Muslim99Muslim99
← Tafsir library

4. An-Nisaa

The Women · Medinan · 176 ayahs

سُورَةُ النِّسَاءِ

Reading Tafsir Ibn 'Uthaymin by Muhammad ibn Salih al-'Uthaymin

Ayahs 81–90 of 176

81

وَيَقُولُونَ طَاعَةٌۭ فَإِذَا بَرَزُوا۟ مِنْ عِندِكَ بَيَّتَ طَآئِفَةٌۭ مِّنْهُمْ غَيْرَ ٱلَّذِى تَقُولُ ۖ وَٱللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ ۖ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ ۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلًا

And they say, "[We pledge] obedience." But when they leave you, a group of them spend the night determining to do other than what you say. But Allah records what they plan by night. So leave them alone and rely upon Allah. And sufficient is Allah as Disposer of affairs.

ثم قال الله عز وجل: ﴿وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾.

يقولون: هؤلاء من المنافقين أو خليط من المنافقين والمؤمنين ﴿يَقُولُونَ طَاعَةٌ﴾ يعني: إذا أمرتهم قالوا: طاعة، لا نخالفه، ولكنهم إذا خرجوا من عند الرسول عليه الصلاة والسلام بيَّت طائفة ﴿فَإِذَا بَرَزُوا﴾ والبروز معناه: الظهور، يعني: إذا فارقوا المجلس وظهر فراقهم إياه وصاروا بدلًا من أن يكونوا في الحجرة صاروا في السوق. والمقصود من هذا بيان أنهم إذا فارقوا المكان مفارقة تامة ﴿بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ﴾.

﴿بَيَّتَ﴾ يعني: عمل ليلًا، وإنما كان عملهم ليلًا؛ لأن الليل محل الخفاء ومحل السر، فتجدهم يقولون عند النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: طاعة، لكن إذا ذهبوا إلى بيوتهم بَيَّتوا غير الذي يقولون.

﴿بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ﴾ وليس كلهم، طائفة منهم، ﴿غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ﴾ و(غير) هنا بمعنى المخالفة، فإذا قال: افعلوا كذا، قالوا: طاعة، فإذا رجعوا إلى بيوتهم قالوا: لا طاعة، يعني يبيتون المخالفة فيما يقول الرسول عليه الصلاة والسلام.

قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ﴾ والجملة هذه خبرية تفيد أمرين؛ أولًا: تهديد هؤلاء الذين يبيتون غير ما يقول الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، والثاني: تسلية الرسول ﷺ، وأن أمرهم لا يخفى على الله، فقد يعاجلهم بالعقوبة وقد يؤخر، يقول جل وعلا: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ أعرض عنهم؛ يعني: لا تهتم بهم، ولا تشغل بالك بهم.

﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ اعتمد عليه، واعلم أنهم وإن بيتوا ما يبيتون فلن يضروك، حتى لو بيتوا أن يبطشوا بالرسول عليه الصلاة والسلام، أو أن يردوا دعوته بالدعايات الباطلة أو ما أشبه ذلك، فتوكل على الله.

والتوكل على الله قال العلماء: هو صدق الاعتماد على الله عز وجل مع الثقة به وفعل السبب الذي أمر به، فهي مكونة من ثلاثة معانٍ؛ أولًا: صدق الاعتماد على الله، والثاني: الثقة بالله عز وجل؛ لأن التوكل لا ينفع إذا لم يكن واثقًا بوعد الله، وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق ٣].

الثالث: فعل الأسباب التي أمر بها، فمن لم يفعل الأسباب فهو ليس متكلًا ولكنه متواكل، لا بد من فعل الأسباب، هذا هو التوكل على الله، صِدْقُ الاعتماد على الله، مع الثقة به، وفعل الأسباب التي أمر بها.

وقولنا: (التي أمر بها) احترازًا من فعل الأسباب التي لا حقيقة لها ولا أصل لها كما يفعله المشعوذون وأصحاب التمائم غير المباحة، وما أشبه ذلك.

يقول: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ سبق إعراب مثل هذه الجملة عند قوله تعالى: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾؛ وقلنا: إن (الباء) حرف جر زائد، وأن لفظ الجلالة محله الرفع على أنه فاعل، و﴿وَكِيلًا﴾ إما تمييز وإما حال.

* في هذه الآية الكريمة: يبين الله عز وجل للرسول عليه الصلاة والسلام أن من الناس من يؤمن ظاهرًا ويكفر باطنًا؛ لقوله: ﴿وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ﴾.

* ومن فوائد هذه الآية: التحذير من النفاق، وأن الإنسان يجب أن يكون صريحًا بيِّنًا لا يظهر للناس بوجه، وإذا اختفى عنهم أعطاهم وجهًا آخر؛ ولهذا لا تجدون أحسن من الشخص الصادق الذي لا يُبالي ولا يماري ولا تأخذه في الله لومة لائم، وهذا هو الواجب على كل مسلم أن يكون ظاهره وباطنه سواء.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: بطلان التقية التي يتخذها الرافضة دينًا، من أين تؤخذ؟ من تهديد الله عز وجل هؤلاء الذين يتظاهرون بالطاعة ويبيتون خلاف الطاعة، وذلك في قوله: ﴿وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا …

82

أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْءَانَ ۚ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُوا۟ فِيهِ ٱخْتِلَٰفًۭا كَثِيرًۭا

Then do they not reflect upon the Qur'an? If it had been from [any] other than Allah, they would have found within it much contradiction.

ثم قال تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ [النساء ٨٢].

أولًا: الإعراب ﴿أَفَلَا﴾ الهمزة هنا للاستفهام، والفاء عاطفة، فأين المعطوف عليه؟

* الطالب: على قولين؛ القول الأول أن المعطوف عليه محذوف، والقول الثاني: أنه ليس هناك معطوف عليه، إنما الأصل حرف العطف مقدم على حرف الاستفهام.

* الشيخ: ليس هناك معطوف عليه؟

* الطالب: إي نعم.

* الشيخ: إذن (الفاء) حرف عطف؟!

* الطالب: الاستفهام له الصدارة.

* الشيخ: إذا كانت (الفاء) حرف عطف، أين المعطوف عليه؟

* طالب: يقول: يعطف عليه ما سبق؛ فألا.

* الشيخ: فألا، تمام، فيها قولان؛ القول الأول: أن الهمزة داخلة على محذوف تقديره: أغفلوا فلا يتدبرون القرآن، أو أنه ما سبق، وعلى هذا فيكون موضع الهمزة بعد الفاء، ولكن قدمت؛ لأن لها الصدارة، الأول أقعد والثاني أيسر، الأول أقرب للقواعد أنه يكون هناك شيء مقدر معطوف عليه، والثاني: أسهل وأيسر؛ لأنه لا يحتاج إلى تقدير، وربما في بعض الأحيان يصعب عليك جدًّا أن تعين هذا المحذوف.

وقوله: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء ٨٢] فيها (لو) الشرطية، فما هو فعل الشرط فيها؟ قوله: ﴿كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ﴾، وجواب الشرط: ﴿لَوَجَدُوا﴾، ﴿لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾.

واعلم أن (لو) إن كان جوابها مثبتًا فإنه يقترن باللام دائمًا أو غالبًا كما في هذه الآية: ﴿لَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾. وكما في قوله تعالى: ﴿لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا﴾ [الواقعة ٦٥].

وقد تُحذف اللام كقوله تعالى: ﴿لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا﴾ [الواقعة ٧٠]، لكنه قليل، أما إذا كان خبره منفيًّا فإن الغالب حذف اللام؛ ووجهه: أن اللام تفيد التوكيد، والنفي يضاد التوكيد، فتقول: لو جاء زيد ما جاء عمرو، ولا تقول: لما جاء عمرو، عرفتم؟

لكن قد تقترن اللام أحيانًا مع وجود النفي بـ (ما)، مثل قوله:

وَلَوْ نُعْطَى الْخِيَارَ لَمَا افْتَرَقْنَا ∗∗∗ وَلَكِنْ لَا خِيَارَ مَعَ اللَّيَالِي

لو نعطى الخيار لما افترقنا، والأفصح (ما افترقنا).

يقول الله عز وجل موبخًا هؤلاء: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ والهمزة هنا للتوبيخ، استفهام بمعنى التوبيخ.

و﴿يَتَدَبَّرُونَ﴾ أي: يتأملون ويتفكرون، مأخوذ من كون الإنسان يأخذ الشيء إدبارًا وإقبالًا؛ يعني المعاني يتدبرها ويتفهمها.

و﴿الْقُرْآنَ﴾ (فُعْلان) أي: على وزن (فُعْلان)، وهل هو بمعنى (مَفْعول) أو هو مصدر؟

قيل: إنه مصدر، وأنه مثل: الشكران والغفران، وقيل: إنه بمعنى المفعول، وحتى لو قلنا: إنه مصدر بناء فهو بمعنى المفعول معنى؛ لأن القرآن بمعنى المقروء، والمقروء هل معناه المتلو أو المجموع؟

هل هي من (قَرَى يَقْرَى) يعني جمع يجمع، ومنه القرية لأنها تجمع الناس، أو من (قرأ يقرأ) بمعنى (تلا)؟

فيه أيضًا لأهل اللغة قولان، والصحيح أنه من هذا ومن هذا، فالقرآن متلو ومجموع؛ مجموع حروفه بعضها إلى بعض.

والمراد بالقرآن كلام الله عز وجل الذي أنزله على محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم المتعبَّد بتلاوته المعجِز بأسلوبه ومعناه.

﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ﴾ ﴿لَوْ كَانَ﴾ اسم (كان) يعود على القرآن؛ يعني لو كان القرآن من عند غير الله أي: من عند أحد غير الله.

﴿لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾، أي: لوجدوا فيه تناقضًا إما في المعنى وإما في الأسلوب أو غير ذلك، لكن اختلافًا كثيرًا ليس اختلافًا قليلًا، بل اختلاف كثير، وإذا كان من عند الله فهل يجدون فيه اختلافًا قليلًا؟ لا، لكن قوله: ﴿اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ بيان لواقع ما كان من عند غير الله، وليس هذا قيدًا في أنه لو كان من عند الله لوجدوا فيه اختلافًا قليلًا، إذ إنه لا اختلاف في كتاب الله عز وجل.

* في هذه الآية الكريمة …

83

وَإِذَا جَآءَهُمْ أَمْرٌۭ مِّنَ ٱلْأَمْنِ أَوِ ٱلْخَوْفِ أَذَاعُوا۟ بِهِۦ ۖ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى ٱلرَّسُولِ وَإِلَىٰٓ أُو۟لِى ٱلْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ ٱلَّذِينَ يَسْتَنۢبِطُونَهُۥ مِنْهُمْ ۗ وَلَوْلَا فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُۥ لَٱتَّبَعْتُمُ ٱلشَّيْطَٰنَ إِلَّا قَلِيلًۭا

And when there comes to them information about [public] security or fear, they spread it around. But if they had referred it back to the Messenger or to those of authority among them, then the ones who [can] draw correct conclusions from it would have known about it. And if not for the favor of Allah upon you and His mercy, you would have followed Satan, except for a few.

ثم قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء ٨٣].

هذه الآية فيها الإعراب، فيها أدوات شرط متعددة؛ ﴿إِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ﴾ أين فعل الشرط؟

* طلبة: ﴿جَاءَهُمْ﴾.

* الشيخ: والجواب: ﴿أَذَاعُوا بِهِ﴾ وهذا الشرط يجزم أو لا؟

* طلبة: لا يجزم.

* الشيخ: لا يجزم، وقال: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ أيضًا فيها شرط وهو (لو)، وفعل الشرط ﴿رَدُّوهُ﴾، وجوابه: ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾.

و﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ هذه أيضًا شرط، لكنها ليست من النوع الأول، وتسمى حرف أيش؟ (لولا): حرف امتناع لوجود، وقد تقاسمت هذه الكلمات الثلاث -(لو)، و(لما)، و(لولا)- تقاسمت الوجود والعدم، فلو حرف امتناع لامتناع، تقول: لو جاء زيد لجاء عمرو، إذن لم يجئ عمرو ولا زيد.

و(لما): حرف وجود لوجود، لما جاء زيد جاء عمرو، و(لولا): حرف امتناع لوجود ﴿لَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ﴾، إذن امتنع اتباع الشيطان لأجل وجود فضل الله عز وجل.

