أُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْكَٰفِرُونَ حَقًّۭا ۚ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَٰفِرِينَ عَذَابًۭا مُّهِينًۭا
Those are the disbelievers, truly. And We have prepared for the disbelievers a humiliating punishment.
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١٥٠) أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾.
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾، والكفر بالله ورسله أن يكفر الإنسان بما يجب الإيمان به، سواء كان كفرًا بالوجود؛ بوجود الله، أو كفرًا بربوبيته بأن ادعى أن معه ربًّا، أو كفرًا بألوهيته؛ بأن عبد معه غيره، أو كفرًا بأسمائه وصفاته؛ بأن أنكرها وجحدها، المهم الكفر بالله هو جحد ما يجب الإيمان به في جانب الله، ﴿وَرُسُلِهِ﴾ كذلك؛ جحد ما يجب نحوهم، هذا الكفر بالرسل.
﴿وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ لم يقل: إن الذين يؤمنون بالله يكفرون بالله؛ لأن إذا كفروا بالبعض كفروا بالجميع، ﴿وَيُرِيدُونَ﴾ أي: بهممهم، ﴿أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ فيؤمنون بالله ويكفرون بالرسل، أو يؤمنون بالرسل بعضهم دون بعض، كما قال: ﴿وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ﴾، وهذا كثير، فمثلًا النصارى يدّعون أنهم يؤمنون بالله، أليس كذلك؟ يدعون أنهم يؤمنون بعيسى وموسى ومن سبقهما، هكذا يقولون، لكن يكفرون بمحمد ﷺ، وهو أفضل الرسل، ففرّقوا بين الله ورسله، آمنوا بالله وكفروا بالرسل، وفرّقوا كذلك بين الرسل، فآمنوا ببعضهم وكفروا ببعضهم.
﴿وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ أي طريقًا يوصلهم إلى الله، يظنون أنهم بهذا العمل سلكوا طريقًا حسنًا يوصلهم إلى الله عز وجل، ولكنهم كما قال الله تعالى: ﴿ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (١٠٤) أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ﴾ [الكهف ١٠٤، ١٠٥].
﴿وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١٥٠) أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا﴾، (أولاء) مبتدأ، و(هم)؟
* طالب: خبر.
* الشيخ: لا، ما يمكن تأتي (هم) خبرًا، ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا﴾.
* الطالب: ضمير فصل.
* الشيخ: ضمير فصل.
فإن قال قائل: أفلا يجوز أن تكون مبتدأ و(الكافرون) خبر المبتدأ، والجملة خبر المبتدأ الأول؟
قلنا: هذا جائز، لكنه خلاف الأولى؛ لأن ظاهر القرآن أن ما بعدها خبر ما قبلها، قال الله تعالى: ﴿لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ﴾ [الشعراء ٤٠] ولم يقل: هم الغالبون، فدل هذا على أن مثل هذا التركيب تكون فيه (هو) ضمير فصل، لا محل له من الإعراب.
الثاني: أننا إذا قلنا: إنها ضمير فصل لا محل لها من الإعراب، صرنا لا نفتقر إلى جملة تكون خبر المبتدأ، صار المبتدأ والخبر جملة واحدة، والأصل في الأخبار أنها مفرد غير جملة، يقول عز وجل: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾.
إذن (هم) ضمير فصل. وضمير الفصل يفيد ثلاثة أشياء:
أولًا: التوكيد، ثانيًا: الحصر، ثالثًا: التمييز بين الخبر وبين التابع؛ لأنه إذا جاء ضمير الفصل تعين أن ما بعده خبر، وإذا لم يأت احتمل أن يكون خبرًا وأن يكون تابعًا، فإذا قلت: (زيد الفاضل في الدرس) فهنا يحتمل أن (الفاضل) صفة، أليس كذلك؟ فيكون المعنى أن زيدًا الفاضل في الدرس حاضر، فإذا قلت: (زيد هو الفاضل في الدرس) تعين أن تكون خبرًا وحصرته في الفضل، فقلت: زيد هو الفاضل ومحلّه بالدرس.
على كل حال ضمير الفصل يفيد ثلاثة أشياء..
* طالب: يفيد التوكيد والحصر والفصل بين الخبر وما تبعه.
* الشيخ: تمام بارك الله فيك.
﴿أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا﴾، ﴿حَقًّا﴾ هذه منصوبة، ولكن ما معناها، أو ما إعرابها على الأصح؟ نقول: إعرابها مصدر مؤكِّد لمضمون الجملة، مضمون الجملة …