Muslim99Muslim99
← Tafsir library

4. An-Nisaa

The Women · Medinan · 176 ayahs

سُورَةُ النِّسَاءِ

Reading Tafsir Ibn 'Uthaymin by Muhammad ibn Salih al-'Uthaymin

Ayahs 91–100 of 176

91

سَتَجِدُونَ ءَاخَرِينَ يُرِيدُونَ أَن يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا۟ قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوٓا۟ إِلَى ٱلْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا۟ فِيهَا ۚ فَإِن لَّمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوٓا۟ إِلَيْكُمُ ٱلسَّلَمَ وَيَكُفُّوٓا۟ أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَٱقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ ۚ وَأُو۟لَٰٓئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَٰنًۭا مُّبِينًۭا

You will find others who wish to obtain security from you and [to] obtain security from their people. Every time they are returned to [the influence of] disbelief, they fall back into it. So if they do not withdraw from you or offer you peace or restrain their hands, then seize them and kill them wherever you overtake them. And those - We have made for you against them a clear authorization.

ثم قال الله تعالى: ﴿سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ﴾ (السين) هنا للتنفيس، وأختها (سوف) للتسويف، والفرق بينهما: أن التسويف متأخر، والتنفيس حاضر، وكلتاهما تفيدان التقرير والثبوت والتحقيق، فمثلًا إذا قلت: أنت تجد زيدًا، أنت ستجد زيدًا، أيهما أوكد؟ الثاني أوكد، لكن كلتاهما تفيد التوكيد والثبوت، ولكن (سوف) للتراخي، و(السين) للقرب.

﴿سَتَجِدُونَ آخَرِينَ﴾ هؤلاء قسم رابع، ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ﴾ ولا يمكن هذا إلا بالنفاق، ﴿يَأْمَنُوكُمْ﴾: إذا جاؤوكم قالوا: آمنا فأمنوا، وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا: إنا معكم فأمنوا، فهم يريدون أن يكونوا مرضين لهؤلاء وهؤلاء ولا يمكن هذا، لا يمكن أن ترضي أولياء الله وأعداء الله في آن واحد؛ لأن أولياء الله وأعداء الله كلهم أعداء، لا يمكن لعدو الله أن يوالي وليًّا لله أو بالعكس، فهؤلاء ليسوا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء؛ لأنهم ليسوا مع المسلمين ظاهرًا وباطنًا، ولا مع الكفار ظاهرًا وباطنًا، أو لا؟ ليسوا مع المسلمين ظاهرًا وباطنًا، ولا مع الكفار ظاهرًا لكن في الباطن هم معهم.

﴿كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا﴾ يعني: معناه أن مآلهم الفتنة -والعياذ بالله- والضلال، والمراد بالفتنة هنا: الخروج من الإسلام.

﴿أركسوا فيها﴾ يعني: ازدادوا ركسًا وعمقًا فيها وبعدًا عن الهدى، وهكذا كل إنسان يريد الفتنة فإنه يزداد شرًّا وإيغالًا في الفتنة.

﴿فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ يعني: إن ظهرت عداوتهم لكم، ولم يعتزلوكم حتى يتبينوا ويظهروا، ﴿ويلقوا إليكم السلم﴾ يعني: الاستسلام أو المسالمة؟ الظاهر أن المراد المعنيان.

﴿يُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ﴾ عنكم بالإيذاء، ﴿فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ خذوهم: أسرى، واقتلوهم: إماتة، ﴿حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ أي: حيث وجدتموهم كما قال تعالى: ﴿إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً﴾ [الممتحنة ٢] أي: إن يجِدوكم.

﴿وَأُولَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُبِينًا﴾ ﴿أُولَئِكُمْ﴾ الإشارة هنا إشارة بعيد مع قرب الذكر؛ لبعد منزلتهم وسفول منزلتهم؛ لأن القريب قد يشار إليه بإشارة البعيد؛ إما لبعده نزولًا، أو لبعده علوًّا، حسب ما يقتضيه السياق.

﴿وَأُولَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُبِينًا﴾ أي: حقًّا بينًا وسلطة بقتالهم وأخذهم؛ حيث لم يعتزلوكم ويلقوا إليكم السلم ويكفوا أيديهم.

هذه الآيات كلها في المنافقين وأشباه المنافقين؛ لأنها بُدئت بهم وانتهت بهم فهي في المنافقين وأشباههم، وخلاصتها في المعنى الإجمالي: أن الناس ينقسمون إلى أقسامٍ: مسلمون، ومُعاهَدون، وذِمِّيُّون، ومنافقون، وكلٌّ له حكم من هذه الأقسام، حكم يليق به.

* في الآية الكريمة فوائد منها: علم الله عز وجل بالغيب؛ لقوله: ﴿سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ﴾.

* ومنها: إثبات الإرادة للعبد، من أين تؤخذ؟

* طالب: تؤخذ من قوله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ﴾.

* الشيخ: كيف؟ قلنا: في هذه الآية إثبات الإرادة للإنسان؟

* طالب: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ﴾.

* الشيخ: تمام، ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ﴾.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه لا يمكن الجمع بين الولاية والعداوة، أن يكون الإنسان وليًّا لأولياء الله ووليًّا لأعداء الله، هذا الشيء لا يمكن؛ لقوله: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ﴾، وهذا قاله في مقام الذم لا في مقام المدح.

فإن قال قائل: هل يمكن الجمع بين العداوة والولاية في شخص معين؟ نعم …

92

وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَـًۭٔا ۚ وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَـًۭٔا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍۢ مُّؤْمِنَةٍۢ وَدِيَةٌۭ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰٓ أَهْلِهِۦٓ إِلَّآ أَن يَصَّدَّقُوا۟ ۚ فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّۢ لَّكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌۭ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍۢ مُّؤْمِنَةٍۢ ۖ وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍۭ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَٰقٌۭ فَدِيَةٌۭ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰٓ أَهْلِهِۦ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍۢ مُّؤْمِنَةٍۢ ۖ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةًۭ مِّنَ ٱللَّهِ ۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًۭا

And never is it for a believer to kill a believer except by mistake. And whoever kills a believer by mistake - then the freeing of a believing slave and a compensation payment presented to the deceased's family [is required] unless they give [up their right as] charity. But if the deceased was from a people at war with you and he was a believer - then [only] the freeing of a believing slave; and if he was from a people with whom you have a treaty - then a compensation payment presented to his family and the freeing of a believing slave. And whoever does not find [one or cannot afford to buy one] - then [instead], a fast for two months consecutively, [seeking] acceptance of repentance from Allah. And Allah is ever Knowing and Wise.

﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً﴾ الإعراب: ﴿مَا كَانَ﴾ فعل ناقص منفيٌّ، وخبره ﴿لِمُؤْمِنٍ﴾، واسمه ﴿أَنْ يَقْتُلَ﴾ على أنه مؤول بالمصدر، أي: ما كان لمؤمن قَتلُ مؤمنٍ إلا خَطَأ، وأما (إلا) فهي أداة استثناء، و﴿خَطَأً﴾ يحتمل أن تكون صفة لموصوف محذوف، أي: إلا قتلًا خطأً، كقوله تعالى: ﴿أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ﴾ [سبأ ١١] أي: أن اعمل دروعًا سابغات، فحذْف الموصوف مع بقاء الصفة كثير في اللغة العربية وفي القرآن الكريم.

يقول الله عز وجل: ﴿مَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً﴾ والمؤمن هو الذي استقر الإيمان في قلبه، والإيمان شرعًا أخص من الإيمان لغةً؛ إذ إن الإيمان شرعًا هو الإقرار بالقلب المتضمن للقبول والإذعان، أي: قبول الخبر وقبول الطلب والإذعان لذلك والانقياد وعدم الاستكبار.

وقوله: ﴿أَنْ يَقْتُلَ﴾ القتل هو: إزهاق الروح بأي وسيلة كانت، سواء بالسيف أو بالسهم أو بالإحراق أو بالإغراق أو بأي نوع من أنواع القتل.

قوله: ﴿إِلَّا خَطَأً﴾ يعني: أنه لا يمكنه أن يقتله خاطئًا بل مخطئًا، والفرق بين الخاطئ والمخطئ: أن الخاطئ من ارتكب الخطأ عمدًا، والمخطِئ من ارتكبه بغير عمد، بغير قصد، ويكون الخطأ إما بالقصد وإما بالآلة، أما الخطأ بالقصد فمثل أن يرمي صيدًا رَمْيَة قاتلة فيصيب إنسانًا لم يقصده، هذا خطأ بماذا؟ بالقصد، والخطأ بالآلة مثل أن يضربه عمدًا بسوط لا يقتل مثْلُه غالبًا، فهذا خطأ في الآلة؛ لأنه لم يظن أنها تقتله؛ ولهذا لم يكن قاصدًا لقتله، عصا يُؤدَّب بها الإنسان عادة ولكن قدَّر الله عز وجل أن تسري هذه الجناية حتى يموت المضروب.

ثم قال: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾ (مِن) هذه شرطية، وفعل الشرط ﴿قَتَلَ﴾، و﴿فَتَحْرِيرُ﴾ هذه جواب الشرط، وقُرنت بالفاء؛ لأنها جملة اسمية، وكلمة (تحرير) مبتدأ والخبر محذوف، والتقدير: فعليه تحرير رقبة، وتحرير الشيء هو تخليصه، والمراد بهذا التحرير تخليص الرقبة من الرق خاصَّة، لا تخليصها من الهلاك؛ ولهذا لا يعتبر من أنقذ شخصًا محرِّرًا له، بل من حرَّره من الرق وخلَّصه منه فهو المحرر، والمراد بالرقبة هنا من؟ النفس كاملة، لكن يُعَبَّر بالرقبة عنها؛ لأن الجسد لا يمكن أن يقوم بدون رقبة؛ ولهذا إذا قطعت رقبته هلك.

وقوله تعالى: ﴿مُؤْمِنَةٍ﴾ المراد بالإيمان هنا ما يشمل الإسلام، وليس المراد بالإيمان الإيمان المطلق، بل المراد مطلق الإيمان؛ ولهذا لو أعتق فاسقًا لأجزأه.

﴿وَدِيَةٌ﴾ معطوفة على (تحرير)، يعني: وعليه دية مسلَّمة إلى أهلها، ولم يبين الله عز وجل من يُسلِّمها، بل قال: ﴿مُسَلَّمَةٌ﴾ بالبناء للمفعول.

وقوله: ﴿إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾ مستثنى من قوله: ﴿دِيَةٌ﴾ يعني: وعليه دية مسلمة إلى أهله إلا أن يصدقوا، أي: يتصدقوا على من وجبت عليه الدية بإسقاطها والعفو عنها فتسقط، والمراد بالتصدُّق هنا؟ المراد العفو والإسقاط؛ لأنه ليس المراد بذلًا بل إسقاط.

وقوله: ﴿إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾ أصلها: إلا أن يتصدقوا، ولكن أدغمت التاء بالصاد فصارت: إلا أن يصَّدَّقوا.

﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ ﴿فَإِنْ كَانَ﴾ الضمير يعود على المقتول وهو اسم (كان).

وقوله: ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ جملة في موضع نصب على الحال من الضمير المستتر لقوله: ﴿كَانَ﴾ يعني: والحال أنه مؤمن، ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ أي: فعلى القاتل تحرير رقبة مؤمنة، وعليه فيكون (تحرير) مبتدأ، والخبر أيش؟ محذوف، والتقدير: فعليه.

﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ يقول: ﴿إِنْ كَانَ﴾ المضير يعود على من؟ على …

93

وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًۭا مُّتَعَمِّدًۭا فَجَزَآؤُهُۥ جَهَنَّمُ خَٰلِدًۭا فِيهَا وَغَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُۥ وَأَعَدَّ لَهُۥ عَذَابًا عَظِيمًۭا

But whoever kills a believer intentionally - his recompense is Hell, wherein he will abide eternally, and Allah has become angry with him and has cursed him and has prepared for him a great punishment.

ثم قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ هذه من أعظم الآيات التي جاءت في الوعيد ﴿مَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾، المؤمن هنا يراد به المسلم، يعني: يراد به ما هو أعم من المؤمن، فالمؤمن يشمل ناقص الإيمان وكامل الإيمان.

وقوله: ﴿مُتَعَمِّدًا﴾ أي: متعمدًا للقتل، أي: قاصدًا له، ولا يكون هذا إلا بتعمد الفعل بما يقتل غالبًا، يعني أن يتعمد القتل بما يقتل غالبًا كالسيف والرصاص والحجر الكبير والسم والسحر، وما أشبه ذلك، وعلى هذا: فإذا لم يقصد الفعل فليس بعمد، وإذا قصده بما لا يقتل غالبًا فليس بعمد، لكن الأول يسمى خطأً، والثاني يسمى شبه عمد، شبه عمد لأنه تعمد الفعل لكن بآلة لا تقتل غالبًا، فسماه العلماء شبه عمد، وقد مر علينا أن الخطأ يكون في القصد ويكون بالآلة.

يقول: ﴿فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ هذه الجملة جواب الشرط في قوله: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ﴾، ﴿جَزَاؤُهُ﴾ أي: عقوبته التي يجازى بها، ﴿جَهَنَّمُ﴾ وهي اسم من أسماء النار؛ وسُميت بذلك لقعرها وظلمتها، أعاذنا الله وإياكم منها.

﴿خَالِدًا فِيهَا﴾ ﴿خَالِدًا﴾ الخلود بمعنى المكث، ولكن من نعمة الله أنه لم يصف ذلك بأنه أبدًا، بل قال: ﴿خَالِدًا فِيهَا﴾.

﴿وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ والغضب أبلغ من العقوبة؛ لأن الله إذا غضب فإنه لا يُكَلِّم من غضب عليه، ولا يرحمه كما يرحم غيره، وينتقم منه بما يقتضيه ذنبه؛ لقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ [الزخرف ٥٥] أي: لما أغضبونا انتقمنا منهم.

﴿وَلَعَنَهُ﴾ أي: طرده وأبعده عن رحمته.

﴿وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ (أعده) يعني: هيَّأه، هيَّأ له العذاب العظيم.

* في هذه الآية الكريمة دليل على: أن قتل المؤمن عمدًا من كبائر الذنوب لورود الوعيد عليه، وكل ذنب رُتِّبَ عليه الوعيد والعقوبة فهو من كبائر الذنوب.

* ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا بد من القصد؛ لقوله: ﴿مُتَعَمِّدًا﴾، ولكن هل يُشترط في القصد أن يعلم أنه مؤمن، أو إذا تعمد أن يقتل هذا الرجل، وإن كان يشك هل هو مؤمن أو معاهد فإنه عمد؟ هذه فيها خلاف بين العلماء، منهم من قال: إنه إذا تعمد فعل ما لا يجوز وأصاب مؤمنًا فهو عمد، مثل أن يرمي معاهَدًا -والمعاهد لا يجوز رميه- فيصيب مؤمنًا، بل قالوا: لو رمى بعيرًا يحرم عليه رميها ثم أصاب إنسانًا فإنه يعتبر عمدًا.

ولكن الصحيح في هذه المسألة أنه إذا تعمد قتل شخص فأصاب من كان مثله فهو عمد، يعني: أراد أن يقتل زيدًا فأصاب عمرًا فهذا عمد، لكن لو أراد أن يقتل بعيرًا فأصاب رجلًا فليس بعمد؛ وذلك لظهور الفرق بين الآدمي وبين البهيمة، ولا يمكن أن يقال: قصد قتل البهيمة كقصد قتل المؤمن، فالصواب في هذه المسألة: أن يقال: العمد يشمل ما إذا قصد هذا المؤمن بعينه أو قصد من كان في وصفه من المؤمنين فإنه يعتبر عمدًا.

* ومن فوائد الآية الكريمة: أن من قتل مؤمنًا غير متعمد فلا عقوبة عليه.

فأصاب من كان مثله فهو عمد، يعني: أراد أن يقتل زيدًا فأصاب عمرًا فهذا عمد، لكن لو أراد أن يقتل بعيرًا فأصاب رجلًا فليس بعمد؛ وذلك لظهور الفرق بين الآدمي وبين البهيمة، ولا يمكن أن يقال: قصد قَتْل البهيمة كقصد قتل المؤمن، فالصواب في هذه المسألة أن يقال: العمد يشمل ما إذا قصد هذا المؤمن بعينه أو قصد من كان في وصفه من المؤمنين فإنه يعتبر عمدًا.

* ومن فوائد الآية الكريمة: أن من قتل مؤمنًا غير متعمد فلا عقوبة عليه، أي: لا يُعاقَب بهذه العقوبة، وذلك لأن القيد يعتبر شرطًا في تَرتُّب ما يترتب عليه.

* ومن فوائد الآية الكريمة: أن قاتل المؤمن عمدًا يخلد في النار؛ لقوله: ﴿خَالِدًا فِيهَا﴾.

وقد اختلف العلماء رحمهم الله في معنى هذه الكلمة؛ فمنهم من قال: إن الخلود …

94

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ فَتَبَيَّنُوا۟ وَلَا تَقُولُوا۟ لِمَنْ أَلْقَىٰٓ إِلَيْكُمُ ٱلسَّلَٰمَ لَسْتَ مُؤْمِنًۭا تَبْتَغُونَ عَرَضَ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا فَعِندَ ٱللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌۭ ۚ كَذَٰلِكَ كُنتُم مِّن قَبْلُ فَمَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوٓا۟ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًۭا

O you who have believed, when you go forth [to fight] in the cause of Allah, investigate; and do not say to one who gives you [a greeting of] peace "You are not a believer," aspiring for the goods of worldly life; for with Allah are many acquisitions. You [yourselves] were like that before; then Allah conferred His favor upon you, so investigate. Indeed Allah is ever, with what you do, Acquainted.

ثم قال الله تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا﴾ إلى آخره.

ما هي الفائدة بتصدير الخطاب بالنداء؟ لأن هذا مر علينا؟

* طالب: (...) المخاطبة، ثانيًا: هذه الصفة التي (...) من صفات المنافق.

* الشيخ: لا.

* طالب: الإغراء.

* الشيخ: الإغراء هذا للتنبيه، لا لا، نعم.

* طالب: (...) المخاطبة.

* الشيخ: هذا (...) المخاطب ذكره، ذكر هذا.

* طالب: الدلالة على أهميته.

* الشيخ: صحيح، الدلالة على أهمية الشيء، ولهذا صُدِّرَ بما يقتضي التنبه، وما الفائدة من كونه يُوَجَّه النداء إلى المؤمنين؟

* طالب: (...).

* الشيخ: أولًا؟

* طالب: (...).

* طالب: للدلالة على أن امتثال ما ذُكِر فهو من شرائط الإيمان.

* الشيخ: التنبيه على أن امتثال ما ذُكِر سواء أمرًا أو نهيًا من مقتضيات الإيمان؛ ولهذا خوطب به المؤمن. ثانيًا؟

* طالب: ثانيًا: أن عدم امتثال هذا الأمر يدل على نقص إيمان من لم يقم به.

* الشيخ: نعم، الدلالة على أن مخالفة هذا من نواقص الإيمان، أي من منقصات الإيمان. ثالثًا؟

* طالب: ثالث، والذين آمنوا.

* الشيخ: إي نعم، توجيه النداء للمؤمنين.

* طالب: الإغراء.

* الشيخ: صحيح الإغراء؛ لأنك إذا وصفت الإنسان: يا فلان يا مؤمن، هذا يحثه ويجعله يقدم، كما لو قلت: يا رجل، يا أيها الرجل، تحثه تقول: مقتضى رجولتك كذا وكذا، فصار الفوائد كم؟ ثلاثة، ونحن لا نشرحها الآن لأنها شرحت من قبل.

قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي: إذا خرجتم مجاهدين في سبيل الله؛ لأن الضرب يكون في الأرض وتختلف النيات فيه كما قال تعالى: ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [المزمل ٢٠] هؤلاء التجار، هؤلاء ﴿إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي: خرجتم مجاهدين في سبيل الله، ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾ وهذه نزلت في قوم خرجوا للجهاد فأصابوا قومًا قالوا: أسلمنا، لكنهم لم يقولوها بهذا اللفظ، بل قالوا: صبئنا، فظنوا أن معنى قولهم: صبئنا أي: بقينا صابئين، أي: غير مسلمين فقاتلوهم، فيقول الله عز وجل: ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾ وفيها قراءة: ﴿فَتَثَبَّتُوا﴾ في الموضعين، يعني: تقرأ: ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾، ثم اللي في آخر الآية: ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾، أو تقرأ ﴿فَتَثَبَّتُوا﴾ أولًا، وتقرأ ﴿فَتَثَبَّتُوا﴾ ثانيًا، وعلى هذا فليس فيها إلا قراءتان، ليس فيها أربع قراءات، بمعنى أنك إذا قرأت الأول ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾ أيش؟ فاقرأ الثاني ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾، وإذا قرأت الأول ﴿فَتَثَبَّتُوا﴾ فاقرأ الثاني ﴿فَتَثَبَّتُوا﴾ ، ولا يجوز أن تخالف: تقرأ الأول ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾، والثاني ﴿فَتَثَبَّتُوا﴾ أو بالعكس، فالقراءة إذن قراءتان فقط.

وقوله: ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾ أي: اطلبوا بيان الأمر، والتبين نتيجة التثبت؛ ولهذا كانت القراءتان بمنزلة المعنيين اللذين يترتب أحدهما على الآخر، ما هو الذي يترتب على الآخر: التَّبَيُّن أو التثبت؟ التبين؛ لأنه تثبت أولًا ليتبين لك الأمر، فيكون في الآيتين –أي: في مجموعهما- فائدة عظيمة: أنك تتثبت وبالتثبت يتبين الأمر فلا تستعجل، وقد سبق لنا ذم أولئك المستعجلين في قوله تبارك وتعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء ٨٣].

يقول: ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾ أي: تثبتوا ولا تقدموا على فعل شيء تندمون عليه، وما أكثر ما يندم الإنسان إذا أقدم على شيء قبل التَّبَيُّن حتى في خاصة نفسه، لو أراد أنه يفعل فعلًا ثم بمجرد ما طرأ على نفسه أو على قلبه فعل قبل أن يتروَّى في الأمر، قبل أن ينظر النتائج فتجده يندم، فكيف إذا كان الفعل متعلقًا بغيره؟ يكون أشد.

كثيرًا ما يدخل الإنسان بيته …

95

لَّا يَسْتَوِى ٱلْقَٰعِدُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُو۟لِى ٱلضَّرَرِ وَٱلْمُجَٰهِدُونَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ بِأَمْوَٰلِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ ۚ فَضَّلَ ٱللَّهُ ٱلْمُجَٰهِدِينَ بِأَمْوَٰلِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى ٱلْقَٰعِدِينَ دَرَجَةًۭ ۚ وَكُلًّۭا وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلْحُسْنَىٰ ۚ وَفَضَّلَ ٱللَّهُ ٱلْمُجَٰهِدِينَ عَلَى ٱلْقَٰعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًۭا

Not equal are those believers remaining [at home] - other than the disabled - and the mujahideen, [who strive and fight] in the cause of Allah with their wealth and their lives. Allah has preferred the mujahideen through their wealth and their lives over those who remain [behind], by degrees. And to both Allah has promised the best [reward]. But Allah has preferred the mujahideen over those who remain [behind] with a great reward -

ثم قال الله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ﴾ (لا) هذه نافية، ﴿يَسْتَوِي﴾ فعل مضارع، و﴿الْقَاعِدُونَ﴾ فاعل، و﴿الْمُجَاهِدُونَ﴾ معطوفة على ﴿الْقَاعِدُونَ﴾؛ وذلك أن من الناس من تمنَّى على الله الأماني، تمنى أن يكون مثل المجاهدين في سبيل الله وهو قاعد، وهذا لا يمكن؛ ولهذا نفى الله المساواة فقال: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ القاعدون عن أيش؟ عن الجهاد.

ثم قال: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ وفي ﴿غَيْرُ﴾ قراءتان: الرفع على أنها صفة لـ﴿الْقَاعِدُونَ﴾، والثاني: النصب على أنها مستثنى، وكلاهما قراءتان صحيحتان سبعيتان، فيجوز أن تقرأ ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ أو ﴿غَيْرَ أُولِي الضَّرَرِ﴾ .

وهذا فيما بينك وبين نفسك، أو فيما بينك وبين طلابك أهل العلم الذين يفهمون، أما عند العامة فلا تذكر لهم قراءتين؛ لأن في ذلك مفسدتين: خاصَّة، وعامة، الخاصة أنهم يتهمونك بالخطأ، صلينا خلف إمام يلحن يقول: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غيرَ أُولِي الضَّرَرِ﴾ واللي في المصحف: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾، إذن هذا إمام ما يصلح لأيش؟ لأنه يلحن.

ثانيها: المفسدة العامة؛ أن الناس إذا قيل لهم: إنه لم يلحن ولكنه أخذ بقراءة ثانية ربما تهبط عظمة القرآن في نفوسهم، كيف القرآن يختلف؟ القرآن -سبحان الله- يختلف؟ فلهذا لا ينبغي أن يقال لكل إنسان: إن في هذا قراءتين، وقال علي رضي الله عنه: «حدثوا الناس بما يعرفون –أي: ما يمكنهم معرفته من غير نفور- أتريدون أن يُكذَّب اللهُ ورسولُه؟»أخرجه البخاري (١٢٧). الجواب: لا، إذن حدِّث الناس بما تبلغه عقولهم وبما يمكن أن يهضموه ويعرفوه، وليس معنى قوله: «حدثوا الناس بما يعرفون » أن تحدِّثوهم بما كانوا قد عرفوه؛ لأن هذا ما فيه فائدة، الذي قد عرفوه لا حاجة إلى التحديث، اللهم إلا على سبيل التذكير بعد الغفلة فهذا يمكن.

يقول عز وجل: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ وما هو الضرر؟ الذي يسقط وجوب الجهاد، بيَّنه الله تعالى في قوله: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾ [الفتح ١٧] هذه الأعذار الثلاثة، وقال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ﴾ [التوبة ٩١] شرط ﴿إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾، هؤلاء هم أهل الأعذار.

﴿وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ﴾ المجاهد هو الذي بذل جهده –أي: طاقته- في إدراك ما يريد.

