Muslim99Muslim99
← Tafsir library

4. An-Nisaa

The Women · Medinan · 176 ayahs

سُورَةُ النِّسَاءِ

Reading Tafsir Ibn 'Uthaymin by Muhammad ibn Salih al-'Uthaymin

Ayahs 21–30 of 176

21

وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُۥ وَقَدْ أَفْضَىٰ بَعْضُكُمْ إِلَىٰ بَعْضٍۢ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَٰقًا غَلِيظًۭا

And how could you take it while you have gone in unto each other and they have taken from you a solemn covenant?

ثم قال الله عز وجل: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾، ﴿إِِنْ أَرَدْتُمُ﴾ يعني: اخترتم، الإرادة هنا بمعنى المشيئة والاختيار، وقوله: ﴿اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ﴾ يعني أخذ زوج مكان زوج، يعني: أردتم أن تطلقوا الزوجة الأولى وتأخذوا بدلًا عنها زوجة جديدة.

﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا﴾، ﴿إِحْدَاهُنَّ﴾ الأولى أو الثانية؟ إحداهن، الآية مبهمة، الآية مبهمة، لكن ما دام الأمر فيه بدل فإن المبدل منه هو الأولى، يعني: وآتيتم إحداهن وهي الأولى، على أنه يصح أن يكون للثانية بأن يتزوج ثانية ولكن لا يرغب فيها ويريد أن يطلقها، فتكون الآية عامة لهذا ولهذا.

وقوله: ﴿آتَيْتُمْ﴾ بمد الهمزة..

﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾ [النساء ٢٠].

﴿إِنْ أَرَدْتُمُ﴾ يعني: اخترتم، فالإرادة هنا بمعنى المشيئة والاختيار.

وقوله: ﴿اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ﴾ يعني أخذ زوج مكان زوج؛ يعني أردتم أن تطلِّقوا الزوجة الأولى وتأخذوا بدلًا عنها زوجة جديدة.

﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا﴾ ﴿إِحْدَاهُنَّ﴾ الأولى أو الثانية؟ ﴿إِحْدَاهُنَّ﴾ الآية مبهمة، لكن ما دام الأمر فيه بدل فإن المبدل منه هو الأولى؛ يعني ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ﴾ وهي الأولى، على أنه يصح أن يكون للثانية بأن يتزوج ثانيةً ولكن لا يرغب فيها ويريد أن يطلقها، فتكون الآية عامة لهذا ولهذا.

وقوله: ﴿آتَيْتُمْ﴾ بمد الهمزة بمعنى أعطيتم، أما قصر الهمزة (أتيتم) فهو بمعنى جئتم. ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا﴾ ﴿آتَيْتُمْ﴾ بمعنى أعطيتم تنصب مفعولين ليس أصلهما المبتدأ والخبر، وفي هذه الآية المفعول الأول: ﴿إِحْدَاهُنَّ﴾، والثاني: ﴿قِنْطَارًا﴾.

فإذا قال قائل: ما هي العلامة على أنها نصبت ما ليس بمبتدأ ولا خبر؟

قلنا: العلامة أنه إن صح الإخبار بالثاني عن الأول فأصلهما المبتدأ والخبر، وإن لم يصح فليس أصلهما المبتدأ والخبر؛ فهنا لو قال: هن قنطار، يصح؟

* الطلبة: لا يصح.

* الشيخ: لا يصح.

﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾ الفاء هذه رابطة للجواب، وإنما رُبِط الجواب بالفاء لأنه طلب؛ ﴿فَلَا تَأْخُذُوا﴾، و(لا) ناهية، والدليل على أنها نهيٌ جزمُ الفعل، وإذا وقع الجواب جملة طلبية وجب اقترانه بالفاء، ونُظِم في ذلك بيتٌ من الشعر ينشده لنا..

* طالب:

اسْمِـــــيَّـــــــةٌ طَـــلَــبِــــيَّــــــةٌوَبِجَــــــامِـــــدٍ ∗∗∗ وَبِمَــا وَقَــدْ وَبِلَـــنْ وَبِالتَّنْفِيــــسِ

* الشيخ: تمام. هنا ﴿فَلَا تَأْخُذُوا﴾ من باب أيش؟

* طالب: طلبية.

* الشيخ: طلبية.

﴿فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ﴾ أي: مما آتيتموهن.

﴿شَيْئًا﴾ (شيئًا) نكرة في سياق النهي تعم القليل والكثير؛ ﴿لَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾، لماذا؟ لأن لها المهر بما استحلَّ من فرجها كما سيأتي في الآية التي بعدها: ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ [النساء ٢١]، وقد ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أن استحلال الفرج موجِبٌ للمهر كاملًاانظر سنن أبي داود (٢١٣١). كما سيأتي في الفوائد.

﴿فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ الاستفهام هنا للتوبيخ، فالله تعالى يوبِّخ هؤلاء الذين يحاولون أن يأخذوا منه شيئًا وينكر عليهم.

وقوله: ﴿بُهْتَانًا﴾ أي: كذبًا؛ لأنكم لم تستحقوه.

وقوله: ﴿إِثْمًا مُبِينًا﴾ أي: عقوبةً أو معصيةً بيِّنةً واضحةً، فالمبين هنا بمعنى بيِّن، وإن كانت من الرباعي؛ لأن (أَبَانَ) الرباعي يجوز أن يكون لازمًا ومتعديًا؛ فإذا قلت؟

* طالب: أَبَانَ يُبِينُ.

* الشيخ: نريد …

22

وَلَا تَنكِحُوا۟ مَا نَكَحَ ءَابَآؤُكُم مِّنَ ٱلنِّسَآءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ ۚ إِنَّهُۥ كَانَ فَٰحِشَةًۭ وَمَقْتًۭا وَسَآءَ سَبِيلًا

And do not marry those [women] whom your fathers married, except what has already occurred. Indeed, it was an immorality and hateful [to Allah] and was evil as a way.

ثم قال تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء ٢٢].

* طالب: قلنا: إنه يحرم على (...) الوالد يا شيخ؟

* الشيخ: لا، الوالد من باب أولى.

* الطالب: ما بأي حق (...).

* الشيخ: أبدًا، ليس له أي حق.

* الطالب: (...).

* الشيخ: يحرم، مال الزوجة.

