Muslim99Muslim99
← Tafsir library

4. An-Nisaa

The Women · Medinan · 176 ayahs

سُورَةُ النِّسَاءِ

Reading Tafsir Ibn 'Uthaymin by Muhammad ibn Salih al-'Uthaymin

Ayahs 151–160 of 176

151

أُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْكَٰفِرُونَ حَقًّۭا ۚ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَٰفِرِينَ عَذَابًۭا مُّهِينًۭا

Those are the disbelievers, truly. And We have prepared for the disbelievers a humiliating punishment.

ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١٥٠) أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾.

﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾، والكفر بالله ورسله أن يكفر الإنسان بما يجب الإيمان به، سواء كان كفرًا بالوجود؛ بوجود الله، أو كفرًا بربوبيته بأن ادعى أن معه ربًّا، أو كفرًا بألوهيته؛ بأن عبد معه غيره، أو كفرًا بأسمائه وصفاته؛ بأن أنكرها وجحدها، المهم الكفر بالله هو جحد ما يجب الإيمان به في جانب الله، ﴿وَرُسُلِهِ﴾ كذلك؛ جحد ما يجب نحوهم، هذا الكفر بالرسل.

﴿وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ لم يقل: إن الذين يؤمنون بالله يكفرون بالله؛ لأن إذا كفروا بالبعض كفروا بالجميع، ﴿وَيُرِيدُونَ﴾ أي: بهممهم، ﴿أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ فيؤمنون بالله ويكفرون بالرسل، أو يؤمنون بالرسل بعضهم دون بعض، كما قال: ﴿وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ﴾، وهذا كثير، فمثلًا النصارى يدّعون أنهم يؤمنون بالله، أليس كذلك؟ يدعون أنهم يؤمنون بعيسى وموسى ومن سبقهما، هكذا يقولون، لكن يكفرون بمحمد ﷺ، وهو أفضل الرسل، ففرّقوا بين الله ورسله، آمنوا بالله وكفروا بالرسل، وفرّقوا كذلك بين الرسل، فآمنوا ببعضهم وكفروا ببعضهم.

﴿وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ أي طريقًا يوصلهم إلى الله، يظنون أنهم بهذا العمل سلكوا طريقًا حسنًا يوصلهم إلى الله عز وجل، ولكنهم كما قال الله تعالى: ﴿ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (١٠٤) أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ﴾ [الكهف ١٠٤، ١٠٥].

﴿وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١٥٠) أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا﴾، (أولاء) مبتدأ، و(هم)؟

* طالب: خبر.

* الشيخ: لا، ما يمكن تأتي (هم) خبرًا، ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا﴾.

* الطالب: ضمير فصل.

* الشيخ: ضمير فصل.

فإن قال قائل: أفلا يجوز أن تكون مبتدأ و(الكافرون) خبر المبتدأ، والجملة خبر المبتدأ الأول؟

قلنا: هذا جائز، لكنه خلاف الأولى؛ لأن ظاهر القرآن أن ما بعدها خبر ما قبلها، قال الله تعالى: ﴿لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ﴾ [الشعراء ٤٠] ولم يقل: هم الغالبون، فدل هذا على أن مثل هذا التركيب تكون فيه (هو) ضمير فصل، لا محل له من الإعراب.

الثاني: أننا إذا قلنا: إنها ضمير فصل لا محل لها من الإعراب، صرنا لا نفتقر إلى جملة تكون خبر المبتدأ، صار المبتدأ والخبر جملة واحدة، والأصل في الأخبار أنها مفرد غير جملة، يقول عز وجل: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾.

إذن (هم) ضمير فصل. وضمير الفصل يفيد ثلاثة أشياء:

أولًا: التوكيد، ثانيًا: الحصر، ثالثًا: التمييز بين الخبر وبين التابع؛ لأنه إذا جاء ضمير الفصل تعين أن ما بعده خبر، وإذا لم يأت احتمل أن يكون خبرًا وأن يكون تابعًا، فإذا قلت: (زيد الفاضل في الدرس) فهنا يحتمل أن (الفاضل) صفة، أليس كذلك؟ فيكون المعنى أن زيدًا الفاضل في الدرس حاضر، فإذا قلت: (زيد هو الفاضل في الدرس) تعين أن تكون خبرًا وحصرته في الفضل، فقلت: زيد هو الفاضل ومحلّه بالدرس.

على كل حال ضمير الفصل يفيد ثلاثة أشياء..

* طالب: يفيد التوكيد والحصر والفصل بين الخبر وما تبعه.

* الشيخ: تمام بارك الله فيك.

﴿أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا﴾، ﴿حَقًّا﴾ هذه منصوبة، ولكن ما معناها، أو ما إعرابها على الأصح؟ نقول: إعرابها مصدر مؤكِّد لمضمون الجملة، مضمون الجملة …

An-Nisaa 4:151Listen in Qur'an →
152

وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦ وَلَمْ يُفَرِّقُوا۟ بَيْنَ أَحَدٍۢ مِّنْهُمْ أُو۟لَٰٓئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ ۗ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورًۭا رَّحِيمًۭا

But they who believe in Allah and His messengers and do not discriminate between any of them - to those He is going to give their rewards. And ever is Allah Forgiving and Merciful.

ثم قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾.

لما ذكر الله عز وجل حال الذين يؤمنون ببعض ويكفرون ببعض ذكر حال الذين يجمعون بالإيمان بين الجميع، والقرآن هكذا، إذا ذكر حالًا ذكر ما يضاده؛ إذا ذكر عقوبة ذكر المثوبة؛ لأنه مثاني تثنَّى فيه المعاني، فيؤتى بهذا ثم بهذا، ولأن التنويع مما يشد النفس والذهن إلى ما يُتلى أو يُسمع، ولأجل أن يكون سير الإنسان إلى الله عز وجل بين طرفي النقيض: الإفراط والتفريط؛ لأن الإنسان لو غلّب جانب الرجاء لحصل له الأمن من مكر الله، ولو غلّب جانب الخوف لحصل عليه القنوط من رحمة الله واليأس.

