Muslim99Muslim99
← Tafsir library

4. An-Nisaa

The Women · Medinan · 176 ayahs

سُورَةُ النِّسَاءِ

Reading Nazm al-Durar by Burhan al-Din al-Biqa'i

Ayahs 81–90 of 176

81

وَيَقُولُونَ طَاعَةٌۭ فَإِذَا بَرَزُوا۟ مِنْ عِندِكَ بَيَّتَ طَآئِفَةٌۭ مِّنْهُمْ غَيْرَ ٱلَّذِى تَقُولُ ۖ وَٱللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ ۖ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ ۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلًا

And they say, "[We pledge] obedience." But when they leave you, a group of them spend the night determining to do other than what you say. But Allah records what they plan by night. So leave them alone and rely upon Allah. And sufficient is Allah as Disposer of affairs.

ولَمّا كانَ مِن شَأْنِ الرَّسُولِ ﷺ أنْ يَحْفَظَ مَن أطاعَهُ؛ ومَن عَصاهُ؛ لِيَبْلُغَ ذَلِكَ مَن أرْسَلَهُ؛ وكانَ - سُبْحانَهُ وتَعالى - قَدْ أشارَ لَهُ إلى الإعْراضِ عَنْ ذَلِكَ؛ لِكَوْنِهِ لا يُحِيطُ بِذَلِكَ عِلْمًا؛ وإنِ اجْتَهَدَ؛ شَرَعَ يُخْبِرُهُ بِبَعْضِ ما يُخْفُونَهُ؛ فَقالَ حاكِيًا لِبَعْضِ أقْوالِهِمْ؛ مُبَيِّنًا لِنِفاقِهِمْ فِيهِ؛ وخِداعِهِمْ؛ ﴿ويَقُولُونَ﴾؛ أيْ: إذا أمَرْتَهم بِشَيْءٍ مِن أمْرِنا؛ وهم بِحَضْرَتِكَ؛ ﴿طاعَةٌ﴾؛ أيْ: كُلُّ طاعَةٍ مِنّا لَكَ دائِمًا؛ نَحْنُ ثابِتُونَ عَلى ذَلِكَ؛ والتَّنْكِيرُ لِلتَّعْظِيمِ؛ بِالتَّعْمِيمِ؛ ﴿فَإذا بَرَزُوا﴾؛ أيْ: خَرَجُوا؛ ﴿مِن عِنْدِكَ بَيَّتَ طائِفَةٌ﴾؛ هم في غايَةِ التَّمَرُّدِ؛ ﴿مِنهُمْ﴾؛ أيْ: قَدَّرَتْ؛ وزَوَّرَتْ عَلى غايَةٍ مِنَ التَّقْدِيرِ؛ والتَّحْرِيرِ؛ مَعَ الِاسْتِدارَةِ؛ والتَّقابُلِ؛ كَفِعْلِ مَن يُدَبِّرُ الأُمُورَ؛ ويُحْكِمُها؛ ويُتْقِنُها لَيْلًا؛ ﴿غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ﴾؛ أيْ: تَجَدُّدَ قَوْلِهِ لَكَ في كُلِّ حِينٍ؛ مِنَ الطّاعَةِ الَّتِي أظْهَرُوها؛ أوْ غَيْرَ قَوْلِكَ الَّذِي بَلَّغْتَهُ لَهُمْ؛ وأدْغَمَ أبُو عَمْرٍو؛ وحَمْزَةُ التّاءَ بَعْدَ تَسْكِينِها؛ اسْتِثْقالًا لِتَوالِي الحَرَكاتِ في الطّاءِ؛ لِقُرْبِ المَخْرَجَيْنِ؛ والطّاءُ تَزِيدُ بِالإطْباقِ؛ فَحَسُنَ إدْغامُ الأنْقَصِ في الأزْيَدِ؛ وأظْهَرَ الباقُونَ؛ والإدْغامُ أوْفَقُ لِحالِهِمْ؛ والإظْهارُ أوْفَقُ لِما فُصِحَ مِن مَحالِّهِمْ.

ولَمّا كانَ الإنْسانُ مِن عادَتِهِ إثْباتُ الأُمُورِ الَّتِي يُرِيدُ تَخْلِيدَها بِالكِتابَةِ؛ أجْرى الأمْرَ عَلى ذَلِكَ؛ فَقالَ: ﴿واللَّهُ﴾؛ أيْ: والحالُ أنَّ المَلِكَ المُسْتَجْمِعَ لِصِفاتِ الكَمالِ؛ ﴿يَكْتُبُ ما يُبَيِّتُونَ﴾؛ أيْ: يُجَدِّدُونَ تَبْيِيتَهُ؛ كُلَّما فَعَلُوهُ؛ وهو غَنِيٌّ عَنْهُ؛ ولَكِنَّ ذَلِكَ لِيُقْرِيَهم إيّاهُ يَوْمَ يَقُومُ الأشْهادُ؛ ويُقِيمُ بِهِ الحُجَّةَ عَلَيْهِمْ؛ عَلى ما جَرَتْ بِهِ عاداتُهُمْ؛ أوْ يُوحِيَ بِهِ إلَيْكَ فَيَفْضَحَهم بِكِتابَتِهِ؛ وتِلاوَتِهِ مَدى الدَّهْرِ؛ فَلا يَظُنُّوا أنَّ تَبْيِيتَهم يُغْنِيهِمْ شَيْئًا.

ولَمّا تَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ كِفايَتُهُ ﷺ هَذا المُهِمَّ؛ قالَ: ﴿فَأعْرِضْ عَنْهُمْ﴾؛ أيْ: فَإنَّهم بِذَلِكَ لا يَضُرُّونَ إلّا أنْفُسَهُمْ؛ ﴿وتَوَكَّلْ﴾؛ أيْ: في شَأْنِهِمْ؛ وغَيْرِهِ؛ ﴿عَلى اللَّهِ﴾؛ أيْ: الَّذِي لا يَخْرُجُ شَيْءٌ عَنْ مُرادِهِ؛ ﴿وكَفى بِاللَّهِ﴾؛ أيْ: المُحِيطِ عِلْمًا وقُدْرَةً؛ ﴿وكِيلا﴾؛ فَسَتَنْظُرُ كَيْفَ تَكُونُ العاقِبَةُ في أمْرِكَ وأمْرِهِمْ.

82

أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْءَانَ ۚ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُوا۟ فِيهِ ٱخْتِلَٰفًۭا كَثِيرًۭا

Then do they not reflect upon the Qur'an? If it had been from [any] other than Allah, they would have found within it much contradiction.

ولَمّا كانَ سَبَبُ إبْطانِهِمْ خِلافَ ما يُظْهِرُونَهُ اعْتِقادَ أنَّهُ ﷺ رَئِيسٌ؛ لا يَعْلَمُ إلّا ما أظْهَرُوهُ؛ لا رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ وأخْفى؛ سَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ - عَلى وجْهِ الإنْكارِ - إرْشادَهم إلى الِاسْتِدْلالِ عَلى رِسالَتِهِ؛ بِما يُزِيحُ الشَّكَّ؛ ويُوَضِّحُ الأمْرَ؛ وهو تَدَبُّرُ هَذا القُرْآنِ المُتَناسِبِ المَعانِي؛ المُعْجِزِ المَبانِي؛ الفائِتِ لِقُوى المَخالِيقِ؛ المُظْهِرِ لِخَفاياهُمْ؛ عَلى اجْتِهادِهِمْ في إخْفائِها؛ فَقالَ - سُبْحانَهُ وتَعالى - دالًّا عَلى وُجُوبِ النَّظَرِ في القُرْآنِ؛ والِاسْتِخْراجِ لِلْمَعانِي مِنهُ -: ﴿أفَلا يَتَدَبَّرُونَ﴾؛ أيْ: يَتَأمَّلُونَ؛ يُقالُ: ”تَدَبَّرْتَ الشَّيْءَ“؛ إذا تَفَكَّرْتَ في عاقِبَتِهِ؛ وآخِرِ أمْرِهِ؛ ﴿القُرْآنَ﴾؛ أيْ: الجامِعَ لِكُلِّ ما يُرادُ عِلْمُهُ مِن تَمْيِيزِ الحَقِّ مِنَ الباطِلِ؛ عَلى نِظامٍ لا يَخْتَلُّ؛ ونَهْجٍ لا يُمَلُّ؛ قالَ المَهْدَوِيُّ: وهَذا دَلِيلٌ عَلى وُجُوبِ تَعَلُّمِ مَعانِي القُرْآنِ؛ وفَسادِ قَوْلِ مَن قالَ: لا يَجُوزُ أنْ يُؤْخَذَ مِنهُ إلّا ما ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ؛ ومَنعِ أنْ يُتَأوَّلَ عَلى ما يُسَوِّغُهُ لِسانُ العَرَبِ؛ وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى النَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ.