* طالب: أحسن الله إليك، ما رأيكم فيما نقول: بعض الناس إذا دفع أول المهر عشرة ألاف ريال، ثم إذا رأى أنه إذا توفق مع المرأة أعطاها الباقي أربعين ألف ولَّا ثلاثين ألف؟

* الشيخ: يعني المهر يقدر بأربعين ألف مثلًا والمقدم منه عشرة؟

* الطالب: (...) ما (...) البنت إلا بالعشرة (...).

* الشيخ: طيب ورضوا بعشرة؟

* الطالب: إي.

* الشيخ: (...) هذا.

* الطالب: (...).

* الشيخ: لكن لو (...) أقول: هذا المهر عشرة آلاف ريال، ما قبلوا.

* الطالب: (...).

* الشيخ: إذا قالوا: ما نزوجك إلا بأربعين، إن وجدت ولا ندور على غيرك.

* طالب: (...) الخلوة (...) أنه إذا كتب العقد، قوله تعالى: ﴿وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ (...)؟

* الشيخ: لا، لا، لا أبدًا، ما يثبت إلا بالدخول أو الخلوة.

* الطالب: والآية.

* الشيخ: الآية تقول: ﴿وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ فهي مكونة من شيئين: (أفضى) و (أخذن)، الإفضاء كما قلت لك تدل على أن الأمر سري.

* الطالب: (...) الخلوة يا شيخ.

* الشيخ: ما فيه شك الخلوة إفضاء.

* طالب: (...).

* الشيخ: مر علينا، لا (...)، قلنا: إن الإنسان حر؛ له أن يقول: لا أخلعها إلا بألف وهو معطيها خمس مئة، ما فيه مانع.

* طالب: (...).

* الشيخ: أحسنت تمام؛ هذا لا يعارض ما قلنا؛ أقول: لا يعارض ما قلنا، لأن شرط الأب شيئًا من المهر ليس هو أن يأخذ من بنته إذا ملكت المهر، إذا ملكت المهر ودخل في ملكها يأخذ منه، أما أن يشترطه ويجعل نفسه شريكًا لبنته في المهر فهذا لا يجوز.

* طالب: لو الزوجة الثانية شرطت طلاق الزوجة الأولى هل له أن يطلقها؟

* الشيخ: هي تعلم أن هذا حرام ولَّا ما تعلم؟

* الطالب: الثانية؟

* الشيخ: إي نعم.

* الطالب: (...).

* الشيخ: لأنها إذا علمت أن هذا حرام فهي آثمة، وليس لها حق الخيار فيما إذا لم يطلقها الزوج؛ أعرفت؟ أجبني؟ أقول: إذا كانت تعلم أن سؤالها طلاق زوجته حرام فإنها لا حق لها في هذا الشرط وهي آثمة أيضا، وإن كانت لا تعلم فليست بآثمة، ولا يلزمه الوفاء بذلك وإذا لم يفِ فلها الخيار، إذا كانت جاهلة لها الخيار؛ لأنه فات شرطها، وهكذا جميع الشروط المحرمة إذا صدرت من جاهل فله الخيار إذا فات غرضه، وهي يفوتها غرضها إذا بقيت الزوجة الأولى معها.

* الطالب: (...)؟

* الشيخ: لا يا ابن الحلال.

* الطالب: أقول: لو عرفت فيما بعد.

* الشيخ: فيما بعد، إذا كانت جاهلة حين الشرط فلها الخيار.

* طالب: (...).

يقال: هذا خلاف السُّنَّة، خلاف الأفضل.

* الطالب: ويش (...) المفسدة؟

* الشيخ: هذه المفاسد غير مقصودة بالحقيقة، ربما يصلح الله بينهما ويقول: هذه تسوى المهر الذي أنا أعطيتها ألف مرة، في بعض الأحيان تكون المرأة موفقة، (...) يقول: هذه لو بغت منى الدنيا كلها أعطيتها إياها.

* طالب: الثانية اشترطت طلاق الأولى وكانت عالمة، نقول: إنها آثمة وليس لها الخيار، تقول: أنا لا أريدك زوجًا إذا لم تفِ به؟

* الشيخ: وهي تعلم أنه حرام؟

* الطالب: نعم.

* الشيخ: إذا قالت لا أريدك زوجًا يأخذ بخمارها في رقبتها ويدخلها بيته مع الضرب، كيف هذا؟ أنت تعلمين أن هذا شرط محرم وليس بجائز، كيف ذلك؟

* الطالب: يعني يلزمها عقد الزواج.

* الشيخ: أبدًا ما لها فسخ، تلزم بالمجيء إليه.

* * *

قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [النساء ٢٢] صلة هذه الآية بما قبلها واضحة؛ لأنه قال: ﴿يَا أَيُّهَا …

23

حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَٰتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَٰتُكُمْ وَعَمَّٰتُكُمْ وَخَٰلَٰتُكُمْ وَبَنَاتُ ٱلْأَخِ وَبَنَاتُ ٱلْأُخْتِ وَأُمَّهَٰتُكُمُ ٱلَّٰتِىٓ أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَٰتُكُم مِّنَ ٱلرَّضَٰعَةِ وَأُمَّهَٰتُ نِسَآئِكُمْ وَرَبَٰٓئِبُكُمُ ٱلَّٰتِى فِى حُجُورِكُم مِّن نِّسَآئِكُمُ ٱلَّٰتِى دَخَلْتُم بِهِنَّ فَإِن لَّمْ تَكُونُوا۟ دَخَلْتُم بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَٰٓئِلُ أَبْنَآئِكُمُ ٱلَّذِينَ مِنْ أَصْلَٰبِكُمْ وَأَن تَجْمَعُوا۟ بَيْنَ ٱلْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُورًۭا رَّحِيمًۭا

Prohibited to you [for marriage] are your mothers, your daughters, your sisters, your father's sisters, your mother's sisters, your brother's daughters, your sister's daughters, your [milk] mothers who nursed you, your sisters through nursing, your wives' mothers, and your step-daughters under your guardianship [born] of your wives unto whom you have gone in. But if you have not gone in unto them, there is no sin upon you. And [also prohibited are] the wives of your sons who are from your [own] loins, and that you take [in marriage] two sisters simultaneously, except for what has already occurred. Indeed, Allah is ever Forgiving and Merciful.

ثم قال الله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ ﴿حُرِّمَتْ﴾ مَن المحرِّم؟ الله عز وجل، وحذف الفاعل للعلم به، وأصل الحرام في اللغة: المنع، ومنه حريم البئر؛ وهو ما حولها مما يكون حماية لها ويمنع غير مالكها من تملكه، فأصل الحرام في اللغة: المنع؛ أي: مُنعتم من أمهاتكم.

﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ و(أمهات) جمع أُمٍّ أو أُمَّهة، ويقال في جمع أُمٍّ في العاقل: أمهات، وفي غير العاقل: أُمَّات؛ بحذف الهاء؛ فيقال: هذه الشياه أُمَّات هذه الأطفال أطفال الشياه.

وقوله: ﴿أُمَّهَاتُكُمْ﴾ يشمل الأُم الدنيا، والأُم العُليا؛ كالجدة، وأم الجدة، وأم الأب، وأم الأم، وأم الجد، وأم الجدة، المهم أن نقول فيها كما قلنا في قوله: ﴿آبَاؤُكُمْ﴾؛ يعني أنها تشمل القريب والبعيد من الأمهات من جهة الأب ومن جهة الأم.

﴿وَبَنَاتُكُمْ﴾ البنات جمع بنت، ويشمل البنت، وبنت الابن، وبنت البنت وإن نزلن، ويشمل أيضًا البنت من الزنى على قول جمهور أهل العلم وإن كانت لا تُنسب إليه شرعًا لكنها خُلقت من مائه، فهي على القول الراجح داخلة كما سنبينها إن شاء الله في الفوائد .

﴿وَأَخَوَاتُكُمْ﴾ مَن الأخوات؟ الأخوات جمع أخت، وهن فروع الأب الأدنى.

﴿وَعَمَّاتُكُمْ﴾ جمع عمة، وهن فروع الأب الأعلى؛ يعني: فروع الجد، فروع أب الجد، وفروع جد الجد، وهلُمَّ جرًّا، وليعلم أن عمة الرجل عمة له ولذريته من بنين وبنات، انتبه لهذا، عمة أبيك عمة لك ولأولادك وبناتك وأولاد أبنائك وأولاد بناتك.

﴿وَخَالَاتُكُمْ﴾ مَن الخالة؟ الخالات فروع أب الأم وإن علا، والعمات فروع أب الأب، والخالات فروع أب الأم؛ يعني: أخوات أمك.

﴿وَبَنَاتُ الْأَخِ﴾ وإن نزلن، ويشمل الأخ الشقيق والأخ لأب والأخ لأم. ما نسبتك إلى بنات الأخ؟ عمٌّ؛ وبنات الأخت؟ تكون خالا لهن، فبنات الأخوات حرام على الإنسان وإن نزلن.

انتهى المحرمات من النسب وهن سبع كما يظهر ذلك: أمهاتكم، وبناتكم، وأخواتكم، وعماتكم، وخالاتكم، وبنات الأخ، وبنات الأخت؛ هذه سبع محرمات بالنسب.

ويقال في حصرهن على طريق الفقهاء: الأصول، والفروع، وفروع الأصل الأدنى وإن نزلن، وفروع الأصل الأعلى دون فروعهم، واضح؟ الأصول مثل الأمهات والجدات، الفروع كالبنات وإن نزلن، فروع الأصل الأدنى وإن نزلن هؤلاء الأخوات وإن نزلن: بنات الأخوات، فروع الأصل الأعلى لصلبهم خاصة: العمات والخالات، لكن لصلبهم خاصة يعني دون من نزل؛ فبنت العمة مثلًا حلال، بنت الخالة حلال، هذا على طريق الفقهاء.

أما على طريق العد الذي هو أفصح شيء وهو كلام الله عز وجل فلا يحتاج إلى كبير تأمل، لا يحتاج إلى كبير تأمل، ولذلك لو تقول للعامي: يحرم عليك نكاح الأم والبنت والأخت والعمة والخالة وبنت الأخ وبنت الأخت؛ ذهب مطمئنًّا متضحًا له الأمر، لكن لو تقول: يحرم عليك الأصول والفروع؛ يقول ويش الأصول والفروع؟ وفروع الأصل الأدنى وإن نزلن، وفروع الأصل الأعلى لصلبهم خاصة دون من نزل؛ قال هذا شيء معقد، ذهب يطلب ترجمة لهذا الشيء، ولذلك -سبحان الله العظيم- القرآن أبلغ شيء مهما كان، مهما تكلم أحد في بلاغته فإن القرآن أبلغ منه وأوضح وأبين.

ثم قال عز وجل: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ هذا صنف آخر؛ لأن المحرمات أصناف: بالنسب، بالرضاع، بالمصاهرة، فيقول هنا: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ والرضاع معروف؛ وهو امتصاص الثدي أو امتصاص الرضيع للثدي، أو إسقاؤه إياه بعد انفصاله عن الثدي كما لو جُعِل في فنجال أو في ثدي صناعي أو ما أشبه ذلك.

وقوله: ﴿اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ كلمة (أرضع) فعل، والفعل في الأصل للإطلاق، والإطلاق يصدق بمرة واحدة؛ فإذا قلت مثلًا: ضربت، كم؟ يصدق بمرة واحدة، إذن ﴿أَرْضَعْنَكُمْ﴾ يصدق بمرة واحدة؛ أي: برضعة واحدة، ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾، فالآية تدل على أن مطلق الرضاع يثبت به …

24

۞ وَٱلْمُحْصَنَٰتُ مِنَ ٱلنِّسَآءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَٰنُكُمْ ۖ كِتَٰبَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ ۚ وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَآءَ ذَٰلِكُمْ أَن تَبْتَغُوا۟ بِأَمْوَٰلِكُم مُّحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَٰفِحِينَ ۚ فَمَا ٱسْتَمْتَعْتُم بِهِۦ مِنْهُنَّ فَـَٔاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةًۭ ۚ وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَٰضَيْتُم بِهِۦ مِنۢ بَعْدِ ٱلْفَرِيضَةِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًۭا

And [also prohibited to you are all] married women except those your right hands possess. [This is] the decree of Allah upon you. And lawful to you are [all others] beyond these, [provided] that you seek them [in marriage] with [gifts from] your property, desiring chastity, not unlawful sexual intercourse. So for whatever you enjoy [of marriage] from them, give them their due compensation as an obligation. And there is no blame upon you for what you mutually agree to beyond the obligation. Indeed, Allah is ever Knowing and Wise.

طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء 24].

* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ الواو حرف عطف، فأين المعطوف عليه؟

* طالب: المعطوف عليه ﴿النِّسَاءِ﴾.

* الشيخ: أي من النساء؟

* الطالب: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾.

* الشيخ: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾.

* طالب: (...).

* الشيخ: كيف معطوف عليه؟ معطوف على إيه؟

* طالب: قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء ٢٣] معطوف على المحرمات.

* الشيخ: على (أمهات) معطوفة يعني: وحرمت المحصنات من النساء.

طيب ما المراد بالمحصنات هنا في الآية؟

* طالب: الإماء المتزوجات.

* الشيخ: الإماء المتزوجات؟

* طالب: النساء المتزوجات المسبيات.

* الشيخ: النساء المتزوجات المسبيات، المسبيات من المتزوجات. ما هو الواجب إذا سبيت المرأة وملكها من يملكها من الجند؟

* طالب: أن تُستبرأ بحيضة.

* الشيخ: أن تستبرأ بحيضة يعني لا يطؤها حتى يستبرئها بحيضة، بمعنى حتى تحيض، إلا إذا كانت حاملًا فحتى تضع. أحسنت.

رجل جمع بين أختين من الرضاعة؟

* طالب: لا يجوز.

* الشيخ: لا يجوز، الدليل؟

* الطالب: الدليل قول الله عز وجل: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾.

* الشيخ: بين الأختين، لو ادعى مدعٍ أن المراد بين الأختين من النسب؟

* طالب: وكذلك حديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ»متفق عليه؛ البخاري (٢٦٤٥) ومسلم (١٤٤٧ / ١٢) من حديث ابن عباس. .

* الشيخ: نعم ، فإذا حرم الجمع بين الأختين من النسب حرم الجمع بين الأختين من الرضاع.

قوله تعالى: ﴿كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ منصوبة، ما الذي نصبها؟ المعنى؟

* طالب: الزموا كتاب الله عليكم.

* الشيخ: الزموا كتاب الله عليكم، كتاب بمعنى، المعنى معنى الآية؟

* طالب: الزموا ما ألزمه الله عليكم.

* الشيخ: ما كتبه الله عليكم، والكتاب هنا بمعنى المكتوب أي؟

* طالب: الملزوم.

* الشيخ: أي الملزوم؟

* طالب: أي المفروض.

* الشيخ: أي المفروض. ما شاهدك على أن الكتابة تأتي بمعنى الفرض؟

* طالب: قول الله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرّ﴾ [البقرة ١٧٨].

* الشيخ: لا ، هو فرض؟

* طالب: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة ١٨٣] أي فرض.

* الشيخ: أي فرض ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء ١٠٣].

ثم قال الله عز وجل وهو بدء درس الليلة : ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾: ﴿أُحِلَّ﴾ فيها قراءتان سبعيتان صحيحتان، الأولى: ﴿أَحَلَّ﴾ ، والثانية: ﴿أُحِلَّ﴾، ولكل واحدة وجه، أما القراءة بالبناء للمفعول فلأجل المناسبة بينها وبين قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء ٢٣]، وأما بالفتح ﴿وَأَحَلَّ لَكُمْ﴾ فلمناسبة قوله: ﴿كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ فلكل من القراءتين وجه.

﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ﴾، (أحل) بمعنى أباح، ولم يلحقكم حرج، ﴿مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ أي ما وراء هذه المذكورات، فالإشارة لما سبق.

وقوله: ﴿ذَلِكُمْ﴾ هذه هي اللغة الفصحى؛ إذا جاء اسم الإشارة مقرونًا بكاف الخطاب أن يراعى فيه المخاطَب، فإن كان مفردًا مذكرًا …

25

وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلًا أَن يَنكِحَ ٱلْمُحْصَنَٰتِ ٱلْمُؤْمِنَٰتِ فَمِن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَٰنُكُم مِّن فَتَيَٰتِكُمُ ٱلْمُؤْمِنَٰتِ ۚ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَٰنِكُم ۚ بَعْضُكُم مِّنۢ بَعْضٍۢ ۚ فَٱنكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَءَاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ مُحْصَنَٰتٍ غَيْرَ مُسَٰفِحَٰتٍۢ وَلَا مُتَّخِذَٰتِ أَخْدَانٍۢ ۚ فَإِذَآ أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَٰحِشَةٍۢ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى ٱلْمُحْصَنَٰتِ مِنَ ٱلْعَذَابِ ۚ ذَٰلِكَ لِمَنْ خَشِىَ ٱلْعَنَتَ مِنكُمْ ۚ وَأَن تَصْبِرُوا۟ خَيْرٌۭ لَّكُمْ ۗ وَٱللَّهُ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ

And whoever among you cannot [find] the means to marry free, believing women, then [he may marry] from those whom your right hands possess of believing slave girls. And Allah is most knowing about your faith. You [believers] are of one another. So marry them with the permission of their people and give them their due compensation according to what is acceptable. [They should be] chaste, neither [of] those who commit unlawful intercourse randomly nor those who take [secret] lovers. But once they are sheltered in marriage, if they should commit adultery, then for them is half the punishment for free [unmarried] women. This [allowance] is for him among you who fears sin, but to be patient is better for you. And Allah is Forgiving and Merciful.

قوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ﴾، ﴿مَنْ﴾ هذه اسم شرط جازم، و﴿فَمِنْ مَا مَلَكَتْ﴾ جواب الشرط، وهنا نسأل: اجتمع في هذه الجملة موجبان للجزم: أحدهما (من) والثاني (لم)، فهل الفعل مجزوم بـ(من) أو مجزوم بـ(لم)؟

نقول: بـ(لم)؛ لأنها المباشر، وعلى هذا فنقول: ﴿يَسْتَطِعْ﴾ فعل مضارع مجزوم بـ(لم)، وهو فعل الشرط.

وقوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا﴾ الطول هو الغنى، يعني: من لم يستطع منكم غنى يكفي لمهر المحصنات ﴿أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ أي الحرائر ﴿الْمُؤْمِنَاتِ﴾ ضد الكافرات ﴿فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ يعني: فانكحوا مما ملكت أيمانكم، أي من التي ملكت أيمانكم، وهن الإماء، فيتزوج الإنسان أمة غيره لا أمة نفسه، لو تزوج أمة نفسه لم يصح النكاح؛ لأن ملك البضع بالملك أقوى من ملكه بالنكاح، ولا يمكن أن يرد الأضعف على الأقوى.

إذن ﴿فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ يعني: ملكت أيمان غيركم، كرجل يريد أن يتزوج أمة زيد، هذا ما يريد الله في هذه الآية ﴿فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾، (من) هذه بيان لـ (ما) في قوله: ﴿مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾، والفتيات: جمع فتاة، وهي الأمة، فالفتاة تطلق على الشابة إذا أضيفت لحرة، وعلى المملوكة إذا أضيفت لرقيقة.

يقول: ﴿فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ المؤمنات ضد الكافرات، ولو كتابيات، فلا بد أن تكون الأمة مؤمنة، فالكافرة في هذا المقام ولو يهودية أو نصرانية لا يصح.

قال: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ﴾ الله أعلم بإيمانكم يعني: وليس لكم إلا الظاهر، أما الباطن فعلمه إلى الله، فإذا قال الإنسان: هذه أمة لا ندري هل هي مسلمة حقًّا أو مسلمة خوفًا، نقول: الله أعلم بإيمانها، أنت ليس لك إلا الظاهر.

﴿بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ أتى بهذه الجملة المؤكدة للتساوي في البشرية؛ لأن عند العرب أنفة عظيمة أن يتزوج الحر أَمة، فخفف الله ذلك عنهم وقال: ﴿بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾، أنت لست تنكح إلا إنسانة، فأنت معها بعضكم من بعض.

﴿فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ﴾: ﴿فَانْكِحُوهُنَّ﴾ همزة وصل ولَّا قطع؟ وصل؛ لأنها من الثلاثي، من (نكح).

﴿فَانْكِحُوهُنَّ﴾ أي الفتيات المؤمنات، ﴿بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ﴾ أي: أسيادهن، وهنا قال: ﴿بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ﴾ ولم يقل: بإذن أوليائهن؛ لأنه لا ولاية لأحد في المملوكة إلا لسيدها؛ لأن سيدها مالك لها عينًا ونفعًا، فهو الذي يزوِّجها، حتى لو كان لها أب فإنه لا يزوجها مع وجود السيد.

﴿وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ أعطوهن، (آتوا) بمعنى: أعطوا، بخلاف (أتوا) فإنها بمعنى: جاءوا، قال الله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ﴾ [النمل ١٨]، أتوا أي: جاءوا.

﴿أُجُورَهُنَّ﴾ أي مهورهن ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾ أي بما يتعارفه الناس وبما أقره الشرع، بدون مماطلة وبدون مِنة، لا تقولوا: هذه أمة فتماطل بمهرها أو تمن به عليها.

* طالب: سب الرسول ﷺ، الذي يقوم بسب الرسول ﷺ يقتل إجماعا؟ أقول: في المسألة فيه إجماع؟

* الشيخ: ما أدري هل فيه إجماع ولَّا لا، لكن الأدلة تدل على هذا، وقد صنف شيخ الإسلام رحمه الله كتابا حافلا في الموضوع سماه الصارم المسلول في تحتم قتل ساب الرسول.

* طالب: (...) الفائدة من الآية (...) قتل ساب الرسول؟

* الشيخ: ما هو قلنا: إن هذه فائدة قد تكون بعيدة، لكن ما الذي يقربها؟ يقربها أننا قلنا: حق الآدمي إذا عفا عنه سقط، ولو كان الله قد أوجبه له. من حقوق الآدميين حق الرسول عليه الصلاة والسلام، لو سب أحد رسول الله أمام رسول الله وعفا عنه سقط، بس عاد يجب عليه أن يتوب عن الردة إذا كانت ردة.

طالب: الأمة الكتابية لماذا لا تقاس علي الحرة في الزواج؟

* الشيخ: هذا سيستفاد من الفوائد إن شاء الله.

* طالب: شيخ -حفظكم …

26

يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌۭ

Allah wants to make clear to you [the lawful from the unlawful] and guide you to the [good] practices of those before you and to accept your repentance. And Allah is Knowing and Wise.

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٢٦) وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا (٢٧) يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا (٢٨) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (٢٩) وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ [النساء ٢٦ - ٣٠].

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ ﴿يُرِيدُ﴾ الإرادة هنا إرادة شرعية، فإن إرادة الله سبحانه وتعالى تنقسم إلى قسمين: إرادة كونية وإرادة شرعية، والفرق بينهما: أن الإرادة الشرعية تتعلق فيما يحبه ويرضاه فقط، وقد يقع فيها المراد وقد لا يقع، وأما الإرادة الكونية فتتعلق في كل ما شاء، وقد يكون محبوبًا لله وقد يكون مكروهًا له، ولا بد أن يقع فيها المراد؛ لأنها بمعنى المشيئة، وما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، فإذا كانت الإرادة بمعنى المحبة يعني بمعنى أنه يصح أن يحل محلها (أحب) أو (يحب) فهي إرادة شرعية، وإذا كان يحل محلها (يشاء) أو (شاء) فهي إرادة كونية.

يقول الله عزوجل: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ أي: يحب ذلك، وقد فعل سبحانه وتعالى وبين لنا غاية البيان بلسان عربي مبين، واللام في قوله ﴿لِيُبَيِّنَ﴾ زائدة، زائدة قد تفيد التعليل، وقد لا تفيد التعليل وتكون للتعدية، لكنها لو حذفت فقيل: يريد الله أن يبين لكم كقوله: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ لصح الكلام، لكنها وجدت ويقولون: إن اللام بعد الإرادة زائدة، كل لام جر بعد الإرادة فهي زائدة، (أردت لكذا) أي: أردت كذا.

وقوله: ﴿لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ البيان هنا يشمل البيان اللفظي والبيان المعنوي وكلاهما واقع، قال الله تعالى لرسوله محمد صلى الله عليه وآله وسلم: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة ١٦ - ١٩] بيانه يعني إظهاره، وكان الرسول عليه الصلاة والسلام إذا ألقى عليه جبريل القرآن يتعجل، يسرع، يختطفه منه حُبًّا له وشفقة عليه، يعني حُبًّا للقرآن وشفقة عليه، فقيل له: لا تعجل﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ ﴿عَلَيْنَا﴾ الضمير يعود على الله والمراد جبريل فإنه هو الذي يقرأ على جبريل، ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ﴾ أي: قرأه جبريل ﴿فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ البيان اللفظي والمعنوي.

﴿وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ ﴿يَهْدِيَكُمْ﴾ هداية الدلالة وهداية التوفيق، أما هداية الدلالة فهي ما أنزله من الوحي والشرع، وأما هداية التوفيق فهي أن يوفق من شاء من عباده للزوم هذه الهداية، من أمثلة الهداية التي بمعنى الدلالة قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ [فصلت ١٧] ﴿هَدَيْنَاهُمْ﴾ أى دللناهم على طريق الحق لكنهم استحبوا العمى على الهدى.