يقول عز وجل: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾، والإيمان بالله سبق عدة مرات ماذا يتضمن، والإيمان بالرسل كذلك، والإيمان بالرسل عليهم الصلاة والسلام الإيمان بأنهم صادقون فيما أخبروا به عن الله عز وجل، وأما الإيمان بشرائعهم فإن الشريعة الإسلامية التي جاء بها محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم نسخت جميع الشرائع، لكنّا نؤمن بأن شرائعهم من عند الله عز وجل.

﴿وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ في أصل الإيمان، لا في العمل، في أصل الإيمان، نؤمن بالجميع، وأنهم حق كلهم، رسالتهم حق من عند الله، أما العمل فقد قال الله تبارك وتعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة ٤٨].

ووجه ذلك أن أصل الإيمان شيء واحد، وهو الإيمان بالواحد القهار عز وجل، وأما الشرائع فإنها تختلف باختلاف الناس وأحوال الناس، والعموم والخصوص، فلهذا جعل الله لكل شرعة ومنهاجًا، حتى الشريعة الإسلامية في أول أمرها ليست كالشريعة الإسلامية في آخر الأمر، ففي أول الأمر ليس هناك صوم ولا زكاة ولا حج، ثم فرضت الصلاة والصوم والحج والزكاة؛ لأن الله عز وجل يشرع الشرائع حسب ما يليق بأحوال الناس.

وقوله: ﴿وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ يعني في أصل الإيمان، يقولون: إيماننا بمحمد وإيماننا بنوح على حد سواء، بمعنى أننا نؤمن بأن الرسولين الكريمين وكذلك من بينهما من الرسل كلهم على حق ومن عند الله، وهذا في أصل الإيمان كما قلت لكم، أما في الشرائع فتختلف.

﴿أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾، ﴿أُولَئِكَ﴾ أتى باسم الإشارة هنا تعظيمًا لهم، وجاءت بصيغة البعيد لعلوّ منزلتهم.

وقوله: ﴿سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ﴾ سوف والسين تتناوبان على الفعل المضارع كثيرًا، لكن هناك بينهما فرق؛ السين للتحقيق والتقريب، و(سوف) للتحقيق مع البعد، فهذا الفرق بينهما، كلاهما يدل على التحقيق، لكن السين للقريب و(سوف) للبعيد.

فهل إيتاء أجورهم كان بعيدًا؟

الجواب: هو بعيد قريب؛ أما من جهة امتداده وأن الله تعالى يجازيهم شيئًا فشيئًا ثم يأتي الجزاء الأوفى يوم القيامة فهو لا شك أنه بعيد، وأما كون كل آتٍ قريب فهو قريب كما قال تعالى: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ﴾ [الشورى ١٧].

وقوله: ﴿سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾، أي: ثواب أعمالهم، وسمى الله ثواب الأعمال أجورًا تكرمًا منه وفضلًا عز وجل، كأنه استأجر هؤلاء على عمل عملوه ثم أعطاهم أجرهم، كالإنسان يستأجر أناسًا ليبنوا له بناءً، فإذا بنوه أعطاهم أجورهم، وهذا يعني أن الله عز وجل التزم وألزم نفسه سبحانه وتعالى بأن يثيب هؤلاء، ولا مانع من أن يكون الله تعالى ألزم نفسه بما شاء، كما قال تعالى: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام ٥٤] وقد قال الأول:

مَا لِلْعِبَادِ عَلَيْهِ حَقٌّ وَاجِبٌ ∗∗∗ كَلَّا وَلَا عَمَلٌ لَدَيْهِ ضَائِـــــــعُ؎إِنْ عُذِّبُوا فَبِعَدْلِهِ أَوْ نُعِّمُوا ∗∗∗ فَبِفَضْلِهِ وَهْوَ الْكَرِيمُ الْوَاسِعُ

هذا قاله الأول، ولكن ابن القيم رحمه الله قيّد هذا فقال:

مَا لِلْعِبَادِ عَلَيْهِ حَقٌّ وَاجِبٌ ∗∗∗ هُوَ أَوْجَبَ الْأَجْرَ …

An-Nisaa 4:152Listen in Qur'an →
153

يَسْـَٔلُكَ أَهْلُ ٱلْكِتَٰبِ أَن تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَٰبًۭا مِّنَ ٱلسَّمَآءِ ۚ فَقَدْ سَأَلُوا۟ مُوسَىٰٓ أَكْبَرَ مِن ذَٰلِكَ فَقَالُوٓا۟ أَرِنَا ٱللَّهَ جَهْرَةًۭ فَأَخَذَتْهُمُ ٱلصَّٰعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ۚ ثُمَّ ٱتَّخَذُوا۟ ٱلْعِجْلَ مِنۢ بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ ٱلْبَيِّنَٰتُ فَعَفَوْنَا عَن ذَٰلِكَ ۚ وَءَاتَيْنَا مُوسَىٰ سُلْطَٰنًۭا مُّبِينًۭا

The People of the Scripture ask you to bring down to them a book from the heaven. But they had asked of Moses [even] greater than that and said, "Show us Allah outright," so the thunderbolt struck them for their wrongdoing. Then they took the calf [for worship] after clear evidences had come to them, and We pardoned that. And We gave Moses a clear authority.

ثم قال الله عز وجل: ﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ﴾ وفي قراءة: ﴿أَنْ تُنْزِلَ﴾ [النساء: ١٥٣]. ومعناهما واحد.

والخطاب في قوله: ﴿يَسْأَلُكَ﴾ للرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وهو من الخطابات الموجَّهة إليه على وجه الخصوص، ﴿يَسْأَلُكَ﴾ فلا يتناول أمته.

والخطاب الموجَّه للرسول عليه الصلاة والسلام إما أن يدل الدليل على أنه له وللأمة فهذا واضح يكون له وللأمة، وإما أن يدل الدليل على أنه خاصٌّ به فهذا أيضًا واضح على أنه خاص به، وإما أن لا يكون هناك قرينة تدل على هذا ولا على هذا فالأصل أنه له وأمته تبع له.

فقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١) قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم ١، ٢] هنا العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب؛ ولهذا قال: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ ولم يقل: لك.

و﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ﴾ [الطلاق ١]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ﴾ [الطلاق ١] هذا يدل على أنه له وللأمة.

ومثل هذه الآية ﴿يَسْأَلُكَ﴾ له، ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح ١] له، ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ﴾ [الأحزاب ٤٥] له، ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة ٦٧] له.

﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ﴾ مَن أهل الكتاب؟ هم اليهود والنصارى، لكن اليهود في المدينة أكثر من النصارى بكثير، يوجد نصارى لا شك لكن اليهود أكثر، وسبب كثرتهم في المدينة أنهم قرؤوا في التوراة أنه يبعث نبيٌّ هو خاتم الأنبياء، وشريعته أكمل الشرائع، وأن مُهاجَرَهُ المدينةُ، فجاؤوا من فلسطين؛ لأن بني إسرائيل كان محلهم فلسطين، فجاؤوا من فلسطين إلى المدينة ينتظرون بعثة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وقد أشار الله إلى ذلك في قوله: ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [البقرة ٨٩] يقولون للمشركين: سيبعث نبيٌّ ونكون أتباعًا له ونغلبهم ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ [البقرة ٨٩]؛ فهذا هو السبب أنه وجد ثلاث قبائل من اليهود في المدينة.

فأهل الكتاب هنا من حيث الأصل يشمل اليهود والنصارى، لكن أكثر ما يكون في المدينة هم اليهود.

﴿أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ وهذا السؤال هل هو للتحدي أو لإقامة البينة كما يدعون أنه ليس برسول؛ لأن الكتب السابقة كانت تُنَزَّل من السماء لا سيما التوراة؛ لأن الله كتب لموسى في الألواح من كل شيء وأنزلها عليه؟

فكأنهم يقولون: إما أن تأتي بكتاب من السماء فنصدِّقك، وإما أن تكون كموسى ينزل عليك كتاب من السماء فتكون نبيًّا، فالآية تحتمل هذا وهذا.

أما قريش فقالوا: ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ [الأنعام ٨] فقال الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ (٨) وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا﴾ [الأنعام ٨] أي: بصورة الرجل، لأنه لا يمكن أن يكون ملك بصورة الملائكة ثم يخاطب البشر، لو أن الله أرسل ملكًا إلى البشر لجعله بصورة البشر.

﴿أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ﴾ يعني: فلا تعجب، لا تعجب أن يسألوك أن تنزل عليهم كتابًا من السماء ﴿فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ﴾ وعلى هذا فتكون فقد جملة معطوفة على مقدر دل عليه أيش؟ السياق، المعنى إذا سألوا هذا فلا تستغرب ولا تستكبر هذا السؤال؛ فقد سألوا موسى أكبر من ذلك.

ما الذي سألوه؟ قالوا: ﴿أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ والعياذ بالله، وهؤلاء هم القوم السبعون الذين اختارهم موسى، اختار موسى قومه سبعين رجلًا لميقاته …

An-Nisaa 4:153Listen in Qur'an →
154

وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ ٱلطُّورَ بِمِيثَٰقِهِمْ وَقُلْنَا لَهُمُ ٱدْخُلُوا۟ ٱلْبَابَ سُجَّدًۭا وَقُلْنَا لَهُمْ لَا تَعْدُوا۟ فِى ٱلسَّبْتِ وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِّيثَٰقًا غَلِيظًۭا

And We raised over them the mount for [refusal of] their covenant; and We said to them, "Enter the gate bowing humbly", and We said to them, "Do not transgress on the sabbath", and We took from them a solemn covenant.

طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا (١٥٥) وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا (١٥٦) وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (١٥٧) بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٥٨) وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا (١٥٩)﴾ [النساء ١٥٥ - ١٥٩].

* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ﴾ قال الله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾ ﴿رَفَعْنَا فَوْقَهُمُ﴾ أي: فوق رؤوسهم ﴿الطُّورَ﴾ الجبل المعروف اجتثه الله عز وجل حتى صار فوق رؤوسهم من أجل أن يأخذوا الكتاب بقوة أي يعملوا بالتوراة بقوة.

وقوله: ﴿بِمِيثَاقِهِمْ﴾ أي: رفعًا مصحوبًا بالميثاق؛ لأن الله تعالى أمرهم عند رفعه أن يأخذوا الكتاب بقوة، والميثاق هو العهد المؤكد.

﴿وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾ أي: باب بيت المقدس.

﴿ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾ أي: ساجدين لله عز وجل شكرًا لله تعالى على النعمة؛ لأن الله تعالى أمرهم أن يذهبوا إلى هذه القرية وأن يقاتلوا أهلها، ولكنهم قالوا: ﴿إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ﴾ [المائدة ٢٢] والقصة مبسوطة في سورة المائدة، وبعد أن حصل عليهم التيه أربعين سنة أَذِنَ الله لهم بدخول القرية، وقيل لهم: ﴿ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾ أي: حال كونكم سُجَّدًا؛ أي: ساجدين لله عز وجل.

وهل المراد بالسجود حقيقته؟ أو المراد بالسجود الذل والخضوع كقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ [الرعد ١٥]؟

الظاهر الأول؛ وذلك لأنهم دخلوا على أَسْتَاهِهِمْ، ﴿وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾ [النساء ١٥٤]، ولكنهم لم يفعلوا، ماذا صنعوا؟ دخلوا على أَسْتَاهِهِم، والإِسْتُ هي الدبر، المعنى أنهم دخلوا يزحفون -والعياذ بالله- استكبارًا، وقيل: إنهم دخلوا على أقفائهم؛ على القفا. وقيل لهم: قولوا حطة. ولكنهم لم يفعلوا، لم يقولوا: حطة. بل قالوا: حنطة. يعني كأن هؤلاء القوم لا يريدون إلا أن يأكلوا ويشربوا فقط كالبهائم.