وقوله: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ﴾ ذكرتم أن قوله: ﴿لَاتَّبَعْتُمُ﴾ جواب الشرط، فأين خبر المبتدأ في قوله: ﴿فَضْلُ﴾ ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾؟

* طالب: محذوف.

* الشيخ: ويش التقدير؟

* الطالب: (...).

* الشيخ: ولولا فضل الله عليكم ورحمته موجود. يقول ابن مالك:

وَبَعْد لَوْلَا غَالِبًا حَذْفُ الْخَبَرْ ∗∗∗ حَتْمٌ ...................

وقوله: ﴿لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ هذا مُستثنى من الاتباع أو من التابعين؟

* طالب: التابعين.

* الشيخ: أو الاتباع؟

* الطالب: كلاهما.

* الشيخ: نعم، الأمرين، يحتمل الأمرين لا شك، لاتبعتم الشيطان في كل ما تفعلون إلا قليلًا من أفعالكم، أو لاتبعتم الشيطان كلكم إلا قليلًا منكم، في هذه الآية من البلاغة ما يُسمَّى بالجناس، يعني: المجانسة، ففي أي كلمة هي؟ جناس.

* طالب: الخوف والأمن.

* الشيخ: لا.

* طالب: أمر وأمن.

* الشيخ: أمر وأمن ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ﴾ الجناس تام؟

* طالب: ناقص.

* الشيخ: أيش اللي ناقص؟ لأيش؟

* الطالب: الراء والنون.

* الشيخ: اختلاف الحرف، راء ونون، أما إذا قيل:

عَبَّاسُ عَبَّاسٌ إِذَا احْتَدَمَ الْوَغَى ∗∗∗ وَالْفَضْلُ فَضْلٌ وَالرَّبِيعُ رَبِيعُ

هذا أيش؟ هذا جناس تام، (عباسُ) عَلَم، (عباسٌ) صِفة، (الفَضل) عَلَم، (فَضلٌ) صفة، (الربيع) علم، اسم رجل اسمه الربيع، (ربيع) صفة، أحد الفصول الأربعة.

يقول الله عز وجل: ﴿إِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ﴾ يعني: إذا جاء هؤلاء بشيء مما يخاف أو مما فيه الأمن ﴿أَذَاعُوا بِهِ﴾ يعني: نشروه على فهمهم الخاطئ لا على الصواب؛ لأنهم ليس عندهم ذاك العمق في فهم كتاب الله عز وجل، وهذه نتيجة لقوله في الآية التي قبلها: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ فتجدهم يُذيعون الأمر من الأمن أو الخوف مع أن الأمن ليس فيه أمن، والخوف ليس فيه خوف، لكنهم فهموا ذلك فضلوا وأضلوا.

يقول: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ﴾ و﴿الرَّسُول﴾ هنا (أل) فيها للعهد؛ أي: العهود الذهني، وهو محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم.

﴿وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ …

84

فَقَٰتِلْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ ۚ وَحَرِّضِ ٱلْمُؤْمِنِينَ ۖ عَسَى ٱللَّهُ أَن يَكُفَّ بَأْسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ۚ وَٱللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًۭا وَأَشَدُّ تَنكِيلًۭا

So fight, [O Muhammad], in the cause of Allah; you are not held responsible except for yourself. And encourage the believers [to join you] that perhaps Allah will restrain the [military] might of those who disbelieve. And Allah is greater in might and stronger in [exemplary] punishment.

ثم قال الله تبارك وتعالى: ﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ﴾ [النساء ٨٤] الفاء عاطفة، و﴿قَاتِلْ﴾ فعل أمر، والخطاب للرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛ لقوله: ﴿لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ﴾، ولا يظهر أن يكون الخطاب موجهًا لمن يتأتى خطابه؛ لقوله: ﴿لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ﴾، و﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ متعلق بـ﴿قَاتِلْ﴾.

﴿لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ﴾ في هذه الآية إشكال ما هو؟ أيش الإشكال؟

* طالب: (...).

* الشيخ: إشكال من حيث الإعراب؟

* الطالب: نصب ﴿نَفْسَكَ﴾.

* الشيخ: والقاعدة؟

* الطالب: القاعدة الرفع.

* الشيخ: الرفع على أنها؟

* الطالب: على أنها نائب فاعل.

* الشيخ: على أنها نائب فاعل، هذا ما يتبادر إلى ذهن بعض الناس، كالذي قرأ إن استثنى من حيوان يُؤكل رأسه، لكن الواقع أن الأمر ليس كذلك؛ لأن قوله: ﴿لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ﴾ نائب الفاعل مستثنى، يعني: لا تكلف أنت أحدًا إلا نفسك، يعني: لا نكلفك أحدًا من الناس بل نكلفك أيش؟ نفسك، وعلى هذا فتكون (نفس) هنا في مقام المفعول الثاني لـ﴿تُكَلَّفُ﴾، والمفعول الأول هو أيش؟ نائب الفاعل المستتر.

﴿لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: حثهم على القتال، ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بأسهم أي: شدتهم، و(عسى) إذا جاءت من الله عز وجل فليست للترجي؛ لأن الله تعالى لا يترجى؛ إذ إن الرجاء في مقابل الشيء الصعب، ولكن الله على كل شيء قدير؛ ولهذا قيل: (عسى) من الله في القرآن واجبة، أي: واقعة حتمًا ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، ولكن الله عز وجل يجعلها على هذه الصيغة حتى لا يأمن الإنسان مكر الله عز وجل.

﴿وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا﴾ يقول الله عز وجل لنبيه عليه الصلاة والسلام: قاتل في سبيل الله حتى وإن لم يقاتل معك أحد لا تكلف إلا نفسك، أما وظيفتك مع المؤمنين فهي وظيفة التحريض؛ حرضهم على القتال، لكنك مكلف بهم تأثم إذا لم يقاتلوا، لا، ليس كذلك، ثم إذا قاتلت وحرَّضت المؤمنين وقاتلوا فحينئذٍ يكون النصر، فيكفّ الله سبحانه وتعالى بأس الذين كفروا. ﴿وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا﴾ إذن هذه الآية لها ارتباط بما سبق؛ لأن المقام كله مقام بيان المنافقين الذين هم أذل الناس وأخذلهم عند القتال.

