الٓمٓ
Alif, Lam, Meem.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ آلِ عِمْرانَ
”بِسْمِ اللَّهِ“ الواحِدِ المُتَفَرِّدِ بِالإحاطَةِ بِالكَمالِ ”الرَّحْمَن“ الَّذِي وسِعَتْ رَحْمَةُ إيجادِهِ كُلَّ مَخْلُوقٍ وأوْضَحَ لِلْمُكَلَّفِينَ طَرِيقَ النَّجاةِ ”الرَّحِيم“ الَّذِي اخْتارَ أهْلَ التَّوْحِيدِ لِمَحَلِّ أُنْسِهِ ومَوْطِنِ جَمْعِهِ وقُدْسِهِ ﴿الم﴾ المَقاصِدُ الَّتِي سِيقَتْ لَها هَذِهِ السُّورَةُ إثْباتُ الوَحْدانِيَّةِ لِلَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، والإخْبارُ بِأنَّ رِئاسَةَ الدُّنْيا بِالأمْوالِ والأوْلادِ وغَيْرِهِما مِمّا آثَرَهُ الكُفّارُ عَلى الإسْلامِ غَيْرُ مُغْنِيَةٍ عَنْهم شَيْئًا في الدُّنْيا ولا في الآخِرَةِ، وأنَّ ما أُعِدَّ لِلْمُتَّقِينَ مِنَ الجَنَّةِ والرِّضْوانِ هو الَّذِي يَنْبَغِي الإقْبالُ عَلَيْهِ والمُسارَعَةُ إلَيْهِ [وفِي وصْفِ المُتَّقِينَ بِالإيمانِ والدُّعاءِ والصَّبْرِ والصِّدْقِ والقُنُوتِ والإنْفاقِ] والِاسْتِغْفارِ ما يَتَعَطَّفُ عَلَيْهِ كَثِيرٌ مِن أفانِينِ أسالِيبِ هَذِهِ السُّورَةِ هَذا ما كانَ ظَهَرَ لِي أوَّلًا، وأحْسَنُ مِنهُ أنْ نَخُصَّ القَصْدَ الأوَّلَ وهو التَّوْحِيدُ بِالقَصْدِ فِيها فَإنَّ الأمْرَيْنِ الآخَرَيْنِ يَرْجِعانِ إلَيْهِ، وذَلِكَ لِأنَّ الوَصْفَ بِالقَيُّومِيَّةِ يَقْتَضِي القِيامَ بِالِاسْتِقامَةِ، فالقِيامُ يَكُونُ عَلى كُلِّ نَفْسٍ، والِاسْتِقامَةُ العَدْلُ كَما قالَ: ﴿قائِمًا بِالقِسْطِ﴾ [آل عمران: ١٨] أيْ بِعِقابِ العاصِي وثَوابِ الطّائِعِ بِما يَقْتَضِي لِلْمُوَفَّقِ تَرْكَ العِصْيانِ ولُزُومَ الطّاعَةِ؛ وهَذا الوَجْهُ أوْفَقُ لِلتَّرْتِيبِ، لِأنَّ الفاتِحَةَ لَمّا كانَتْ جامِعَةً لِلدِّينِ إجْمالًا جاءَ بِهِ التَّفْصِيلُ مُحاذِيًا لِذَلِكَ، فابْتُدِئَ بِسُورَةِ الكِتابِ المُحِيطِ بِأمْرِ الدِّينِ، ثُمَّ بِسُورَةِ التَّوْحِيدِ الَّذِي هو سِرُّ حَرْفِ الحَمْدِ [و] أوَّلُ حُرُوفِ الفاتِحَةِ، لِأنَّ التَّوْحِيدَ هو الأمْرُ الَّذِي لا يَقُومُ بِناءٌ إلّا عَلَيْهِ، ولَمّا صَحَّ الطَّرِيقُ وثَبَتَ الأساسُ جاءَتِ الَّتِي بَعْدَها داعِيَةً إلى الِاجْتِماعِ عَلى ذَلِكَ؛ وأيْضًا فَلَمّا ثَبَتَ بِالبَقَرَةِ أمْرُ الكِتابِ في أنَّهُ هُدىً وقامَتْ بِهِ دَعائِمُ الإسْلامِ الخَمْسُ جاءَتْ هَذِهِ لِإثْباتِ الدَّعْوَةِ الجامِعَةِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿يا أيُّها النّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ [البقرة: ٢١] فَأثْبَتَ الوَحْدانِيَّةَ لَهُ بِإبْطالِ إلَهِيَّةِ غَيْرِهِ بِإثْباتِ أنَّ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ الَّذِي كانَ يُحْيِي المَوْتى عَبْدُهُ فَغَيْرُهُ بِطَرِيقِ الأوْلى، فَلَمّا ثَبَتَ أنَّ الكُلَّ عَبِيدُهُ دَعَتْ سُورَةَ النِّساءِ إلى إقْبالِهِمْ إلَيْهِ واجْتِماعِهِمْ عَلَيْهِ؛ ومِمّا يَدُلُّ عَلى أنَّ القَصْدَ بِها هو التَّوْحِيدُ تَسْمِيَتُها بِآلِ عِمْرانَ، فَإنْ لَمْ يُعْرِبْ عَنْهُ في هَذِهِ السُّورَةِ ما أعْرَبَ عَنْهُ ما ساقَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى فِيها مِن أخْبارِهِمْ بِما فِيها مِنَ الأدِلَّةِ عَلى القُدْرَةِ التّامَّةِ المُوجِبَةِ لِلتَّوْحِيدِ الَّذِي لَيْسَ في دَرَجِ الإيمانِ أعْلى مِنهُ، فَهو التّاجُ الَّذِي هو خاصَّةُ المَلِكِ المَحْسُوسَةُ، كَما أنَّ التَّوْحِيدَ خاصَّتُهُ المَعْقُولَةُ، والتَّوْحِيدُ مُوجِبٌ لِزَهْرَةِ المُتَحَلِّي بِهِ فَلِذَلِكَ سُمِّيَتِ الزَّهْراءَ.
القَصْدُ الأوَّلُ التَّوْحِيدُ
ومُناسَبَةُ هَذا الأوَّلِ بِالِابْتِدائِيَّةِ لِآخِرِ ما قَبْلَها أنَّهُ لَمّا كانَ آخِرُ البَقَرَةِ في الحَقِيقَةِ آيَةَ الكُرْسِيِّ وما بَعْدَها إنَّما هو بَيانٌ، لِأنَّها أوْضَحَتْ أمْرَ الدِّينِ بِحَيْثُ لَمْ يَبْقَ وراءَها مَرْمىً لِمُتَعَنِّتٍ، أوْ تَعَجُّبٌ مِن حالِ مَن …