﴿وَقُلْنَا لَهُمْ لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ﴾ وفي قراءة: ﴿لَا تَعَدَّوْا فِي السَّبْتِ﴾ والتَّعَدِّي والعَدْوُ بمعنى واحد، لكن اختلاف لفظي، المعنى: لا تَعْدُوا في السبت بصيد الحيتان وقد حرمت عليكم، وكان اليهود قد حرم الله عليهم أن يصيدوا الحوت في يوم السبت ابتلاء وامتحان، فصارت الحيتان تأتي يوم السبت شُرَّعًا يعني شارعة طافية، على سطح الماء وبكثرة، وكان اليهود كما هو معروف من سيرتهم أهل طمع وجشع فغاظهم ذلك، وقالوا: ما الطريق إلى أخذ هذه الحيتان التي تأتي يوم السبت شُرَّعًا، وفي غير يوم السبت ما يأتي شيء؟ فاحتالوا على ذلك بأن وضعوا شَبَكًا يوم الجمعة فيأتي الحيتان وتتساقط فيها ثم يأتوا يوم الأحد فيأخذونها، فالفعل هنا ظاهره الإباحة لأنهم ما تَعَدَّوْا في السبت، لكن المقصود منه الانتهاك حرمة الصيد في يوم السبت؛ ولهذا قيل لهم: ﴿كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [البقرة ٦٥] فقلبوا قردة؛ لأن القرد أشبه ما يكون …

An-Nisaa 4:154Listen in Qur'an →
155

فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَٰقَهُمْ وَكُفْرِهِم بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَقَتْلِهِمُ ٱلْأَنۢبِيَآءَ بِغَيْرِ حَقٍّۢ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌۢ ۚ بَلْ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًۭا

And [We cursed them] for their breaking of the covenant and their disbelief in the signs of Allah and their killing of the prophets without right and their saying, "Our hearts are wrapped". Rather, Allah has sealed them because of their disbelief, so they believe not, except for a few.

طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا (١٥٥) وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا (١٥٦) وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (١٥٧) بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٥٨) وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا (١٥٩)﴾ [النساء ١٥٥ - ١٥٩].

* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ﴾ قال الله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾ ﴿رَفَعْنَا فَوْقَهُمُ﴾ أي: فوق رؤوسهم ﴿الطُّورَ﴾ الجبل المعروف اجتثه الله عز وجل حتى صار فوق رؤوسهم من أجل أن يأخذوا الكتاب بقوة أي يعملوا بالتوراة بقوة.

وقوله: ﴿بِمِيثَاقِهِمْ﴾ أي: رفعًا مصحوبًا بالميثاق؛ لأن الله تعالى أمرهم عند رفعه أن يأخذوا الكتاب بقوة، والميثاق هو العهد المؤكد.

﴿وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾ أي: باب بيت المقدس.

﴿ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾ أي: ساجدين لله عز وجل شكرًا لله تعالى على النعمة؛ لأن الله تعالى أمرهم أن يذهبوا إلى هذه القرية وأن يقاتلوا أهلها، ولكنهم قالوا: ﴿إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ﴾ [المائدة ٢٢] والقصة مبسوطة في سورة المائدة، وبعد أن حصل عليهم التيه أربعين سنة أَذِنَ الله لهم بدخول القرية، وقيل لهم: ﴿ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾ أي: حال كونكم سُجَّدًا؛ أي: ساجدين لله عز وجل.

وهل المراد بالسجود حقيقته؟ أو المراد بالسجود الذل والخضوع كقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ [الرعد ١٥]؟

الظاهر الأول؛ وذلك لأنهم دخلوا على أَسْتَاهِهِمْ، ﴿وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾ [النساء ١٥٤]، ولكنهم لم يفعلوا، ماذا صنعوا؟ دخلوا على أَسْتَاهِهِم، والإِسْتُ هي الدبر، المعنى أنهم دخلوا يزحفون -والعياذ بالله- استكبارًا، وقيل: إنهم دخلوا على أقفائهم؛ على القفا. وقيل لهم: قولوا حطة. ولكنهم لم يفعلوا، لم يقولوا: حطة. بل قالوا: حنطة. يعني كأن هؤلاء القوم لا يريدون إلا أن يأكلوا ويشربوا فقط كالبهائم.

﴿وَقُلْنَا لَهُمْ لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ﴾ وفي قراءة: ﴿لَا تَعَدَّوْا فِي السَّبْتِ﴾ والتَّعَدِّي والعَدْوُ بمعنى واحد، لكن اختلاف لفظي، المعنى: لا تَعْدُوا في السبت بصيد الحيتان وقد حرمت عليكم، وكان اليهود قد حرم الله عليهم أن يصيدوا الحوت في يوم السبت ابتلاء وامتحان، فصارت الحيتان تأتي يوم السبت شُرَّعًا يعني شارعة طافية، على سطح الماء وبكثرة، وكان اليهود كما هو معروف من سيرتهم أهل طمع وجشع فغاظهم ذلك، وقالوا: ما الطريق إلى أخذ هذه الحيتان التي تأتي يوم السبت شُرَّعًا، وفي غير يوم السبت ما يأتي شيء؟ فاحتالوا على ذلك بأن وضعوا شَبَكًا يوم الجمعة فيأتي الحيتان وتتساقط فيها ثم يأتوا يوم الأحد فيأخذونها، فالفعل هنا ظاهره الإباحة لأنهم ما تَعَدَّوْا في السبت، لكن المقصود منه الانتهاك حرمة الصيد في يوم السبت؛ ولهذا قيل لهم: ﴿كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [البقرة ٦٥] فقلبوا قردة؛ لأن القرد أشبه ما يكون …

An-Nisaa 4:155Listen in Qur'an →
156

وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَىٰ مَرْيَمَ بُهْتَٰنًا عَظِيمًۭا

And [We cursed them] for their disbelief and their saying against Mary a great slander,

ثم قال تعالى: ﴿وَبِكُفْرِهِمْ﴾ معطوفة على قوله: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ﴾ هذا هو الراجح، وإن كان فيها خلاف عند المعربين لكن هذا أرجح ما يكون، أي: وبكفرهم لَعَنَّاهُم.

