وَيَقُولُونَ طَاعَةٌۭ فَإِذَا بَرَزُوا۟ مِنْ عِندِكَ بَيَّتَ طَآئِفَةٌۭ مِّنْهُمْ غَيْرَ ٱلَّذِى تَقُولُ ۖ وَٱللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ ۖ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ ۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلًا
And they say, "[We pledge] obedience." But when they leave you, a group of them spend the night determining to do other than what you say. But Allah records what they plan by night. So leave them alone and rely upon Allah. And sufficient is Allah as Disposer of affairs.
ثم قال الله عز وجل: ﴿وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾.
يقولون: هؤلاء من المنافقين أو خليط من المنافقين والمؤمنين ﴿يَقُولُونَ طَاعَةٌ﴾ يعني: إذا أمرتهم قالوا: طاعة، لا نخالفه، ولكنهم إذا خرجوا من عند الرسول عليه الصلاة والسلام بيَّت طائفة ﴿فَإِذَا بَرَزُوا﴾ والبروز معناه: الظهور، يعني: إذا فارقوا المجلس وظهر فراقهم إياه وصاروا بدلًا من أن يكونوا في الحجرة صاروا في السوق. والمقصود من هذا بيان أنهم إذا فارقوا المكان مفارقة تامة ﴿بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ﴾.
﴿بَيَّتَ﴾ يعني: عمل ليلًا، وإنما كان عملهم ليلًا؛ لأن الليل محل الخفاء ومحل السر، فتجدهم يقولون عند النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: طاعة، لكن إذا ذهبوا إلى بيوتهم بَيَّتوا غير الذي يقولون.
﴿بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ﴾ وليس كلهم، طائفة منهم، ﴿غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ﴾ و(غير) هنا بمعنى المخالفة، فإذا قال: افعلوا كذا، قالوا: طاعة، فإذا رجعوا إلى بيوتهم قالوا: لا طاعة، يعني يبيتون المخالفة فيما يقول الرسول عليه الصلاة والسلام.
قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ﴾ والجملة هذه خبرية تفيد أمرين؛ أولًا: تهديد هؤلاء الذين يبيتون غير ما يقول الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، والثاني: تسلية الرسول ﷺ، وأن أمرهم لا يخفى على الله، فقد يعاجلهم بالعقوبة وقد يؤخر، يقول جل وعلا: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ أعرض عنهم؛ يعني: لا تهتم بهم، ولا تشغل بالك بهم.
﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ اعتمد عليه، واعلم أنهم وإن بيتوا ما يبيتون فلن يضروك، حتى لو بيتوا أن يبطشوا بالرسول عليه الصلاة والسلام، أو أن يردوا دعوته بالدعايات الباطلة أو ما أشبه ذلك، فتوكل على الله.
والتوكل على الله قال العلماء: هو صدق الاعتماد على الله عز وجل مع الثقة به وفعل السبب الذي أمر به، فهي مكونة من ثلاثة معانٍ؛ أولًا: صدق الاعتماد على الله، والثاني: الثقة بالله عز وجل؛ لأن التوكل لا ينفع إذا لم يكن واثقًا بوعد الله، وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق ٣].
الثالث: فعل الأسباب التي أمر بها، فمن لم يفعل الأسباب فهو ليس متكلًا ولكنه متواكل، لا بد من فعل الأسباب، هذا هو التوكل على الله، صِدْقُ الاعتماد على الله، مع الثقة به، وفعل الأسباب التي أمر بها.
وقولنا: (التي أمر بها) احترازًا من فعل الأسباب التي لا حقيقة لها ولا أصل لها كما يفعله المشعوذون وأصحاب التمائم غير المباحة، وما أشبه ذلك.
يقول: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ سبق إعراب مثل هذه الجملة عند قوله تعالى: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾؛ وقلنا: إن (الباء) حرف جر زائد، وأن لفظ الجلالة محله الرفع على أنه فاعل، و﴿وَكِيلًا﴾ إما تمييز وإما حال.
* في هذه الآية الكريمة: يبين الله عز وجل للرسول عليه الصلاة والسلام أن من الناس من يؤمن ظاهرًا ويكفر باطنًا؛ لقوله: ﴿وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ﴾.
* ومن فوائد هذه الآية: التحذير من النفاق، وأن الإنسان يجب أن يكون صريحًا بيِّنًا لا يظهر للناس بوجه، وإذا اختفى عنهم أعطاهم وجهًا آخر؛ ولهذا لا تجدون أحسن من الشخص الصادق الذي لا يُبالي ولا يماري ولا تأخذه في الله لومة لائم، وهذا هو الواجب على كل مسلم أن يكون ظاهره وباطنه سواء.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: بطلان التقية التي يتخذها الرافضة دينًا، من أين تؤخذ؟ من تهديد الله عز وجل هؤلاء الذين يتظاهرون بالطاعة ويبيتون خلاف الطاعة، وذلك في قوله: ﴿وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا …