Muslim99Muslim99
← Tafsir library

4. An-Nisaa

The Women · Medinan · 176 ayahs

سُورَةُ النِّسَاءِ

Reading Irshad al-'Aql al-Salim by Abu al-Su'ud

Ayahs 91–100 of 176

91

سَتَجِدُونَ ءَاخَرِينَ يُرِيدُونَ أَن يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا۟ قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوٓا۟ إِلَى ٱلْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا۟ فِيهَا ۚ فَإِن لَّمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوٓا۟ إِلَيْكُمُ ٱلسَّلَمَ وَيَكُفُّوٓا۟ أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَٱقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ ۚ وَأُو۟لَٰٓئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَٰنًۭا مُّبِينًۭا

You will find others who wish to obtain security from you and [to] obtain security from their people. Every time they are returned to [the influence of] disbelief, they fall back into it. So if they do not withdraw from you or offer you peace or restrain their hands, then seize them and kill them wherever you overtake them. And those - We have made for you against them a clear authorization.

﴿سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أنْ يَأْمَنُوكم ويَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ﴾ هم قَوْمٌ مِن أسَدَ وغَطَفانَ كانُوا إذا أتَوُا المَدِينَةَ أسْلَمُوا وعاهَدُوا لِيَأْمَنُوُا المُسْلِمِينَ فَإذا رَجَعُوا إلى قَوْمِهِمْ كَفَرُوا ونَكَثُوا عُهُودَهم لِيَأْمَنُوا قَوْمَهم. وقِيلَ: هم بَنُو عَبْدِ الدّارِ وكانَ دَيْدَنَهم ما ذَكَرَ.

﴿كُلَّ ما رُدُّوا إلى الفِتْنَةِ﴾ أيْ: دُعُوا إلى الكُفْرِ وقِتالِ المُسْلِمِينَ.

﴿أُرْكِسُوا فِيها﴾ قُلِبُوا فِيها أقْبَحَ قَلْبٍ وأشْنَعَهُ وكانُوا فِيها شَرًَّا مِن كُلِّ عَدُوٍّ شِرِّيرٍ.

﴿فَإنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ﴾ بِالكَفِّ عَنِ التَّعَرُّضِ لَكم بِوَجْهٍ ما.

﴿وَيُلْقُوا إلَيْكُمُ السَّلَمَ﴾ أيْ: لَمْ يُلْقُوا إلَيْكُمُ الصُّلْحَ والعَهْدَ بَلْ نَبَذُوهُ إلَيْكم.

﴿وَيَكُفُّوا أيْدِيَهُمْ﴾ أيْ: لَمْ يَكُفُّوها عَنْ قِتالِكم.

﴿فَخُذُوهم واقْتُلُوهم حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ أيْ: تَمَكَّنْتُمْ مِنهم.

﴿وَأُولَئِكُمْ﴾ المَوْصُوفُونَ بِما عُدِّدَ مِنَ الصِّفاتِ القَبِيحَةِ.

﴿جَعَلْنا لَكم عَلَيْهِمْ سُلْطانًا مُبِينًا﴾ حُجَّةً واضِحَةً في الإيقاعِ بِهِمْ قَتْلًَا وسَبْيًَا لِظُهُورِ عَداوَتِهِمْ وانْكِشافِ حالِهِمْ في الكُفْرِ والغَدْرِ وإضْرارِهِمْ بِأهْلِ الإسْلامِ أوْ تَسَلُّطًَا ظاهِرًَا حَيْثُ أذِنّا لَكم في أخْذِهِمْ وقَتْلِهِمْ.

92

وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَـًۭٔا ۚ وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَـًۭٔا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍۢ مُّؤْمِنَةٍۢ وَدِيَةٌۭ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰٓ أَهْلِهِۦٓ إِلَّآ أَن يَصَّدَّقُوا۟ ۚ فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّۢ لَّكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌۭ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍۢ مُّؤْمِنَةٍۢ ۖ وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍۭ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَٰقٌۭ فَدِيَةٌۭ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰٓ أَهْلِهِۦ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍۢ مُّؤْمِنَةٍۢ ۖ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةًۭ مِّنَ ٱللَّهِ ۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًۭا

And never is it for a believer to kill a believer except by mistake. And whoever kills a believer by mistake - then the freeing of a believing slave and a compensation payment presented to the deceased's family [is required] unless they give [up their right as] charity. But if the deceased was from a people at war with you and he was a believer - then [only] the freeing of a believing slave; and if he was from a people with whom you have a treaty - then a compensation payment presented to his family and the freeing of a believing slave. And whoever does not find [one or cannot afford to buy one] - then [instead], a fast for two months consecutively, [seeking] acceptance of repentance from Allah. And Allah is ever Knowing and Wise.

﴿وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ﴾ أيْ: وما صَحَّ لَهُ ولا لاقَ بِحالِهِ.

﴿أنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا﴾ بِغَيْرِ حَقٍّ فَإنَّ الإيمانَ زاجِرٌ عَنْ ذَلِكَ.

﴿إلا خَطَأً﴾ فَإنَّهُ رُبَّما يَقَعُ لِعَدَمِ دُخُولِ الِاحْتِرازِ عَنْهُ بِالكُلِّيَّةِ تَحْتَ الطّاقَةِ البَشَرِيَّةِ، وانْتِصابُهُ إمّا عَلى أنَّهُ حالٌ أيْ: وما كانَ لَهُ أنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًَا في حالٍ مِنَ الأحْوالِ إلّا في حالِ الخَطَإ، أوْ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ أيْ: وما كانَ لَهُ أنْ يَقْتُلَهُ لِعِلَّةٍ مِنَ العِلَلِ إلّا لِلْخَطَإ أوْ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِلْمَصْدَرِ أيْ: إلّا قَتْلًَا خَطَأً. وقِيلَ: "إلّا" بِمَعْنى ولا، والتَّقْدِيرُ: وما كانَ لِمُؤْمِنٍ أنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًَا عَمْدًَا ولا خَطَأً. وقِيلَ: ما كانَ نَفْيٌ في مَعْنى النَّهْيِ والِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ أيْ: لَكِنْ إنْ قَتَلَهُ خَطَأً فَجَزاؤُهُ ما يُذْكَرُ والخَطَأُ ما لا يُقارِنُهُ القَصْدُ إلى الفِعْلِ أوْ إلى الشَّخْصِ أوْ لا يُقْصَدُ بِهِ زُهُوقُ الرُّوحِ غالِبًَا أوْ لا يُقْصَدُ بِهِ مَحْظُورٌ كَرَمْيِ مُسْلِمٍ في صَفِّ الكُفّارِ مَعَ الجَهْلِ بِإسْلامِهِ، وقُرِئَ "خَطاءً" بِالمَدِّ، و"خَطًَا" كَعَصًَا بِتَخْفِيفِ الهَمْزَةِ. رُوِيَ أنَّ عَيّاشَ بْنَ أبِي رَبِيعَةَ وكانَ أخا أبِي جَهْلٍ لِأُمِّهِ أسْلَمَ وهاجَرَ إلى المَدِينَةِ خَوْفًَا مِن أهْلِهِ وذَلِكَ قَبْلَ هِجْرَةِ النَّبِيِّ ﷺ فَأقْسَمَتْ أُمُّهُ لا تَأْكُلُ ولا تَشْرَبُ ولا يَأْوِيها سَقْفٌ حَتّى يَرْجِعَ، فَخَرَجَ أبُو جَهْلٍ ومَعَهُ الحَرْثُ بْنُ زَيْدِ بْنِ أبِي أنِيسَةَ فَأتَياهُ وهو في أُطُمٍ فَفَتَلَ مِنهُ أبُو جَهْلٍ في الذِّرْوَةِ والغارِبِ، وقالَ: ألَيْسَ مُحَمَّدٌ يَحُثُّكَ عَلى صِلَةِ الرَّحِمِ انْصَرِفْ وبَرَّ أُمَّكَ وأنْتَ عَلى دِينِكَ حَتّى نَزَلَ وذَهَبَ مَعَهُما فَلَمّا فَسَحا مِنَ المَدِينَةِ كَتَّفاهُ وجَلَدَهُ فَقالَ لِلْحَرْثِ: هَذا أخِي فَمَن أنْتَ يا حَرْثُ؟ لِلَّهِ عَلَيَّ إنْ وجَدْتُكَ خالِيًَا أنْ أقْتُلَكَ وقَدِما بِهِ عَلى أُمِّهِ فَحَلَفَتْ لا يُحَلُّ كِتافُهُ أوْ يَرْتَدُّ فَفَعَلَ بِلِسانِهِ ثُمَّ هاجَرَ بَعْدَ ذَلِكَ وأسْلَمَ الحَرْثُ وهاجَرَ فَلَقِيَهُ عَيّاشٌ بِظَهْرِ قُباءَ ولَمْ يَشْعُرْ بِإسْلامِهِ فَأنْحى عَلَيْهِ فَقَتَلَهُ ثُمَّ أُخْبِرَ بِإسْلامِهِ فَأتى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: قَتَلْتُهُ ولَمْ أشْعُرْ بِإسْلامِهِ فَنَزَلَتْ.

﴿وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ أيْ: فَعَلَيْهِ أوْ فَمُوجِبُهُ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ، أيْ: إعْتاقُ نَسَمَةٍ عَبَّرَ عَنْها بِها كَما يُعَبَّرُ عَنْها بِالرَّأْسِ.

﴿مُؤْمِنَةٍ﴾ أىْ مَحْكُومًَا بِإسْلامِها وإنْ كانَتْ صَغِيرَةً.

﴿وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إلى أهْلِهِ﴾ مُؤَدّاةٌ إلى ورَثَتِهِ يَقْتَسِمُونَها كَسائِرِ المَوارِيثِ لِقَوْلِ ضَحّاكَ بْنِ سُفْيانَ الكِلابِيِّ: كَتَبَ إلىَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَأْمُرُنِي أنْ أُوَرِّثَ امْرَأةَ أشْيَمَ الضِّبابِيِّ مِن عَقْلِ زَوْجِها.

﴿إلا أنْ يَصَّدَّقُوا﴾ أيْ: إلّا أنْ يَتَصَدَّقَ أهْلُهُ عَلَيْهِ، سُمِّيَ العَفْوُ عَنْها صَدَقَةً حَثًَّا عَلَيْهِ وتَنْبِيهًَا عَلى فَضْلِهِ، وعَنِ النَّبِيِّ ﷺ « "كُلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ"،» وقُرِئَ "إلّا أنْ يَتَصَدَّقُوا" وهو مُتَعَلِّقٌ بِـ"عَلَيْهِ" أوْ بِـ"مُسَلَّمَةٌ" أيْ: تَجِبُ الدِّيَةُ أوْ يُسَلِّمُها إلى أهْلِهِ إلّا وقْتَ تَصَدُّقِهِمْ عَلَيْهِ فَهو في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى الظَّرْفِيَّةِ أوْ إلّا حالَ كَوْنِهِمْ مُتَصَدِّقِينَ عَلَيْهِ فَهو حالٌ مِنَ الأهْلِ أوِ القاتِلِ.

﴿فَإنْ كانَ﴾ أيِ: المَقْتُولُ.

﴿مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ﴾ كُفّارٍ مُحارِبِينَ.

﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ ولَمْ يَعْلَمْ بِهِ …

93

وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًۭا مُّتَعَمِّدًۭا فَجَزَآؤُهُۥ جَهَنَّمُ خَٰلِدًۭا فِيهَا وَغَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُۥ وَأَعَدَّ لَهُۥ عَذَابًا عَظِيمًۭا

But whoever kills a believer intentionally - his recompense is Hell, wherein he will abide eternally, and Allah has become angry with him and has cursed him and has prepared for him a great punishment.

﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ لَمّا بَيَّنَ حُكْمَ القَتْلِ خَطَأً وفَصَّلَ أقْسامَهُ الثَّلاثَةَ عَقَّبَ ذَلِكَ بِبَيانِ القَتْلِ عَمْدًَا خَلا أنَّ حُكْمَهُ الدُّنْيَوِيَّ لَمّا بُيِّنَ في سُورَةِ البَقَرَةِ اقْتَصَرَ هَهُنا عَلى حُكْمِهِ الأُخْرَوِيِّ. رُوِيَ أنَّ مَقِيسَ بْنَ ضُبابَةَ الكِنانِيَّ وكانَ قَدْ أسْلَمَ هو وأخُوهُ هِشامٌ وجَدَ أخاهُ قَتِيلًَا في بَنِي النَّجّارِ فَأتى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وذَكَرَ لَهُ القِصَّةَ فَأرْسَلَ عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَهُ زُبَيْرَ بْنَ عِياضٍ الفِهْرِيَّ وكانَ مِن أصْحابِ بَدْرٍ إلى بَنِي النَّجّارِ يَأْمُرُهم بِتَسْلِيمِ القاتِلِ إلى مَقِيسٍ لِيَقْتَصَّ مِنهُ إنْ عَلِمُوهُ وبِأداءِ الدِّيَةِ إنْ لَمْ يَعْلَمُوهُ فَقالُوا: سَمْعًَا وطاعَةً لِلَّهِ تَعالى ولِرَسُولِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، ما نَعْلَمُ لَهُ قاتِلًَا ولَكِنّا نُؤَدِّي دِيَتَهُ فَأتَوْهُ بِمِائَةٍ مِنَ الإبِلِ فانْصَرَفا راجِعَيْنِ إلى المَدِينَةِ حَتّى إذا كانا بِبَعْضِ الطَّرِيقِ أتى الشَّيْطانُ مَقِيسًَا فَوَسْوَسَ إلَيْهِ فَقالَ: أتَقْبَلُ دِيَةَ أخِيكَ فَيَكُونَ مَسَبَّةً عَلَيْكَ، اقْتُلِ الَّذِي مَعَكَ فَيَكُونَ نَفْسًَا بِنَفْسٍ وفَضْلَ الدِّيَةِ فَتَغَفَّلَ الفِهْرِيَّ فَرَماهُ بِصَخْرَةٍ فَشَدَخَهُ ثُمَّ رَكِبَ بَعِيرًَا مِنَ الإبِلِ واسْتاقَ بَقِيَّتَها راجِعًَا إلى مَكَّةَ كافِرًَا وهو يَقُولُ:

؎ قَتَلْتُ بِهِ فِهْرًَا وحَمَّلْتُ عَقْلَهُ ∗∗∗ سُراةَ بَنِي النَّجّارِ أصْحابَ قارِعِ

؎ وأدْرَكْتُ ثَأْرِي واضْطَجَعْتُ مُوَسَّدًَا ∗∗∗ وكُنْتُ إلى الأوْثانِ أوَّلَ راجِعِ

فَنَزَلَتْ وهو الَّذِي اسْتَثْناهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ الفَتْحِ مِمَّنْ أمَّنَهُ فَقُتِلَ وهو مُتَعَلِّقٌ بِأسْتارِ الكَعْبَةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مُتَعَمِّدًا﴾ حالٌ مِن فاعِلِ "يَقْتُلْ" ورُوِيَ عَنِ الكِسائِيِّ سُكُونُ التّاءِ كَأنَّهُ فَرَّ مِن تَوالِي الحَرَكاتِ.

﴿فَجَزاؤُهُ﴾ الَّذِي يَسْتَحِقُّهُ بِجِنايَتِهِ. ﴿جَهَنَّمُ﴾ . وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿خالِدًا فِيها﴾ حالٌ مُقَدَّرَةٌ مِن فاعِلِ فِعْلٍ مُقَدَّرٍ يَقْتَضِيهِ المَقامُ كَأنَّهُ قِيلَ: فَجَزاؤُهُ أنْ يَدْخُلَ جَهَنَّمَ خالِدًَا فِيها. وقِيلَ: هو حالٌ مِن ضَمِيرِ "يُجْزاها". وقِيلَ: مِن مَفْعُولِ "جازاهُ" وأُيِّدَ ذَلِكَ بِأنَّهُ أنْسَبُ بِعَطْفِ ما بَعْدَهُ عَلَيْهِ لِمُوافَقَتِهِ لَهُ صِيغَةً، ولا يَخْفى أنَّ ما يُقَدَّرُ لِلْحالِ أوِ العَطْفِ عَلَيْهِ حَقُّهُ أنْ يَكُونَ مِمّا يَقْتَضِيهِ المَقامُ اقْتِضاءً ظاهِرًَا ويَدُلُّ عَلَيْهِ الكَلامُ دِلالَةً بَيِّنَةً، وظاهِرٌ أنَّ كَوْنَ جَزائِهِ ما ذُكِرَ لا يَقْتَضِي وُقُوعَ الجَزاءِ البَتَّةَ كَما سَتَقِفُ عَلَيْهِ حَتّى يُقَدَّرَ يُجْزاها أوْ جازاهُ بِطَرِيقِ الإخْبارِ عَنْ وُقُوعِهِ. وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ فَعُطِفَ عَلى مُقَدَّرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ الشَّرْطِيَّةُ دِلالَةً واضِحَةً كَأنَّهُ قِيلَ بِطَرِيقِ الِاسْتِئْنافِ تَقْرِيرًَا وتَأْكِيدًَا لِمَضْمُونِها: حَكَمَ اللَّهُ بِأنَّ جَزاءَهُ ذَلِكَ وغَضِبَ عَلَيْهِ، أيِ: انْتَقَمَ مِنهُ.

﴿وَلَعَنَهُ﴾ أيْ: أبْعَدَهُ عَنِ الرَّحْمَةِ بِجَعْلِ جَزائِهِ ما ذُكِرَ. وقِيلَ: هو وما بَعْدَهُ مَعْطُوفٌ عَلى الخَبَرِ بِتَقْدِيرِ أنَّ وحُمِلَ الماضِي عَلى مَعْنى المُسْتَقْبَلِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَنُفِخَ في الصُّورِ﴾ ونَظائِرِهِ أيْ: فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ وأنْ يَغْضَبَ اللَّهُ عَلَيْهِ إلَخْ.

﴿وَأعَدَّ لَهُ﴾ في جَهَنَّمَ.

﴿عَذابًا عَظِيمًا﴾ لا يُقادَرُ قَدْرُهُ ولِما تَرى في الآيَةِ الكَرِيمَةِ مِنَ التَّهْدِيدِ الشَّدِيدِ والوَعِيدِ الأكِيدِ وفُنُونِ الإبْراقِ والإرْعادِ …

94

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ فَتَبَيَّنُوا۟ وَلَا تَقُولُوا۟ لِمَنْ أَلْقَىٰٓ إِلَيْكُمُ ٱلسَّلَٰمَ لَسْتَ مُؤْمِنًۭا تَبْتَغُونَ عَرَضَ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا فَعِندَ ٱللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌۭ ۚ كَذَٰلِكَ كُنتُم مِّن قَبْلُ فَمَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوٓا۟ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًۭا

O you who have believed, when you go forth [to fight] in the cause of Allah, investigate; and do not say to one who gives you [a greeting of] peace "You are not a believer," aspiring for the goods of worldly life; for with Allah are many acquisitions. You [yourselves] were like that before; then Allah conferred His favor upon you, so investigate. Indeed Allah is ever, with what you do, Acquainted.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ إثْرَ ما بَيَّنَ حُكْمَ القَتْلِ بِقِسْمَيْهِ وأنَّ ما يُتَصَوَّرُ صُدُورُهُ عَنِ المُؤْمِنِ إنَّما هو القَتْلُ خَطَأً شَرَعَ في التَّحْذِيرِ عَمّا يُؤَدِّي إلَيْهِ مِن قِلَّةِ المُبالاةِ في الأُمُورِ.

﴿إذا ضَرَبْتُمْ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أيْ: سافَرْتُمْ في الغَزْوِ ولِما في "إذا" مِن مَعْنى الشَّرْطِ صُدِّرَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾ بِالفاءِ أىْ: فاطْلُبُوا بَيانَ الأمْرِ في كُلِّ ما تَأْتُونَ وما تَذَرُونَ ولا تَعْجَلُوا فِيهِ بِغَيْرِ تَدَبُّرٍ ورَوِيَّةٍ، وقُرِئَ "فَتَثَبَّتُوا" أيِ: اطْلُبُوا إثْباتَهُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَن ألْقى إلَيْكُمُ السَّلامَ﴾ نَهْيٌ عَمّا هو نَتِيجَةٌ لِتَرْكِ المَأْمُورِ بِهِ وتَعْيِينٌ لِمادَّةٍ مُهِمَّةٍ مِنَ المَوادِّ الَّتِي يَجِبُ فِيها التَّبْيِينُ، وقُرِئَ "السِّلْمَ" بِغَيْرِ ألِفٍ وبِكَسْرِ السِّينِ وسُكُونِ اللّامِ، أيْ: لا تَقُولُوا بِغَيْرِ تَأمُّلٍ لِمَن حَيّاكم بِتَحِيَّةِ الإسْلامِ أوْ لِمَن ألْقى إلَيْكم مَقالِيدَ الِاسْتِسْلامِ والِانْقِيادِ.