﴿وَبِكُفْرِهِمْ﴾ وهذا توكيد على أنهم كفروا كفرًا أكبر أُكِّدَ بهذا التكرار.

﴿وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا﴾ قولهم على مريم وهي بنت عمران وأخت هارون؛ وهنا إشكال كيف تكون أختًا لهارون وبين هارون وبينها سنين طويلة؟

أورد هذا على الرسول عليه الصلاة والسلام فقال: إنهم كانوا يسمون بأنبيائهم وأن هارون أخا مريم ليس هو هارون أخا موسى؛ لكن كانوا يُسَمَّوْن بأسماء أنبيائهم حتى وصل إلى هارون أخي مريم، مريم بنت عمران وقد وصفها الله تعالى بأنها أحصنت فرجها وأنها أبعد ما يكون عن البغي مع أن بني إسرائيل قالوا لها: ﴿يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ [مريم ٢٨] هذا نفي، يمدحون بذلك؟

* طالب: (...).

* الشيخ: لا يمدحون بذلك أباها وأمها، أبوها ليس امرأ سوء وأمها ليست بغيًا، والمراد به؟ المراد به رميها بالزنا كأنهم يقولون: من أين جاءك هذا؟ الأم طاهرة والأب بعيد عن السوء من أين جاءك؟ ولهذا ذهب بعض العلماء الفقهاء إلى أن القذف بالتورية يجب به الحد، القذف بالتورية يجب به الحد فلو تنازع شخصان، وقال أحدهما للآخر: أنا -الحمد لله- محصن الفرج عفيف ما زنيت، هو يقول عن نفسه.

المعنى: أنك أنت بالعكس؛ ولهذا قال بعض العلماء إنه يجب أن يُحَدَّ؛ لأن هذا التعريض أشد؛ ﴿وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ﴾ بنت عمران ﴿بُهْتَانًا عَظِيمًا﴾ حيث قالوا: إنها كانت بغيًّا، ويلزم من ذلك أن يكون عيسى أحد الأنبياء أولي العزم ولد زنا -والعياذ بالله- وهذا بهتان عظيم.

ونظير ذلك ما وقع من المنافقين في عائشة في قصة الإفك، قال الله تعالى: ﴿لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ﴾ [النور ١٢] بَيِّنٌ، ﴿لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ [النور ١٣] ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ [النور ١٥].

﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ﴾ هذا أيضًا مما ادعاه اليهود بنو إسرائيل، يقولون ﴿إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ﴾ شوف، ذكروه باللقب والاسم والكنية، المسيح لقب، الاسم عيسى، ابن مريم الكنية؛ هذا لا شك أنه وقع من اليهود، قالوا: إنا قتلنا المسيح عيسى بن مريم حتى لا يقع اشتباه فيه يعني ذكروه بالاسم وباللقب والكنية لئلا يقع اشتباه، وهذا من باب التوكيد توكيد العين والشخص بأنه هو المراد.

أما ﴿رَسُولَ اللَّهِ﴾ فقد اختلف المفسرون فيها؛ هل هذا من قولهم أو من قول الله؟ فقال بعض أهل العلم: إنه من قول الله، يعني لما قال هؤلاء المسيح عيسى بن مريم هم لا يقرون بأنه رسول إذ لو كان رسولًا ما قتلوه؛ لكن الله تعالى قال: ﴿رَسُولَ اللَّهِ﴾ كأنه سبحانه يقول: إنه لا يستحق أن يُقْتَل لأنه رسول.

وقال بعض المفسرين: إن هذا من كلامهم، وإنهم قالوا ذلك على سبيل التهكُّم؛ يعني الذي يزعم أنه رسول الله، وأن هذا كقول قريش للرسول ﴿وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ [الحجر ٦] كيف نُزِّلَ عليه الذكر وتقول: إنه مجنون؟!

لكن هذا من باب التهكم؛ على كل حال، القرآن عظيم جاء بهذه الصيغة من أجل أن يدير الإنسان فكره في كل ناحية، يتأمل أيهما أحق.

ويمكن أن يقال: قاله الله تعالى تكريمًا وتعظيمًا لعيسى عليه الصلاة والسلام، …

An-Nisaa 4:156Listen in Qur'an →
157

وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا ٱلْمَسِيحَ عِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ ٱللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَٰكِن شُبِّهَ لَهُمْ ۚ وَإِنَّ ٱلَّذِينَ ٱخْتَلَفُوا۟ فِيهِ لَفِى شَكٍّۢ مِّنْهُ ۚ مَا لَهُم بِهِۦ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا ٱتِّبَاعَ ٱلظَّنِّ ۚ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًۢا

And [for] their saying, "Indeed, we have killed the Messiah, Jesus, the son of Mary, the messenger of Allah." And they did not kill him, nor did they crucify him; but [another] was made to resemble him to them. And indeed, those who differ over it are in doubt about it. They have no knowledge of it except the following of assumption. And they did not kill him, for certain.

ثم قال تعالى: ﴿وَبِكُفْرِهِمْ﴾ معطوفة على قوله: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ﴾ هذا هو الراجح، وإن كان فيها خلاف عند المعربين لكن هذا أرجح ما يكون، أي: وبكفرهم لَعَنَّاهُم.

﴿وَبِكُفْرِهِمْ﴾ وهذا توكيد على أنهم كفروا كفرًا أكبر أُكِّدَ بهذا التكرار.

﴿وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا﴾ قولهم على مريم وهي بنت عمران وأخت هارون؛ وهنا إشكال كيف تكون أختًا لهارون وبين هارون وبينها سنين طويلة؟

أورد هذا على الرسول عليه الصلاة والسلام فقال: إنهم كانوا يسمون بأنبيائهم وأن هارون أخا مريم ليس هو هارون أخا موسى؛ لكن كانوا يُسَمَّوْن بأسماء أنبيائهم حتى وصل إلى هارون أخي مريم، مريم بنت عمران وقد وصفها الله تعالى بأنها أحصنت فرجها وأنها أبعد ما يكون عن البغي مع أن بني إسرائيل قالوا لها: ﴿يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ [مريم ٢٨] هذا نفي، يمدحون بذلك؟

* طالب: (...).