* في هذه الآية فوائد كثيرة؛ منها: وجوب القتال في سبيل الله؛ لقوله: ﴿قَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾، والأصل في الأمر الوجوب، وقد اختلف العلماء رحمهم الله: هل قتال المؤمنين للكافرين قتال طلب أو قتال دفاع؟ والصواب: أنه قتال طلب، لكنه ليس لإكراه الناس على الإيمان؛ لأن هذا لا يمكن كما قال تعالى: ﴿أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [يونس ٩٩]، لكنه قتال طلب أن يكون دين الله هو الأعلى وكلمته هي العليا، فإن آمن فهو في الطبقة العليا، وإن بقي الإنسان على كفره واستسلم لحكم الله -أي لدين الله- فبذل الجزية فحينئذٍ نقره، لكنه في بذل الجزية يكون ذليلًا أو عزيزًا؟

* طلبة: ذليلًا.

* الشيخ: يكون ذليلًا.

إذن لو سألنا سائل: هل قتال الكفار قتال دفاع أو قتال طلب؟ فالجواب: قتال طلب، لكنه ليس قتال إكراه على الإسلام؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾، وهذا الاستفهام للإنكار، وكذلك يقول: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة ٢٥٦]، لكنه يطلب قتال طلب أيش؟ ما هو المطلوب؟ أن تكون كلمة الله هي العليا، هذا المطلوب، يكون الإسلام هو الظاهر المهيمن، من أسلم فهو في الإسلام وفي ظله وهو في الطبقة العليا من طبقات بني آدم، ومن لم يُسلم فهو في ظل الإسلام أيضًا إذا بذل الجزية عن يد وهو صاغر.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: وجوب الإخلاص؛ لقوله: ﴿فِي …

85

مَّن يَشْفَعْ شَفَٰعَةً حَسَنَةًۭ يَكُن لَّهُۥ نَصِيبٌۭ مِّنْهَا ۖ وَمَن يَشْفَعْ شَفَٰعَةًۭ سَيِّئَةًۭ يَكُن لَّهُۥ كِفْلٌۭ مِّنْهَا ۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ مُّقِيتًۭا

Whoever intercedes for a good cause will have a reward therefrom; and whoever intercedes for an evil cause will have a burden therefrom. And ever is Allah, over all things, a Keeper.

ثم قال الله تبارك وتعالى: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا﴾ [النساء: ٨٥] (من) هذه شرطية، فعل الشرط (يَشْفَعُ)، ردوا علي أنا غلطت.

* طلبة: ﴿يَشْفَعْ﴾.

* الشيخ: ﴿يَشْفَعْ﴾، ولا يجوز (يَشْفَعُ)؟ لا؛ لأن (مَن) شرطية تجزم ﴿مَنْ يَشْفَعْ﴾، وجواب الشرط قوله: ﴿يَكُنْ﴾.

وقوله: ﴿يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا﴾ أي: حفيظًا، يقول: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً﴾ الشفاعة هي جعل الوتر شفعًا، يقال: شفع الشيء؛ جعله شفعًا بعد أن كان وترًا، فإذا جعلت الثلاثة أربعة؟ هذا شفع، الخمسة ستة شفع، لكنها في الاصطلاح: التوسط للغير بجلب منفعة أو دفع مضرة، شفاعة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم في أهل الموقف أن يُقضى بينهم من أي قسمين؟ من دفع المضرة، وفي أهل الجنة أن يدخلوها من جلب المنفعة.

هنا يقول: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً﴾ يشفع شفاعة حسنة إما أن يكون المراد حسنة بالنسبة للمشفوع له وإن لم تكن من الحسنات الشرعية، وإما أن تكون حسنة؛ أي من الحسنات الشرعية، وكلاهما صحيح، من يشفع شفاعة حسنة شرعًا أو حسنة باعتبار المشفوع له.

* طالب: (...).

* الشيخ: إذن الأحوال أربعة، الأول؟

* طالب: الأول: ما اتفق على الإضافة والقطع.

* الشيخ: وحينئذٍ الثاني؟

* الطالب: أن تضاف.

* الشيخ: أن تضاف لفظًا ويوجد المضاف إليه وحينئذٍ تعرب، ومعروف أنها لا تنون. الحال الثالثة؟

* الطالب: أن تنوى الإضافة له.

* الشيخ: أن تنوى الإضافة له، وحينئذٍ؟

* الطالب: تضاف.

* الشيخ: بتنوين ولَّا بغير تنوين؟

* الطالب: بغير تنوين.

* الشيخ: نعم. الرابع؟

* طالب: أن يكون هناك إضافة صريحة وحينئذٍ تعرب.

* الشيخ: أيش؟ قلناها يا شيخ.

* الطالب: هذا واقع.

* الشيخ: لا، قلناها الآن.

* طالب: أن تنوى الإضافة.

* الشيخ: أن يحذف المضاف وينوى معناه، وحينئذٍ؟

* الطالب: تعرب (...).

* الشيخ: خطأ، تُبنى على إيه؟

* طالب: تبنى على الضم.

* الشيخ: شنو؟ تُبنى على الضم؟ تأكد.

* الطالب: إي، إذا حذف المضاف إليه ونُوي معناه.

* الشيخ: إذا حذف المضاف إليه ونوي معناه.

* الطالب: يبنى على الضم.

* الشيخ: حذف ونوي معناه، الحديث: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ»متفق عليه؛ البخاري (١) واللفظ له، ومسلم (٥٤) من حديث عمر بن الخطاب. هذا نوى.

* الطالب: أين الإشكال؟

* الشيخ: الإشكال إذا حذف المضاف إليه ونوي معناه فماذا نصنع في إعرابها؟

* طالب: تُبنى على الضم.

* الشيخ: تُبنى على الضم؟

* طالب: تبنى على الكسر.

* الشيخ: تبنى على الكسر، من قاله؟ الظاهر من القول أنه انكسر يعني..، ما تقولون في قول أحمد؟

* طلبة: صحيح.

* الشيخ: صحيح؟

* طلبة: نعم.

* الشيخ: إي، تمام، فإن نوي لفظه، شوف إذا نوي لفظه أُعربت بدون تنوين، واضح يا شباب؟

* طالب: والله يا شيخ، غير واضح.

* الشيخ: ما عندي أكثر من هذا.

* طالب: شيخ، الآن الأخذ والرد كثير جدًّا.

* الشيخ: ما فيه أخذ ورد، وُجد المضاف إليه، حُذف، حذف ونُوي لفظه، حُذف ونوي معناه، ما فيه إشكال.