وأما الهداية بمعنى التوفيق ففي قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص ٥٦] أي: لا توفقه بسلوك طريق الهداية؛ لأن ذلك إلى الله.

﴿وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ ﴿سُنَنَ﴾ جمع …

27

وَٱللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلشَّهَوَٰتِ أَن تَمِيلُوا۟ مَيْلًا عَظِيمًۭا

Allah wants to accept your repentance, but those who follow [their] passions want you to digress [into] a great deviation.

ثم قال: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ﴾ قد يقول قائل: هذا مع ما قبله تكرار؛ لأنه قال: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ﴾ ﴿وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾، فكيف قال: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾؟ نقول: الفائدة من ذلك شيئان:

* الشيء الأول: التوكيد، وإذا أكد الله عز وجل أنه يريد التوبة علينا فإن ذلك مما يسرنا ويزيدنا نشاطًا في التعرض لتوبة الله عز وجل.

* الفائدة الثانية: التوطئة؛ لقوله: ﴿وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ﴾ يعني تمهيد وتوطئة لما ذكر بعده؛ وهو أن الله له هذه الإرادة وللذين يتبعون الشهوات هذه الإرادة ولهذا كررها. ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا﴾ ﴿يُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ﴾ من هم؟

يشمل الكافر والفاسق؛ لأن الكافر يريد الشهوات بل يتبع الشهوات والفاسق كذلك، قال الله تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (٥٩) إِلَّا مَنْ تَابَ﴾ [مريم ٥٩، ٦٠] فالذين يتبعون الشهوات هم الكفار والفسّاق يريدون أن تميلوا ميلًا عظيمًا ﴿أَنْ تَمِيلُوا﴾ أي: تنحرفوا عما يريد الله سبحانه تعالى بكم من أسباب التوبة؛ وهي فعل الأوامر وترك النواهي، فهم يريدون شيئًا والله يريد شيئًا بخلافه.

ثم قال: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء ٢٨] ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ التخفيف ضد التثقيل، وتخفيفه سبحانه وتعالى تخفيف في الأوامر، وتخفيف في النواهي، أما التخفيف في الأوامر فإن الله سبحانه وتعالى لما ذكر ما يجب علينا من الطهارة: الوضوء، والغسل، والتيمم قال: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ [المائدة ٦]، وكذلك في النواهي، خفّف عنا فقال: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام ١١٩] فليس بحرام، وهذا تخفيف -ولله الحمد- على العباد.

وقوله: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ الإرادة هنا شرعية وليست كونية، لماذا؟ لأن الله يُقدّر على العبد أشياء تثقل عليه، تثقل عليه العبادات بها؛ أي: بسببها، لكن شرعًا لا يريد منا أن نشق على أنفسنا، بل إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لما قال عبد الله بن عمرو بن العاص: «لَأصومن الدهر ما بقيت، ولأقومنّ الليل ما عشت. نهاه الرسول عليه الصلاة والسلام وقال: «إِنَّ لِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلِأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَقًّا وَلِزَوْرِكَ -يَعْنِي ضَيْفَكَ- عَلَيْكَ حَقًّا، وَلِرَبِّكَ عَلَيْكَ حَقًّا، فَأَعْطِ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ»متفق عليه؛ البخاري (١٩٧٥) ومسلم (١١٥٩ / ١٨٢)، دون جملة: «فأعطِ كل ذي حق حقه» أخرجها البخاري (١٩٦٨) من حديث أبي جحيفة.. وقال عليه الصلاة والسلام فيما صح عنه أيضًا: «أنه سبحانه وتعالى لا يكلّفنا من العمل إلا ما نُطيق»متفق عليه؛ البخاري (٤٣)، ومسلم (٧٨٥ / ٢٢١) من حديث عائشة، ولفظ مسلم: «عليكم من العمل ما تطيقون».. فالإرادة إذن إرادة شرعية.

قال: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ الواو هنا يحتمل أن تكون استئنافية لبيان حال الإنسان الموجبة للتخفيف، ويحتمل أن تكون الواو للحال، والجملة على تقدير (قد) أي أيش؟ وقد خلق الإنسان ضعيفًا، وعلى الاحتمالين فالجملة فيها نوع تعليل لقوله: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ كأن قائلًا يقول: لماذا قال؟ لأن الإنسان خُلق ضعيفًا؛ أي: خلقه الله عز وجل ضعيفًا، ضعيفًا في كل أموره؛ ضعيفًا في جسمه، ضعيفًا في إرادته، ضعيفًا في علمه، ضعيف في كل شيء، …

28

يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ ۚ وَخُلِقَ ٱلْإِنسَٰنُ ضَعِيفًۭا

And Allah wants to lighten for you [your difficulties]; and mankind was created weak.

ثم قال: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ﴾ قد يقول قائل: هذا مع ما قبله تكرار؛ لأنه قال: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ﴾ ﴿وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾، فكيف قال: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾؟ نقول: الفائدة من ذلك شيئان:

* الشيء الأول: التوكيد، وإذا أكد الله عز وجل أنه يريد التوبة علينا فإن ذلك مما يسرنا ويزيدنا نشاطًا في التعرض لتوبة الله عز وجل.

* الفائدة الثانية: التوطئة؛ لقوله: ﴿وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ﴾ يعني تمهيد وتوطئة لما ذكر بعده؛ وهو أن الله له هذه الإرادة وللذين يتبعون الشهوات هذه الإرادة ولهذا كررها. ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا﴾ ﴿يُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ﴾ من هم؟

يشمل الكافر والفاسق؛ لأن الكافر يريد الشهوات بل يتبع الشهوات والفاسق كذلك، قال الله تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (٥٩) إِلَّا مَنْ تَابَ﴾ [مريم ٥٩، ٦٠] فالذين يتبعون الشهوات هم الكفار والفسّاق يريدون أن تميلوا ميلًا عظيمًا ﴿أَنْ تَمِيلُوا﴾ أي: تنحرفوا عما يريد الله سبحانه تعالى بكم من أسباب التوبة؛ وهي فعل الأوامر وترك النواهي، فهم يريدون شيئًا والله يريد شيئًا بخلافه.

ثم قال: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء ٢٨] ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ التخفيف ضد التثقيل، وتخفيفه سبحانه وتعالى تخفيف في الأوامر، وتخفيف في النواهي، أما التخفيف في الأوامر فإن الله سبحانه وتعالى لما ذكر ما يجب علينا من الطهارة: الوضوء، والغسل، والتيمم قال: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ [المائدة ٦]، وكذلك في النواهي، خفّف عنا فقال: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام ١١٩] فليس بحرام، وهذا تخفيف -ولله الحمد- على العباد.