وقوله: ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي: في شريعة الله، وهذا يشمل القصد والتحرك، القصد بَيَّنَه الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بقوله: «مَنْ قَاتَل لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِي الْعُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ»متفق عليه؛ البخاري (١٢٣)، ومسلم (١٩٠٤ / ١٤٩)، من حديث أبي موسى الأشعري.، التحرُّك أن يكون الجهاد على وفق الشرع، بحيث نقوم به حينما يكون فرضًا أو سنة، ونحجم عنه حينما يكون ضرره أكثر من التحرك به، انتبه، يعني مثلًا لو أن الأمة الإسلامية عندها تأخر في السلاح في العُدد في العَدد أيضًا والأمم ضدها أقوى منها سلاحًا وأكثر عَددًا فهل من المستحسن أن نقاتل؟ لا؛ ولهذا لم يوجب الله القتال على الأمة الإسلامية إلا حين كانت أيش؟ مستعدة وقادرة ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال ٦٠].

إذن ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ يشمل معنيين: المعنى الأول: القصد بأن يكون قصد المجاهد إقامة شريعة الله أن تكون كلمة الله هي العليا، والمعنى الثاني: أن يكون على وفق الشريعة؛ لأن (في) للظرفية، والمظروف ما هو؟ سبيل الله، هذا المظروف، إذا قلت: الماء في الكأس، …

96

دَرَجَٰتٍۢ مِّنْهُ وَمَغْفِرَةًۭ وَرَحْمَةًۭ ۚ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورًۭا رَّحِيمًا

Degrees [of high position] from Him and forgiveness and mercy. And Allah is ever Forgiving and Merciful.

ثم قال الله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ﴾ (لا) هذه نافية، ﴿يَسْتَوِي﴾ فعل مضارع، و﴿الْقَاعِدُونَ﴾ فاعل، و﴿الْمُجَاهِدُونَ﴾ معطوفة على ﴿الْقَاعِدُونَ﴾؛ وذلك أن من الناس من تمنَّى على الله الأماني، تمنى أن يكون مثل المجاهدين في سبيل الله وهو قاعد، وهذا لا يمكن؛ ولهذا نفى الله المساواة فقال: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ القاعدون عن أيش؟ عن الجهاد.

ثم قال: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ وفي ﴿غَيْرُ﴾ قراءتان: الرفع على أنها صفة لـ﴿الْقَاعِدُونَ﴾، والثاني: النصب على أنها مستثنى، وكلاهما قراءتان صحيحتان سبعيتان، فيجوز أن تقرأ ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ أو ﴿غَيْرَ أُولِي الضَّرَرِ﴾ .

وهذا فيما بينك وبين نفسك، أو فيما بينك وبين طلابك أهل العلم الذين يفهمون، أما عند العامة فلا تذكر لهم قراءتين؛ لأن في ذلك مفسدتين: خاصَّة، وعامة، الخاصة أنهم يتهمونك بالخطأ، صلينا خلف إمام يلحن يقول: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غيرَ أُولِي الضَّرَرِ﴾ واللي في المصحف: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾، إذن هذا إمام ما يصلح لأيش؟ لأنه يلحن.

ثانيها: المفسدة العامة؛ أن الناس إذا قيل لهم: إنه لم يلحن ولكنه أخذ بقراءة ثانية ربما تهبط عظمة القرآن في نفوسهم، كيف القرآن يختلف؟ القرآن -سبحان الله- يختلف؟ فلهذا لا ينبغي أن يقال لكل إنسان: إن في هذا قراءتين، وقال علي رضي الله عنه: «حدثوا الناس بما يعرفون –أي: ما يمكنهم معرفته من غير نفور- أتريدون أن يُكذَّب اللهُ ورسولُه؟»أخرجه البخاري (١٢٧). الجواب: لا، إذن حدِّث الناس بما تبلغه عقولهم وبما يمكن أن يهضموه ويعرفوه، وليس معنى قوله: «حدثوا الناس بما يعرفون » أن تحدِّثوهم بما كانوا قد عرفوه؛ لأن هذا ما فيه فائدة، الذي قد عرفوه لا حاجة إلى التحديث، اللهم إلا على سبيل التذكير بعد الغفلة فهذا يمكن.

يقول عز وجل: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ وما هو الضرر؟ الذي يسقط وجوب الجهاد، بيَّنه الله تعالى في قوله: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾ [الفتح ١٧] هذه الأعذار الثلاثة، وقال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ﴾ [التوبة ٩١] شرط ﴿إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾، هؤلاء هم أهل الأعذار.

﴿وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ﴾ المجاهد هو الذي بذل جهده –أي: طاقته- في إدراك ما يريد.

وقوله: ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي: في شريعة الله، وهذا يشمل القصد والتحرك، القصد بَيَّنَه الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بقوله: «مَنْ قَاتَل لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِي الْعُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ»متفق عليه؛ البخاري (١٢٣)، ومسلم (١٩٠٤ / ١٤٩)، من حديث أبي موسى الأشعري.، التحرُّك أن يكون الجهاد على وفق الشرع، بحيث نقوم به حينما يكون فرضًا أو سنة، ونحجم عنه حينما يكون ضرره أكثر من التحرك به، انتبه، يعني مثلًا لو أن الأمة الإسلامية عندها تأخر في السلاح في العُدد في العَدد أيضًا والأمم ضدها أقوى منها سلاحًا وأكثر عَددًا فهل من المستحسن أن نقاتل؟ لا؛ ولهذا لم يوجب الله القتال على الأمة الإسلامية إلا حين كانت أيش؟ مستعدة وقادرة ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال ٦٠].

إذن ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ يشمل معنيين: المعنى الأول: القصد بأن يكون قصد المجاهد إقامة شريعة الله أن تكون كلمة الله هي العليا، والمعنى الثاني: أن يكون على وفق الشريعة؛ لأن (في) للظرفية، والمظروف ما هو؟ سبيل الله، هذا المظروف، إذا قلت: الماء في الكأس، …

97

إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَفَّىٰهُمُ ٱلْمَلَٰٓئِكَةُ ظَالِمِىٓ أَنفُسِهِمْ قَالُوا۟ فِيمَ كُنتُمْ ۖ قَالُوا۟ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِى ٱلْأَرْضِ ۚ قَالُوٓا۟ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ ٱللَّهِ وَٰسِعَةًۭ فَتُهَاجِرُوا۟ فِيهَا ۚ فَأُو۟لَٰٓئِكَ مَأْوَىٰهُمْ جَهَنَّمُ ۖ وَسَآءَتْ مَصِيرًا

Indeed, those whom the angels take [in death] while wronging themselves - [the angels] will say, "In what [condition] were you?" They will say, "We were oppressed in the land." The angels will say, "Was not the earth of Allah spacious [enough] for you to emigrate therein?" For those, their refuge is Hell - and evil it is as a destination.

ثم قال الله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ [النساء ٩٧] قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ﴾ هذه (إن) المؤكدة واسمها.

وقوله: ﴿ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ حال من (الهاء) في قوله: ﴿تَوَفَّاهُمُ﴾ إلى قوله: ﴿فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾ الظاهر أن خبر (إن) ﴿فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾، وما بين ذلك فهو اعتراض.

قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ﴾ ﴿تَوَفَّاهُمُ﴾ أي: تقبضهم، والمراد بذلك قبض أرواحهم من أبدانهم.

وقوله: ﴿الْمَلَائِكَةُ﴾ الملائكة هم عالم غيبي محجوبون عن العباد لهم أوصاف معلومة في الكتاب والسنة، ما عَلِمْنا منه وجب علينا الإيمان به على ما عَلِمْنَا، وما لم نَعْلَم منه فالواجب علينا السكوت كما هو الشأن فيما وصف الله به نفسه.

قالوا: والملائكة مأخوذة من (الألوكة) وهي الرسالة؛ لقوله تعالى: ﴿جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا﴾ [فاطر ١]، فهي من (الألوكة) أي: الرسالة، وبناء على ذلك يكون فيها إعلال بالقلب؛ لأن (ملائكة) جمع (مَلْأَك) وأصله (مَأْلَك)، لكن فيها تقديم وتأخير إعلالًا صرفيًّا حسب قواعد الصرف التي كتبها العلماء.

وقوله: ﴿ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ أي: حال كونهم ظالمي أنفسهم، بماذا؟ بكونهم بَقُوا في أرض يجب عليهم الهجرة منها؛ لأن بقاءهم مع وجوب الهجرة معصية وظلم لأنفسهم.

﴿قَالُوا﴾ أي: الملائكة ﴿فِيمَ كُنْتُمْ﴾ أي: في أي مكان كنتم؟ وقيل: على أي حال كنتم؟ فعلى المعنى الثاني تكون (في) بمعنى (على)، كما هي في قوله تعالى: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [الأنعام ١١] أي: على الأرض، ويكون المراد بقوله: ﴿فِيمَ كُنْتُمْ﴾ أي: على أي حال كنتم؟ بدليل قولهم في الجواب: ﴿قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ﴾، أما على القول بأن المراد بقوله: ﴿فِيمَ كُنْتُمْ﴾ السؤال عن المكان والموضع، فيكون الجواب: ﴿قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ﴾ على تقدير شيء محذوف، أي: قالوا: بَقِينا في هذا؛ لأننا كنا مستضعفين في الأرض.

وعلى كلٍّ فالمعنيان يدوران على شيء واحد، وهو أن هؤلاء بَقُوا في أرض تجب عليهم الهجرة منها، فتأتي الملائكة لقبض أرواحهم فيُوَبَّخُون ﴿فِيمَ كُنْتُمْ﴾ لماذا كنتم في هذا المكان؟

﴿قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ﴾ ﴿كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ﴾ يعني: أننا نعامل معاملة الضعيف من قِبَل مَنْ؟ من قبل الكفار الذين استضعفونا، ولكن هذا ليس بعذر؛ ولهذا تقول لهم الملائكة: ﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾؟ وهذا الاستفهام للتقرير والتوبيخ يعني: أن أرض الله واسعة، فلماذا لا تهاجرون؟

وقوله: ﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا﴾ الفاء عاطفة أو سببية؟

* طالب: سببية.

* الشيخ: انتبه، هل هي عاطفة أو سببية؟ ﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً﴾، هل سبقها شيء من المعاني التي تكون بعدها فاء سببية؟

* طالب: نعم، استفهام.

* الشيخ: الاستفهام، أين الاستفهام؟

* الطالب: ﴿أَلَمْ﴾.

* الشيخ: وهل الاستفهام موجب لنصب الفعل بعد فاء السببية؟

* الطالب: (...).

* الشيخ: ما هو البيت الجامع لهذا؟

* الطالب: (...).

* الشيخ: فإذا قلنا: الاستفهام في قوله: ﴿أَلَمْ تَكُنْ﴾ للتقرير والإثبات، وأن تقدير الكلام: قد كانت أرض الله واسعة، على هذا التقدير تكون الفاء عاطفة، والمعنى: ألم تكن أرض الله واسعة، ألم تهاجروا فيها؟

وقوله: ﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً﴾ يعني: أن هناك أراضٍ غير الأرض التي أنتم فيها مستضعفون.

﴿فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾ (هاجر) مأخوذة من (الهَجْر) وهو الترك، والمهاجرة: ترك البلد الذي عاش فيه الإنسان إلى بلد آخر، حتى الذي يخرج من بلد مستوطن له كان ثم يستوطن بلدًا آخر يقال: إنه مهاجر؛ لأنه ترك بلده، لكن الهجرة شرعًا هي: الانتقال من بلد الكفر إلى بلد …

98

إِلَّا ٱلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ ٱلرِّجَالِ وَٱلنِّسَآءِ وَٱلْوِلْدَٰنِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةًۭ وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًۭا

Except for the oppressed among men, women and children who cannot devise a plan nor are they directed to a way -

ثم قال الله تعالى: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾ [النساء ٩٨].قوله: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ﴾ هذا مستثنى من قوله: ﴿فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾، ويحتمل أن يكون استثناء منقطعًا؛ وذلك أن المستضعفين لا يمكن أن يتوعدوا بجهنم، ومن المعلوم أن الفرق بين الاستثناء المتصل والمنقطع: أن الاستثناء المتصل يكون المستثنى فيه بعض أفراد المستثنى منه، وهنا لا يستقيم.

وكذلك لو قال قائل: إنها مستثناة من قوله: ﴿ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾، قلنا: أيضًا لا يصح الاستثناء متصلًا؛ لأن هؤلاء المستضعفين ليسوا ظالمي أنفسهم؛ ولهذا يترجح القول بأن الاستثناء هنا منقطع، والاستثناء المنقطع ليس المستثنى فيه من جنس المستثنى منه، هذا من حيث المعنى.

ثانيًا: أداة الاستثناء فيه بمعنى أداة الاستدراك، وما هي أداة الاستدراك؟ (لكن)، فتكون (إلَّا) بمعنى (لكن)، قلنا: الاستثناء هنا منقطع؛ لأنه لا يصح أن يكون مستثنى من قوله: ﴿ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾، ولا من قوله: ﴿فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾، وعلى هذا فيكون منقطعًا.

وقلنا: إن الفرق بين المنقطع والمتصل من وجهين؛ الأول: أن المتصل بعض من المستثنى منه وليس المنقطع، الثاني: المنقطع تكون أداة الاستثناء فيه بمعنى أداة الاستدراك، أي بمعنى (لكن)، فيه حكم ثالث: وهو أن المستثنى إذا كان منقطعًا وجب نصبه فيما إذا كان الكلام تامًّا منفيًّا، وتعلمون أن المستثنى المتصل إذا كان الكلام تامًّا منفيًا يجوز فيه الوجهان: النصب على الاستثناء، والثاني: الإتباع، وأما إذا كان منقطعًا فإنه يتعين فيه النصب.

