وَأَخْذِهِمُ ٱلرِّبَوٰا۟ وَقَدْ نُهُوا۟ عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَٰلَ ٱلنَّاسِ بِٱلْبَٰطِلِ ۚ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَٰفِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًۭا
And [for] their taking of usury while they had been forbidden from it, and their consuming of the people's wealth unjustly. And we have prepared for the disbelievers among them a painful punishment.
(...) ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ (الفاء) عاطفة على ما سبق، و(الباء) هنا للسببية، والظلم في الأصل: النقص، ومنه قوله تعالى: ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ [الكهف ٣٣]، وأما في الشرع فهو التعدي سواء كان بنقصِ واجبٍ أو بفعلِ محرَّمٍ.
وقوله: ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا﴾ يعني بهم قوم موسى حين قالوا: ﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾ [الأعراف ١٥٦] أي: رجعنا، مع رجوعهم والتزامهم بالرجوع إلى الله ظلموا أنفسهم.
﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ هذا الفعل هو العامل في قوله: ﴿فَبِظُلْمٍ﴾، يعني: الجار والمجرور في قوله: ﴿بِظُلْمٍ﴾ متعلِّق بقوله: ﴿حَرَّمْنَا﴾، والتحريم في اللغة: المنع، ومنه: حريم البئر، وهو ما حولها يمنع من إحياء ما حوله، ومنه سُمِّي النساء حريمًا لاحتجابهن والمنع من التعدِّي عليهن.
﴿حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ ﴿طَيِّبَاتٍ﴾ أي: أطعمةً طيباتٍ، فهي صفة لموصوف محذوف، والطيِّب ضد الخبيث، والخبيث له إطلاقات متعددة؛ تارةً يُراد به الشيء النجس، وتارةً يُراد به الرديء، وتارةً يُراد به المحرَّم مطلقًا.
وقوله: ﴿طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ أي: كانت بالأول حلالًا، وهي باقية على طِيبها، لكن حُرِّمت عليهم بسبب ظلمهم.
﴿أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ من الْمُحِلُّ؟ الْمُحِلُّ هو الله عز وجل؛ لأنه هو الذي بيده الأمر.
﴿وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ (الواو) حرف عطف، و(صَدّ) مصدر يحتمل أن يكون من الفعل المتعدي ويحتمل أن يكون من الفعل اللازم؛ وذلك لأن (صَدَّ) تكون فعلًا لازمًا وتكون متعديًّا؛ فيُقال: صَدَّ الرجلُ عن كذا؛ بمعنى: أعْرَضَ، وصَدَّ غيرَه عن كذا؛ بمعنى: صَرَفه عنه، وهنا يجوز فيه الأمران؛ فهُم قد صدُّوا بأنفسهم عن سبيل الله كثيرًا، وصدُّوا غيرَهم أيضًا لما عندهم من الكتاب الذي يشبِّهون به ويموِّهون به على الناس ويقولون: إن محمدًا ﷺ ليس هو المبعوث المنتظر، وما أشبه ذلك.
وقوله: ﴿عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ المراد بـ﴿عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ شَرْعُه الذي شَرَعَه الله لعباده، وسُمِّي (سبيل الله) لأنه طريق موصل إلى الله عز وجل، ولأن الله تعالى هو الذي وضعه للعباد لم يَشْرعه أحدٌ سواه، فأُضيفَ إلى الله تعالى باعتبارين؛ الاعتبار الأول: أنه موصل إليه؛ كما تقول مثلًا: هذا طريق المدينة، هذا طريق مكة، والثاني: أن الله هو الذي وضعه للعباد وشَرَعه لهم، مع أنه يُضاف أحيانًا لسالكيه كقوله تعالى: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء ١١٥]، فهُنا أضاف السبيل إلى المؤمنين باعتبار أنهم سالكوه، وعلى هذا فإذا أُضيفَ السبيلُ إلى الله كان باعتبارين، وإذا أُضيفَ إلى العباد صار باعتبار واحد.
﴿عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ ﴿كَثِيرًا﴾ يختلف إعرابها باختلاف كلمة (صَدّ)؛ إن كانت لازمة فهي صفةٌ لمصدر محذوف؛ أي: صدودًا كثيرًا، وإن كانت متعدِّية فهي مفعول لـ(صدّ)، وإن شئت فقُل: صفة لمفعول (صدّ) المحذوف؛ أي: خلقًا كثيرًا، وهم في الواقع جديرون بالوصفين؛ فإنهم صدُّوا بأنفسهم وصدُّوا غيرَهم.
﴿وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ﴾ هذا الوصف الثالث: ﴿أَخْذِهِمُ الرِّبَا﴾، ولم يقل: أكْل؛ لأن الأخذ أعمّ؛ قد يأخذ الإنسان الرِّبا ولا يأكله، يستعمله في لباس أو في بناء وما أشبه ذلك، وقد يأخذه للأكل، تارةً يُعبَّر بالأكل كقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ [البقرة ٢٧٥]، وتارة يُعبَّر بالأخذ وهو أعمّ، لكن التعبير بالأكل أشدُّ؛ لأن ممارسة الآكل للربا أشدُّ من ممارسة غير الآكل، أشدُّ من ممارسة الآخذ؛ إذ إن الآخذ قد يستعمل …