﴿لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ وإنَّما أظْهَرْتَ ما أظْهَرْتَ مُتَعَوِّذًَا بَلِ اقْبَلُوا مِنهُ ما أظْهَرَهُ وعامِلُوهُ بِمُوجِبِهِ، وقُرِئَ "مُؤْمَنًَا" بِالفَتْحِ أيْ: مَبْذُولًَا لَكَ الأمانُ، وهَذا أنْسَبُ بِالقِراءَتَيْنِ الأُخْرَيَيْنِ والِاقْتِصارُ عَلى ذِكْرِ تَحِيَّةِ الإسْلامِ في القِراءَةِ الأُولى مَعَ كَوْنِها مَقْرُونَةً بِكَلِمَتَيِ الشَّهادَةِ كَما سَيَأْتِي في سَبَبِ النُّزُولِ لِلْمُبالَغَةِ في النَّهْيِ والزَّجْرِ والتَّنْبِيهِ عَلى كَمالِ ظُهُورِ خَطَئِهِمْ بِبَيانِ أنَّ تَحِيَّةَ الإسْلامِ كانَتْ كافِيَةً في المُكافَّةِ والِانْزِجارِ عَنِ التَّعَرُّضِ لِصاحِبِها فَكَيْفَ وهي مَقْرُونَةٌ بِهِما.* وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَبْتَغُونَ عَرَضَ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ حالٌ مِن فاعِلِ "لا تَقُولُوا" مُنْبِئٌ عَمّا يَحْمِلُهم عَلى العَجَلَةِ وتَرْكِ التَّأنِّي لَكِنْ لا عَلى أنْ يَكُونَ النَّهْيُ راجِعًَا إلى القَيْدِ فَقَطْ كَما في قَوْلِكَ: "لا تَطْلُبِ العِلْمَ تَبْتَغِي بِهِ الجاهَ بَلْ إلَيْهِما جَمِيعًَا" أيْ: لا تَقُولُوا لَهُ ذَلِكَ حالَ كَوْنِكم طالِبِينَ لِمالِهِ الَّذِي هو حُطامٌ سَرِيعُ النَّفادِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَعِنْدَ اللَّهِ مَغانِمُ كَثِيرَةٌ﴾ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ عَنِ ابْتِغاءِ مالِهِ بِما فِيهِ مِنَ الوَعْدِ الضِّمْنِيِّ كَأنَّهُ قِيلَ: لا تَبْتَغُوا مالَهُ فَعِنْدَ اللَّهِ مَغانِمُ كَثِيرَةٌ يُغْنِمُكُمُوها فَيُغْنِيكم عَنِ ارْتِكابِ ما ارْتَكَبْتُمُوهُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِن قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ عَنِ القَوْلِ المَذْكُورِ، ولَعَلَّ تَأْخِيرَهُ لِما فِيهِ مِن نَوْعِ تَفْصِيلٍ رُبَّما يُخِلُّ تَقْدِيمُهُ بِتَجاوُبِ أطْرافِ النَّظْمِ الكَرِيمِ مَعَ ما فِيهِ مِن مُراعاةِ المُقارَنَةِ بَيْنَ التَّعْلِيلِ السّابِقِ وبَيْنَ ما عُلِّلَ بِهِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأمّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ﴾ إلَخْ وتَقْدِيمُ خَبَرِ كانَ لِلْقَصْرِ المُفِيدِ لِتَأْكِيدِ المُشابَهَةِ بَيْنَ طَرَفَيِ التَّشْبِيهِ،وَذَلِكَ إشارَةٌ إلى المَوْصُولِ بِاعْتِبارِ اتِّصافِهِ بِما في حَيِّزِ الصِّلَةِ والفاءُ في "فَمَنَّ" لِلْعَطْفِ عَلى "كُنْتُمْ" أيْ: مِثْلُ ذَلِكَ الَّذِي ألْقى إلَيْكُمُ السَّلامَ كُنْتُمْ أنْتُمْ أيْضًَا في مَبادِي إسْلامِكم يَظْهَرُ مِنكم لِلنّاسِ غَيْرُ ما ظَهَرَ مِنهُ لَكم مِن تَحِيَّةِ الإسْلامِ ونَحْوِها فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكم بِأنْ قَبِلَ مِنكم تِلْكَ المَرْتَبَةَ وعَصَمَ بِها …

95

لَّا يَسْتَوِى ٱلْقَٰعِدُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُو۟لِى ٱلضَّرَرِ وَٱلْمُجَٰهِدُونَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ بِأَمْوَٰلِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ ۚ فَضَّلَ ٱللَّهُ ٱلْمُجَٰهِدِينَ بِأَمْوَٰلِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى ٱلْقَٰعِدِينَ دَرَجَةًۭ ۚ وَكُلًّۭا وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلْحُسْنَىٰ ۚ وَفَضَّلَ ٱللَّهُ ٱلْمُجَٰهِدِينَ عَلَى ٱلْقَٰعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًۭا

Not equal are those believers remaining [at home] - other than the disabled - and the mujahideen, [who strive and fight] in the cause of Allah with their wealth and their lives. Allah has preferred the mujahideen through their wealth and their lives over those who remain [behind], by degrees. And to both Allah has promised the best [reward]. But Allah has preferred the mujahideen over those who remain [behind] with a great reward -

﴿لا يَسْتَوِي القاعِدُونَ﴾ بَيانٌ لِتَفاوُتِ طَبَقاتِ المُؤْمِنِينَ بِحَسَبِ تَفاوُتِ دَرَجاتِ مَساعِيهِمْ في الجِهادِ بَعْدَ ما مَرَّ مِنَ الأمْرِ بِهِ وتَحْرِيضِ المُؤْمِنِينَ عَلَيْهِ لِيَأْنَفَ القاعِدُ عَنْهُ ويَتَرَفَّعَ بِنَفْسِهِ عَنِ انْحِطاطِ رُتْبَتِهِ فَيَهْتَزَّ لَهُ رَغْبَةً في ارْتِفاعِ طَبَقَتِهِ، والمُرادُ بِهِمُ: الَّذِينَ أُذِنَ لَهم في القُعُودِ عَنِ الجِهادِ اكْتِفاءً بِغَيْرِهِمْ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: هُمُ القاعِدُونَ عَنْ بَدْرٍ والخارِجُونَ إلَيْها، وهو الظّاهِرُ المُوافِقُ لِتارِيخِ النُّزُولِ لا ما رُوِيَ عَنْ مُقاتِلٍ مِن أنَّهُمُ الخارِجُونَ إلى تَبُوكَ فَإنَّهُ مِمّا لا يُوافِقُهُ التّارِيخُ ولا يُساعِدُهُ الحالُ إذْ لَمْ يَكُنْ لِلْمُتَخَلِّفِينَ يَوْمَئِذٍ هَذِهِ الرُّخْصَةُ. وقَوْلُهُ تَعالى:﴿مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًَا مِنَ "القاعِدِينَ" أيْ: كائِنِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ، وفائِدَتُها الإيذانُ مِن أوَّلِ الأمْرِ بِعَدَمِ إخْلالِ وصْفِ القُعُودِ بِإيمانِهِمْ والإشْعارُ بِعِلَّةِ اسْتِحْقاقِهِمْ لِما سَيَأْتِي مِنَ الحُسْنى.

﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ صِفَةٌ لِ ﴿القاعِدُونَ﴾ لِجَرَيانِهِ مَجْرى النَّكِرَةِ حَيْثُ لَمْ يُقْصَدْ بِهِ قَوْمٌ بِأعْيانِهِمْ أوْ بَدَلٌ مِنهُ، وقُرِئَ بِالنَّصْبِ عَلى أنَّهُ حالٌ مِنهُ أوِ اسْتِثْناءٌ وبِالجَرِّ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِ ﴿المُؤْمِنِينَ﴾ أوْ بَدَلٌ مِنهُ والضَّرَرُ: المَرَضُ أوِ العاهَةُ مِن عَمىً أوْ عَرَجٍ أوْ زَمانَةٍ أوْ نَحْوِها، وفي مَعْناهُ: العَجْزُ عَنِ الأُهْبَةِ. «عَنْ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ قالَ: كُنْتُ إلى جَنْبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَغَشِيَتْهُ السَّكِينَةُ فَوَقَعَتْ فَخِذُهُ عَلى فَخِذِي حَتّى خَشِيتُ أنْ تَرُضَّها ثُمَّ سُرِّيَ عَنْهُ فَقالَ: اكْتُبْ فَكَتَبْتُ "لا يَسْتَوِي القاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ والمُجاهِدُونَ" فَقالَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ: - وكانَ أعْمى- يا رَسُولَ اللَّهِ وكَيْفَ بِمَن لا يَسْتَطِيعُ الجِهادَ مِنَ المُؤْمِنِينَ فَغَشِيَتْهُ السَّكِينَةُ كَذَلِكَ ثُمَّ سُرِّيَ عَنْهُ فَقالَ: اكْتُبْ ﴿لا يَسْتَوِي القاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ والمُجاهِدُونَ﴾» إيرادُهم بِهَذا العُنْوانِ دُونَ الخُرُوجِ المُقابِلِ لِوَصْفِ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ كَما وقَعَ في عِبارَةِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما وكَذا تَقْيِيدُ المُجاهَدَةِ بِكَوْنِها.

﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ﴾ لِمَدْحِهِمْ بِذَلِكَ والإشْعارِ بِعِلَّةِ اسْتِحْقاقِهِمْ لِعُلُوِّ المَرْتَبَةِ مَعَ ما فِيهِ مِن حُسْنِ مَوْقِعِ السَّبِيلِ في مُقابَلَةِ القُعُودِ وتَقْدِيمِ القاعِدِينَ في الذِّكْرِ والإيذانِ مِن أوَّلِ الأمْرِ بِأنَّ القُصُورَ الَّذِي يُنْبِئُ عَنْهُ عَدَمُ الِاسْتِواءِ مِن جِهَتِهِمْ لا مِن جِهَةِ مُقابِلِيهِمْ، فَإنَّ مَفْهُومَ عَدَمِ الِاسْتِواءِ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ المُتَفاوِتَيْنِ زِيادَةً ونُقْصانًَا وإنْ جازَ اعْتِبارُهُ بِحَسَبِ زِيادَةِ الزّائِدِ لَكِنَّ المُتَبادِرَ اعْتِبارُهُ بِحَسَبِ قُصُورِ القاصِرِ، وعَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الأعْمى والبَصِيرُ أمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُماتُ والنُّورُ﴾ إلى غَيْرِ ذَلِكَ، وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ فَلَعَلَّ تَقْدِيمَ الفاضِلِ فِيهِ لِأنَّ صِلَتَهُ مِلْكَةٌ لِصِلَةِ المَفْضُولِ. وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿فَضَّلَ اللَّهُ المُجاهِدِينَ بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ عَلى القاعِدِينَ دَرَجَةً﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ …

96

دَرَجَٰتٍۢ مِّنْهُ وَمَغْفِرَةًۭ وَرَحْمَةًۭ ۚ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورًۭا رَّحِيمًا

