Muslim99Muslim99
← Tafsir library

4. An-Nisaa

The Women · Medinan · 176 ayahs

سُورَةُ النِّسَاءِ

Reading Al-Bahr al-Muhit by Abu Hayyan al-Gharnati

Ayahs 81–90 of 176

81

وَيَقُولُونَ طَاعَةٌۭ فَإِذَا بَرَزُوا۟ مِنْ عِندِكَ بَيَّتَ طَآئِفَةٌۭ مِّنْهُمْ غَيْرَ ٱلَّذِى تَقُولُ ۖ وَٱللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ ۖ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ ۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلًا

And they say, "[We pledge] obedience." But when they leave you, a group of them spend the night determining to do other than what you say. But Allah records what they plan by night. So leave them alone and rely upon Allah. And sufficient is Allah as Disposer of affairs.

﴿مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أطاعَ اللَّهَ ومَن تَوَلّى فَما أرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ ﴿ويَقُولُونَ طاعَةٌ فَإذا بَرَزُوا مِن عِنْدِكَ بَيَّتَ طائِفَةٌ مِنهم غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ واللَّهُ يَكْتُبُ ما يُبَيِّتُونَ فَأعْرِضْ عَنْهم وتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ وكَفى بِاللَّهِ وكِيلًا﴾ ﴿أفَلا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ ولَوْ كانَ مِن عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ ﴿وإذا جاءَهم أمْرٌ مِنَ الأمْنِ أوِ الخَوْفِ أذاعُوا بِهِ ولَوْ رَدُّوهُ إلى الرَّسُولِ وإلى أُولِي الأمْرِ مِنهم لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنهم ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ إلّا قَلِيلًا﴾ [النساء: ٨٣] ﴿فَقاتِلْ في سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إلّا نَفْسَكَ وحَرِّضِ المُؤْمِنِينَ عَسى اللَّهُ أنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا واللَّهُ أشَدُّ بَأْسًا وأشَدُّ تَنْكِيلًا﴾ [النساء: ٨٤] ﴿مَن يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنها ومَن يَشْفَعْ شَفاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنها وكانَ اللَّهُ عَلى كُلِ شَيْءٍ مُقِيتًا﴾ [النساء: ٨٥] ﴿وإذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأحْسَنَ مِنها أوْ رُدُّوها إنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِ شَيْءٍ حَسِيبًا﴾ [النساء: ٨٦] التَّبْيِيتُ قالَ الأصْمَعِيُّ، وأبُو عُبَيْدَةَ، وأبُو العَبّاسِ: كُلُّ أمْرٍ قُضِيَ بِلَيْلٍ قِيلَ قَدْ بُيِّتَ. وقالَ الزَّجّاجُ: كُلُّ أمْرٍ مُكِرَ فِيهِ أوْ خِيضَ بِلَيْلٍ فَقَدْ بُيِّتَ. وقالَ الشّاعِرُ:

؎أتَوْنِي فَلَمْ أرْضَ ما بَيَّتُوا وكانُوا أتَوْنِي بِأمْرٍ نُكُرْ

وقالَ الأخْفَشُ: العَرَبُ تَقُولُ لِلشَّيْءِ إذا قُدِّرَ: بُيِّتَ. وقالَ أبُو رَزِينٍ: بُيِّتَ أُلِّفَ. وقِيلَ هُيِّئَ وزُوِّرَ، وقِيلَ قُصِدَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:

؎لَمّا تَبَيَّتْنا أخا تَمِيمٍ ∗∗∗ أعْطى عَطاءَ اللَّحِزِ اللَّئِيمِ

أيْ: قَصَدْنا. وقِيلَ التَّبْيِيتُ التَّبْدِيلُ بِلُغَةِ طَيِّئٍ، قالَ شاعِرُهم:

؎وتَبْيِيتُ قَوْلِي عِنْدَ المَلِيكِ ∗∗∗ قاتَلَكَ اللَّهُ عَبْدًا كَفُورًا

التَّدَبُّرُ: تَأمُّلُ الأمْرِ والنَّظَرُ في أدْبارِهِ، وما يَئُولُ إلَيْهِ في عاقِبَتِهِ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ في كُلِّ تَأمُّلٍ. والدَّبَرُ: المالُ الكَثِيرُ، سُمِّيَ بِذَلِكَ؛ لِأنَّهُ يَبْقى لِلْأعْقابِ ولِلْأدْبارِ، قالَهُ الزَّجّاجُ وغَيْرُهُ.