* الطالب: (...).

* الشيخ: عرفته، أنت عرفت ولَّا لا؟ لا إله إلا الله! ما خلتك هذا، وُجد المضاف إليه.

* الطالب: (...).

* الشيخ: حُذف المضاف إليه، حُذف ونوي لفظه، حُذف ونوي معناه، هل ترى شيئًا أوضح من هذا؟

* الطالب: الآن واضح يا شيخ.

* الشيخ: واضح؟ هذا هو الأول، لكن..، تبنى في حال واحدة فقط، تبنى على الضم في حال واحدة: إذا حذف المضاف إليه ونُوي معناه، يعني: ما نوي لفظه، معناه.

وفي الحقيقة: إن الإنسان قد يعجز عن معرفة هل نوي اللفظ أو نوي المعنى، فما هو العلامة؟ العلامة إن رأيتها مبنية على الضم فالمنوي المعنى، وإن رأيتها …

86

وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍۢ فَحَيُّوا۟ بِأَحْسَنَ مِنْهَآ أَوْ رُدُّوهَآ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ حَسِيبًا

And when you are greeted with a greeting, greet [in return] with one better than it or [at least] return it [in a like manner]. Indeed, Allah is ever, over all things, an Accountant.

ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا﴾ [النساء ٨٦] ﴿إِذَا﴾ شرطية لكنها غير جازمة، وفعل الشرط فيها قوله: ﴿حُيِّيتُمْ﴾، وجواب الشرط: ﴿فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ﴾، و(أحسن) هنا نجد أنها دخل عليها حرف جر ولكنها لم تكن مكسورة، فلماذا؟ لأنها ممنوعة من الصرف، والمانع لها من الصرف الوصفية ووزن الفعل.

وقوله: ﴿أَوْ رُدُّوهَا﴾ هذه للتنويع؛ يعني: إن هذا أو هذا.

﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا﴾ لا إشكال فيها.

يقول الله تعالى: ﴿إِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ﴾ فما هي التحية؟ التحية هي البقاء، مأخوذة من (الحياة)، فمعنى (حيَّاه) أي: دعا له بالحياة والبقاء؛ ولهذا نقول في قول المصلي: (التحيات لله) أي: جميع ألفاظ العظمة والبقاء ثابتة لله، وقوله: ﴿بِتَحِيَّةٍ﴾ نكرة في سياق الشرط يعم أيَّ تحية، كل ما يدل على أن هذا تحية فإنه داخل في الآية الكريمة.

وقوله: ﴿فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا﴾ أي: ردوا هذه التحية بأحسن منها بالكمية والوصفية، ﴿أَوْ رُدُّوهَا﴾ أي: حيوا بمثلها، ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا﴾ أي: محاسبًا لكل أحد، كل شيء فالله حسيبه ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة ٧، ٨]، وقيل: معناه ﴿حَسِيبًا﴾ أي: كافيًا؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق ٣]، والمعنيان صحيحان.

* في هذه الآية الكريمة فوائد؛ منها: وجوب رد التحية؛ لقوله: ﴿فَحَيُّوا﴾ والأصل في الأمر الوجوب.

* ومن فوائدها: أن رد التحية يكون على وجهين: مجزئ، وأفضل، المجزئ مأخوذ من قوله: ﴿أَوْ رُدُّوهَا﴾، والأكمل والأفضل من قوله: ﴿بِأَحْسَنَ مِنْهَا﴾، وقدم الأحسن على المثل؛ لأنه أكمل وأفضل.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: مراعاة الإسلام للعدل؛ لقوله: ﴿فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾.

* ومن فوائدها: أنها عامة في كل من ألقى إلينا التحية أن نحييه بمثل ما حيَّانا أو أكمل سواء كان مسلمًا أو كافرًا، صغيرًا أو كبيرًا، الآية عامة؛ ولهذا قال: ﴿حُيِّيتُمْ﴾ بالبناء للمجهول، ولم يقل: حياكم المسلمون، وبناءً على ذلك نكون إذا سلّم علينا أهل الكتاب فقالوا: (السلام عليكم) بلفظ صريح نقول: (عليكم السلام)، أما بلفظ محتمل فإننا نقول: (عليكم) فقط.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه لا يجزئ الرد في السلام إذا قال المسلِّم: (السلام عليك) فقلت: (أهلًا وسهلًا)، لماذا؟ لأن هذه التحية ليست مثلها ولا أحسن منها؛ إذ إن قول المسلّم: (السلام عليكم) دعاء لك بالسلامة من كل الآفات، من كل الآفات البدنية والمالية والقلبية وكل الآفات، لكن أهلًا وسهلًا ماذا تفيد؟ ما تفيد إلا مجرد الترحيب بالإنسان، فهي ليست مثلها وليست أحسن منها.

* ومن فوائد هذه الآية: أنه يُطلب من الْمُسلَّم عليه أن يرد بأكمل؛ إما بالكمية وإما بالكيفية، فإذا قال: (السلام عليك) فالأحسن: (عليك السلام ورحمة الله) هذا بأيش؟ بالكمية، الكيفية: إذا قال: (السلام عليك) بصوت مرتفع مسموع يدل على التواضع فقلت: (عليك السلام) بصوت مثله أو أبين، فهذا رد صحيح بالكيفية، لكن لو قال: (السلام عليك) بلفظ بيّن صريح رفيع، ثم رددت عليه بأنفك بكلام ربما يُسمع أو لا يسمع، فهذا لم يرُدّ ولم يقم بالواجب، بل هو آثم؛ لأن الله أمر بردها أو أحسن منها.

* ومن فوائد هذه الآية: أنه لو حياك إنسان بقوله: (أهلًا وسهلًا) فقلت: (أهلًا وسهلًا بك) فإن ذلك جائز، لكن يحسن -ولا سيما لطلبة العلم- أن يبينوا لهذا الرجل أن السلام المشروع هو (السلام عليكم)، لكن هو إذا رد بمثل ما قال كفى.

ثم إن للسلام آدابًا معروفة مطوّلة مبسوطة في كتب أهل العلم، ففي كتب الفقهاء ذكروا كثيرًا …

87

ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۚ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَٰمَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ ۗ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ ٱللَّهِ حَدِيثًۭا

Allah - there is no deity except Him. He will surely assemble you for [account on] the Day of Resurrection, about which there is no doubt. And who is more truthful than Allah in statement.