وقوله: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ الإرادة هنا شرعية وليست كونية، لماذا؟ لأن الله يُقدّر على العبد أشياء تثقل عليه، تثقل عليه العبادات بها؛ أي: بسببها، لكن شرعًا لا يريد منا أن نشق على أنفسنا، بل إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لما قال عبد الله بن عمرو بن العاص: «لَأصومن الدهر ما بقيت، ولأقومنّ الليل ما عشت. نهاه الرسول عليه الصلاة والسلام وقال: «إِنَّ لِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلِأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَقًّا وَلِزَوْرِكَ -يَعْنِي ضَيْفَكَ- عَلَيْكَ حَقًّا، وَلِرَبِّكَ عَلَيْكَ حَقًّا، فَأَعْطِ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ»متفق عليه؛ البخاري (١٩٧٥) ومسلم (١١٥٩ / ١٨٢)، دون جملة: «فأعطِ كل ذي حق حقه» أخرجها البخاري (١٩٦٨) من حديث أبي جحيفة.. وقال عليه الصلاة والسلام فيما صح عنه أيضًا: «أنه سبحانه وتعالى لا يكلّفنا من العمل إلا ما نُطيق»متفق عليه؛ البخاري (٤٣)، ومسلم (٧٨٥ / ٢٢١) من حديث عائشة، ولفظ مسلم: «عليكم من العمل ما تطيقون».. فالإرادة إذن إرادة شرعية.

قال: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ الواو هنا يحتمل أن تكون استئنافية لبيان حال الإنسان الموجبة للتخفيف، ويحتمل أن تكون الواو للحال، والجملة على تقدير (قد) أي أيش؟ وقد خلق الإنسان ضعيفًا، وعلى الاحتمالين فالجملة فيها نوع تعليل لقوله: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ كأن قائلًا يقول: لماذا قال؟ لأن الإنسان خُلق ضعيفًا؛ أي: خلقه الله عز وجل ضعيفًا، ضعيفًا في كل أموره؛ ضعيفًا في جسمه، ضعيفًا في إرادته، ضعيفًا في علمه، ضعيف في كل شيء، …

29

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَأْكُلُوٓا۟ أَمْوَٰلَكُم بَيْنَكُم بِٱلْبَٰطِلِ إِلَّآ أَن تَكُونَ تِجَٰرَةً عَن تَرَاضٍۢ مِّنكُمْ ۚ وَلَا تَقْتُلُوٓا۟ أَنفُسَكُمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًۭا

O you who have believed, do not consume one another's wealth unjustly but only [in lawful] business by mutual consent. And do not kill yourselves [or one another]. Indeed, Allah is to you ever Merciful.

ثم قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ النداء -كما سبق- يدل على العناية بما جاء في الخطاب، ووجه ذلك أن النداء تنبيه للمنادى فإنه يفرّق بين أن يأتي الخطاب مرسلًا وبين أن يأتي مصدّرًا بالنداء، وتوجيه النداء إلى المؤمنين ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ يفيد الإغراء بالتزام هذا الخطاب أو بالتزام مدلول هذا الخطاب، ووجه ذلك أن وصف الإنسان بالإيمان يحمله على الامتثال، ويفيد أيضًا أن امتثال هذا الشيء من مقتضيات الإيمان، ويفيد أيضًا أن مخالفة ذلك نقص في الإيمان. يقول عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ وهذا النداء يجب علينا أن نعتني به، وأن ننتظر ماذا يوجّهنا الله إليه كما جاء عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه «قال: إذا قال الله: يا أيها الذين آمنوا فأرْعها سمعك؛ فإما خير تُؤمر به، وإما شر تنهى عنه»أخرجه سعيد بن منصور في التفسير (٥٠).. ثم قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ﴾ جاء النهي: ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ فإن (لا) هنا ناهية؛ ولذلك جزم الفعل بعدها بحذف النون. ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ﴾ أي: ما تتمولونه من قليل أو كثير، من عروض أو نقود، من ديون أو أعيان، عامة كل الأموال.

وقوله: ﴿بَيْنَكُمْ﴾ أي: في التعامل؛ لأن أكل المال لا بد أن يكون بين اثنين فصاعدًا، أما إذا كان من واحد لواحد، فهذا قد أكل ماله.

﴿بَيْنَكُمْ﴾ أي: في حال تعاملكم. وقوله: ﴿بِالْبَاطِلِ﴾ الباطل في اللغة: الضائع سدى، الهالك اللي ما فيه خير، والمراد بالباطل هنا ما خالف الشرع؛ لأن الشرع حق وما خالفه باطل، والمعنى على هذا: لا تأكلوا أموالكم بينكم على وجه يخالف الشرع، مثل: الربا، والغش، والكذب، والتدليس، وما أشبه ذلك.

﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ﴾ ﴿إِلَّا﴾ أداة استثناء، لكن المراد بها الاستدراك؛ يعني لكن إن كانت تجارةٌ أو تجارةً بينكم عن تراضٍ منكم فهذا لا بأس به، وإنما قلنا: إن الاستثناء منقطع؛ لأن قوله: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ ليس من جنس الأكل بالباطل، بل هو أكل بأيش؟ بحق، والاستثناء المنقطع هو أن يكون المستثنى أيش؟ من غير جنس المستثنى منه، وهنا لا بد أن يكون منقطعًا؛ لأن التجارة عن تراضٍ منا ليست أكلًا بالباطل، بل هي أكل بحق، ولهذا نقول: الاستثناء في هذه الآية منقطع ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةٌ﴾ فيها قراءتان سبعيتان: ﴿تِجَارَةٌ﴾ بالرفع، و﴿تِجَارَةً﴾ بالنصب، أما على قراءة الرفع فلا إشكال فيه؛ يعني إلا أن تحدث تجارةٌ بينكم، وهنا تكون (كان) تامة لا ناقصة، وأما على قراءة النصب فإن (كان) ناقصة، تكون ناقصة، و﴿تِجَارَةً﴾ خبرها، واسمها مستتر، وحينئذٍ يشكل أن يكون الاسم مستترًا وتقديره (هي) مع أن الأكل ﴿لَا تَأْكُلُوا﴾ مذكّر، فهل يصح أن نقول: إلا أن تكون الأكل تجارة؟ لا يصح، ولكن هاهنا فائدة وهو: إذا توسط الضمير أو الإشارة بين شيئين الثاني مذكر والأول مؤنث أو بالعكس فإنه يجوز مراعاة الأول أو الثاني. أعرفتم؟