* الشيخ: لا يمدحون بذلك أباها وأمها، أبوها ليس امرأ سوء وأمها ليست بغيًا، والمراد به؟ المراد به رميها بالزنا كأنهم يقولون: من أين جاءك هذا؟ الأم طاهرة والأب بعيد عن السوء من أين جاءك؟ ولهذا ذهب بعض العلماء الفقهاء إلى أن القذف بالتورية يجب به الحد، القذف بالتورية يجب به الحد فلو تنازع شخصان، وقال أحدهما للآخر: أنا -الحمد لله- محصن الفرج عفيف ما زنيت، هو يقول عن نفسه.

المعنى: أنك أنت بالعكس؛ ولهذا قال بعض العلماء إنه يجب أن يُحَدَّ؛ لأن هذا التعريض أشد؛ ﴿وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ﴾ بنت عمران ﴿بُهْتَانًا عَظِيمًا﴾ حيث قالوا: إنها كانت بغيًّا، ويلزم من ذلك أن يكون عيسى أحد الأنبياء أولي العزم ولد زنا -والعياذ بالله- وهذا بهتان عظيم.

ونظير ذلك ما وقع من المنافقين في عائشة في قصة الإفك، قال الله تعالى: ﴿لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ﴾ [النور ١٢] بَيِّنٌ، ﴿لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ [النور ١٣] ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ [النور ١٥].

﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ﴾ هذا أيضًا مما ادعاه اليهود بنو إسرائيل، يقولون ﴿إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ﴾ شوف، ذكروه باللقب والاسم والكنية، المسيح لقب، الاسم عيسى، ابن مريم الكنية؛ هذا لا شك أنه وقع من اليهود، قالوا: إنا قتلنا المسيح عيسى بن مريم حتى لا يقع اشتباه فيه يعني ذكروه بالاسم وباللقب والكنية لئلا يقع اشتباه، وهذا من باب التوكيد توكيد العين والشخص بأنه هو المراد.

أما ﴿رَسُولَ اللَّهِ﴾ فقد اختلف المفسرون فيها؛ هل هذا من قولهم أو من قول الله؟ فقال بعض أهل العلم: إنه من قول الله، يعني لما قال هؤلاء المسيح عيسى بن مريم هم لا يقرون بأنه رسول إذ لو كان رسولًا ما قتلوه؛ لكن الله تعالى قال: ﴿رَسُولَ اللَّهِ﴾ كأنه سبحانه يقول: إنه لا يستحق أن يُقْتَل لأنه رسول.

وقال بعض المفسرين: إن هذا من كلامهم، وإنهم قالوا ذلك على سبيل التهكُّم؛ يعني الذي يزعم أنه رسول الله، وأن هذا كقول قريش للرسول ﴿وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ [الحجر ٦] كيف نُزِّلَ عليه الذكر وتقول: إنه مجنون؟!

لكن هذا من باب التهكم؛ على كل حال، القرآن عظيم جاء بهذه الصيغة من أجل أن يدير الإنسان فكره في كل ناحية، يتأمل أيهما أحق.

ويمكن أن يقال: قاله الله تعالى تكريمًا وتعظيمًا لعيسى عليه الصلاة والسلام، …

An-Nisaa 4:157Listen in Qur'an →
158

بَل رَّفَعَهُ ٱللَّهُ إِلَيْهِ ۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًۭا

Rather, Allah raised him to Himself. And ever is Allah Exalted in Might and Wise.

ثم قال تعالى: ﴿وَبِكُفْرِهِمْ﴾ معطوفة على قوله: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ﴾ هذا هو الراجح، وإن كان فيها خلاف عند المعربين لكن هذا أرجح ما يكون، أي: وبكفرهم لَعَنَّاهُم.

﴿وَبِكُفْرِهِمْ﴾ وهذا توكيد على أنهم كفروا كفرًا أكبر أُكِّدَ بهذا التكرار.

﴿وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا﴾ قولهم على مريم وهي بنت عمران وأخت هارون؛ وهنا إشكال كيف تكون أختًا لهارون وبين هارون وبينها سنين طويلة؟

أورد هذا على الرسول عليه الصلاة والسلام فقال: إنهم كانوا يسمون بأنبيائهم وأن هارون أخا مريم ليس هو هارون أخا موسى؛ لكن كانوا يُسَمَّوْن بأسماء أنبيائهم حتى وصل إلى هارون أخي مريم، مريم بنت عمران وقد وصفها الله تعالى بأنها أحصنت فرجها وأنها أبعد ما يكون عن البغي مع أن بني إسرائيل قالوا لها: ﴿يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ [مريم ٢٨] هذا نفي، يمدحون بذلك؟

* طالب: (...).

* الشيخ: لا يمدحون بذلك أباها وأمها، أبوها ليس امرأ سوء وأمها ليست بغيًا، والمراد به؟ المراد به رميها بالزنا كأنهم يقولون: من أين جاءك هذا؟ الأم طاهرة والأب بعيد عن السوء من أين جاءك؟ ولهذا ذهب بعض العلماء الفقهاء إلى أن القذف بالتورية يجب به الحد، القذف بالتورية يجب به الحد فلو تنازع شخصان، وقال أحدهما للآخر: أنا -الحمد لله- محصن الفرج عفيف ما زنيت، هو يقول عن نفسه.

المعنى: أنك أنت بالعكس؛ ولهذا قال بعض العلماء إنه يجب أن يُحَدَّ؛ لأن هذا التعريض أشد؛ ﴿وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ﴾ بنت عمران ﴿بُهْتَانًا عَظِيمًا﴾ حيث قالوا: إنها كانت بغيًّا، ويلزم من ذلك أن يكون عيسى أحد الأنبياء أولي العزم ولد زنا -والعياذ بالله- وهذا بهتان عظيم.

ونظير ذلك ما وقع من المنافقين في عائشة في قصة الإفك، قال الله تعالى: ﴿لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ﴾ [النور ١٢] بَيِّنٌ، ﴿لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ [النور ١٣] ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ [النور ١٥].

﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ﴾ هذا أيضًا مما ادعاه اليهود بنو إسرائيل، يقولون ﴿إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ﴾ شوف، ذكروه باللقب والاسم والكنية، المسيح لقب، الاسم عيسى، ابن مريم الكنية؛ هذا لا شك أنه وقع من اليهود، قالوا: إنا قتلنا المسيح عيسى بن مريم حتى لا يقع اشتباه فيه يعني ذكروه بالاسم وباللقب والكنية لئلا يقع اشتباه، وهذا من باب التوكيد توكيد العين والشخص بأنه هو المراد.

أما ﴿رَسُولَ اللَّهِ﴾ فقد اختلف المفسرون فيها؛ هل هذا من قولهم أو من قول الله؟ فقال بعض أهل العلم: إنه من قول الله، يعني لما قال هؤلاء المسيح عيسى بن مريم هم لا يقرون بأنه رسول إذ لو كان رسولًا ما قتلوه؛ لكن الله تعالى قال: ﴿رَسُولَ اللَّهِ﴾ كأنه سبحانه يقول: إنه لا يستحق أن يُقْتَل لأنه رسول.

وقال بعض المفسرين: إن هذا من كلامهم، وإنهم قالوا ذلك على سبيل التهكُّم؛ يعني الذي يزعم أنه رسول الله، وأن هذا كقول قريش للرسول ﴿وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ [الحجر ٦] كيف نُزِّلَ عليه الذكر وتقول: إنه مجنون؟!

لكن هذا من باب التهكم؛ على كل حال، القرآن عظيم جاء بهذه الصيغة من أجل أن يدير الإنسان فكره في كل ناحية، يتأمل أيهما أحق.

ويمكن أن يقال: قاله الله تعالى تكريمًا وتعظيمًا لعيسى عليه الصلاة والسلام، …

An-Nisaa 4:158Listen in Qur'an →
159

وَإِن مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَٰبِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِۦ قَبْلَ مَوْتِهِۦ ۖ وَيَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًۭا

And there is none from the People of the Scripture but that he will surely believe in Jesus before his death. And on the Day of Resurrection he will be against them a witness.

ثم قال عز وجل: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ ﴿إِنْ﴾ هنا نافية؛ أي: ما مِن أهل الكتاب أحدٌ إلا ليؤمننَّ به.

و(إِنْ) تأتي في اللغة العربية على وجوه متنوعة:

تأتي نافية كما في هذه الآية، وأمثلتها كثيرة، وغالبُ ما تأتي نافيةً إذا أتت بعدها (إلا) مثل: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [المائدة ١١٠]، ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ﴾ [ص ٧]، ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ [الأنعام ٢٥]، ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ﴾ [الشعراء ١٣٧]، فـ(إنْ) تكون هنا نافية.

وتأتي مخفَّفة من الثقيلة؛ مثل: إنْ زيدٌ لَقائمٌ، فهي مخفَّفة من الثقيلة.

وتأتي شرطية؛ مثل: إن قام زيدٌ قام عمرو.

وقوله: ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ المراد بهم اليهود والنصارى، وقوله: ﴿إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ﴾ هذه مستثنى من محذوف، والتقدير: وإن من أهل الكتاب أحدٌ إلا ليؤمننَّ به، وعلى هذا فقوله: ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ خبر لمبتدأ محذوف دلَّ عليه السياق، وتقدير خبر المحذوف؟

* طالب: أحدٌ.

* الشيخ: أحدٌ.

وقوله: ﴿إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ نجد الفعل هنا مفتوحًا ﴿إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ﴾ مع أننا لا نشاهد أداة نصب؟

* طالب: لاتصاله بنون التوكيد.

* الشيخ: يعني هو مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد.

وقوله: ﴿بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ ﴿بِهِ﴾ أي: بعيسى عليه الصلاة والسلام، ﴿قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ الضمير يعود على عيسى، وقيل: يعود على الرجل من أهل الكتاب؛ يعني أنه ما من أحدٍ من أهل الكتاب إلا إذا حضره الموت آمن بعيسى، أو المعنى: ما من أحدٍ من أهل الكتاب بعد نزول عيسى إلا آمن بعيسى، وكِلا المعنيين صحيح، والثاني أظهر: أن الضمير يعود إلى عيسى عليه الصلاة والسلام؛ لأن عيسى سوف ينزل في آخر الزمان، وسوف يكسر الصليب ويقتل الخنزير، ولا يقبل إلا الإسلام، حتى الجزية لا يقبلها.

وقوله: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ هذه ظرفٌ عامله ﴿يَكُونُ﴾؛ المعنى: أن عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام يكون شهيدًا عليهم يوم القيامة.

معنى الآية الكريمة: أنه لا يوجد أحدٌ من أهل الكتاب إلا آمن بعيسى قبل أن يموت عيسى، وعلى هذا التقدير يكون المعنى: ما من أحدٍ من أهل الكتاب أدرك عيسى إلا آمن به قبل أن يموت. وعلى القول الثاني أن الضمير يعود على الواحد من أهل الكتاب يكون أنه ما من إنسان من أهل الكتاب يحضره الموت إلا أيش؟ إلا آمن بعيسى، حتى اليهود الذين كانوا ينكرون رسالته يؤمنون به.

وقوله: ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ هم اليهود والنصارى، وسُمُّوا بذلك لأن لهم كُتُبًا حيَّة وإنْ كانت محرَّفة، وهي التوراةُ عند اليهود والإنجيلُ عند النصارى، ولهذا سُمُّوا أهل الكتاب، ولا يُعلم كتاب بقي إلى بعثة الرسول عليه الصلاة والسلام مما جاءت به الرسل إلا التوراة والإنجيل. قيل: إن المجوس لهم كتاب أُنزِل أو لهم شُبهة، ولكن الصحيح خلاف ذلك، أنه لا يوجد كتاب بقي إلى بعثة الرسول إلا التوراة والإنجيل.

