوراتُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ كالمَوْقُوذَةِ والمُتَرَدِّيَةِ، وإنْ كانَتْ مِنَ الأنْعامِ؛ فَإنَّها تَحْرُمُ بِهَذِهِ العَوارِضِ.

والتَّحْقِيقُ أنَّ الأنْعامَ هي الأزْواجُ الثَّمانِيَةُ، كَما قَدَّمْنا في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ، وقَدِ اسْتَدَلَّ ابْنُ عُمَرَ، وابْنُ عَبّاسٍ، وغَيْرُ واحِدٍ مِنَ العُلَماءِ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى إباحَةِ أكْلِ الجَنِينِ إذا ذُكِّيَتْ أمُّهُ ووُجِدَ في بَطْنِها مَيِّتًا.

وَجاءَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «أنَّ ذَكاةَ أُمِّهِ ذَكاةٌ لَهُ» كَما أخْرَجَهُ أبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ ماجَهْ مِن حَدِيثِ أبِي سَعِيدٍ.

وَقالَ التِّرْمِذِيُّ: إنَّهُ حَسَنٌ، ورَواهُ أبُو داوُدَ عَنْ جابِرٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .

2

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تُحِلُّوا۟ شَعَٰٓئِرَ ٱللَّهِ وَلَا ٱلشَّهْرَ ٱلْحَرَامَ وَلَا ٱلْهَدْىَ وَلَا ٱلْقَلَٰٓئِدَ وَلَآ ءَآمِّينَ ٱلْبَيْتَ ٱلْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًۭا مِّن رَّبِّهِمْ وَرِضْوَٰنًۭا ۚ وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَٱصْطَادُوا۟ ۚ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَـَٔانُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ أَن تَعْتَدُوا۟ ۘ وَتَعَاوَنُوا۟ عَلَى ٱلْبِرِّ وَٱلتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا۟ عَلَى ٱلْإِثْمِ وَٱلْعُدْوَٰنِ ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ۖ إِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ

O you who have believed, do not violate the rites of Allah or [the sanctity of] the sacred month or [neglect the marking of] the sacrificial animals and garlanding [them] or [violate the safety of] those coming to the Sacred House seeking bounty from their Lord and [His] approval. But when you come out of ihram, then [you may] hunt. And do not let the hatred of a people for having obstructed you from al-Masjid al-Haram lead you to transgress. And cooperate in righteousness and piety, but do not cooperate in sin and aggression. And fear Allah; indeed, Allah is severe in penalty.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا حَلَلْتُمْ فاصْطادُوا﴾، يَعْنِي إنَّ شِئْتُمْ، فَلا يَدُلُّ هَذا الأمْرُ عَلى إيجابِ الِاصْطِيادِ عِنْدَ الإحْلالِ، ويَدُلُّ لَهُ الِاسْتِقْراءُ في القُرْآنِ، فَإنَّ كُلَّ شَيْءٍ كانَ جائِزًا، ثُمَّ حُرِّمَ لِمُوجِبٍ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ بَعْدَ زَوالِ ذَلِكَ المُوجِبِ، فَإنَّ ذَلِكَ الأمْرَ كُلَّهُ في القُرْآنِ لِلْجَوازِ، نَحْوَ قَوْلِهِ هُنا: ﴿وَإذا حَلَلْتُمْ فاصْطادُوا﴾،

• وقَوْلِهِ: ﴿فَإذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فانْتَشِرُوا في الأرْضِ﴾ [الجمعة: ١٠]،

• وقَوْلِهِ: ﴿فالآنَ باشِرُوهُنَّ﴾ الآيَةَ [البقرة: ١٨٧]،

• وقَوْلِهِ: ﴿فَإذا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ﴾ الآيَةَ [البقرة: ٢٢٢] .