الإذاعَةُ: إظْهارُ الشَّيْءِ، وإفْشاؤُهُ يُقالُ: ذاعَ يَذِيعُ وأذاعَ، ويَتَعَدّى بِنَفْسِهِ وبِالباءِ؛ فَيَكُونُ إذْ ذاكَ أذاعَ في مَعْنى الفِعْلِ المُجَرَّدِ. قالَ أبُو الأسْوَدِ:

؎أذاعُوا بِهِ في النّاسِ حَتّى كَأنَّهُ ∗∗∗ بِعَلْياءِ نارٍ أُوقِدَتْ بِثُقُوبِ

الِاسْتِنْباطُ: الِاسْتِخْراجُ والنَّبَطُ الماءُ يَخْرُجُ مِنَ البِئْرِ أوَّلَ ما تُحْفَرُ، والإنْباطُ والِاسْتِنْباطُ إخْراجُهُ. وقالَ الشّاعِرُ:

؎نَعَمْ صادِقًا والفاعِلُ القائِلُ الَّذِي ∗∗∗ إذا قالَ قَوْلًا أنْبَطَ الماءَ في الثَّرى

وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: يُقالُ لِلرَّجُلِ إذا كانَ بَعِيدَ العِزِّ والمَنَعَةِ ما يَجِدُ عَدُوُّهُ لَهُ: نَبَطًا. قالَ كَعْبٌ:

؎قَرِيبٌ تَراهُ لا يَنالُ عَدُوُّهُ ∗∗∗ لَهُ نَبَطًا آبى الهَوانَ قُطُوبُ

والنَّبَطُ الَّذِينَ يَسْتَخْرِجُونَ المِياهَ والنَّباتَ مِنَ الأرْضِ. وقالَ الفَرّاءُ: نَبَطَ مِثْلَ اسْتَنْبَطَ، ونَبَطَ الماءُ يَنْبُطُ بِضَمِّ الباءِ وفَتْحِها. التَّحْرِيضُ: الحَثُّ. التَّنْكِيلُ: الأخْذُ بِأنْواعِ العَذابِ وتَرْدِيدُهُ عَلى المُعَذَّبِ، وكَأنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنَ النِّكْلِ وهو: القَيْدُ. الكِفْلُ: النَّصِيبُ والنَّصِيبُ في الخَيْرِ أكْثَرُ اسْتِعْمالًا. والكِفْلُ في الشَّرِّ أكْثَرُ مِنهُ في الخَيْرِ. …

82

أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْءَانَ ۚ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُوا۟ فِيهِ ٱخْتِلَٰفًۭا كَثِيرًۭا

Then do they not reflect upon the Qur'an? If it had been from [any] other than Allah, they would have found within it much contradiction.