إذا توسط الضمير أو اسم الإشارة بين شيئين الأول مذكر والثاني مؤنث أو بالعكس جاز أن يذكّر أو يؤنث، أن يذكر باعتبار مرجعه السابق، وأن يؤنث باعتبار مرجعه اللاحق، فهنا أُنّث باعتبار مرجعه الثاني اللاحق؛ يعني إلا أن تكون التجارة التي تأكلون بها الأموال تجارة عن تراضٍ منكم، والتجارة: هي تبادل أو التبادل بين الناس من أجل الربح، هذه التجارة، ومنه قول الفقهاء: عروض التجارة، أما ما يُهدى أو يرهن أو يُعار فهذا ليس بتجارة، وكذلك ما اشتُري لدفع الحاجة كشراء الخبز للأكل فهذا ليس بتجارة؛ لأن الإنسان لا يقصد به الربح، وحينئذٍ يبقى في مدلول الآية إشكال: إذا كانت المعاملات أكثر من التجارة، فلماذا لم يذكرها؟ فقيل: إنها لم تُذكر؛ يعني التعامل بغير قصد …

30

وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ عُدْوَٰنًۭا وَظُلْمًۭا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًۭا ۚ وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرًا

And whoever does that in aggression and injustice - then We will drive him into a Fire. And that, for Allah, is [always] easy.

ثم قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ النداء -كما سبق- يدل على العناية بما جاء في الخطاب، ووجه ذلك أن النداء تنبيه للمنادى فإنه يفرّق بين أن يأتي الخطاب مرسلًا وبين أن يأتي مصدّرًا بالنداء، وتوجيه النداء إلى المؤمنين ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ يفيد الإغراء بالتزام هذا الخطاب أو بالتزام مدلول هذا الخطاب، ووجه ذلك أن وصف الإنسان بالإيمان يحمله على الامتثال، ويفيد أيضًا أن امتثال هذا الشيء من مقتضيات الإيمان، ويفيد أيضًا أن مخالفة ذلك نقص في الإيمان. يقول عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ وهذا النداء يجب علينا أن نعتني به، وأن ننتظر ماذا يوجّهنا الله إليه كما جاء عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه «قال: إذا قال الله: يا أيها الذين آمنوا فأرْعها سمعك؛ فإما خير تُؤمر به، وإما شر تنهى عنه»أخرجه سعيد بن منصور في التفسير (٥٠).. ثم قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ﴾ جاء النهي: ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ فإن (لا) هنا ناهية؛ ولذلك جزم الفعل بعدها بحذف النون. ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ﴾ أي: ما تتمولونه من قليل أو كثير، من عروض أو نقود، من ديون أو أعيان، عامة كل الأموال.

وقوله: ﴿بَيْنَكُمْ﴾ أي: في التعامل؛ لأن أكل المال لا بد أن يكون بين اثنين فصاعدًا، أما إذا كان من واحد لواحد، فهذا قد أكل ماله.

﴿بَيْنَكُمْ﴾ أي: في حال تعاملكم. وقوله: ﴿بِالْبَاطِلِ﴾ الباطل في اللغة: الضائع سدى، الهالك اللي ما فيه خير، والمراد بالباطل هنا ما خالف الشرع؛ لأن الشرع حق وما خالفه باطل، والمعنى على هذا: لا تأكلوا أموالكم بينكم على وجه يخالف الشرع، مثل: الربا، والغش، والكذب، والتدليس، وما أشبه ذلك.

﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ﴾ ﴿إِلَّا﴾ أداة استثناء، لكن المراد بها الاستدراك؛ يعني لكن إن كانت تجارةٌ أو تجارةً بينكم عن تراضٍ منكم فهذا لا بأس به، وإنما قلنا: إن الاستثناء منقطع؛ لأن قوله: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ ليس من جنس الأكل بالباطل، بل هو أكل بأيش؟ بحق، والاستثناء المنقطع هو أن يكون المستثنى أيش؟ من غير جنس المستثنى منه، وهنا لا بد أن يكون منقطعًا؛ لأن التجارة عن تراضٍ منا ليست أكلًا بالباطل، بل هي أكل بحق، ولهذا نقول: الاستثناء في هذه الآية منقطع ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةٌ﴾ فيها قراءتان سبعيتان: ﴿تِجَارَةٌ﴾ بالرفع، و﴿تِجَارَةً﴾ بالنصب، أما على قراءة الرفع فلا إشكال فيه؛ يعني إلا أن تحدث تجارةٌ بينكم، وهنا تكون (كان) تامة لا ناقصة، وأما على قراءة النصب فإن (كان) ناقصة، تكون ناقصة، و﴿تِجَارَةً﴾ خبرها، واسمها مستتر، وحينئذٍ يشكل أن يكون الاسم مستترًا وتقديره (هي) مع أن الأكل ﴿لَا تَأْكُلُوا﴾ مذكّر، فهل يصح أن نقول: إلا أن تكون الأكل تجارة؟ لا يصح، ولكن هاهنا فائدة وهو: إذا توسط الضمير أو الإشارة بين شيئين الثاني مذكر والأول مؤنث أو بالعكس فإنه يجوز مراعاة الأول أو الثاني. أعرفتم؟

إذا توسط الضمير أو اسم الإشارة بين شيئين الأول مذكر والثاني مؤنث أو بالعكس جاز أن يذكّر أو يؤنث، أن يذكر باعتبار مرجعه السابق، وأن يؤنث باعتبار مرجعه اللاحق، فهنا أُنّث باعتبار مرجعه الثاني اللاحق؛ يعني إلا أن تكون التجارة التي تأكلون بها الأموال تجارة عن تراضٍ منكم، والتجارة: هي تبادل أو التبادل بين الناس من أجل الربح، هذه التجارة، ومنه قول الفقهاء: عروض التجارة، أما ما يُهدى أو يرهن أو يُعار فهذا ليس بتجارة، وكذلك ما اشتُري لدفع الحاجة كشراء الخبز للأكل فهذا ليس بتجارة؛ لأن الإنسان لا يقصد به الربح، وحينئذٍ يبقى في مدلول الآية إشكال: إذا كانت المعاملات أكثر من التجارة، فلماذا لم يذكرها؟ فقيل: إنها لم تُذكر؛ يعني التعامل بغير قصد …

Commentary: Tafsir Ibn 'Uthaymin by Muhammad ibn Salih al-'Uthaymin. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.