وَلا يُنْقَضُ هَذا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإذا انْسَلَخَ الأشْهُرُ الحُرُمُ فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ﴾ الآيَةَ [التوبة: ٥]؛ لِأنَّ قَتْلَهم كانَ واجِبًا قَبْلَ تَحْرِيمِهِ العارِضِ بِسَبَبِ الأشْهُرِ الأرْبَعَةِ سَواءٌ قُلْنا: إنَّها أشْهُرُ الإمْهالِ المَذْكُورَةِ في قَوْلِهِ: ﴿فَسِيحُوا في الأرْضِ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ﴾ [التوبة: ٢]، أوْ قُلْنا: إنَّها الأشْهُرُ الحُرُمُ المَذْكُورَةُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِنها أرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ [التوبة: ٣٦] .

وَبِهَذا تَعْلَمُ أنَّ التَّحْقِيقَ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ الِاسْتِقْراءُ التّامُّ في القُرْآنِ أنَّ الأمْرَ بِالشَّيْءِ بَعْدَ تَحْرِيمِهِ يَدُلُّ عَلى رُجُوعِهِ إلى ما كانَ عَلَيْهِ قَبْلَ التَّحْرِيمِ مِن إباحَةٍ أوْ وُجُوبٍ، فالصَّيْدُ قَبْلَ الإحْرامِ كانَ جائِزًا فَمُنِعَ لِلْإحْرامِ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ بَعْدَ الإحْلالِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَإذا حَلَلْتُمْ فاصْطادُوا﴾، فَيَرْجِعُ لِما كانَ عَلَيْهِ قَبْلَ التَّحْرِيمِ، وهو الجَوازُ، وقَتْلُ المُشْرِكِينَ كانَ واجِبًا قَبْلَ دُخُولِ الأشْهُرِ الحُرُمِ، فَمُنِعَ مِن أجْلِها، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ بَعْدَ انْسِلاخِها في قَوْلِهِ: ﴿فَإذا انْسَلَخَ الأشْهُرُ الحُرُمُ﴾ الآيَةَ، فَيَرْجِعُ لِما كانَ عَلَيْهِ قَبْلَ التَّحْرِيمِ، وهو الوُجُوبُ.

وَهَذا هو الحَقُّ في هَذِهِ المَسْألَةِ الأُصُولِيَّةِ.

قالَ ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: وهَذا أمْرٌ بَعْدَ الحَظْرِ، والصَّحِيحُ الَّذِي يَثْبُتُ عَلى السَّبْرِ أنَّهُ يُرَدُّ الحُكْمُ إلى ما كانَ عَلَيْهِ قَبْلَ النَّهْيِ، فَإنْ كانَ واجِبًا رَدَّهُ، فَواجِبٌ، وإنْ كانَ مُسْتَحَبًّا فَمُسْتَحَبٌّ، أوْ مُباحًا فَمُباحٌ.

وَمَن قالَ: إنَّهُ لِلْوُجُوبِ يَنْتَقِضُ عَلَيْهِ بِآياتٍ كَثِيرَةٍ؛ ومَن قالَ: إنَّهُ لِلْإباحَةِ يُرَدُّ عَلَيْهِ بِآياتٍ أُخْرى، والَّذِي يَنْتَظِمُ الأدِلَّةَ كُلَّها هَذا الَّذِي ذَكَرْناهُ كَما اخْتارَهُ بَعْضُ عُلَماءِ الأُصُولِ، واللَّهُ أعْلَمُ، انْتَهى مِنهُ بِلَفْظِهِ.