﴿مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أطاعَ اللَّهَ ومَن تَوَلّى فَما أرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ ﴿ويَقُولُونَ طاعَةٌ فَإذا بَرَزُوا مِن عِنْدِكَ بَيَّتَ طائِفَةٌ مِنهم غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ واللَّهُ يَكْتُبُ ما يُبَيِّتُونَ فَأعْرِضْ عَنْهم وتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ وكَفى بِاللَّهِ وكِيلًا﴾ ﴿أفَلا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ ولَوْ كانَ مِن عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ ﴿وإذا جاءَهم أمْرٌ مِنَ الأمْنِ أوِ الخَوْفِ أذاعُوا بِهِ ولَوْ رَدُّوهُ إلى الرَّسُولِ وإلى أُولِي الأمْرِ مِنهم لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنهم ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ إلّا قَلِيلًا﴾ [النساء: ٨٣] ﴿فَقاتِلْ في سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إلّا نَفْسَكَ وحَرِّضِ المُؤْمِنِينَ عَسى اللَّهُ أنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا واللَّهُ أشَدُّ بَأْسًا وأشَدُّ تَنْكِيلًا﴾ [النساء: ٨٤] ﴿مَن يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنها ومَن يَشْفَعْ شَفاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنها وكانَ اللَّهُ عَلى كُلِ شَيْءٍ مُقِيتًا﴾ [النساء: ٨٥] ﴿وإذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأحْسَنَ مِنها أوْ رُدُّوها إنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِ شَيْءٍ حَسِيبًا﴾ [النساء: ٨٦] التَّبْيِيتُ قالَ الأصْمَعِيُّ، وأبُو عُبَيْدَةَ، وأبُو العَبّاسِ: كُلُّ أمْرٍ قُضِيَ بِلَيْلٍ قِيلَ قَدْ بُيِّتَ. وقالَ الزَّجّاجُ: كُلُّ أمْرٍ مُكِرَ فِيهِ أوْ خِيضَ بِلَيْلٍ فَقَدْ بُيِّتَ. وقالَ الشّاعِرُ:

؎أتَوْنِي فَلَمْ أرْضَ ما بَيَّتُوا وكانُوا أتَوْنِي بِأمْرٍ نُكُرْ

وقالَ الأخْفَشُ: العَرَبُ تَقُولُ لِلشَّيْءِ إذا قُدِّرَ: بُيِّتَ. وقالَ أبُو رَزِينٍ: بُيِّتَ أُلِّفَ. وقِيلَ هُيِّئَ وزُوِّرَ، وقِيلَ قُصِدَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:

؎لَمّا تَبَيَّتْنا أخا تَمِيمٍ ∗∗∗ أعْطى عَطاءَ اللَّحِزِ اللَّئِيمِ

أيْ: قَصَدْنا. وقِيلَ التَّبْيِيتُ التَّبْدِيلُ بِلُغَةِ طَيِّئٍ، قالَ شاعِرُهم:

؎وتَبْيِيتُ قَوْلِي عِنْدَ المَلِيكِ ∗∗∗ قاتَلَكَ اللَّهُ عَبْدًا كَفُورًا

التَّدَبُّرُ: تَأمُّلُ الأمْرِ والنَّظَرُ في أدْبارِهِ، وما يَئُولُ إلَيْهِ في عاقِبَتِهِ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ في كُلِّ تَأمُّلٍ. والدَّبَرُ: المالُ الكَثِيرُ، سُمِّيَ بِذَلِكَ؛ لِأنَّهُ يَبْقى لِلْأعْقابِ ولِلْأدْبارِ، قالَهُ الزَّجّاجُ وغَيْرُهُ.

الإذاعَةُ: إظْهارُ الشَّيْءِ، وإفْشاؤُهُ يُقالُ: ذاعَ يَذِيعُ وأذاعَ، ويَتَعَدّى بِنَفْسِهِ وبِالباءِ؛ فَيَكُونُ إذْ ذاكَ أذاعَ في مَعْنى الفِعْلِ المُجَرَّدِ. قالَ أبُو الأسْوَدِ:

؎أذاعُوا بِهِ في النّاسِ حَتّى كَأنَّهُ ∗∗∗ بِعَلْياءِ نارٍ أُوقِدَتْ بِثُقُوبِ

الِاسْتِنْباطُ: الِاسْتِخْراجُ والنَّبَطُ الماءُ يَخْرُجُ مِنَ البِئْرِ أوَّلَ ما تُحْفَرُ، والإنْباطُ والِاسْتِنْباطُ إخْراجُهُ. وقالَ الشّاعِرُ:

؎نَعَمْ صادِقًا والفاعِلُ القائِلُ الَّذِي ∗∗∗ إذا قالَ قَوْلًا أنْبَطَ الماءَ في الثَّرى

وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: يُقالُ لِلرَّجُلِ إذا كانَ بَعِيدَ العِزِّ والمَنَعَةِ ما يَجِدُ عَدُوُّهُ لَهُ: نَبَطًا. قالَ كَعْبٌ:

؎قَرِيبٌ تَراهُ لا يَنالُ عَدُوُّهُ ∗∗∗ لَهُ نَبَطًا آبى الهَوانَ قُطُوبُ

والنَّبَطُ الَّذِينَ يَسْتَخْرِجُونَ المِياهَ والنَّباتَ مِنَ الأرْضِ. وقالَ الفَرّاءُ: نَبَطَ مِثْلَ اسْتَنْبَطَ، ونَبَطَ الماءُ يَنْبُطُ بِضَمِّ الباءِ وفَتْحِها. التَّحْرِيضُ: الحَثُّ. التَّنْكِيلُ: الأخْذُ بِأنْواعِ العَذابِ وتَرْدِيدُهُ عَلى المُعَذَّبِ، وكَأنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنَ النِّكْلِ وهو: القَيْدُ. الكِفْلُ: النَّصِيبُ والنَّصِيبُ في الخَيْرِ أكْثَرُ اسْتِعْمالًا. والكِفْلُ في الشَّرِّ أكْثَرُ مِنهُ في الخَيْرِ. …

83

وَإِذَا جَآءَهُمْ أَمْرٌۭ مِّنَ ٱلْأَمْنِ أَوِ ٱلْخَوْفِ أَذَاعُوا۟ بِهِۦ ۖ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى ٱلرَّسُولِ وَإِلَىٰٓ أُو۟لِى ٱلْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ ٱلَّذِينَ يَسْتَنۢبِطُونَهُۥ مِنْهُمْ ۗ وَلَوْلَا فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُۥ لَٱتَّبَعْتُمُ ٱلشَّيْطَٰنَ إِلَّا قَلِيلًۭا

And when there comes to them information about [public] security or fear, they spread it around. But if they had referred it back to the Messenger or to those of authority among them, then the ones who [can] draw correct conclusions from it would have known about it. And if not for the favor of Allah upon you and His mercy, you would have followed Satan, except for a few.

﴿وإذا جاءَهم أمْرٌ مِنَ الأمْنِ أوِ الخَوْفِ أذاعُوا بِهِ﴾ رَوى مُسْلِمٌ مِن حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ، عَنْ عُمَرَ: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمّا اعْتَزَلَ نِساءَهُ؛ فَدَخَلَ عُمَرُ المَسْجِدَ فَسَمِعَ النّاسَ يَقُولُونَ: طَلَّقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نِساءَهُ؛ فَدَخَلَ عَلى النَّبِيِّ ﷺ فَسَألَهُ: أطَلَّقْتَ نِساءَكَ ؟ قالَ: لا. فَخَرَجَ فَنادى: ألا إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يُطَلِّقْ نِساءَهُ؛ فَنَزَلَتْ» . وكانَ هو الَّذِي اسْتَنْبَطَ الأمْرَ، ورَوى أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ الرَّسُولَ كانَ إذا بَعَثَ سَرِيَّةً مِنَ السَّرايا فَغَلَبَتْ أوْ غُلِبَتْ؛ تَحَدَّثُوا بِذَلِكَ وأفْشَوْهُ، ولَمْ يَصْبِرُوا حَتّى يَكُونَ هو المُحَدِّثَ بِهِ؛ فَنَزَلَتْ.

والضَّمِيرُ في جاءَهم عَلى المُنافِقِينَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والجُمْهُورُ. أوْ عَلى ناسٍ مِن ضَعَفَةِ المُؤْمِنِينَ قالَهُ الحَسَنُ والزَّجّاجُ. ولَمْ يَذْكُرِ الزَّمَخْشَرِيُّ غَيْرَهُ أوْ عَلَيْهِما نَقَلَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ، أوْ عَلى اليَهُودِ قالَهُ بَعْضُهم. والأمْرُ مِنَ الأمْنِ أوِ الخَوْفِ فَوْزُ السَّرِيَّةِ بِالظَّفَرِ والغَنِيمَةِ، أوِ الخَيْبَةِ والنَّكْبَةِ، فَيُبادِرُونَ بِإفْشائِهِ قَبْلَ أنْ يُخْبِرَ الرَّسُولُ بِذَلِكَ. أوْ ما كانَ يَنْزِلُ مِنَ الوَحْيِ بِالوَعْظِ بِالظَّفَرِ، أوْ بِتَخْفِيفٍ مِن جِهَةِ الكُفّارِ، كانَ يُسِرُّ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلامُ ذَلِكَ إلَيْهِمْ فَيُفْشُونَهُ، وكانَ في ذَلِكَ مَضَرَّةٌ عَلى المُسْلِمِينَ، أوْ ما يَعْزِمُ عَلَيْهِ النَّبِيُّ مِنَ الوَداعَةِ والأمانِ لِقَوْمٍ والخَوْفُ الخَبَرُ يَأْتِي أنَّ قَوْمًا يَجْمَعُونَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَيَخافُ المُسْلِمُونَ مِنهم قالَهُ الزَّجّاجُ والماوَرْدِيُّ، وأبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.

وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: المَعْنى أنَّ المُنافِقِينَ كانُوا يَشْرَئِبُّونَ إلى سَماعِ ما يَسُوءُ النَّبِيَّ ﷺ في سَراياهُ؛ فَإذا طَرَأتْ لَهم شُبْهَةُ أمْنٍ لِلْمُسْلِمِينَ، أوْ فُتِحَ عَلَيْهِمْ؛ حَقَّرُوها وصَغَّرُوا شَأْنَها انْتَهى. والضَّمِيرُ في بِهِ عائِدٌ عَلى الأمْرِ؛ قِيلَ: ويَجُوزُ أنْ يَعُودَ عَلى الأمْنِ أوِ الخَوْفِ، ووَحَّدَ الضَّمِيرَ؛ لِأنَّ (أوْ) تَقْتَضِي أحَدَهُما.

﴿ولَوْ رَدُّوهُ إلى الرَّسُولِ وإلى أُولِي الأمْرِ مِنهم لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنهُمْ﴾؛ أيْ ولَوْ رَدُّوا الأمْرَ الَّذِي بَلَغَهم إلى الرَّسُولِ، وأُولِي الأمْرِ، وهُمُ الخُلَفاءُ الأرْبَعَةُ، ومَن يَجْرِي عَلى سَنَنِهِمْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ أوْ أبُو بَكْرٍ، وعُمَرُ خاصَّةً، قالَهُ عِكْرِمَةُ. أوْ أُمَراءُ السَّرايا قالَهُ السُّدِّيُّ، ومُقاتِلٌ، وابْنُ زَيْدٍ. أوِ العُلَماءُ مِنَ الصَّحابَةِ قالَهُ الحَسَنُ وقَتادَةُ، وابْنُ جُرَيْجٍ. والمَعْنى: لَوْ أمْسَكُوا عَنِ الخَوْضِ فِيما بَلَغَهم، واسْتَقْصَوُا الأمْرَ مِنَ الرَّسُولِ وأُولِي الأمْرِ؛ لَعَلِمَ حَقِيقَةَ ذَلِكَ الأمْرِ الوارِدِ مَن لَهُ بَحْثٌ ونَظَرٌ وتَجْرِبَةٌ؛ فَأخْبَرُوهم بِحَقِيقَةِ ذَلِكَ، وأنَّ الأمْرَ لَيْسَ جارِيًا عَلى أوَّلِ خَبَرٍ يَطْرَأُ.

قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هم ناسٌ مِن ضَعَفَةِ المُسْلِمِينَ الَّذِينَ لَمْ تَكُنْ فِيهِمْ خِبْرَةٌ بِالأحْوالِ والِاسْتِبْطانِ لِلْأُمُورِ، كانُوا إذا بَلَغَهم خَبَرٌ عَنْ سَرايا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِن أمْنٍ، وسَلامَةٍ أوْ خَوْفٍ وخَلَلٍ أذاعُوا بِهِ، وكانَتْ إذاعَتُهم مَفْسَدَةً. ولَوْ رَدُّوا ذَلِكَ الخَبَرَ إلى رَسُولِ اللَّهِ وإلى أُولِي الأمْرِ مِنهم، وهم كِبارُ الصَّحابَةِ البُصَراءُ بِالأُمُورِ، أوِ الَّذِينَ كانُوا يُؤَمَّرُونَ مِنهم لَعَلِمَهُ لِعِلْمِ تَدْبِيرِ ما أخْبَرُوا بِهِ الَّذِينَ …