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: ”فَلَوْ كانَ مِن عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَمْ يُخْبِرْ بِأسْرارِهِمْ“؛ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿ولَوْ كانَ مِن عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ الكامِلَةُ - كَما زَعَمَ الكُفّارُ -؛ ﴿لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾؛ أيْ: في المَعْنى؛ بِالتَّناقُضِ؛ والتَّخَلُّفِ عَنِ الصِّدْقِ في الإخْبارِ بِالمُغَيَّباتِ؛ أوْ بَعْضِها؛ وفي النَّظْمِ؛ بِالتَّفاوُتِ في الإعْجازِ؛ فَإذا عَلِمُوا أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ بِهَذا الدَّلِيلِ القَطْعِيِّ؛ حَفِظُوا سَرائِرَهم كَما يَحْفَظُونَ عَلانِيّاتِهِمْ؛ لِأنَّ الأمْرَ بِالطّاعَةِ مُسْتَوٍ عِنْدَ السِّرِّ والعَلَنِ؛ والتَّقَيُّدَ بِالكَثِيرِ يُفِيدُ أنَّ المَخْلُوقَ عاجِزٌ عَنِ التَّحَرُّزِ مِنَ النَّقْصِ العَظِيمِ بِنَفْسِهِ؛ وإفْهامُهُ - عِنْدَ اسْتِثْناءِ نَقِيضِ التّالِي - وُجُودَ الِاخْتِلافِ اليَسِيرِ فِيهِ؛ تَدْفَعُهُ الصَّرائِحُ.

83

وَإِذَا جَآءَهُمْ أَمْرٌۭ مِّنَ ٱلْأَمْنِ أَوِ ٱلْخَوْفِ أَذَاعُوا۟ بِهِۦ ۖ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى ٱلرَّسُولِ وَإِلَىٰٓ أُو۟لِى ٱلْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ ٱلَّذِينَ يَسْتَنۢبِطُونَهُۥ مِنْهُمْ ۗ وَلَوْلَا فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُۥ لَٱتَّبَعْتُمُ ٱلشَّيْطَٰنَ إِلَّا قَلِيلًۭا

And when there comes to them information about [public] security or fear, they spread it around. But if they had referred it back to the Messenger or to those of authority among them, then the ones who [can] draw correct conclusions from it would have known about it. And if not for the favor of Allah upon you and His mercy, you would have followed Satan, except for a few.

ولَمّا أمَرَ - سُبْحانَهُ وتَعالى - بِالنَّفْرِ إلى الجِهادِ؛ عَلى الحَزْمِ والحَذَرِ؛ وأوْلاهُ الإخْبارَ بِأنَّ مِنَ النّاسِ المُغَرِّرَ؛ والمُخَذِّلَ؛ تَصْرِيحًا بِالثّانِي؛ وتَلْوِيحًا إلى الأوَّلِ؛ وحَذَّرَ مِنهُما؛ ومِن غَيْرِهِما؛ إلى أنْ خَتَمَ بِأمْرِ الماكِرِينَ؛ وبِأنَّ القُرْآنَ قَيِّمٌ لا عِوَجَ فِيهِ؛ ذَكَرَ أيْضًا المُخَذِّلِينَ والمُغَرِّرِينَ؛ عَلى وجْهٍ أصْرَحَ مِنَ الأوَّلِ؛ مُبَيِّنًا ما كانَ عَلَيْهِمْ؛ فَقالَ: ﴿وإذا جاءَهُمْ﴾؛ أيْ: هَؤُلاءِ المُزَلْزِلِينَ؛ ﴿أمْرٌ مِنَ الأمْنِ﴾؛ مِن غَيْرِ ثَبْتٍ؛ ﴿أوِ الخَوْفِ﴾؛ كَذَلِكَ؛ ﴿أذاعُوا﴾؛ أيْ: أوْقَعُوا الإذاعَةَ؛ لِما يَقْدِرُونَ عَلَيْهِ مِنَ المَفاسِدِ؛ ﴿بِهِ﴾؛ أيْ: بِسَبَبِهِ؛ مِن غَيْرِ عِلْمٍ مِنهم بِصِدْقِهِ مِن كَذِبِهِ؛ وحَقِّهِ مِن باطِلِهِ؛ ومُتَفَقِّهِ مِن مُخْتَلَفِهِ؛ فَيَحْصُلُ الضَّرَرُ البالِغُ لِأهْلِ الإسْلامِ؛ أقَلُّهُ قَلْبُ الحَقائِقِ؛ قالَ في القامُوسِ: ”أذاعَهُ“؛ و”بِهِ“: أفْشاهُ؛ ونادى بِهِ في النّاسِ؛ وذَلِكَ كَما قالُوا في أمْرِ الأمْنِ؛ حِينَ انْهَزَمَ أهْلُ الشِّرْكِ بِـ ”أُحُدٍ“؛ فَتَرَكُوا المَرْكَزَ الَّذِي وضَعَهم بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ؛ وخالَفُوا أمْرَهُ؛ وأمْرَ أمِيرِهِمْ؛ فَكانَ سَبَبَ كَرَّةِ المُشْرِكِينَ؛ وهَزِيمَةِ المُؤْمِنِينَ؛ وفي أمْرِ الخَوْفِ؛ حِينَ صاحَ الشَّيْطانُ: إنَّ مُحَمَّدًا قَدْ قُتِلَ؛ فَصَدَّقُوهُ؛ وأذاعَهُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ؛ وانْهَزَمُوا؛ وأرادُوا الِاسْتِجارَةَ بِالكُفّارِ مِن أبِي سُفْيانَ؛ وأبِي عامِرٍ؛ وكَذا ما أشاعُوهُ عِنْدَ الخُرُوجِ إلى ”بَدْرٍ“؛ المَوْعِدِ؛ مِن أنَّ أبا سُفْيانَ قَدْ جَمَعَ لَهم ما لا يُحْصى كَثْرَةً؛ وأنَّهم إنْ لَقُوهُ لَمْ يَبْقَ مِنهم أحَدٌ؛ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الإرْجافِ؛ إلى أنْ صارَتِ المَدِينَةُ تَفُورُ بِالشَّرِّ فَوَرانَ المِرْجَلِ؛ حَتّى أحْجَمُوا كُلُّهم - أوْ إلّا أقَلَّهم - حَتّى قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «”واللَّهِ لَأخْرُجَنَّ ولَوْ لَمْ يَخْرُجْ مَعِي أحَدٌ“؛» فاسْتَجابُوا حِينَئِذٍ؛ وأكْسَبَهم هَذا القَوْلُ شَجاعَةً؛ وأنالَهم طُمَأْنِينَةً؛ فَرَجَعُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ؛ وفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهم سُوءٌ؛ كَما وعَدَهُمُ اللَّهُ - سُبْحانَهُ وتَعالى - ورَسُولُهُ ﷺ إنْ صَبَرُوا واتَّقَوْا؛ فَكَذَبَ ظَنُّهُمْ؛ وصَدَقَ اللَّهُ ورَسُولُهُ؛ وفي هَذا إرْشادٌ إلى الِاسْتِدْلالِ عَلى كَوْنِ القُرْآنِ مِن عِنْدِهِ - سُبْحانَهُ وتَعالى - بِما يَكْذِبُ مِن أخْبارِهِمْ هَذِهِ الَّتِي يُشِيعُونَها؛ ويَخْتَلِفُ؛ وأنَّ ما كانَ مِن غَيْرِهِ (تَعالى) فَمُخْتَلِفٌ - وإنْ تَحَرّى فِيهِ مُتَشَبِّهٌ - وإنْ جَلَّ عَقْلُهُ وتَناهى نُبْلُهُ؛ إلّا إنِ اسْتَنَدَ عَقْلُهُ إلى ما ورَدَ عَنِ العالِمِ بِالعَواقِبِ؛ المُحِيطِ بِالكَوائِنِ عَلى لِسانِ الرُّسُلِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ؛ والتَّحِيَّةُ والإكْرامُ -؛ وإلى أنَّ القِياسَ حُجَّةٌ؛ وأنَّ تَقْلِيدَ القاصِرِ لِلْعالِمِ واجِبٌ؛ وأنَّ الِاسْتِنْباطَ واجِبٌ عَلى العُلَماءِ؛ والنَّبِيُّ ﷺ رَأْسُ العُلَماءِ؛ وإلى ذَلِكَ يُومِئُ قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿ولَوْ رَدُّوهُ﴾؛ أيْ: ذَلِكَ الأمْرَ الَّذِي لا نَصَّ فِيهِ؛ مِن قَبْلِ أنْ يَتَكَلَّمُوا بِهِ؛ ﴿إلى الرَّسُولِ﴾؛ أيْ: نَفْسِهِ - إنْ كانَ مَوْجُودًا -؛ وأخْبارِهِ - إنْ كانَ مَفْقُودًا -؛ ﴿وإلى أُولِي الأمْرِ مِنهُمْ﴾؛ أيْ: المُتَأهِّلِينَ لِأنْ يَأْمُرُوا ويَنْهَوْا؛ مِنَ الأُمَراءِ بِالفِعْلِ؛ أوْ بِالقُوَّةِ مِنَ العُلَماءِ؛ وغَيْرِهِمْ؛ ﴿لَعَلِمَهُ﴾؛ أيْ: ذَلِكَ الأمْرَ؛ عَلى حَقِيقَتِهِ؛ وهَلْ هو مِمّا يُذاعُ؛ أوْ لا؛ ﴿الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ﴾؛ أيْ: يَسْتَخْرِجُونَهُ بِفِطْنَتِهِمْ؛ …