وَفِي هَذِهِ المَسْألَةِ أقْوالٌ أُخَرُ عَقَدَها في (مَراقِي السُّعُودِ) بِقَوْلِهِ: [ الرَّجَزُ ]

؎والأمْرُ لِلْوُجُوبِ بَعْدَ الحَظْلِ وبَعْدَ سُؤالٍ قَدْ أتى لِلْأصْلِ

أوْ يَقْتَضِي إباحَةً لِلْأغْلَبِ إذا تَعَلَّقَ بِمِثْلِ السَّبَبِ

إلّا فَذا المَذْهَبُ والكَثِيرُ لَهُ إلى إيجابِهِ مَصِيرُ

وَقَدْ تَقَرَّرَ في الأُصُولِ أنَّ الِاسْتِقْراءَ التّامَّ حُجَّةٌ بِلا خِلافٍ، وغَيْرُ التّامِّ المَعْرُوفُ بِـ ”إلْحاقِ الفَرْدِ بِالأغْلَبِ“ حُجَّةٌ ظَنِّيَّةٌ، كَما عَقَدَهُ في مَراقِي السُّعُودِ في كِتابِ ”الِاسْتِدْلالِ“ بِقَوْلِهِ: [ الرَّجَزُ ]

؎وَمِنهُ الِاسْتِقْراءُ بِالجُزْئِيِّ ∗∗∗ عَلى ثُبُوتِ الحُكْمِ لِلْكُلِّيِّ ∗∗∗ فَإنْ يَعُمَّ غَيْرَ ذِي الشِّقاقِ ∗∗∗ فَهو حُجَّةٌ بِالِاتِّفاقِ ∗∗∗ وَهُوَ في البَعْضِ إلى الظَّنِّ انْتَسَبْ ∗∗∗ يُسَمّى لُحُوقَ الفَرْدِ بِالَّذِي غَلَبْ

فَإذا عَرَفْتَ ذَلِكَ، وعَرَفْتَ أنَّ …

3

حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةُ وَٱلدَّمُ وَلَحْمُ ٱلْخِنزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ ٱللَّهِ بِهِۦ وَٱلْمُنْخَنِقَةُ وَٱلْمَوْقُوذَةُ وَٱلْمُتَرَدِّيَةُ وَٱلنَّطِيحَةُ وَمَآ أَكَلَ ٱلسَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى ٱلنُّصُبِ وَأَن تَسْتَقْسِمُوا۟ بِٱلْأَزْلَٰمِ ۚ ذَٰلِكُمْ فِسْقٌ ۗ ٱلْيَوْمَ يَئِسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِن دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَٱخْشَوْنِ ۚ ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلْإِسْلَٰمَ دِينًۭا ۚ فَمَنِ ٱضْطُرَّ فِى مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍۢ لِّإِثْمٍۢ ۙ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ

Prohibited to you are dead animals, blood, the flesh of swine, and that which has been dedicated to other than Allah, and [those animals] killed by strangling or by a violent blow or by a head-long fall or by the goring of horns, and those from which a wild animal has eaten, except what you [are able to] slaughter [before its death], and those which are sacrificed on stone altars, and [prohibited is] that you seek decision through divining arrows. That is grave disobedience. This day those who disbelieve have despaired of [defeating] your religion; so fear them not, but fear Me. This day I have perfected for you your religion and completed My favor upon you and have approved for you Islam as religion. But whoever is forced by severe hunger with no inclination to sin - then indeed, Allah is Forgiving and Merciful.

Explained together with ayah 2

4

يَسْـَٔلُونَكَ مَاذَآ أُحِلَّ لَهُمْ ۖ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيِّبَٰتُ ۙ وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ ٱلْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ ٱللَّهُ ۖ فَكُلُوا۟ مِمَّآ أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَٱذْكُرُوا۟ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَيْهِ ۖ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ

They ask you, [O Muhammad], what has been made lawful for them. Say, "Lawful for you are [all] good foods and [game caught by] what you have trained of hunting animals which you train as Allah has taught you. So eat of what they catch for you, and mention the name of Allah upon it, and fear Allah." Indeed, Allah is swift in account.