ثم قال تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ [النساء ٨٧] الاسم الكريم (الله) مبتدأ، وجملة ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ خبر المبتدأ، و(إله) اسم (لا)، وخبرها محذوف تقديره: حق، و(هو) الواقع بعد (إلا) بدل من الخبر المحذوف، هذا أحسن ما قيل في إعرابها.

وقوله: ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ اللام واقعة في جواب قسم مقدر، والتقدير: واللهِ ليجمعنكم، وعليه فتكون هذه الجملة مؤكدة بثلاثة مؤكدات وهي: القسم المقدر، واللام، ونون التوكيد.

وقوله: ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ هذه (لا) النافية للجنس واسمها وخبرها؛ (ريب) اسمها، وخبرها (فيه)، وهل النفي هنا بمعنى الأمر، أو بمعنى الطلب على الأصح؟ هل هو بمعنى الطلب أي: لا ترتابوا فيه، أو هو خبر على ظاهره؟ فيه قولان للعلماء، والصحيح أنه خبر على ظاهره.

وقوله: ﴿مَنْ أَصْدَقُ﴾ ﴿مَنْ﴾ مبتدأ، و﴿أَصْدَقُ﴾ خبر، والاستفهام هنا بمعنى النفي؛ أي: لا أحد أصدق من الله حديثًا.

بقينا ﴿حَدِيثًا﴾ إعرابها: تمييز؛ لأنها وقعت مُبينة لاسم التفضيل، وكل ما وقع مبينًا لاسم التفضيل فهو تمييز؛ لأن التمييز يبين ما انبهم من الذوات.

يقول عز وجل: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ وهذا خبر يعتبر من أصدق الأخبار؛ فإنه لا إله إلا الله، والإله بمعنى (المأْلُوه) أي: المعبود حبًّا وتعظيمًا.

وقوله: ﴿إِلَّا هُوَ﴾ الضمير يعود على الله عز وجل، فلا معبود حق إلا الله، وكل ما عُبد من دون الله فهو باطل؛ لقول الله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [الحج ٦٢]، هذا المعبود من دون الله هل يسمى إلهًا؟ نعم، لكنها تسمية لفظية لا حقيقية؛ لقوله تعالى: ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً﴾ [يوسف ٤٠] يعني: بدون مسميات، ﴿سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾؛ ولقوله تعالى: ﴿فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [هود ١٠١]؛ ولقوله تعالى: ﴿لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ [الإسراء ٢٢]، فكل معبود فهو إله، لكن منه ما هو بحق ومنه ما هو باطل.

وقوله: ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ أقسم الله عز وجل -وهو الصادق- أنه سيجمعنا إلى يوم القيامة، يجمع مَن؟ الأولين والآخرين وكل ما فيه روح، قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ (٤) وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ﴾ [التكوير ٤، ٥]، كل شيء يبعث يوم القيامة ويجمع، وإنما أكد الله ذلك لسببين: السبب الأول: أن فيه من ينكره، ينكر هذا الجمع، قال الله تعالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ﴾ [التغابن ٧].

فإن قال قائل: هذا السبب لا ينفع فيمن ينكره؛ لأن الذي ينكر سينكر سواء أُقسم له أم لم يقسم، أليس كذلك؟ المنكر لا يفيد فيه القسم؟

قلنا: هذا إذا أُكّد له الكلام وأنكر بعد التأكيد صار إنكاره مكابرة؛ لقيام ما يدل على تأكد هذا الشيء، هذا واحد.

ثانيًا: أنه جرت عادة العرب -والقرآن بلسان عربي- جرت عادتهم أنهم يؤكدون الحكم فيما إذا كان المخاطب أيش؟ منكرًا ويقولون: إنه يجب أن يكون الكلام مؤكدًا، أما الأمر الثاني أو السبب الثاني للتأكيد فلأن هذا من أهم الأمور، وكلما كان الشيء هامًّا كان توكيده أوكد حتى لا يبقى في النفوس شك أو تردد، ولا شك أن من أهم الأمور -إن لم أقل أهم الأمور بعد الإيمان بالله- أن تؤمن باليوم الآخر؛ لأن من لم يؤمن باليوم الآخر لا يمكن أن يعمل، إذا قال: ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا فما الفائدة من العمل؟!

فصار التوكيد …

88

۞ فَمَا لَكُمْ فِى ٱلْمُنَٰفِقِينَ فِئَتَيْنِ وَٱللَّهُ أَرْكَسَهُم بِمَا كَسَبُوٓا۟ ۚ أَتُرِيدُونَ أَن تَهْدُوا۟ مَنْ أَضَلَّ ٱللَّهُ ۖ وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُۥ سَبِيلًۭا

What is [the matter] with you [that you are] two groups concerning the hypocrites, while Allah has made them fall back [into error and disbelief] for what they earned. Do you wish to guide those whom Allah has sent astray? And he whom Allah sends astray - never will you find for him a way [of guidance].

طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا (٨٨) وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (٨٩) إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا (٩٠)﴾ [النساء ٨٨ - ٩٠].

* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾ الخطاب في قوله: ﴿فَمَا لَكُمْ﴾ للصحابة رضي الله عنهم، و(ما) اسم استفهام مبتدأ، والمراد بالاستفهام هنا الإنكار عليهم. و(لكم) جار ومجرور خبر المبتدأ؛ يعني: أي شيء لكم في المنافقين تختلفون فتكونون فئتين، وذلك أن الصحابة رضي الله عنهم بعد رجوع من رجع من المنافقين في أُحد، وتعرفون أنه رجع من الجيش في أُحُد نحو الثلث، كلهم منافقون، اختلف الصحابة فيما بعد؛ قال بعضهم: نقتلهم؛ لأنهم خانوا وتبيّن ردتهم، وقال آخرون: لا نقتلهم؛ لأنهم يظهرون بالإسلام، فاختلفوا وتنازعوا وصار المسلمون فئتين، وعلى هذا فيكون قوله: ﴿فِئَتَيْنِ﴾ خبرًا لـ(صار) المحذوفة، والتقدير: فما لكم في المنافقين صرتم فئتين، أو كنتم فئتين، كلاهما صحيح، الفئة الأولى ماذا قالت؟ نقتلهم، والفئة الثانية قالت: لا نقتلهم، فئة أخرى قالت: هؤلاء مسلمون، فئة أخرى قالت: هؤلاء كفار منافقون.