84

فَقَٰتِلْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ ۚ وَحَرِّضِ ٱلْمُؤْمِنِينَ ۖ عَسَى ٱللَّهُ أَن يَكُفَّ بَأْسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ۚ وَٱللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًۭا وَأَشَدُّ تَنكِيلًۭا

So fight, [O Muhammad], in the cause of Allah; you are not held responsible except for yourself. And encourage the believers [to join you] that perhaps Allah will restrain the [military] might of those who disbelieve. And Allah is greater in might and stronger in [exemplary] punishment.

ولَمّا بَيَّنَ - سُبْحانَهُ وتَعالى - نِفاقَهُمُ المُقْتَضِي لِتَقاعُدِهِمْ عَنِ الجِهادِ بِأنْفُسِهِمْ؛ وتَنْشِيطِهِمْ لِغَيْرِهِمْ؛ كانَ ذَلِكَ سَبَبًا لِأنَّ يَمْضِيَ ﷺ لِأمْرِهِ - سُبْحانَهُ وتَعالى - مِن غَيْرِ التِفاتٍ إلَيْهِمْ؛ وافَقُوا أوْ نافَقُوا؛ فَقالَ - سُبْحانَهُ وتَعالى - بَعْدَ الأمْرِ بِالنَّفْرِ ثُباتٍ؛ وجَمِيعًا؛ وبَيانِ أنَّ مِنهُمُ المُبْطِئَ؛ مُشِيرًا إلى أنَّ الأمْرَ باقٍ؛ وإنْ بَطَّأ الكُلُّ -: ﴿فَقاتِلْ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ؛ ولَوْ كُنْتَ وحْدَكَ.

ولَمّا كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: فَما أفْعَلُ فِيمَن أُرْسِلْتُ إلَيْهِمْ إنْ لَمْ يَخْرُجُوا؟ قالَ - مُعْلِمًا بِأنَّهُ قَدْ جَعَلَهُ أشْجَعَ النّاسِ؛ وأعْلَمَهم بِالحُرُوبِ؛ وتَدْبِيرِها؛ وهو مَعَ تَأْيِيدِهِ بِذَلِكَ قَدْ تَكَفَّلَ بِنُصْرَتِهِ؛ ولَمْ يَكِلْهُ إلى أحَدٍ -: ﴿لا تُكَلَّفُ إلا نَفْسَكَ﴾؛ أيْ: لَيْسَ عَلَيْكَ إثْمُ أتْباعِكَ لَوْ تَخَلَّفُوا عَنْكَ؛ وقَدْ أعاذَهُمُ اللَّهُ - سُبْحانَهُ وتَعالى - مِن ذَلِكَ؛ ولا ضَرَرَ عَلَيْكَ في الدُّنْيا أيْضًا مِن تَخَلِّيهِمْ؛ فَإنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ وتَعالى - ناصِرُكَ وحْدَهُ؛ ولَيْسَ النَّصْرُ إلّا بِيَدِهِ - سُبْحانَهُ وتَعالى -؛ وما كانَ - سُبْحانَهُ وتَعالى - لِيَأْمُرَهُ بِشَيْءٍ إلّا وهو كُفُؤٌ لَهُ؛ فَهو مَلِيءٌ بِمُقاتَلَةِ الكُفّارِ كُلِّهِمْ وحْدَهُ؛ وإنْ كانُوا أهْلَ الأرْضِ كُلَّهُمْ؛ ولَقَدْ عَزَمَ في غَزْوَةِ ”بَدْرٍ“؛ المَوْعِدِ - الَّتِي قِيلَ: إنَّها سَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ - عَلى الخُرُوجِ إلى الكُفّارِ؛ ولَوْ لَمْ يَخْرُجْ مَعَهُ أحَدٌ؛ وقَدِ اقْتَدى بِهِ صاحِبُهُ الصِّدِّيقُ - رَضِيَ اللَّهُ (تَعالى) عَنْهُ - في قِتالِ أهْلِ الرِّدَّةِ؛ فَقالَ لِلصَّحابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ (تَعالى) عَنْهم -: ”واللَّهِ لَوْ لَمْ أجِدْ إلّا هاتَيْنِ - يَعْنِي ابْنَتَيْهِ: عائِشَةَ وأسْماءَ - رَضِيَ اللَّهُ (تَعالى) عَنْهُما - لَقاتَلَتُهم بِهِما“.