Degrees [of high position] from Him and forgiveness and mercy. And Allah is ever Forgiving and Merciful.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿دَرَجاتٍ﴾ بَدَلٌ مِن "أجْرًَا" بَدَلَ الكُلِّ مُبَيِّنٌ لِكَمِّيَّةِ التَّفْضِيلِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِنهُ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِـ"دَرَجاتٍ" دالَّةً عَلى فَخامَتِها وجَلالَةِ قَدْرِها أيْ: دَرَجاتٍ كائِنَةً مِنهُ تَعالى. قالَ ابْنُ مُحَيْرِيزَ: هي سَبْعُونَ دَرَجَةً ما بَيْنَ كُلِّ دَرَجَتَيْنِ عَدْوُ الفَرَسِ الجَوادِ المُضَمَّرِ سَبْعِينَ خَرِيفًَا. وقالَ السُّدِّيُّ: هي سَبْعُمِائَةِ دَرَجَةٍ. وعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: ﴿إنَّ في الجَنَّةِ مِائَةَ دَرَجَةٍ أعَدَّها اللَّهُ تَعالى لِلْمُجاهِدِينَ في سَبِيلِهِ ما بَيْنَ الدَّرَجَتَيْنِ كَما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ﴾ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ انْتِصابُ دَرَجاتٍ عَلى المَصْدَرِيَّةِ كَما في قَوْلِكَ: "ضَرَبَهُ أسْواطًَا" أيْ: ضَرَباتٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَضَّلَهم تَفْضِيلاتٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَغْفِرَةً﴾ بَدَلٌ مِن "أجْرًَا" بَدَلَ البَعْضِ لِأنَّ بَعْضَ الأجْرِ لَيْسَ مِن بابِ المَغْفِرَةِ، أيْ: مَغْفِرَةً لِما يَفْرُطُ مِنهم مِنَ الذُّنُوبِ الَّتِي لا يُكَفِّرُها سائِرُ الحَسَناتِ الَّتِي يَأْتِي بِها القاعِدُونَ أيْضًَا حَتّى تُعَدَّ مِن خَصائِصِهِمْ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَرَحْمَةً﴾ بَدَلُ الكُلِّ مِن "أجْرًَا" مِثْلُ دَرَجاتٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ انْتِصابُهُما بِإضْمارِ فِعْلِهِما، أيْ: غَفَرَ لَهم مَغْفِرَةً ورَحِمَهم رَحْمَةً هَذا ولَعَلَّ تَكْرِيرَ التَّفْضِيلِ بِطَرِيقِ العَطْفِ المُنْبِئِ عَنِ المُغايَرَةِ وتَقْيِيدَهُ تارَةً بِ "دَرَجَةً" وأُخْرى بِ "دَرَجاتٍ" مَعَ اتِّحادِ المُفَضَّلِ والمُفَضَّلِ عَلَيْهِ حَسْبَما يَقْتَضِيهِ الكَلامُ ويَسْتَدْعِيهِ حُسْنُ النِّظامِ إمّا لِتَنْزِيلِ الِاخْتِلافِ العُنْوانِيِّ بَيْنَ التَّفْضِيلَيْنِ وبَيْنَ الدَّرَجَةِ والدَّرَجاتِ مَنزِلَةَ الِاخْتِلافِ الذّاتِيِّ تَمْهِيدًَا لِسُلُوكِ طَرِيقِ الإبْهامِ ثُمَّ التَّفْسِيرِ رَوْمًَا لِمَزِيدِ التَّحْقِيقِ والتَّقْرِيرِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَمّا جاءَ أمْرُنا نَجَّيْنا هُودًا والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا ونَجَّيْناهم مِن عَذابٍ غَلِيظٍ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: فَضَّلَ اللَّهُ المُجاهِدِينَ عَلى القاعِدِينَ دَرَجَةً لا يُقادَرُ قَدْرُها ولا يُبْلَغُ كُنْهُها وحَيْثُ كانَ تَحَقُّقُ هَذا البَوْنِ البَعِيدِ بَيْنَهُما مُوهِمًَا لِحِرْمانِ القاعِدِينَ. قِيلَ: وكُلًَّا وعَدَ اللَّهُ الحُسْنى ثُمَّ أُرِيدَ تَفْسِيرُ ما أفادَهُ التَّنْكِيرُ بِطَرِيقِ الإبْهامِ بِحَيْثُ يَقْطَعُ احْتِمالَ كَوْنِهِ لِلْوَحْدَةِ فَقِيلَ ما قِيلَ ولِلَّهِ دَرُّ شَأْنِ التَّنْزِيلِ، وإمّا لِلِاخْتِلافِ بِالذّاتِ بَيْنَ التَّفْضِيلَيْنِ وبَيْنَ الدَّرَجَةِ والدَّرَجاتِ عَلى أنَّ المُرادَ بِالتَّفْضِيلِ الأوَّلِ ما خَوَّلَهُمُ اللَّهُ تَعالى عاجِلًَا في الدُّنْيا مِنَ الغَنِيمَةِ والظَّفَرِ والذِّكْرِ الجَمِيلِ الحَقِيقِ بِكَوْنِهِ دَرَجَةً واحِدَةً، وبِالتَّفْضِيلِ الثّانِي ما أنْعَمَ بِهِ في الآخِرَةِ مِنَ الدَّرَجاتِ العالِيَةِ الفائِتَةِ لِلْحَصْرِ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ تَقْدِيمُ الأوَّلِ وتَأْخِيرُ الثّانِي وتَوْسِيطُ الوَعْدِ بِالجَنَّةِ بَيْنَهُما كَأنَّهُ قِيلَ: وفَضَّلَهم عَلَيْهِمْ في الدُّنْيا دَرَجَةً واحِدَةً وفي الآخِرَةِ دَرَجاتٍ لا تُحْصى، وقَدْ وُسِّطَ بَيْنَهُما في الذِّكْرِ ما هو مُتَوَسِّطٌ بَيْنَهُما في الوُجُودِ أعْنِي الوَعْدَ بِالجَنَّةِ تَوْضِيحًَا لِحالِهِما ومُسارَعَةً إلى تَسْلِيَةِ المَفْضُولِ واللَّهُ سُبْحانَهُ أعْلَمُ. هَذا ما بَيْنَ المُجاهِدِينَ وبَيْنَ القاعِدِينَ غَيْرِ أُولِي الضَّرَرِ، وأمّا أُولُو …

97

إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَفَّىٰهُمُ ٱلْمَلَٰٓئِكَةُ ظَالِمِىٓ أَنفُسِهِمْ قَالُوا۟ فِيمَ كُنتُمْ ۖ قَالُوا۟ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِى ٱلْأَرْضِ ۚ قَالُوٓا۟ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ ٱللَّهِ وَٰسِعَةًۭ فَتُهَاجِرُوا۟ فِيهَا ۚ فَأُو۟لَٰٓئِكَ مَأْوَىٰهُمْ جَهَنَّمُ ۖ وَسَآءَتْ مَصِيرًا

Indeed, those whom the angels take [in death] while wronging themselves - [the angels] will say, "In what [condition] were you?" They will say, "We were oppressed in the land." The angels will say, "Was not the earth of Allah spacious [enough] for you to emigrate therein?" For those, their refuge is Hell - and evil it is as a destination.

﴿إنَّ الَّذِينَ تَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ﴾ بَيانٌ لِحالِ القاعِدِينَ عَنِ الهِجْرَةِ إثْرَ بَيانِ حالِ القاعِدِينَ عَنِ الجِهادِ و"تَوَفّاهُمْ" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ماضِيًَا ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ "تَوَفَّتْهُمْ" وأنْ يَكُونَ مُضارِعًَا قَدْ حُذِفَ مِنهُ إحْدى التّاءَيْنِ وأصْلُهُ "تَتَوَفّاهُمْ" عَلى حِكايَةِ الحالِ الماضِيَةِ والقَصْدِ إلى اسْتِحْضارِ صُورَتِها ويُعَضِّدُهُ قِراءَةُ مَن قَرَأ "تُوَفّاهُمْ" عَلى مُضارِعِ وُفِّيَتْ بِمَعْنى أنَّ اللَّهَ تَعالى يُوَفِّي المَلائِكَةَ أنْفُسَهم فَيَتَوَفَّوْنَها، أيْ: يُمَكِّنُهم مِنَ اسْتِيفائِها فَيَسْتَوْفُونَها.

﴿ظالِمِي أنْفُسِهِمْ﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِ "تَوَفّاهُمْ" فَإنَّهُ وإنْ كانَ مُضافًَا إلى المَعْرِفَةِ إلّا أنَّهُ نَكِرَةٌ في الحَقِيقَةِ لِأنَّ المَعْنى عَلى الِانْفِصالِ وإنْ كانَ مَوْصُولًَا في اللَّفْظِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ﴾ و﴿هَدْيًا بالِغَ الكَعْبَةِ﴾ وثانِيَ عِطْفِهِ أيْ: مُحِلِّينَ الصَّيْدَ وبالِغًَا الكَعْبَةَ، وثانِيًَا عِطْفَهُ كَأنَّهُ قِيلَ: ظالِمِينَ أنْفُسَهم وذَلِكَ بِتَرْكِ الهِجْرَةِ واخْتِيارِ مُجاوَرَةِ الكَفَرَةِ المُوجِبَةِ لِلْإخْلالِ بِأُمُورِ الدِّينِ فَإنَّها نَزَلَتْ في ناسٍ مِن مَكَّةَ قَدْ أسْلَمُوا ولَمْ يُهاجِرُوا حِينَ كانَتِ الهِجْرَةُ فَرِيضَةً.