فبين الله الحكم بين الفئتين فقال: ﴿وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا﴾ ﴿وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ﴾ (الإركاس) بمعنى الرد والإرجاع، لكن على وجه مذموم، فمعنى ﴿أَرْكَسَهُمْ﴾ أي: ردهم وأرجعهم على وجه مذموم، ﴿بِمَا كَسَبُوا﴾ (الباء) للسببية، و(ما) يجوز في إعرابها أن تكون مصدرية ويكون التقدير: أركسهم بكسبهم، ويجوز أن تكون موصولة ويكون التقدير: بما كسبوه، فإذا كان الله أركسهم بما كسبوه فالصواب مع من قال: إنهم كافرون مرتدون، أما مسألة المقاتَلة فسيأتي التفصيل فيها في الآيات.

﴿أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ﴾ وهذا الاستفهام استفهام توبيخي، والإرادة هنا بمعنى المحبة أو بمعنى المشيئة، كلاهما صحيح، يعني: أتشاؤون أن تهدوا من أضل الله؟ أو أتحبون أن تهدوا من أضل الله؟

والجواب: ليس لكم ذلك؛ لأن من يرد الله أن يضله فإنه ليس له من الله من ولي ولا نصير.

﴿أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ﴾ الاسم الكريم (الله) بالرفع على أنه فاعل، وعلى هذا فيكون ﴿أَضَلَّ﴾ فيها ضمير محذوف هو عائد الصلة، والتقدير: من أضله الله.

﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾ (مَنْ) هذه شرطية، والدليل على أنها شرطية أن الفعل بعدها وقع مجزومًا، ولكنه حُرك بالكسر: ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ﴾ لالتقاء الساكنين، وقد قال ابن مالك في الكافية:

إِنْ سَاكِنَانِ الْتَقَيَا اكْسِرْ مَا سَبَقْ ∗∗∗ وَإِنْ يَكُنْ لَيْنًا فَحَذْفَهُاسْتَحَـــــــــــــــــقْيعني: إن كان حرف علة احذفه، إذا كان ساكنًا اكسره.

وقوله: ﴿فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾ (لن) هذه جملة جواب الشرط، ولماذا اقترنت بالفاء؟ لأن الجواب لا يصح أن يكون فعلًا للشرط، ومتى امتنع أن يكون الجواب فعلًا للشرط وجب أيش؟ اقترانه بالفاء، …

89

وَدُّوا۟ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا۟ فَتَكُونُونَ سَوَآءًۭ ۖ فَلَا تَتَّخِذُوا۟ مِنْهُمْ أَوْلِيَآءَ حَتَّىٰ يُهَاجِرُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ۚ فَإِن تَوَلَّوْا۟ فَخُذُوهُمْ وَٱقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ ۖ وَلَا تَتَّخِذُوا۟ مِنْهُمْ وَلِيًّۭا وَلَا نَصِيرًا

They wish you would disbelieve as they disbelieved so you would be alike. So do not take from among them allies until they emigrate for the cause of Allah. But if they turn away, then seize them and kill them wherever you find them and take not from among them any ally or helper.

ثم قال تعالى: ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً﴾ ﴿وَدُّوا﴾ الفاعل هم المنافقون؛ لأن السياق فيهم، وقوله: ﴿لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا﴾ (لو) هنا مصدرية؛ أي: ودوا كفركم، فهي بمنزلة (أن) أي: ودوا أن تكفروا كما كفروا، و(لو) مر علينا عدة مرات أنها تأتي لمعانٍ متعددة، يبينها لنا؟

* طالب: تأتي للتمني، وتأتي امتناع لامتناع.

* الشيخ: تأتي مصدرية كما هنا، وتأتي للتمني.

* الطالب: وتأتي شرطية.

* الشيخ: وتأتي شرطية، تكون حرف امتناع لامتناع، وإذا أردت أن تعرف معاني الحروف فعليك بكتاب المغني لابن هشام رحمه الله.

ثم قال تعالى: ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً﴾ [النساء ٨٩] ﴿وَدُّوا﴾ الفاعل هم المنافقون؛ لأن السياق فيهم، وقوله: ﴿لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا﴾ (لو) هنا مصدرية أي: ودوا كفركم، فهي بمنزلة (أن)، أي: ودوا أن تكفروا كما كفروا، و(لو) مر علينا عدة مرات أنها تأتي لمعانٍ متعددة؟

* طالب: تأتي للتمني، وتأتي (...).

* الشيخ: تأتي مصدرية، كما هنا، وتأتي للتمني.

* الطالب: وتأتي شرطية.

* الشيخ: وتأتي شرطية، تكون حرف امتناع لامتناع، وإذا أردت أن تعرف معاني الحروف فعليك بكتاب المغني لابن هشام رحمه الله، فإنه يأتي بكلمة ويبين معانيها، وقد اختصرنا المهم منه في كراسة ليست بكثيرة.

يقول عز وجل: ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا﴾ أي: ككفرهم، وعلى هذا فـ(ما) هنا مصدرية، ولا يصح أن تكون موصولة؛ لأن المراد: ودوا لو تكفرون ككفرهم، وما نوع كفر المنافقين؟ كفر المنافقين كفر غريب؛ ﴿إِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ﴾ [البقرة ١٤]، فهو كفر مستور ظاهره فيه الرحمة وباطنه من قبله العذاب، هم يودون أن كل الناس يفعلون هكذا مع النبي عليه الصلاة والسلام فيؤمنون ظاهرًا ويكفرون باطنًا؛ ولهذا قال الله عز وجل: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا﴾ [يوسف ١١٠].

ما معنى ﴿أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾؟ أي: أن قومهم كذبوهم في دعوى الإيمان بهم، يعني أن قومهم قالوا: إنا مؤمنون وهم لم يؤمنوا، هذا معنى قوله: ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾، وفيه قراءة سبعية: ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِّبُوا﴾ أي: أيقنوا أنهم مُكذَّبون جاءهم نصرنا.