Explained together with ayah 2

5

ٱلْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيِّبَٰتُ ۖ وَطَعَامُ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَٰبَ حِلٌّۭ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّۭ لَّهُمْ ۖ وَٱلْمُحْصَنَٰتُ مِنَ ٱلْمُؤْمِنَٰتِ وَٱلْمُحْصَنَٰتُ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَٰبَ مِن قَبْلِكُمْ إِذَآ ءَاتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَٰفِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِىٓ أَخْدَانٍۢ ۗ وَمَن يَكْفُرْ بِٱلْإِيمَٰنِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُۥ وَهُوَ فِى ٱلْءَاخِرَةِ مِنَ ٱلْخَٰسِرِينَ

This day [all] good foods have been made lawful, and the food of those who were given the Scripture is lawful for you and your food is lawful for them. And [lawful in marriage are] chaste women from among the believers and chaste women from among those who were given the Scripture before you, when you have given them their due compensation, desiring chastity, not unlawful sexual intercourse or taking [secret] lovers. And whoever denies the faith - his work has become worthless, and he, in the Hereafter, will be among the losers.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن يَكْفُرْ بِالإيمانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وهو في الآخِرَةِ مِنَ الخاسِرِينَ﴾، ظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ المُرْتَدَّ يُحْبِطُ جَمِيعَ عَمَلِهِ بِرِدَّتِهِ مِن غَيْرِ شَرْطٍ زائِدٍ، ولَكِنَّهُ أشارَ في مَوْضِعٍ آخَرَ إلى أنَّ ذَلِكَ فِيما إذا ماتَ عَلى الكُفْرِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكم عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وهو كافِرٌ﴾ [البقرة: ٢١٧] .

وَمُقْتَضى الأُصُولِ حَمْلُ هَذا المُطْلَقِ عَلى هَذا المُقَيَّدِ، فَيُقَيِّدُ إحْباطَ العَمَلِ بِالمَوْتِ عَلى الكُفْرِ، وهو قَوْلُ الشّافِعِيِّ ومَن وافَقَهُ، خِلافًا لِمالِكٍ القائِلِ بِإحْباطِ الرِّدَّةِ العَمَلَ مُطْلَقًا، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

⁕ ⁕ ⁕

قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب):

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

سُورَةُ المائِدَةِ

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اليَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ وطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ الآيَةَ.

هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ تَدُلُّ بِعُمُومِها عَلى إباحَةِ ذَبائِحِ أهْلِ الكِتابِ مُطْلَقًا ولَوْ سَمَّوْا عَلَيْها غَيْرَ اللَّهِ أوْ سَكَتُوا ولَمْ يُسَمُّوا اللَّهَ ولا غَيْرَهُ لِأنَّ الكُلَّ داخِلٌ في طَعامِهِمْ.

وَقَدْ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وأبُو أُمامَةَ ومُجاهِدٌ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وعِكْرِمَةُ وعَطاءٌ والحُسْنُ ومَكْحُولٌ وإبْراهِيمُ النَّخَعِيُّ والسُّدِّيُّ ومُقاتِلُ بْنُ حَيّانَ: أنَّ المُرادَ بِطَعامِهِمْ ذَبائِحُهم.

كَما نَقَلَهُ عَنْهُمُ ابْنُ كَثِيرٍ ونَقَلَهُ البُخارِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ودُخُولُ ذَبائِحِهِمْ في طَعامِهِمْ أجْمَعَ عَلَيْهِ المُسْلِمُونَ مَعَ أنَّهُ جاءَتْ آياتٌ أُخَرُ تَدُلُّ عَلى أنَّ ما سُمِّيَ عَلَيْهِ غَيْرُ اللَّهِ لا يَجُوزُ أكْلُهُ، وعَلى أنَّ ما لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ لا يَجُوزُ أكْلُهُ أيْضًا.

أمّا الَّتِي دَلَّتْ عَلى مَنعِ أكْلِ ما ذُكِرَ عَلَيْهِ اسْمُ غَيْرِ اللَّهِ، فَكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٧٣] في سُورَةِ ”البَقَرَةِ“ .

وَقَوْلِهِ: ﴿وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [المائدة: ٣] في المائِدَةِ، والنَّحْلِ [النحل: ١٥] .

وَقَوْلِهِ في ”الأنْعامِ“: ﴿أوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [الأنعام: ١٤٥] .

والمُرادُ بِالإهْلالِ رَفْعُ الصَّوْتِ بِاسْمِ غَيْرِ اللَّهِ عِنْدَ الذَّبْحِ.

وَأمّا الَّتِي دَلَّتْ عَلى مَنعِ أكْلِ ما لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ، فَكَقَوْلِهِ: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ الآيَةَ [الأنعام: ١٢١] .

وَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَكُلُوا مِمّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إنْ كُنْتُمْ بِآياتِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وَما لَكم ألّا تَأْكُلُوا مِمّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٨ - ١١٩]، فَإنَّهُ يُفْهَمُ مِنهُ عَدَمُ الأكْلِ مِمّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ.

والجَوابُ عَنْ مِثْلِ هَذا مُشْتَمِلٌ عَلى مَبْحَثَيْنِ:

المَبْحَثُ الأوَّلُ: في وجْهِ الجَمْعِ بَيْنَ عُمُومِ آيَةِ: ﴿وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ مَعَ عُمُومِ الآياتِ المُحَرِّمَةِ لِما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فِيما إذا سَمّى الكِتابِيُّ عَلى ذَبِيحَتِهِ غَيْرَ اللَّهِ، بِأنْ أهَلَّ بِها لِلصَّلِيبِ أوْ عِيسى أوْ نَحْوِ ذَلِكَ.

المَبْحَثُ الثّانِي: في وجْهِ الجَمْعِ بَيْنَ آيَةِ: ﴿وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ أيْضًا مَعَ قَوْلِهِ: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ فِيما إذا لَمْ يُسَمِّ الكِتابِيُّ اللَّهَ ولا غَيْرَهُ عَلى ذَبِيحَتِهِ.

أمّا المَبْحَثُ الأوَّلُ فَحاصِلُهُ أنْ بَيْنَ …

6

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ فَٱغْسِلُوا۟ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى ٱلْمَرَافِقِ وَٱمْسَحُوا۟ بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى ٱلْكَعْبَيْنِ ۚ وَإِن كُنتُمْ جُنُبًۭا فَٱطَّهَّرُوا۟ ۚ وَإِن كُنتُم مَّرْضَىٰٓ أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوْ جَآءَ أَحَدٌۭ مِّنكُم مِّنَ ٱلْغَآئِطِ أَوْ لَٰمَسْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَلَمْ تَجِدُوا۟ مَآءًۭ فَتَيَمَّمُوا۟ صَعِيدًۭا طَيِّبًۭا فَٱمْسَحُوا۟ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ ۚ مَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍۢ وَلَٰكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُۥ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ

O you who have believed, when you rise to [perform] prayer, wash your faces and your forearms to the elbows and wipe over your heads and wash your feet to the ankles. And if you are in a state of janabah, then purify yourselves. But if you are ill or on a journey or one of you comes from the place of relieving himself or you have contacted women and do not find water, then seek clean earth and wipe over your faces and hands with it. Allah does not intend to make difficulty for you, but He intends to purify you and complete His favor upon you that you may be grateful.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأرْجُلَكم إلى الكَعْبَيْنِ﴾، في قَوْلِهِ: وأرْجُلَكم ثَلاثُ قِراءاتٍ: واحِدَةٌ شاذَّةٌ، واثْنَتانِ مُتَواتِرَتانِ.

أمّا الشّاذَّةُ: فَقِراءَةُ الرَّفْعِ، وهي قِراءَةُ الحَسَنِ؛ وأمّا المُتَواتِرَتانِ: فَقِراءَةُ النَّصْبِ، وقِراءَةُ الخَفْضِ.