84

فَقَٰتِلْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ ۚ وَحَرِّضِ ٱلْمُؤْمِنِينَ ۖ عَسَى ٱللَّهُ أَن يَكُفَّ بَأْسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ۚ وَٱللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًۭا وَأَشَدُّ تَنكِيلًۭا

So fight, [O Muhammad], in the cause of Allah; you are not held responsible except for yourself. And encourage the believers [to join you] that perhaps Allah will restrain the [military] might of those who disbelieve. And Allah is greater in might and stronger in [exemplary] punishment.

﴿فَقاتِلْ في سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إلّا نَفْسَكَ وحَرِّضِ المُؤْمِنِينَ﴾ قِيلَ نَزَلَتْ في بَدْرٍ الصُّغْرى. دَعا النّاسَ إلى الخُرُوجِ، وكانَ أبُو سُفْيانَ واعَدَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اللِّقاءَ فِيها؛ فَكَرِهَ بَعْضُ النّاسِ أنْ يَخْرُجُوا فَنَزَلَتْ. فَخَرَجَ، وما مَعَهُ إلّا سَبْعُونَ لَمْ يَلْوِ عَلى أحَدٍ، ولَوْ لَمْ يَتْبَعْهُ أحَدٌ لَخَرَجَ وحْدَهُ.

ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ هي أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ في الآياتِ قَبْلَها تَثْبِيطَهم عَنِ القِتالِ، واسْتَطْرَدَ مِن ذَلِكَ إلى أنَّ المَوْتَ يُدْرِكُ كُلَّ أحَدٍ، ولَوِ اعْتَصَمَ بِأعْظَمِ مُعْتَصِمٍ، فَلا فائِدَةَ في الهَرَبِ مِنَ القِتالِ، وأتْبَعَ ذَلِكَ بِما أتْبَعَ مِن سُوءِ خِطابِ المُنافِقِينَ لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ وفِعْلِهِمْ مَعَهُ مِن إظْهارِ الطّاعَةِ بِالقَوْلِ وخِلافِها بِالفِعْلِ، وبَكَّتَهم في عَدَمِ تَأمُّلِهِمْ ما جاءَ بِهِ الرَّسُولُ مِنَ القُرْآنِ الَّذِي فِيهِ كُتِبَ عَلَيْهِمُ القِتالُ؛ عادَ إلى أمْرِ القِتالِ. وهَكَذا عادَةُ كَلامِ العَرَبِ تَكُونُ في شَيْءٍ ثُمَّ تَسْتَطْرِدُ مِن ذَلِكَ إلى شَيْءٍ آخَرَ لَهُ بِهِ مُناسَبَةٌ وتَعَلُّقٌ، ثُمَّ تَعُودُ إلى ذَلِكَ الأوَّلِ.