﴿قالُوا﴾ أيِ: المَلائِكَةُ لِلْمُتَوَفِّينَ تَقْرِيرًَا لَهم بِتَقْصِيرِهِمْ في إظْهارِ إسْلامِهِمْ وإقامَةِ أحْكامِهِ مِنَ الصَّلاةِ ونَحْوِها وتَوْبِيخًَا لَهم بِذَلِكَ.

﴿فِيمَ كُنْتُمْ﴾ أيْ: في أيِّ شَيْءٍ كُنْتُمْ مِن أُمُورِ دِينِكم.

﴿قالُوا﴾: اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ نَشَأ مِن حِكايَةِ سُؤالِ المَلائِكَةِ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالُوا في الجَوابِ؟ فَقِيلَ: قالُوا مُتَجانِفِينَ عَنِ الإقْرارِ الصَّرِيحِ بِما هم فِيهِ مِنَ التَّقْصِيرِ مُتَعَلِّلِينَ بِما يُوجِبُهُ عَلى زَعْمِهِمْ.

﴿كُنّا مُسْتَضْعَفِينَ في الأرض﴾ أيْ: في أرْضِ مَكَّةَ عاجِزِينَ عَنِ القِيامِ بِمَواجِبِ الدِّينِ فِيما بَيْنَ أهْلِها.

﴿قالُوا﴾ إبْطالًَا لِتَعَلُّلِهِمْ وتَبْكِيتًَا لَهم.

﴿ألَمْ تَكُنْ أرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها﴾ إلى قُطْرٍ آخَرَ مِنها تَقْدِرُونَ فِيهِ عَلى إقامَةِ أُمُورِ الدِّينِ كَما فَعَلَهُ مَن هاجَرَ إلى المَدِينَةِ وإلى الحَبَشَةِ، وأمّا حَمْلُ تَعَلُّلِهِمْ عَلى إظْهارِ العَجْزِ عَنِ الهِجْرَةِ وجَعْلُ جَوابِ المَلائِكَةِ تَكْذِيبًَا لَهم في ذَلِكَ فَيَرُدُّهُ أنَّ سَبَبَ العَجْزِ عَنْها لا يَنْحَصِرُ في فُقْدانِ دارِ الهِجْرَةِ بَلْ قَدْ يَكُونُ لِعَدَمِ الِاسْتِطاعَةِ لِلْخُرُوجِ بِسَبَبِ الفَقْرِ أوْ لِعَدَمِ تَمْكِينِ الكَفَرَةِ مِنهُ فَلا يَكُونُ بَيانُ سِعَةِ الأرْضِ تَكْذِيبًَا لَهم ورَدًَّا عَلَيْهِمْ بَلْ لا بُدَّ مِن بَيانِ اسْتِطاعَتِهِمْ أيْضًَا حَتّى يَتِمَّ التَّبْكِيتُ. وقِيلَ: كانَتِ الطّائِفَةُ المَذْكُورَةُ قَدْ خَرَجُوا مَعَ المُشْرِكِينَ إلى بَدْرٍ مِنهم قَيْسُ بْنُ الفاكِهِ بْنِ المُغِيرَةِ وقَيْسُ بْنُ الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ وأشْباهُهُما فَقُتِلُوا فِيها فَضَرَبَتِ المَلائِكَةُ وُجُوهَهم وأدْبارَهم وقالُوا لَهم ما قالُوا، فَيَكُونُ ذَلِكَ مِنهم تَقْرِيعًَا وتَوْبِيخًَا لَهم بِما كانُوا فِيهِ مِن مُساعَدَةِ الكَفَرَةِ وانْتِظامِهِمْ في عَسْكَرِهِمْ ويَكُونُ جَوابُهم بِالِاسْتِضْعافِ تَعَلُّلًَا بِأنَّهم كانُوا مَقْهُورِينَ تَحْتَ أيْدِيهِمْ وأنَّهم أُخْرِجُوا كارِهِينَ فَرُدَّ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم كانُوا بِسَبِيلٍ مِنَ الخَلاصِ عَنْ قَهْرِهِمْ مُتَمَكِّنِينَ مِنَ المُهاجَرَةِ.

﴿فَأُولَئِكَ﴾ الَّذِينَ حُكِيَتْ أحْوالُهُمُ …

98

إِلَّا ٱلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ ٱلرِّجَالِ وَٱلنِّسَآءِ وَٱلْوِلْدَٰنِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةًۭ وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًۭا

Except for the oppressed among men, women and children who cannot devise a plan nor are they directed to a way -

﴿إلا المُسْتَضْعَفِينَ﴾ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ لِعَدَمِ دُخُولِهِمْ في المَوْصُولِ وضَمِيرِهِ والإشارَةِ إلَيْهِ، و"مِن" في قَوْلِهِ تَعالى:

﴿مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ والوِلْدانِ﴾ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًَا مِنَ ﴿المُسْتَضْعَفِينَ﴾ أيْ: كائِنِينَ مِنهم وذِكْرُ "الوِلْدانِ" إنْ أُرِيدَ بِهِمُ المَمالِيكُ أوِ المُراهِقُونَ ظاهِرٌ، وأمّا إنْ أُرِيدَ بِهِمُ الأطْفالُ فَلِلْمُبالَغَةِ في أمْرِ الهِجْرَةِ وإيهامِ أنَّها بِحَيْثُ لَوِ اسْتَطاعَها غَيْرُ المُكَلَّفِينَ لَوَجَبَتْ عَلَيْهِمْ والإشْعارِ بِأنَّهم لا مَحِيصَ لَهم عَنْها البَتَّةَ تَجِبُ عَلَيْهِمْ كَما بَلَغُوا حَتّى كَأنَّها واجِبَةٌ عَلَيْهِمْ قَبْلَ البُلُوغِ لَوِ اسْتَطاعُوا وأنَّ قَوْمَهم يَجِبُ عَلَيْهِمْ أنْ يُهاجِرُوا بِهِمْ مَتى أمْكَنَتْ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً ولا يَهْتَدُونَ سَبِيلا﴾ صِفَةٌ لِلْمُسْتَضْعَفِينَ فَإنَّ ما فِيهِ مِنَ اللّامِ لَيْسَ لِلتَّعْرِيفِ، أوْ حالٌ مِنهُ أوْ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ فِيهِ. وقِيلَ: تَفْسِيرٌ لِنَفْسِ المُسْتَضْعَفِينَ لِكَثْرَةِ وُجُوهِ الِاسْتِضْعافِ، واسْتِطاعَةُ الحِيلَةِ وُجْدانُ أسْبابِ الهِجْرَةِ ومَبادِيها، واهْتِداءُ السَّبِيلِ مَعْرِفَةُ طَرِيقِ المَوْضِعِ المُهاجَرِ إلَيْهِ بِنَفْسِهِ أوْ بِدَلِيلٍ.