قال: ﴿فَتَكُونُونَ سَوَاءً﴾ هنا الفاء عاطفة وليست جوابًا لـ(لو)؛ لأن (لو) ليست شرطية، ﴿فَتَكُونُونَ سَوَاءً﴾ أي: فتكونون معهم سواء لا فضل لكم عليهم، وهذا في مقتضى طبيعة الإنسان أنه يود إذا سلك منهجًا أن يسلكه الناس معه، كل إنسان، لا صاحب الخير ولا صاحب الشر يود إذا سلك منهجًا أن يسلكه الناس، هؤلاء ودوا أن المؤمنين يكفرون كما كفروا فتكونون سواء.

قال الله تعالى محذِّرًا عنهم وعن موالاتهم: ﴿فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ﴿فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ يوالونكم أو توالونهم أو المعنيين؟

* الطلبة: المعنيين.

* الشيخ: نعم المعنيين، يعني: لا تتخذوا منهم أولياء؛ لأنهم أعداء كما قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ [الممتحنة ١]، وكذلك لا تتخذوا منهم أولياء توالونهم أنتم؛ لأن موالاة الكفار كفر.

﴿حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (حتى) هنا غاية أو علة؟ غاية، يعني: استمروا في عداوتهم حتى يهاجروا في سبيل الله، واعلم أن (حتى) تكون غاية وتكون علة، ففي قوله تعالى: ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا﴾ [المنافقون ٧] هذه علة يتعين أنها علة، وفي قوله: ﴿لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ …

90

إِلَّا ٱلَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَىٰ قَوْمٍۭ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَٰقٌ أَوْ جَآءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَن يُقَٰتِلُوكُمْ أَوْ يُقَٰتِلُوا۟ قَوْمَهُمْ ۚ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَٰتَلُوكُمْ ۚ فَإِنِ ٱعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَٰتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا۟ إِلَيْكُمُ ٱلسَّلَمَ فَمَا جَعَلَ ٱللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًۭا

Except for those who take refuge with a people between yourselves and whom is a treaty or those who come to you, their hearts strained at [the prospect of] fighting you or fighting their own people. And if Allah had willed, He could have given them power over you, and they would have fought you. So if they remove themselves from you and do not fight you and offer you peace, then Allah has not made for you a cause [for fighting] against them.

ثم قال الله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ هذا استثناء مما سبق من قوله: ﴿فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ﴾ ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ قال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ يعني: إلَّا قومًا وصلوا إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق واستجاروا بهم وعقدوا معهم الأحلاف، فهؤلاء ليس لهم حكم ما سبقهم؛ ولهذا قال: ﴿أَوْ جَاءُوكُمْ﴾ إلى آخره.

﴿إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ والميثاق هو العهد المؤكد، مأخوذ من (الوِثَاق) الذي هو الرِّباط الذي يُرْبَط به الشيء.

﴿أَوْ جَاءُوكُمْ﴾ هذه معطوفة على ﴿يَصِلُونَ﴾ يعني: أو الذين جاءوكم، يعني: لم يلتجئوا إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق ولكنهم جاؤوا إليكم.

﴿حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ﴾ (حصرت) بمعنى ضاقت ولم تتسع للقتال، والجملة في قوله: ﴿حَصِرَتْ﴾ قيل: إنها في موضع نصب على الحال، وعلى تقدير (قد)، أي: قد حصرت صدورهم أن يقاتلوكم.

﴿أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ﴾ هؤلاء الآن جاؤوا للمسلمين لئلا يقاتلوا المسلمين مع قومهم، ولكنهم لا يقاتلون قومهم مع من؟ مع المسلمين؛ ولهذا قال: ﴿أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ﴾ يعني: مع قومهم، ﴿أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ﴾ يعني: معكم، هؤلاء قوم مسالمون.

فهؤلاء يقول الله عز وجل: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ﴾ يعني: هؤلاء الذين جاؤوكم لو شاء الله لسلطهم عليكم فلقاتلوكم، انتبه! (لو) هذه شرطية أو مصدرية؟ شرطية، فعل الشرط ﴿شَاءَ﴾، وجوابه ﴿لَسَلَّطَهُمْ﴾.

وقوله: ﴿فَلَقَاتَلُوكُمْ﴾ هذه معطوفة على جواب (لو) بإعادة اللام الرابطة؛ ولهذا لو حذفت وقيل: لسلطهم عليكم فقاتلوكم، لاستقام الكلام، إذن فهي اللام الأولى أعيدت للتأكيد.

وقوله: ﴿لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ﴾ أي: لجعل لهم سلطانًا عليكم في المقاتلة، وهل شاء الله؟ لا؛ لأنهم لم يقاتلوا المسلمين.

﴿فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا﴾ ﴿إِنِ اعْتَزَلُوكُمْ﴾ فسَّرها بقوله: ﴿فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ﴾ اعتزلوكم فلم يكونوا معكم ولم يقاتلوكم، ﴿وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ﴾ أي: السلام، ﴿فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا﴾؛ لأنهم قوم مسالمون لم يقاتلوكم، ولم يقاتلوا قومهم فهؤلاء مسالمون.

﴿فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا﴾ وقوله: ﴿فَمَا جَعَلَ﴾ هذه جواب الشرط في قوله: ﴿فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ﴾، ومعنى ﴿سَبِيلًا﴾ أي: طريقًا يبيح لكم قتالهم.

* في هذه الآية الكريمة من الفوائد: استثناء هؤلاء الصنف من الناس ممن أُمِرْنا بقتالهم، وهم طائفتان: طائفة وصلوا إلى قوم بيننا وبينهم ميثاق ودخلوا فيهم، والطائفة الثانية قدموا إلينا، جاؤوا إلينا فلم يقاتلونا مع قومهم، ولم يقاتلوا قومهم معنا فهم مسالمون.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تمام وفاء الإسلام بالعهد؛ حيث حمى العهد من باشر عقد العهد معنا ومن لجأ إليهم، من أين يؤخذ؟ من قوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ إلى آخره.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن من سالمنا سالمناهم؛ لقوله: ﴿حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ﴾، وقد سبق لنا في الجهاد متى تكون الهدنة؟ وهل يصح أن تزيد على عشر سنوات؟ وبينا أن الصحيح أنه تصح الهدنة المطلقة المبنية على ضعفنا، ولنا إذا قوينا أن ننبذ إليهم.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات مشيئة الله سبحانه وتعالى؛ لقوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ﴾.

* ومن …

Commentary: Tafsir Ibn 'Uthaymin by Muhammad ibn Salih al-'Uthaymin. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.