ولَمّا كانَ ذَلِكَ قَدْ يُفْتِرُ عَنِ الدُّعاءِ؛ قالَ: ﴿وحَرِّضِ المُؤْمِنِينَ﴾؛ أيْ: مُرْهم بِالجِهادِ؛ وانْهَهم عَنْ تَرْكِهِ؛ وعَنْ مُواصَلَةِ كُلِّ مَن يُثَبِّطُهم عَنْهُ؛ وعِظْهُمْ؛ واجْتَهِدْ في أمْرِهِمْ؛ حَتّى يَكُونُوا مُسْتَعِدِّينَ لِلنَّفْرِ مَتى نُدِبُوا؛ حَتّى كَأنَّهم - لِشِدَّةِ اسْتِعْدادِهِمْ - حاضِرُونَ في الصَّفِّ دائِمًا؛ ثُمَّ اسْتَأْنَفَ الذِّكْرَ؛ لِثَمَرَةِ ذَلِكَ؛ فَقالَ: ﴿عَسى اللَّهُ﴾؛ أيْ: الَّذِي اسْتَجْمَعَ صِفاتِ الكَمالِ؛ ﴿أنْ يَكُفَّ﴾؛ بِما لَهُ مِنَ العَظَمَةِ؛ ﴿بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾؛ أيْ: عَنْ أنْ يَمْنَعُوكَ مِن إظْهارِ الدِّينِ؛ بِقِتالِكَ؛ وقِتالِ مَن تُحَرِّضُهُ؛ ولَقَدْ فَعَلَ - سُبْحانَهُ وتَعالى - ذَلِكَ؛ فَصَدَقَ وعْدَهُ؛ ونَصَرَ عَبْدَهُ؛ وهَزَمَ الأحْزابَ وحْدَهُ؛ حَتّى ظَهَرَ الدِّينُ؛ ولا يَزالُ ظاهِرًا حَتّى يَكُونَ آخِرُ ذَلِكَ عَلى يَدِ عِيسى - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.

ولَمّا كانَ السّامِعُ رُبَّما فَهِمَ أنَّهُ لا يَتَأتّى كَفُّهم إلّا بِذَلِكَ؛ قالَ - تَرْغِيبًا؛ وتَرْهِيبًا؛ واحْتِراسًا -: ﴿واللَّهُ﴾؛ أيْ: الَّذِي لا مِثْلَ لَهُ؛ ﴿أشَدُّ بَأْسًا﴾؛ أيْ: عَذابًا؛ وشِدَّةً مِنَ المُقاتِلِينَ؛ والمُقاتَلِينَ؛ ﴿وأشَدُّ تَنْكِيلا﴾؛ أيْ: تَعْذِيبًا؛ بِأعْظَمِ العَذابِ؛ لِيَكُونَ ذَلِكَ مُهْلِكًا لِلْمُعَذَّبِ؛ ومانِعًا لِغَيْرِهِ عَنْ مِثْلِ فِعْلِهِ؛ قالَ الإمامُ أبُو عَبْدِ اللَّهِ القَزّازُ: يُقالُ: ”نَكَّلْتُهُ تَنْكِيلًا“؛ إذا عَمِلْتُ بِهِ عَمَلًا يَكُونُ نَكالًا لِغَيْرِهِ؛ أيْ: عِبْرَةً؛ فَيَرْجِعُ عَنِ المُرادِ مِن أجْلِهِ؛ وهو أنَّ النّاظِرَ إلَيْهِ؛ والَّذِي …

85

مَّن يَشْفَعْ شَفَٰعَةً حَسَنَةًۭ يَكُن لَّهُۥ نَصِيبٌۭ مِّنْهَا ۖ وَمَن يَشْفَعْ شَفَٰعَةًۭ سَيِّئَةًۭ يَكُن لَّهُۥ كِفْلٌۭ مِّنْهَا ۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ مُّقِيتًۭا

Whoever intercedes for a good cause will have a reward therefrom; and whoever intercedes for an evil cause will have a burden therefrom. And ever is Allah, over all things, a Keeper.

ولَمّا كانَ ذَلِكَ مُوجِبًا لِلرَّغْبَةِ في طاعَةِ النَّبِيِّ ﷺ لا سِيَّما في الجِهادِ؛ ولِلرَّغْبَةِ فِيمَن كانَ بِصِفَةِ المُؤْمِنِينَ مِنَ الإقْبالِ عَلى الطّاعَةِ؛ والإعْراضِ عَنْ كُلِّ مَن كانَ بِصِفَةِ المُنافِقِينَ؛ والإدامَةِ لِطَرْدِهِمْ؛ وإبْعادِهِمْ؛ والغِلْظَةِ عَلَيْهِمْ؛ والحَذَرِ مِن مُجالَسَتِهِمْ؛ حَتّى يَتَبَيَّنَ إخْلاصُهُمْ؛ وكانَ بَيْنَ كَثِيرٍ مِن خُلَّصِ الصَّحابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ (تَعالى) عَنْهم - وبَيْنَهم قَراباتٌ تُوجِبُ العَطْفَ المُقْتَضِيَ لِلشَّفَقَةِ عَلَيْهِمُ؛ الحامِلَةِ لِلشَّفاعَةِ فِيهِمْ؛ إمّا بِالإذْنِ في التَّخَلُّفِ عَنِ الجِهادِ؛ لِما يُزَخْرِفُونَ القَوْلَ مِنَ الأعْذارِ الكاذِبَةِ؛ أوْ في العَفْوِ عَنْهم عِنْدَ العُثُورِ عَلى نَقائِصِهِمْ؛ أوْ في إعانَتِهِمْ؛ أوْ إعانَةِ غَيْرِهِمْ؛ بِالمالِ؛ والنَّفْسِ؛ في أمْرِ الجِهادِ؛ عِنْدَ ادِّعاءِ أنَّ المانِعَ لَهُ عَنْهُ العَجْزُ؛ وفي غَيْرِ ذَلِكَ؛ وكانَتِ التَّوْبَةُ مَعْرُوضَةً لَهُمْ؛ ولِغَيْرِهِمْ؛ وكانَ البِرُّ ما سَكَنَ إلَيْهِ القَلْبُ؛ والإثْمُ ما حاكَ في الصَّدْرِ؛ والإنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةً؛ وكانَتِ البَواطِنُ لا يَعْلَمُها إلّا اللَّهُ - سُبْحانَهُ وتَعالى -؛ وكانَ الإنْسانُ رُبَّما أظْهَرَ شَرًّا في صُورَةِ خَيْرٍ؛ رَغَّبَ - سُبْحانَهُ وتَعالى - في البِرِّ؛ وحَذَّرَ مِنَ الإثْمِ؛ بِقَوْلِهِ - مُعَمِّمًا؛ مُسْتَأْنِفًا في جَوابِ مَن كَأنَّهُ قالَ: أما تُقْبَلُ فِيهِمْ شَفاعَةٌ؟ -: ﴿مَن يَشْفَعْ﴾؛ أيْ: يُوجِدْ؛ ويُجَدِّدْ؛ كائِنًا مَن كانَ؛ في أيِّ وقْتٍ كانَ؛ ﴿شَفاعَةً حَسَنَةً﴾؛ أيْ: يُقِيمُ بِها عُذْرَ المُسْلِمِ؛ في كُلِّ ما يَجُوزُ في الدِّينِ؛ لِيُوَصِّلَ إلَيْهِ خَيْرًا؛ أوْ يَدْفَعَ عَنْهُ ضَيْرًا؛ ﴿يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنها﴾؛ بِأجْرِ تَسَبُّبِهِ في الخَيْرِ؛ ﴿ومَن يَشْفَعْ﴾؛ كائِنًا مَن كانَ؛ في أيِّ زَمانٍ كانَ؛ ﴿شَفاعَةً سَيِّئَةً﴾؛ أيْ: بِالذَّبِّ عَنْ مُجْرِمٍ في أمْرٍ لا يَجُوزُ؛ والتَّسَبُّبِ في إعْلائِهِ؛ وجَبْرِ دائِهِ؛ وعَظَّمَ الشَّفاعَةَ السَّيِّئَةَ لِأنَّ دَرْءَ المَفاسِدِ أوْلى مِن جَلْبِ المَصالِحِ؛ فَقالَ - مُعَبِّرًا بِما يُفْهِمُ النَّصِيبَ؛ ويُفْهِمُ أكْثَرَ مِنهُ؛ تَغْلِيظًا في الزَّجْرِ -: ﴿يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنها﴾؛ وهَذا بَيانٌ لِأنَّ الشَّفاعَةَ فِيهِمْ سَيِّئَةٌ؛ إنْ تَحَقَّقَ إجْرامُهُمْ؛ حَسَنَةٌ؛ إنْ عُلِمَتْ تَوْبَتُهُمْ؛ وإسْلامُهم.