يقول: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ﴾ يعني: الذين أصابهم الضعف، فـ(مستضعف) بمعنى أصابه الضعف، يقول: ﴿مِنَ الرِّجَالِ﴾ (من) هذه بيانية تبين المستضعفين، و(أل) إذا قال قائل: كيف تحتاج إلى تبيان؟ نقول: لأن (أل) في (المستضعفين) اسم موصول، والاسم الموصول من أقسام المبهم، ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ فـ(من) هنا بيانية من الرجال والنساء.

﴿وَالْوِلْدَانِ﴾ ﴿الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ﴾ أليس الولدان إما رجال وإما نساء؟ لا، الولدان إما ذكور وإما إناث، لكنهم صغار، و(الرجال) جمع (رجل)، والرجل إنما يكون إذا بلغ، و(النساء) كذلك جمع (امرأة) من غير الجنس، والمرأة لا يطلق عليها امرأة إلا إذا بلغت.

إذن المستضعفون من الرجال إلا لمرض أو كِبَر أو غير ذلك مما لا يتمكنون معهم من الهجرة، وكذلك يقال: في النساء، أما الوِلْدَان فالغالب عليهم الضعف مطلقًا؛ لأنهم لا يستطيعون، كما قال عز وجل: ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً﴾ يعني: لا يستطيعون أن يتحيَّلوا حتى يخرجوا، ﴿وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾ فيأتون الأمر على وجه صريح، فهم لا حيلة عندهم فينفذون، ولا يستطيعون الخروج صراحة، فامتنع عليهم الخروج.

و(الحيلة): فِعْلَة من (الحَوْل)، لكنها قلبت الواو ياءً لانكسار أيش؟ ما قبلها، وإذا كانت من (الحول)، فـ(الحول) من (التحول)، وكأن المحتال يتحول من حال إلى أخرى على وجه لا يشعر به الغير.

وقوله: ﴿لَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾ أي: طريقًا ينفذون إليه بأنفسهم فيهاجرون.

قال الله تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ﴾ الفاء حرف عطف، و(أولاء) اسم إشارة يعود على ﴿الْمُسْتَضْعَفِينَ﴾، ﴿فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ﴾ جملة ﴿عَسَى﴾ وما بعدها في محل رفع خبر أولئك، ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ﴾ (عسى) فعل للترجي، وقيل: إنها تأتي للتوقع، والفرق بين الترجِّي والتوقع: أن الترجِّي رجاءُ ما لم يوجد سبب وقوعه لكنه ممكن، والتوقع ما يوجد سبب وقوعه فيتوقع أن يكون.

يقول: ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ﴾ هل هذا من الرجاء أو من التوقع؟ إذا نُسِبَت (عسى) إلى الله فهي من التوقع؛ ولهذا …

99

فَأُو۟لَٰٓئِكَ عَسَى ٱللَّهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ ۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًۭا

For those it is expected that Allah will pardon them, and Allah is ever Pardoning and Forgiving.

ثم قال الله تعالى: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾ [النساء ٩٨].قوله: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ﴾ هذا مستثنى من قوله: ﴿فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾، ويحتمل أن يكون استثناء منقطعًا؛ وذلك أن المستضعفين لا يمكن أن يتوعدوا بجهنم، ومن المعلوم أن الفرق بين الاستثناء المتصل والمنقطع: أن الاستثناء المتصل يكون المستثنى فيه بعض أفراد المستثنى منه، وهنا لا يستقيم.

وكذلك لو قال قائل: إنها مستثناة من قوله: ﴿ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾، قلنا: أيضًا لا يصح الاستثناء متصلًا؛ لأن هؤلاء المستضعفين ليسوا ظالمي أنفسهم؛ ولهذا يترجح القول بأن الاستثناء هنا منقطع، والاستثناء المنقطع ليس المستثنى فيه من جنس المستثنى منه، هذا من حيث المعنى.

ثانيًا: أداة الاستثناء فيه بمعنى أداة الاستدراك، وما هي أداة الاستدراك؟ (لكن)، فتكون (إلَّا) بمعنى (لكن)، قلنا: الاستثناء هنا منقطع؛ لأنه لا يصح أن يكون مستثنى من قوله: ﴿ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾، ولا من قوله: ﴿فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾، وعلى هذا فيكون منقطعًا.

وقلنا: إن الفرق بين المنقطع والمتصل من وجهين؛ الأول: أن المتصل بعض من المستثنى منه وليس المنقطع، الثاني: المنقطع تكون أداة الاستثناء فيه بمعنى أداة الاستدراك، أي بمعنى (لكن)، فيه حكم ثالث: وهو أن المستثنى إذا كان منقطعًا وجب نصبه فيما إذا كان الكلام تامًّا منفيًّا، وتعلمون أن المستثنى المتصل إذا كان الكلام تامًّا منفيًا يجوز فيه الوجهان: النصب على الاستثناء، والثاني: الإتباع، وأما إذا كان منقطعًا فإنه يتعين فيه النصب.

يقول: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ﴾ يعني: الذين أصابهم الضعف، فـ(مستضعف) بمعنى أصابه الضعف، يقول: ﴿مِنَ الرِّجَالِ﴾ (من) هذه بيانية تبين المستضعفين، و(أل) إذا قال قائل: كيف تحتاج إلى تبيان؟ نقول: لأن (أل) في (المستضعفين) اسم موصول، والاسم الموصول من أقسام المبهم، ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ فـ(من) هنا بيانية من الرجال والنساء.

﴿وَالْوِلْدَانِ﴾ ﴿الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ﴾ أليس الولدان إما رجال وإما نساء؟ لا، الولدان إما ذكور وإما إناث، لكنهم صغار، و(الرجال) جمع (رجل)، والرجل إنما يكون إذا بلغ، و(النساء) كذلك جمع (امرأة) من غير الجنس، والمرأة لا يطلق عليها امرأة إلا إذا بلغت.

إذن المستضعفون من الرجال إلا لمرض أو كِبَر أو غير ذلك مما لا يتمكنون معهم من الهجرة، وكذلك يقال: في النساء، أما الوِلْدَان فالغالب عليهم الضعف مطلقًا؛ لأنهم لا يستطيعون، كما قال عز وجل: ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً﴾ يعني: لا يستطيعون أن يتحيَّلوا حتى يخرجوا، ﴿وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾ فيأتون الأمر على وجه صريح، فهم لا حيلة عندهم فينفذون، ولا يستطيعون الخروج صراحة، فامتنع عليهم الخروج.

و(الحيلة): فِعْلَة من (الحَوْل)، لكنها قلبت الواو ياءً لانكسار أيش؟ ما قبلها، وإذا كانت من (الحول)، فـ(الحول) من (التحول)، وكأن المحتال يتحول من حال إلى أخرى على وجه لا يشعر به الغير.

وقوله: ﴿لَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾ أي: طريقًا ينفذون إليه بأنفسهم فيهاجرون.