وقوله: ﴿لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ﴾ أي: إيمان قبول وإذعان، ليس مجرد التصديق؛ لأن مجرد التصديق لا يسمَّى إيمانًا، ولهذا لا يُحكم بإيمان أبي طالب مع أنه مصدِّق، بل لا بد من قبولِ ما آمن به الإنسانُ والإذعانِ له.

وقوله: ﴿قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ أي: قبل موت عيسى أو موت الإنسان، وذلك حين يرى الحقَّ، إذا رأى الكتابيُّ الحقَّ سواء كان ذلك بنزول الموت أو كان ذلك بنزول عيسى عليه الصلاة والسلام فإنه يَقبل، ولكن هذا الإيمان يكون كالإيمان الاضطراري؛ لأنهم لما كانوا في اختيارهم لم يؤمنوا بعيسى بل كفروا به.

﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ وذلك مذكور في قوله تبارك وتعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ …

An-Nisaa 4:159Listen in Qur'an →
160

فَبِظُلْمٍۢ مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُوا۟ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَٰتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ كَثِيرًۭا

For wrongdoing on the part of the Jews, We made unlawful for them [certain] good foods which had been lawful to them, and for their averting from the way of Allah many [people],

(...) ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ (الفاء) عاطفة على ما سبق، و(الباء) هنا للسببية، والظلم في الأصل: النقص، ومنه قوله تعالى: ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ [الكهف ٣٣]، وأما في الشرع فهو التعدي سواء كان بنقصِ واجبٍ أو بفعلِ محرَّمٍ.

وقوله: ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا﴾ يعني بهم قوم موسى حين قالوا: ﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾ [الأعراف ١٥٦] أي: رجعنا، مع رجوعهم والتزامهم بالرجوع إلى الله ظلموا أنفسهم.

﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ هذا الفعل هو العامل في قوله: ﴿فَبِظُلْمٍ﴾، يعني: الجار والمجرور في قوله: ﴿بِظُلْمٍ﴾ متعلِّق بقوله: ﴿حَرَّمْنَا﴾، والتحريم في اللغة: المنع، ومنه: حريم البئر، وهو ما حولها يمنع من إحياء ما حوله، ومنه سُمِّي النساء حريمًا لاحتجابهن والمنع من التعدِّي عليهن.

﴿حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ ﴿طَيِّبَاتٍ﴾ أي: أطعمةً طيباتٍ، فهي صفة لموصوف محذوف، والطيِّب ضد الخبيث، والخبيث له إطلاقات متعددة؛ تارةً يُراد به الشيء النجس، وتارةً يُراد به الرديء، وتارةً يُراد به المحرَّم مطلقًا.

وقوله: ﴿طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ أي: كانت بالأول حلالًا، وهي باقية على طِيبها، لكن حُرِّمت عليهم بسبب ظلمهم.

﴿أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ من الْمُحِلُّ؟ الْمُحِلُّ هو الله عز وجل؛ لأنه هو الذي بيده الأمر.

﴿وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ (الواو) حرف عطف، و(صَدّ) مصدر يحتمل أن يكون من الفعل المتعدي ويحتمل أن يكون من الفعل اللازم؛ وذلك لأن (صَدَّ) تكون فعلًا لازمًا وتكون متعديًّا؛ فيُقال: صَدَّ الرجلُ عن كذا؛ بمعنى: أعْرَضَ، وصَدَّ غيرَه عن كذا؛ بمعنى: صَرَفه عنه، وهنا يجوز فيه الأمران؛ فهُم قد صدُّوا بأنفسهم عن سبيل الله كثيرًا، وصدُّوا غيرَهم أيضًا لما عندهم من الكتاب الذي يشبِّهون به ويموِّهون به على الناس ويقولون: إن محمدًا ﷺ ليس هو المبعوث المنتظر، وما أشبه ذلك.

وقوله: ﴿عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ المراد بـ﴿عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ شَرْعُه الذي شَرَعَه الله لعباده، وسُمِّي (سبيل الله) لأنه طريق موصل إلى الله عز وجل، ولأن الله تعالى هو الذي وضعه للعباد لم يَشْرعه أحدٌ سواه، فأُضيفَ إلى الله تعالى باعتبارين؛ الاعتبار الأول: أنه موصل إليه؛ كما تقول مثلًا: هذا طريق المدينة، هذا طريق مكة، والثاني: أن الله هو الذي وضعه للعباد وشَرَعه لهم، مع أنه يُضاف أحيانًا لسالكيه كقوله تعالى: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء ١١٥]، فهُنا أضاف السبيل إلى المؤمنين باعتبار أنهم سالكوه، وعلى هذا فإذا أُضيفَ السبيلُ إلى الله كان باعتبارين، وإذا أُضيفَ إلى العباد صار باعتبار واحد.

﴿عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ ﴿كَثِيرًا﴾ يختلف إعرابها باختلاف كلمة (صَدّ)؛ إن كانت لازمة فهي صفةٌ لمصدر محذوف؛ أي: صدودًا كثيرًا، وإن كانت متعدِّية فهي مفعول لـ(صدّ)، وإن شئت فقُل: صفة لمفعول (صدّ) المحذوف؛ أي: خلقًا كثيرًا، وهم في الواقع جديرون بالوصفين؛ فإنهم صدُّوا بأنفسهم وصدُّوا غيرَهم.

﴿وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ﴾ هذا الوصف الثالث: ﴿أَخْذِهِمُ الرِّبَا﴾، ولم يقل: أكْل؛ لأن الأخذ أعمّ؛ قد يأخذ الإنسان الرِّبا ولا يأكله، يستعمله في لباس أو في بناء وما أشبه ذلك، وقد يأخذه للأكل، تارةً يُعبَّر بالأكل كقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ [البقرة ٢٧٥]، وتارة يُعبَّر بالأخذ وهو أعمّ، لكن التعبير بالأكل أشدُّ؛ لأن ممارسة الآكل للربا أشدُّ من ممارسة غير الآكل، أشدُّ من ممارسة الآخذ؛ إذ إن الآخذ قد يستعمل …

An-Nisaa 4:160Listen in Qur'an →

Commentary: Tafsir Ibn 'Uthaymin by Muhammad ibn Salih al-'Uthaymin. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.