ولَمّا كانَ كُلٌّ مِن تَحْرِيضِ المُؤْمِنِينَ عَلى الجِهادِ؛ والشَّفاعَةِ الحَسَنَةِ؛ مِن وادِي: «”مَن سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً؛ كانَ لَهُ أجْرُها وأجْرُ مَن عَمِلَ بِها إلى يَوْمِ القِيامَةِ“؛» حَسُنَ اقْتِرانُهُما جِدًّا؛ والنَّصِيبُ قَدْرٌ مُتَمَيِّزٌ مِنَ الشَّيْءِ؛ يَخُصُّ مَن هو لَهُ؛ وكَذا الكِفْلُ؛ إلّا أنَّ الِاسْتِعْمالَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ أعْظَمُ مِنَ النَّصِيبِ؛ ويُؤَيِّدُهُ ما قالُوا؛ مِن أنَّهُ قَدْ يُرادُ بِهِ الضِّعْفُ؛ فَكَأنَّهُ نَصِيبٌ مُتَكَفِّلٌ بِما هو لَهُ مِن إسْعادٍ؛ وإبْعادٍ؛ قالَ أهْلُ اللُّغَةِ: ”النَّصِيبُ“: الحَظُّ؛ و”الكِفْلُ“؛ بِالكَسْرِ: الضِّعْفُ؛ والنَّصِيبُ؛ والحَظُّ؛ ومادَّةُ ”نَصَبَ“؛ تَدُورُ عَلى العَلَمِ المَنصُوبِ؛ ويَلْزَمُهُ الرَّفْعُ؛ والوَضْعُ؛ والتَّمْيِيزُ؛ والأصْلُ؛ والمَرْجِعُ؛ والتَّعَبُ؛ فَيَلْزَمُهُ الوَجَعُ؛ ومِن لَوازِمِهِ أيْضًا الحَدُّ؛ والغايَةُ؛ والجِدُّ؛ والوُقُوفُ؛ ومادَّةُ ”كَفَلَ“؛ تَدُورُ عَلى ”الكِفَلُ“؛ بِالتَّحْرِيكِ؛ وهو العَجْزُ؛ أوْ رِدْفُهُ؛ ويَلْزَمُهُ الصَّحابَةُ؛ واللِّينُ؛ والرِّفْقُ؛ والتَّأخُّرُ؛ وقالَ الإمامُ: ”الكِفْلُ“؛ هو النَّصِيبُ الَّذِي عَلَيْهِ يَعْتَمِدُ الإنْسانُ في تَحْصِيلِ …

86

وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍۢ فَحَيُّوا۟ بِأَحْسَنَ مِنْهَآ أَوْ رُدُّوهَآ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ حَسِيبًا

And when you are greeted with a greeting, greet [in return] with one better than it or [at least] return it [in a like manner]. Indeed, Allah is ever, over all things, an Accountant.

ولَمّا كانَ ذَلِكَ مُوجِبًا لِلْإعْراضِ عَنْهم رَأْسًا؛ ومُنابَذَتِهِمْ؛ قَوْلًا؛ وفِعْلًا؛ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ وتَعالى - أنَّ التَّحِيَّةَ لَيْسَتْ مِن وادِي الشَّفاعَةِ؛ وأنَّ الشَّفاعَةَ تابِعَةٌ لِلْعَمَلِ؛ والتَّحِيَّةَ تابِعَةٌ لِلظّاهِرِ؛ فَقالَ - سُبْحانَهُ وتَعالى - عاطِفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: ”فَلا تَشْفَعُوا فِيهِمْ وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ سُوءَ مَقاصِدِهِمْ“؛ فَقالَ - مُعَبِّرًا بِأداةِ التَّحَقُّقِ؛ بِشارَةً لَهم بِأنَّهم يَصِيرُونَ - بَعْدَ ما هم فِيهِ الآنَ مِنَ النَّكَدِ - مُلُوكًا؛ وفي حُكْمِ المُلُوكِ؛ يَحْيَوْنَ؛ ويُشْفَعُ عِنْدَهُمْ؛ وحَثًّا عَلى التَّواضُعِ -: ﴿وإذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ﴾؛ أيْ: أيِّ تَحِيَّةٍ كانَتْ؛ إذا كانَتْ مَشْرُوعَةً؛ وأصْلُ التَّحِيَّةِ المُلْكُ؛ واشْتِقاقُها مِن ”الحَياةُ“؛ فَكَأنَّ حَياةَ المُلْكِ هي الحَياةُ؛ وما عَداها عَدَمٌ؛ ثُمَّ أُطْلِقَتْ عَلى كُلِّ دُعاءٍ يُبْدَأُ بِهِ عِنْدَ اللِّقاءِ؛ وقالَ الأصْبَهانِيُّ: لَفْظُ التَّحِيَّةِ صارَ كِنايَةً عَنِ الإكْرامِ؛ فَجَمِيعُ أنْواعِ الإكْرامِ تَدْخُلُ تَحْتَ لَفْظِ التَّحِيَّةِ؛ ﴿فَحَيُّوا بِأحْسَنَ مِنها﴾؛ كَأنْ تَزِيدُوا عَلَيْها؛ ﴿أوْ رُدُّوها﴾؛ أيْ: مِن غَيْرِ زِيادَةٍ؛ ولا نَقْصٍ؛ وذَلِكَ دالٌّ عَلى وُجُوبِ رَدِّ السَّلامِ - مِنَ الأمْرِ؛ وعَلى الفَوْرِ - مِنَ الفاءِ؛ والإجْماعُ مُوافِقٌ لِذَلِكَ؛ وتَرْكُ الجَوابِ إهانَةٌ؛ والإهانَةُ ضَرَرٌ؛ والضَّرَرُ حَرامٌ؛ قالَ الأصْبَهانِيُّ: والمُبْتَدِئُ يَقُولُ: ”السَّلامُ عَلَيْكُمْ“؛ والمُجِيبُ يَقُولُ: ”وعَلَيْكُمُ السَّلامُ“؛ لِيَكُونَ الِافْتِتاحُ والِاخْتِتامُ بِذِكْرِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ وتَعالى.

وما أحْسَنَ جَعْلَها تالِيَةً لِآيَةِ الجِهادِ؛ إشارَةً إلى أنَّ مَن بَذَلَ السَّلامَ وجَبَ الكَفُّ عَنْهُ؛ ولَوْ كانَ في الحَرْبِ؛ عَلى أنَّ مِن مُقْتَضَياتِ هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ أنَّ مَبْنى هَذِهِ السُّورَةِ عَلى النَّدْبِ إلى الإحْسانِ؛ والتَّعاطُفِ؛ والتَّواصُلِ؛ وسَبَبُ ذَلِكَ إمّا المالُ؛ وقَدْ تَقَدَّمَ الأمْرُ بِهِ في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وإذا حَضَرَ القِسْمَةَ﴾ [النساء: ٨]؛ وإمّا غَيْرُهُ؛ ومِن أعْظَمِهِ القَوْلُ؛ لِأنَّهُ تُرْجُمانُ القَلْبِ؛ الَّذِي بِهِ العَطْفُ؛ ومِن أعْظَمِ ذَلِكَ الشَّفاعَةُ؛ والتَّحِيَّةُ؛ قالَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - فِيما أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ؛ والأرْبَعَةُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: «”والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ؛ لا تَدْخُلُوا الجَنَّةَ حَتّى تُؤْمِنُوا؛ ولا تُؤْمِنُوا حَتّى تَحابُّوا؛ أفَلا أدُلُّكم عَلى أمْرٍ إذا فَعَلْتُمُوهُ تَحابَبْتُمْ؛ أفْشُوا السَّلامَ بَيْنَكُمْ“؛» فَناسَبَ ذِكْرَ هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ بَعْدَ ذِكْرِ آيَةِ الجِهادِ؛ المُخْتَتَمَةِ بِالبَأْسِ؛ والتَّنْكِيلِ.