قال الله تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ﴾ الفاء حرف عطف، و(أولاء) اسم إشارة يعود على ﴿الْمُسْتَضْعَفِينَ﴾، ﴿فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ﴾ جملة ﴿عَسَى﴾ وما بعدها في محل رفع خبر أولئك، ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ﴾ (عسى) فعل للترجي، وقيل: إنها تأتي للتوقع، والفرق بين الترجِّي والتوقع: أن الترجِّي رجاءُ ما لم يوجد سبب وقوعه لكنه ممكن، والتوقع ما يوجد سبب وقوعه فيتوقع أن يكون.

يقول: ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ﴾ هل هذا من الرجاء أو من التوقع؟ إذا نُسِبَت (عسى) إلى الله فهي من التوقع؛ ولهذا …

100

۞ وَمَن يُهَاجِرْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ يَجِدْ فِى ٱلْأَرْضِ مُرَٰغَمًۭا كَثِيرًۭا وَسَعَةًۭ ۚ وَمَن يَخْرُجْ مِنۢ بَيْتِهِۦ مُهَاجِرًا إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ ثُمَّ يُدْرِكْهُ ٱلْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُۥ عَلَى ٱللَّهِ ۗ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورًۭا رَّحِيمًۭا

And whoever emigrates for the cause of Allah will find on the earth many [alternative] locations and abundance. And whoever leaves his home as an emigrant to Allah and His Messenger and then death overtakes him - his reward has already become incumbent upon Allah. And Allah is ever Forgiving and Merciful.

ثم قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً﴾، الإعراب: من يهاجر يجد، هذه الجملة الشرطية فأين فعل الشرط؟

* طالب: فعل الشرط ﴿يُهَاجِرْ﴾.

* الشيخ: نعم، يهاجر، وجوابه؟

* الطالب: ﴿يَجِدْ﴾.

* الشيخ: ﴿يَجِدْ﴾، تمام، وإذا كان فعل الشرط مضارعًا وجوابه مضارعًا وجب جزمهما، أما إذا كان بعد الماضي يعني إذا كان فعل الشرط ماضيًا وجوابه مضارعًا فإنه يجوز الرفع، قال ابن مالك:

وَبَعْدَ مَاضٍ رَفْعُكَ الْجَزَا حَسَـــنْ ∗∗∗ وَرَفْعُـــــهُ بَعْــــــدَ مُضَـــــــــــارِعٍوَهَـــــــــــــــــنْ

فيجوز مثلًا: مَنْ قَامَ يَفُوزُ، مَنْ قَامَ يَفُزْ، أما: مَنْ يَقُمْ يَفُزْ، صحيح، مَنْ يَقُمْ يَفُوزُ، ضعيف.

وقوله: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ أين فعل الشرط في هذه الجملة؟

* طالب: يخرج.

* الشيخ: أين جوابه؟

* الطالب: ﴿فَقَدْ وَقَعَ﴾.

* الشيخ: ﴿فَقَدْ وَقَعَ﴾، لماذا اقترن بالفاء؟

* طالب: لأن الفعل ماضٍ.

* الشيخ: لا يا أخي.

* الطالب: ﴿فَقَدْ وَقَعَ﴾ لأنه مسبوق بـ(قد)، فالجواب مسبوق بـ(قد).

* الشيخ: وهل لديك بيت في الضوابط؟

* الطالب: أي نعم.

* الشيخ: ما هو؟

* الطالب:

اسْمِيَّـــــــــــــــــــةٌطَلَبِيَّـــــــــــــــــــةٌ وَبِجَامِــــــــــــــــدٍ ∗∗∗ وَبِمَا وَقَــــــدْ وَبِلَــــــــــــنْوَبِالتَّنْفِيـــــــــــــسِ

* الشيخ: أحسنت بارك الله فيك، إذا وقع جواب الشرط أحد هذه الأشياء وجب اقترانه بالفاء، وضابطه أنه كلما كان الجواب لا يصلح أن يلي أداة الشرط وجب اقترانه بالفاء، قال ابن مالك:

وَاقْرِنْ بِفَا حَتْمًا جَوَابًا لَوْ جُعِــــلْ ∗∗∗ شَرْطًا لِـ(إِنْ) أَوْ غَيْرِهَا لَمْيَنْجَعِـــــــلْ

هذا الضابط، كلما كان جواب الشرط لا يصح أن يلي الأداة وجب اقترانه بالفاء، والضوابط التي في البيت أيضًا تسهل عليك هذا.

طيب، ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾، (كان) هذه هل تفيد الحدوث؟

* طالب: (...) ولكنها هنا تفيد حدوث هذه الصفة لله (...).

* الشيخ: المقصود تحقيق ثبوتها لله، يقول الله عز وجل: ﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً﴾، سبق لنا معنى الهجرة وهي أن الهجرة لغة بمعنى التَّرْك، وشرعًا: ترك البلاد التي لا يقيم الإنسان فيها دينه إلى بلاد أخرى يقيم فيها دينه، وعبّر عنه بعضهم بقوله: الانتقال من بلد الشرك إلى بلد الإسلام.

وقوله: ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾؛ ﴿فِي﴾ للظرفية، وسبيل الله تعالى طريقه، وكون الهجرة في سبيل الله تتضمن شيئين: الإخلاص والتزام الشريعة؛ لأن من نوى غير الله لم يكن في سبيل الله، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام حين سئل عن الرجل يقاتل شجاعة وحمية ويُرى مكانه، قال: «مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ»متفق عليه؛ البخاري (١٢٣)، ومسلم (١٩٠٤ /١٥٠) ، من حديث أبي موسى الأشعري .، والثاني: أن تكون في شريعته، ضمن الشريعة لا مخالفة للشريعة، إذن ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ يعني: إخلاصًا واتباعًا.

﴿يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً﴾، ﴿يَجِدْ فِي الْأَرْضِ﴾؛ ﴿الْأَرْضِ﴾ هنا المراد بها الجنس، يعني أرض الله عمومًا، ﴿مُرَاغَمًا﴾ أي: مهاجَرًا يرغم به أعداءه، وبناء على هذا تكون ﴿مُرَاغَمًا﴾ صفة لموصوف محذوف، أي: مهاجرًا مراغَمًا، يعني: يراغم به أعداءه؛ لأن الإنسان إذا خرج من بلاد الكفر التي ضُيِّق عليه فيها إلى بلاد أخرى فإنه يراغم الأعداء، كما تعلمون أن الصحابة لمّا هاجروا إلى الحبشة ماذا صنعت قريش؟ أرسلت في إثرهم من يتكلم فيهم عند من؟ عند النجاشي[[أخرجه أحمد (١٧٤٠)، من حديث أم …

An-Nisaa 4:100Listen in Qur'an →

Commentary: Tafsir Ibn 'Uthaymin by Muhammad ibn Salih al-'Uthaymin. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.