أمّا النَّصْبُ: فَهو قِراءَةُ نافِعٍ، وابْنِ عامِرٍ، والكِسائِيِّ، وعاصِمٍ في رِوايَةِ حَفْصٍ مِنَ السَّبْعَةِ، ويَعْقُوبَ مِنَ الثَّلاثَةِ.

وَأمّا الجَرُّ: فَهو قِراءَةُ ابْنِ كَثِيرٍ، وحَمْزَةَ، وأبِي عَمْرٍو، وعاصِمٍ، وفي رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ.

أمّا قِراءَةُ النَّصْبِ: فَلا إشْكالَ فِيها، لِأنَّ الأرْجُلَ فِيها مَعْطُوفَةٌ عَلى الوُجُوهِ، وتَقْرِيرُ المَعْنى عَلَيْها: فاغْسِلُوا وُجُوهَكم وأيْدِيَكم إلى المَرافِقِ، وأرْجُلَكم إلى الكَعْبَيْنِ وامْسَحُوا بِرُءُوسِكم.

وَإنَّما أُدْخِلَ مَسْحُ الرَّأْسِ بَيْنَ المَغْسُولاتِ مُحافَظَةً عَلى التَّرْتِيبِ، لِأنَّ الرَّأْسَ يُمْسَحُ بَيْنَ المَغْسُولاتِ؛ ومِن هُنا أخَذَ جَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ وُجُوبَ التَّرْتِيبِ في أعْضاءِ الوُضُوءِ حَسْبَما في الآيَةِ الكَرِيمَةِ.

وَأمّا عَلى قِراءَةِ الجَرِّ: فَفي الآيَةِ الكَرِيمَةِ إجْمالٌ، وهو أنَّها يُفْهَمُ مِنها الِاكْتِفاءُ بِمَسْحِ الرِّجْلَيْنِ في الوُضُوءِ عَنِ الغَسْلِ كالرَّأْسِ، وهو خِلافُ الواقِعِ لِلْأحادِيثِ الصَّحِيحَةِ الصَّرِيحَةِ في وُجُوبِ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ في الوُضُوءِ والتَّوَعُّدِ بِالنّارِ لِمَن تَرَكَ ذَلِكَ، كَقَوْلِهِ ﷺ: «وَيْلٌ لِلْأعْقابِ مِنَ النّارِ» .

اعْلَمْ أوَّلًا، أنَّ القِراءَتَيْنِ إذا ظَهَرَ تَعارُضُهُما في آيَةٍ واحِدَةٍ لَهُما حُكْمُ الآيَتَيْنِ، كَما هو مَعْرُوفٌ عِنْدَ العُلَماءِ، وإذا عَلِمْتَ ذَلِكَ فاعْلَمْ أنَّ قِراءَةَ: وأرْجُلَكم، بِالنَّصْبِ صَرِيحٌ في وُجُوبِ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ في الوُضُوءِ، فَهي تُفْهِمُ أنَّ قِراءَةَ الخَفْضِ إنَّما هي لِمُجاوَرَةِ المَخْفُوضِ مَعَ أنَّها في الأصْلِ مَنصُوبَةٌ بِدَلِيلِ قِراءَةِ النَّصْبِ، والعَرَبُ تَخْفِضُ الكَلِمَةَ لِمُجاوَرَتِها لِلْمَخْفُوضِ، مَعَ أنَّ إعْرابَها النَّصْبُ، أوِ الرَّفْعُ.

وَما ذَكَرَهُ بَعْضُهم مِن أنَّ الخَفْضَ بِالمُجاوَرَةِ مَعْدُودٌ مِنَ اللَّحْنِ الَّذِي يُتَحَمَّلُ لِضَرُورَةِ الشِّعْرِ خاصَّةً، وأنَّهُ غَيْرُ مَسْمُوعٍ في العَطْفِ، وأنَّهُ لَمْ يَجُزْ إلّا عِنْدَ أمْنِ اللَّبْسِ، فَهو مَرْدُودٌ بِأنَّ أئِمَّةَ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ صَرَّحُوا بِجَوازِهِ.

وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِهِ الأخْفَشُ، وأبُو البَقاءِ، وغَيْرُ واحِدٍ.

وَلَمْ يُنْكِرْهُ إلّا الزَّجّاجُ، وإنْكارُهُ لَهُ، مَعَ ثُبُوتِهِ في كَلامِ العَرَبِ، وفي القُرْآنِ العَظِيمِ، يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَمْ يَتَتَبَّعِ المَسْألَةَ تَتَبُّعًا كافِيًا.

والتَّحْقِيقُ: أنَّ الخَفْضَ بِالمُجاوَرَةِ أُسْلُوبٌ مِن أسالِيبِ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ، وأنَّهُ جاءَ في القُرْآنِ لِأنَّهُ بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ.

فَمِنهُ في النَّعْتِ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: [ الطَّوِيلُ ]

؎كَأنَّ ثَبِيرًا في عِرانِينِ ودْقِهِ كَبِيرُ أُناسٍ في بِجادٍ مُزَمَّلِ

بِخَفْضٍ ”مُزَمَّلِ“ بِالمُجاوَرَةِ، مَعَ أنَّهُ نَعْتُ ”كَبِيرُ“ المَرْفُوعِ بِأنَّهُ خَبَرُ ”كَأنَّ“ وقَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ: [ البَسِيطُ ]

؎تُرِيكَ سُنَّةَ وجْهٍ غَيْرِ مُقْرِفَةٍ ∗∗∗ مَلْساءَ لَيْسَ بِها خالٌ ولا نَدَبُ

إذِ الرِّوايَةُ بِخَفْضِ ”غَيْرِ“، كَما قالَهُ غَيْرُ واحِدٍ لِلْمُجاوَرَةِ، مَعَ أنَّهُ نَعْتُ ”سُنَّةَ“ المَنصُوبِ بِالمَفْعُولِيَّةِ.

وَمِنهُ في العَطْفِ، قَوْلُ النّابِغَةِ: [ البَسِيطُ ]

؎لَمْ يَبْقَ إلّا أسِيرٌ غَيْرُ مُنْفَلِتٍ ∗∗∗ ومُوثَقٍ في حِبالِ القَدِّ …

7

وَٱذْكُرُوا۟ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَٰقَهُ ٱلَّذِى وَاثَقَكُم بِهِۦٓ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ۖ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ

And remember the favor of Allah upon you and His covenant with which He bound you when you said, "We hear and we obey"; and fear Allah. Indeed, Allah is Knowing of that within the breasts.

Explained together with ayah 6

8

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ كُونُوا۟ قَوَّٰمِينَ لِلَّهِ شُهَدَآءَ بِٱلْقِسْطِ ۖ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَـَٔانُ قَوْمٍ عَلَىٰٓ أَلَّا تَعْدِلُوا۟ ۚ ٱعْدِلُوا۟ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ۖ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرٌۢ بِمَا تَعْمَلُونَ

O you who have believed, be persistently standing firm for Allah, witnesses in justice, and do not let the hatred of a people prevent you from being just. Be just; that is nearer to righteousness. And fear Allah; indeed, Allah is Acquainted with what you do.

Explained together with ayah 6

9

وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ ۙ لَهُم مَّغْفِرَةٌۭ وَأَجْرٌ عَظِيمٌۭ

Allah has promised those who believe and do righteous deeds [that] for them there is forgiveness and great reward.

Explained together with ayah 6

10

وَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَكَذَّبُوا۟ بِـَٔايَٰتِنَآ أُو۟لَٰٓئِكَ أَصْحَٰبُ ٱلْجَحِيمِ

But those who disbelieve and deny Our signs - those are the companions of Hellfire.

Explained together with ayah 6

Al-Maaida 5:10Listen in Qur'an →

Commentary: Adwa' al-Bayan by Muhammad al-Amin al-Shinqiti. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.