ولَمّا كانَتِ الشَّفاعَةُ أعْظَمَها في الإحْسانِ؛ قُدِّمَتْ؛ ولا سِيَّما؛ ومُوجِبُها الإعْراضُ؛ ومَقْصِدُ السُّورَةِ التَّواصُلُ؛ فَشَأْنُها أهَمُّ؛ والنَّظَرُ إلَيْها آكَدُ؛ ثُمَّ رَغَّبَ في الإحْسانِ في الرَّدِّ؛ ورَهَّبَ مِن تَرْكِهُ؛ بِقَوْلِهِ – مُعَلِّلًا -: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ؛ عِلْمًا وقُدْرَةً؛ ﴿كانَ﴾؛ أيْ: أزَلًا؛ وأبَدًا؛ ﴿عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا﴾؛ أيْ: مُحْصِيًا لِجَمِيعِ المُتَعَدِّداتِ؛ دَقِيقِها وجَلِيلِها؛ كافِيًا لَها في أقْواتِها؛ ومَثُوباتِها؛ مُحاسِبًا بِها؛ مُجازِيًا عَلَيْها؛ وذَلِكَ كُلُّهُ شَأْنُ المُقِيتِ؛

87

ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۚ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَٰمَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ ۗ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ ٱللَّهِ حَدِيثًۭا

Allah - there is no deity except Him. He will surely assemble you for [account on] the Day of Resurrection, about which there is no doubt. And who is more truthful than Allah in statement.

ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ - دالًّا عَلى تَلازُمِ التَّوْحِيدِ؛ والعَدْلِ -: ﴿اللَّهُ﴾؛ أيْ: الَّذِي لا مِثْلَ لَهُ؛ ﴿لا إلَهَ إلا هُوَ﴾؛ أيْ: وقَدْ أمَرَكم بِالعَدْلِ في الشَّفاعَةِ؛ والسَّلامِ؛ فَإنْ لَمْ تَفْعَلُوهُ - لِما لَكم مِنَ النَّقائِصِ الَّتِي مِنها عَدَمُ الوَحْدانِيَّةِ - فَهو فاعِلُهُ؛ ولا بُدَّ فاحْذَرُوهُ؛ لِأنَّهُ واحِدٌ؛ فَلا مُعارِضَ لَهُ في شَيْءٍ مِنَ الحِسابِ؛ ولا غَيْرِهِ؛ ولا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ؛ فالحُكْمُ عَلى البَواطِنِ إنَّما هو لَهُ (تَعالى)؛ وأمّا أنْتُمْ فَلَمْ تُكَلَّفُوا إلّا بِالظّاهِرِ.

ولَمّا تَبَيَّنَ أنَّهُ لا مَعارِضَ لَهُ أنْتَجَ قَوْلَهُ - مُبَيِّنًا لِوَقْتِ الحِسابِ الأعْظَمِ -: ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ﴾؛ وأكَّدَهُ بِاللّامِ؛ والنُّونِ؛ دَلالَةً عَلى تَقْدِيرِ القَسَمِ؛ لِإنْكارِ المُنْكِرِينَ لَهُ؛ ولَمّا كانَ التَّدْرِيجُ بِالإماتَةِ شَيْئًا؛ فَشَيْئًا؛ عَبَّرَ بِحَرْفِ الغايَةِ؛ فَقالَ: ﴿إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾؛ والهاءُ لِلْمُبالَغَةِ؛ ثُمَّ أكَّدَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾؛ أيْ: فَيَفْصِلُ بَيْنَكم وبَيْنَ مَن أخْبَرَكم بِهِمْ مِنَ المُنافِقِينَ؛ ونَقَدَ أحْوالَهُمْ؛ وبَيَّنَ مَحالَّهُمْ؛ فَيُجازِي كُلًّا بِما يَسْتَحِقُّ.

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: ”فَمَن أعْظَمُ مِنَ اللَّهِ قُدْرَةً؟“؛ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿ومَن أصْدَقُ مِنَ اللَّهِ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ؛ فَلا شَوْبُ نَقْصٍ يَلْحَقُهُ؛ ﴿حَدِيثًا﴾؛ وهو قَدْ وعَدَ بِذَلِكَ؛ لِأنَّهُ عَيْنُ الحِكْمَةِ؛ وأقْسَمَ عَلَيْهِ؛ فَلا بُدَّ مِن وُقُوعِهِ؛

88

۞ فَمَا لَكُمْ فِى ٱلْمُنَٰفِقِينَ فِئَتَيْنِ وَٱللَّهُ أَرْكَسَهُم بِمَا كَسَبُوٓا۟ ۚ أَتُرِيدُونَ أَن تَهْدُوا۟ مَنْ أَضَلَّ ٱللَّهُ ۖ وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُۥ سَبِيلًۭا

What is [the matter] with you [that you are] two groups concerning the hypocrites, while Allah has made them fall back [into error and disbelief] for what they earned. Do you wish to guide those whom Allah has sent astray? And he whom Allah sends astray - never will you find for him a way [of guidance].

وإذْ قَدْ تَحَرَّرَ بِما مَضى أنَّ المُنافِقِينَ كَفَرَةٌ؛ لا لَبْسَ في أمْرِهِمْ؛ وكَشَفَ - سُبْحانَهُ وتَعالى - الحُكْمَ في باطِنِ أمْرِهِمْ بِالشَّفاعَةِ؛ وظاهِرِهِ بِالتَّحِيَّةِ؛ وحَذَّرَ مَن خالَفَ ذَلِكَ بِما أوْجَبَتْهُ عَلى نَفْسِهِ حِكْمَتُهُ مِنَ الجَمْعِ لِيَوْمِ الفَصْلِ؛ لِلْحُكْمِ بِالعَدْلِ؛ وخَتَمَ بِأنَّ الخَبَرَ عَنْهُمْ؛ وعَنْ جَمِيعِ ذَلِكَ صِدْقٌ؛ كانَ ذَلِكَ سَبَبًا لِجَزْمِ القَوْلِ بِشَقاوَتِهِمْ؛ والإعْراضِ عَنْهُمْ؛ والبُعْدِ عَنِ الشَّفاعَةِ فِيهِمْ؛ والإجْماعِ عَلى ذَلِكَ مِن كُلِّ مُؤْمِنٍ؛ وإنْ كانَ مَبْنى السُّورَةِ عَلى التَّواصُلِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ إنَّما هو حَيْثُ لا يُؤَدِّي إلى مُقاطَعَةِ أمْرِ اللَّهِ؛ فَقالَ (تَعالى) - مُبَكِّتًا لِمَن تَوَقَّفَ عَنِ الجَزْمِ بِإبْعادِهِمْ -: ﴿فَما لَكُمْ﴾؛ أيُّها المُؤْمِنُونَ؛ ﴿فِي المُنافِقِينَ﴾؛ أيْ: أيُّ شَيْءٍ لَكم مِن أُمُورِ الدُّنْيا؛ أوِ الآخِرَةِ؛ في افْتِراقِكم فِيهِمْ ﴿فِئَتَيْنِ﴾؛ بَعْضُكم يَشْتَدُّ عَلَيْهِمْ؛ وبَعْضُكم يَرْفُقُ بِهِمْ؟