99

فَأُو۟لَٰٓئِكَ عَسَى ٱللَّهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ ۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًۭا

For those it is expected that Allah will pardon them, and Allah is ever Pardoning and Forgiving.

﴿فَأُولَئِكَ﴾ إشارَةٌ إلى المُسْتَضْعَفِينَ المَوْصُوفِينَ بِما ذُكِرَ مِن صِفاتِ العَجْزِ.

﴿عَسى اللَّهُ أنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ﴾ جِيءَ بِكَلِمَةِ الإطْماعِ ولَفْظِ العَفْوِ إيذانًَا بِأنَّ الهِجْرَةَ مِن تَأكُّدِ الوُجُوبِ بِحَيْثُ يَنْبَغِي أنْ يُعَدَّ تَرْكُها مِمَّنْ تَحَقَّقَ عَدَمُ وُجُوبِها عَلَيْهِ ذَنْبًَا يَجِبُ طَلَبُ العَفْوِ رَجاءً وطَمَعًَا لا جَزْمًَا وقَطْعًَا.

100

۞ وَمَن يُهَاجِرْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ يَجِدْ فِى ٱلْأَرْضِ مُرَٰغَمًۭا كَثِيرًۭا وَسَعَةًۭ ۚ وَمَن يَخْرُجْ مِنۢ بَيْتِهِۦ مُهَاجِرًا إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ ثُمَّ يُدْرِكْهُ ٱلْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُۥ عَلَى ٱللَّهِ ۗ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورًۭا رَّحِيمًۭا

And whoever emigrates for the cause of Allah will find on the earth many [alternative] locations and abundance. And whoever leaves his home as an emigrant to Allah and His Messenger and then death overtakes him - his reward has already become incumbent upon Allah. And Allah is ever Forgiving and Merciful.

﴿وَكانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ تَذْيِيلٌ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ.

﴿وَمَن يُهاجِرْ في سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ في الأرض مُراغَمًا كَثِيرًا﴾ تَرْغِيبٌ في المُهاجَرَةِ وتَأْنِيسٌ لَها، أيْ: يَجِدُ فِيها مُتَحَوَّلًَا ومُهاجَرًَا وإنَّما عَبَّرَ عَنْهُ بِذَلِكَ تَأْكِيدًَا لِلتَّرْغِيبِ لِما فِيهِ مِنَ الإشْعارِ بِكَوْنِ ذَلِكَ المُتَحَوَّلِ بِحَيْثُ يَصِلُ فِيهِ المُهاجِرُ مِنَ الخَيْرِ والنِّعْمَةِ إلى ما يَكُونُ سَبَبًَا لِرَغْمِ أنْفِ قَوْمِهِ الَّذِينَ هاجَرَهم والرُّغْمُ: الذُّلُّ والهَوانُ وأصْلُهُ لُصُوقُ الأنْفِ بِالرَّغامِ وهو التُّرابُ. وقِيلَ: يَجِدُ فِيها طَرِيقًَا يُراغِمُ بِسُلُوكِهِ قَوْمَهُ، أيْ: يُفارِقُهم عَلى رَغْمِ أُنُوفِهِمْ.

﴿وَسَعَةً﴾ أيْ: مِنَ الرِّزْقِ.

﴿وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهاجِرًا إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ المَوْتُ﴾ أيْ: قَبْلَ أنْ يَصِلَ إلى المَقْصِدِ وإنْ كانَ ذَلِكَ خارِجَ بابِهِ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ إيثارُ الخُرُوجِ مِن بَيْتِهِ عَلى المُهاجَرَةِ وهو عَطْفٌ عَلى فِعْلِ الشَّرْطِ. وقُرِئَ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ. وقِيلَ: هو حَرَكَةُ الهاءِ نُقِلَتْ إلى الكافِ عَلى نِيَّةِ الوَقْفِ كَما في قَوْلِهِ:

؎ مِن عَنَزِيٍّ سَبَّنِي لَمْ أضْرِبُهْ ∗∗∗ عَجِبْتُ والدَّهْرُ كَثِيرٌ عَجَبُهْ

وَقُرِئَ بِالنَّصْبِ عَلى إضْمارِ أنْ كَما في قَوْلِهِ: [وَألْحَقُ بِالحِجازِ فَأسْتَرِيحا].

﴿فَقَدْ وقَعَ أجْرُهُ عَلى اللَّهِ﴾ أيْ: ثَبَتَ ذَلِكَ عِنْدَهُ تَعالى ثُبُوتَ الأمْرِ الواجِبِ. رُوِيَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمّا بُعِثَ بِالآياتِ المُتَقَدِّمَةِ إلى مُسْلِمِي مَكَّةَ قالَ جُنْدُبُ بْنُ ضَمْرَةَ لِبَنِيهِ: - وكانَ شَيْخًَا كَبِيرًَا - احْمِلُونِي فَإنِّي لَسْتُ مِنَ المُسْتَضْعَفِينَ وإنِّي لَأهْتَدِي الطَّرِيقَ واللَّهِ لا أبِيتُ اللَّيْلَةَ بِمَكَّةَ فَحَمَلُوهُ عَلى سَرِيرٍ مُتَوَجِّهًَا إلى المَدِينَةِ فَلَمّا بَلَغَ التَّنْعِيمَ أشْرَفَ عَلى المَوْتِ فَصَفَّقَ بِيَمِينِهِ عَلى شِمالِهِ ثُمَّ قالَ: اللَّهُمَّ هَذِهِ لَكَ وهَذِهِ لِرَسُولِكَ أُبايِعُكَ عَلى ما بايَعَكَ رَسُولُكَ فَماتَ حَمِيدًَا فَبَلَغَ خَبَرُهُ أصْحابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالُوا: لَوْ تُوُفِّيَ بِالمَدِينَةِ لَكانَ أتَمَّ أجْرًَا فَنَزَلَتْ.» قالُوا: كُلُّ هِجْرَةٍ في غَرَضٍ دِينِيٍّ مِن طَلَبِ عِلْمٍ أوْ حَجٍّ أوْ جِهادٍ أوْ نَحْوِ ذَلِكَ فَهي هِجْرَةٌ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ وإلى رَسُولِهِ ﷺ.

﴿وَكانَ اللَّهُ غَفُورًا﴾ مُبالِغًَا في المَغْفِرَةِ فَيَغْفِرُ لَهُ ما فَرَطَ مِنهُ مِنَ الذُّنُوبِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها القُعُودُ عَنِ الهِجْرَةِ إلى وقْتِ الخُرُوجِ.

﴿رَحِيمًا﴾ مُبالِغًَا في الرَّحْمَةِ فَيَرْحَمُهُ بِإكْمالِ ثَوابِ هِجْرَتِهِ.

An-Nisaa 4:100Listen in Qur'an →

Commentary: Irshad al-'Aql al-Salim by Abu al-Su'ud. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.