ولَمّا كانَ هَذا ظاهِرًا في بُرُوزِ الأمْرِ المُطاعِ بَيْنَ القَوْلِ بِكُفْرِهِمْ؛ وضَّحَهُ بِقَوْلِهِ؛ ﴿واللَّهُ﴾؛ أيْ: والحالُ أنَّ المَلِكَ الَّذِي لا أمْرَ لِأحَدٍ مَعَهُ؛ ﴿أرْكَسَهُمْ﴾؛ أيْ: رَدَّهم مَنكُوسِينَ؛ مَقْلُوبِينَ؛ ﴿بِما كَسَبُوا﴾؛ أيْ: بَعْدَ إقْرارِهِمْ بِالإيمانِ؛ مِن مِثْلِ هَذِهِ العَظائِمِ؛ فاحْذَرُوا ذَلِكَ؛ ولا تَخْتَلِفُوا في أمْرِهِمْ بَعْدَ هَذا البَيانِ؛ وفي غَزْوَةِ ”أُحُدٍ“؛ والتَّفْسِيرِ مِنَ البُخارِيِّ؛ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ - رَضِيَ اللَّهُ (تَعالى) عَنْهُ - قالَ: «”لَمّا خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ إلى“أُحُدٍ”؛ رَجَعَ ناسٌ مِمَّنْ خَرَجَ مَعَهُ؛ وكانَ أصْحابُ النَّبِيِّ ﷺ فِرْقَتَيْنِ: فِرْقَةً تَقُولُ: نُقاتِلُهُمْ؛ وفِرْقَةً تَقُولُ: لا نُقاتِلُهُمْ؛ فَنَزَلَتْ: ﴿فَما لَكم في المُنافِقِينَ﴾؛ الآيَةَ؛ وقالَ: إنَّها طَيِّبَةٌ تَنْفِي الذُّنُوبَ؛ وفي رِوايَةٍ: كَما تَنْفِي النّارُ خَبَثَ الفِضَّةِ“؛» انْتَهى؛ فالمَعْنى حِينَئِذٍ: ”اتَّفِقُوا عَلى أنْ تَسِيرُوا فِيها بِما يَنْزِلُ عَلَيْكم في هَذِهِ الآياتِ“؛ ولَمّا كانَ حالُ مَن يَرْفُقُ بِهِمْ حالَ مَن يُرِيدُ هِدايَتَهُمْ؛ أنْكَرَ - سُبْحانَهُ وتَعالى - ذَلِكَ عَلَيْهِمْ صَرِيحًا؛ لِبَتِّ الأمْرِ في كُفْرِهِمْ؛ فَقالَ: ﴿أتُرِيدُونَ﴾؛ أيْ: أيُّها المُؤْمِنُونَ؛ ﴿أنْ تَهْدُوا﴾؛ أيْ: تُوجِدُوا الهِدايَةَ في قَلْبِ؛ ﴿مَن أضَلَّ اللَّهُ﴾؛ أيْ: وهو المَلِكُ الأعْظَمُ؛ الَّذِي لا يُرَدُّ لَهُ أمْرٌ؛ وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ومَن﴾؛ أيْ: والحالُ أنَّهُ مَن ﴿يُضْلِلِ اللَّهُ﴾؛ أيْ: بِمَجامِعِ أسْمائِهِ؛ وصِفاتِهِ؛ ﴿فَلَنْ تَجِدَ﴾؛ أيْ: أصْلًا؛ أيُّها المُخاطَبُ؛ كائِنًا مَن كانَ؛ ﴿لَهُ سَبِيلا﴾؛ أيْ: إلى ما أضَلَّهُ عَنْهُ أصْلًا؛ والمَعْنى: إنْ كانَ رِفْقُكم بِهِمْ رَجاءَ هِدايَتِهِمْ؛ فَذَلِكَ أمْرٌ لَيْسَ إلّا لِلَّهِ؛ وإنَّما عَلَيْكم أنْتُمُ الدُّعاءُ؛ فَمَن أجابَ صارَ أهْلًا لِلْمُواصَلَةِ؛ ومَن أبى صارَتْ مُقاطَعَتُهُ دِينًا؛ وقَتْلُهُ قُرْبَةً؛ والإغْلاظُ عَلَيْهِ واجِبًا.

89

وَدُّوا۟ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا۟ فَتَكُونُونَ سَوَآءًۭ ۖ فَلَا تَتَّخِذُوا۟ مِنْهُمْ أَوْلِيَآءَ حَتَّىٰ يُهَاجِرُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ۚ فَإِن تَوَلَّوْا۟ فَخُذُوهُمْ وَٱقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ ۖ وَلَا تَتَّخِذُوا۟ مِنْهُمْ وَلِيًّۭا وَلَا نَصِيرًا

They wish you would disbelieve as they disbelieved so you would be alike. So do not take from among them allies until they emigrate for the cause of Allah. But if they turn away, then seize them and kill them wherever you find them and take not from among them any ally or helper.

ولَمّا أخْبَرَ بِضَلالِهِمْ وثَباتِهِمْ عَلَيْهِ؛ أعْلَمَ بِإعْراقِهِمْ فِيهِ؛ فَقالَ: ﴿ودُّوا﴾؛ أيْ: أحَبُّوا؛ وتَمَنَّوْا تَمَنِّيًا واسِعًا؛ ﴿لَوْ تَكْفُرُونَ﴾؛ أيْ: تُوجِدُونَ الكُفْرَ؛ وتُجَدِّدُونَهُ؛ وتَسْتَمِرُّونَ عَلَيْهِ دائِمًا؛ ﴿كَما كَفَرُوا﴾؛ ولَمّا لَمْ يَكُنْ بَيْنَ وُدِّهِمْ لِكُفْرِهِمْ؛ وكَوْنِهِمْ مُساوِينَ لَهُمْ؛ تَلازُمٌ؛ عَطَفَ عَلى الفِعْلِ المَوْدُودِ - ولَمْ يُسَبِّبْ - قَوْلَهُ: ﴿فَتَكُونُونَ﴾؛ أيْ: ووَدُّوا أنْ يَتَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ؛ ويَتَعَقَّبَهُ أنْ تَكُونُوا أنْتُمْ وهُمْ؛ ﴿سَواءً﴾؛ أيْ: في الضَّلالِ؛ أيْ: تُوجِدُونَ الكُفْرَ؛ وتُجَدِّدُونَهُ؛ وتَسْتَمِرُّونَ عَلَيْهِ دائِمًا؛ فَأنْتُمْ تَرْجُونَ في زَمانِ الرِّفْقِ بِهِمْ هِدايَتَهُمْ؛ وهم يَوَدُّونَ فِيهِ كُفْرَكُمْ؛ وضَلالَكُمْ؛ فَقَدْ تَباعَدْتُمْ في المَذاهِبِ؛ وتَبايَنْتُمْ في المَقاصِدِ.

ولَمّا أخْبَرَ بِهَذِهِ الوَدادَةِ؛ سَبَّبَ عَنْهُ أمْرَهم بِالبَراءَةِ مِنهم حَتّى يُصْلِحُوا؛ بَيانًا لِأنَّ قَوْلَهم في الإيمانِ لا يُقْبَلُ ما لَمْ يُصَدِّقُوهُ بِفِعْلٍ؛ فَقالَ: ﴿فَلا تَتَّخِذُوا﴾؛ أيْ: أيُّها المُؤْمِنُونَ؛ ﴿مِنهم أوْلِياءَ﴾؛ أيْ: أقْرِباءَ مِنكُمْ؛ ﴿حَتّى يُهاجِرُوا﴾؛ أيْ: يُوقِعُوا المُهاجَرَةَ؛ ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾؛ أيْ: يَهْجُرُوا مَن خالَفَهم في ذاتِ مَن لا شَبَهَ لَهُ؛ ويَتَسَبَّبُوا في هِجْرانِهِ لَهُمْ؛ إنْ كانُوا في دارِ الحَرْبِ؛ فَبِتَرْكِها؛ وإنْ كانُوا عِنْدَكم فَبِتَرْكِ مُوادَّةِ الكَفَرَةِ؛ والمُوافَقَةِ لَهم في أقْوالِهِمْ؛ وأفْعالِهِمْ؛ وإنْ كانُوا أقْرَبَ أقْرِبائِهِمْ؛ وهِجْرَتُهم في جَمِيعِ ذَلِكَ بِمُواصَلَتِكم في جَمِيعِ أقْوالِكُمْ؛ وأفْعالِكُمْ؛ والهِجْرَةُ العامَّةُ هي تَرْكُ ما نَهى اللَّهُ - سُبْحانَهُ وتَعالى -؛ ورَسُولُهُ ﷺ عَنْهُ. ولَمّا نَهى عَنْ مُوالاتِهِمْ؛ وغَيّى النَّهْيَ بِالهِجْرَةِ؛ سَبَّبَ عَنْهُ قَوْلَهُ: ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا﴾؛ أيْ: عَنِ الهِجْرَةِ المَذْكُورَةِ؛ ﴿فَخُذُوهُمْ﴾؛ أيْ: اقْهَرُوهم بِالأسْرِ؛ وغَيْرِهِ؛ ﴿واقْتُلُوهم حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾؛ أيْ: في حِلٍّ؛ أوْ حَرَمٍ؛ ولَمّا كانُوا في هَذِهِ الحالَةِ لا يُوالُونَ المُؤْمِنِينَ إلّا تَكَلُّفًا؛ قالَ: ﴿ولا تَتَّخِذُوا﴾؛ أيْ: تَتَكَلَّفُوا أنْ تَأْخُذُوا؛ ﴿مِنهم ولِيًّا﴾؛ أيْ: مَن تَفْعَلُونَ مَعَهُ فِعْلَ المُقارِبِ المُصافِي؛ ﴿ولا نَصِيرًا﴾؛ عَلى أحَدٍ مِن أعْدائِكُمْ؛ بَلْ جانِبُوهم مُجانَبَةً كُلِّيَّةً.

90

إِلَّا ٱلَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَىٰ قَوْمٍۭ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَٰقٌ أَوْ جَآءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَن يُقَٰتِلُوكُمْ أَوْ يُقَٰتِلُوا۟ قَوْمَهُمْ ۚ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَٰتَلُوكُمْ ۚ فَإِنِ ٱعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَٰتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا۟ إِلَيْكُمُ ٱلسَّلَمَ فَمَا جَعَلَ ٱللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًۭا

Except for those who take refuge with a people between yourselves and whom is a treaty or those who come to you, their hearts strained at [the prospect of] fighting you or fighting their own people. And if Allah had willed, He could have given them power over you, and they would have fought you. So if they remove themselves from you and do not fight you and offer you peace, then Allah has not made for you a cause [for fighting] against them.

ولَمّا كانَ - سُبْحانَهُ وتَعالى - قَدْ أمَرَ فِيهِمْ عَلى تَقْدِيرِ تَوَلِّيهِمْ بِما أمَرَ؛ اسْتَثْنى مِنهُ؛ فَقالَ: ﴿إلا الَّذِينَ يَصِلُونَ﴾؛ فِرارًا مِنكُمْ؛ وهم مِنَ الكُفّارِ عِنْدَ الجُمْهُورِ؛ ﴿إلى قَوْمٍ بَيْنَكم وبَيْنَهم مِيثاقٌ﴾؛ أيْ: عَهْدٌ وثِيقٌ بِألّا تُقاتِلُوهُمْ؛ ولا تُقاتِلُوا مَن لَجَأ إلَيْهِمْ؛ أوْ دَخَلَ فِيما دَخَلُوا فِيهِ؛ فَكُفُّوا حِينَئِذٍ عَنْ أخْذِهِمْ؛ وقَتْلِهِمْ؛ ﴿أوْ﴾؛ الَّذِينَ ﴿جاءُوكُمْ﴾؛ حالَ كَوْنِهِمْ ﴿حَصِرَتْ﴾؛ أيْ: ضاقَتْ؛ وهابَتْ؛ وأحْجَمَتْ ﴿صُدُورُهم أنْ﴾؛ أيْ: عَنْ أنْ؛ ﴿يُقاتِلُوكُمْ﴾؛ أيْ: لِأجْلِ دِينِهِمْ؛ وقَوْمِهِمْ؛ ﴿أوْ يُقاتِلُوا قَوْمَهُمْ﴾؛ أيْ: لِأجْلِكُمْ؛ فِرارًا أنْ يَكُفُّوا عَنْ قِتالِكُمْ؛ وقِتالِ قَوْمِهِمْ؛ فَلا تَأْخُذُوهُمْ؛ ولا تُقاتِلُوهُمْ؛ لِأنَّهم كالمُسالِمِينَ بِتَرْكِ القِتالِ؛ ولَعَلَّهُ عَبَّرَ بِالماضِي في ”جاءَ“؛ إشارَةً إلى أنَّ شَرْطَ مُساواتِهِمْ لِلْواصِلِينَ إلى المُعاهِدِينَ عَدَمُ التَّكَرُّرِ؛ فَإنْ تَكَرَّرَ ذَلِكَ مِنهم فَهُمُ الآخَرُونَ الآتِي حُكْمُهم.

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: ”فَلَوْ شاءَ اللَّهُ لِجَعَلَهم مَعَ قَوْمِهِمْ إلْبًا واحِدًا عَلَيْكُمْ“؛ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿ولَوْ﴾؛ أيْ: يَكُونُ المَعْنى: والحالُ أنَّهُ لَوْ ﴿شاءَ اللَّهُ﴾؛ أيْ: وهو المُتَّصِفُ بِكُلِّ كَمالٍ؛ ﴿لَسَلَّطَهُمْ﴾؛ أيْ: هَؤُلاءِ الواصِلِينَ؛ والجائِينَ عَلى تِلْكَ الحالِ مِنَ الكُفّارِ؛ ﴿عَلَيْكُمْ﴾؛ يُنَوِّعُ مِن أنْواعِ التَّسْلِيطِ؛ تَسْلِيطًا جارِيًا عَلى الأسْبابِ؛ ومُقْتَضى العَوائِدِ؛ لِأنَّ بِهِمْ قُوَّةً عَلى قِتالِكُمْ؛ ﴿فَلَقاتَلُوكُمْ﴾؛ أيْ: فَتَسَبَّبَ عَنْ هَذا التَّسْلِيطِ أنَّهم قاتَلُوكم مُنْفَرِدِينَ؛ أوْ مَعَ غَيْرِهِمْ مِن أعْدائِكُمْ؛ واللّامُ فِيهِ جَوابُ ”لَوْ“؛ عَلى التَّكْرِيرِ؛ أوِ البَدَلِ مِن ”سَلَّطَ“.

ولَمّا كانَ المُغَيّى عَلى النَّهْيِ عَنْ قِتالِهِمْ حِينَئِذٍ؛ صَرَّحَ بِهِ في قَوْلِهِ: ﴿فَإنِ اعْتَزَلُوكُمْ﴾؛ أيْ: هَؤُلاءِ الَّذِينَ أمَرْتُكم بِالكَفِّ عَنْهم مِنَ المُنافِقِينَ؛ فَكَفُّوا عَنْكُمْ؛ ﴿فَلَمْ يُقاتِلُوكُمْ﴾؛ مُنْفَرِدِينَ؛ ولا مُجْتَمِعِينَ مَعَ غَيْرِهِمْ؛ ﴿وألْقَوْا إلَيْكُمُ السَّلَمَ﴾؛ أيْ: الِانْقِيادَ؛ ﴿فَما جَعَلَ اللَّهُ﴾؛ أيْ: الَّذِي لا أمْرَ لِأحَدٍ مَعَهُ بِجِهَةٍ مِنَ الجِهاتِ؛ ﴿لَكم عَلَيْهِمْ سَبِيلا﴾؛ أيْ: إلى شَيْءٍ مِن أخْذِهِمْ؛ ولا قَتْلِهِمْ.

Commentary: Nazm al-Durar by Burhan al-Din al-Biqa'i. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.