والفاءُ هُنا عاطِفَةٌ جُمْلَةَ كَلامٍ عَلى جُمْلَةِ كَلامٍ يَلِيهِ؛ ومَن زَعَمَ أنَّ وجْهَ العَطْفِ بِالفاءِ هو أنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا بِقَوْلِهِ: ﴿وما لَكم لا تُقاتِلُونَ﴾ [النساء: ٧٥] أوْ بِقَوْلِهِ: ﴿فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٧٤]، وهو مَحْمُولٌ عَلى المَعْنى عَلى تَقْدِيرِ شَرْطٍ؛ أيْ إنْ أرَدْتَ الفَوْزَ فَقاتِلْ. أوْ مَعْطُوفَةٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿فَقاتِلُوا أوْلِياءَ الشَّيْطانِ﴾ [النساء: ٧٦] فَقَدْ أُبْعِدَ. وظاهِرُ الأمْرِ أنَّهُ خِطابٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ وحْدَهُ، ويُؤَكِّدُهُ: لا تُكَلَّفُ إلّا نَفْسَكَ. وحَمَلَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ عَلى تَقْدِيرِ شَرْطٍ، قالَ أيْ إنْ أفْرَدُوكَ وتَرَكُوكَ وحْدَكَ لا تُكَلَّفُ إلّا نَفْسَكَ وحْدَها أنْ تُقَدِّمَها لِلْجِهادِ، فَإنَّ اللَّهَ هو ناصِرُكَ لا الجُنُودُ؛ فَإنْ شاءَ نَصَرَكَ وحْدَكَ كَما يَنْصُرُكَ وحَوْلَكَ الأُلُوفُ، انْتَهى. وسَبَقَهُ إلَيْهِ الزَّجّاجُ قالَ: أمَرَهُ بِالجِهادِ؛ وإنْ قاتَلَ وحْدَهُ؛ لِأنَّهُ ضَمِنَ لَهُ النُّصْرَةَ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: لَمْ نَجِدْ قَطُّ في خَبَرٍ أنَّ القِتالَ فُرِضَ عَلى النَّبِيِّ دُونَ الأُمَّةِ مَرَّةً ما؛ فالمَعْنى - واللَّهُ أعْلَمُ - أنَّهُ خِطابٌ لِلنَّبِيِّ في اللَّفْظِ، وهو مِثالُ ما يُقالُ لِكُلِّ واحِدٍ في خاصَّةِ نَفْسِهِ؛ أيْ أنْتَ يا مُحَمَّدُ وكُلُّ واحِدٍ مِن أُمَّتِكَ القَوْلُ لَهُ فَقاتِلْ في سَبِيلِ اللَّهِ، ولِهَذا يَنْبَغِي لِكُلِّ مُؤْمِنٍ أنْ يَسْتَشْعِرَ أنْ يُجاهِدَ، ولَوْ وحْدَهُ. ومِن ذَلِكَ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ: «لَأُقاتِلَنَّهم حَتّى تَنْفَرِدَ سالِفَتَيَّ» وقَوْلُ أبِي بَكْرٍ وقْتَ الرِّدَّةِ: ولَوْ خالَفَتْنِي يَمِينِي لَجاهَدْتُها بِشِمالِي.

ومَعْنى ﴿لا تُكَلَّفُ إلّا نَفْسَكَ﴾؛ أيْ لا تُكَلَّفُ في القِتالِ إلّا نَفْسَكَ؛ فَقاتِلْ ولَوْ وحْدَكَ. وقِيلَ المَعْنى إلّا طاقَتَكَ ووُسْعَكَ. والنَّفْسُ يُعَبَّرُ بِها عَنِ القُوَّةِ، يُقالُ: سَقَطَتْ نَفْسُهُ؛ أيْ قُوَّتُهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (لا تُكَلَّفُ) خَبَرًا مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، قالُوا: والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ إخْبارًا مِنَ اللَّهِ لِنَبِيِّهِ لا حالًا شُرِعَ لَهُ فِيها أنَّهُ لا يُكَلَّفُ أمْرَ غَيْرِهِ مِنَ المُؤْمِنِينَ؛ إنَّما يُكَلَّفُ أمْرَ نَفْسِهِ فَقَطْ. وقُرِئَ: (لا نُكَلِّفُ) بِالنُّونِ وكَسْرِ اللّامِ، ويَحْتَمِلُ وجْهَيِ الإعْرابِ: الحالُ والِاسْتِئْنافُ. …

85

مَّن يَشْفَعْ شَفَٰعَةً حَسَنَةًۭ يَكُن لَّهُۥ نَصِيبٌۭ مِّنْهَا ۖ وَمَن يَشْفَعْ شَفَٰعَةًۭ سَيِّئَةًۭ يَكُن لَّهُۥ كِفْلٌۭ مِّنْهَا ۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ مُّقِيتًۭا

Whoever intercedes for a good cause will have a reward therefrom; and whoever intercedes for an evil cause will have a burden therefrom. And ever is Allah, over all things, a Keeper.

﴿مَن يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنها، ومَن يَشْفَعُ شَفاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنها﴾ قالَ قَوْمٌ: مَن يَكُنْ شَفِيعًا لِوِتْرِ أصْحابِكِ، يا مُحَمَّدُ في الجِهادِ؛ فَيُسْعِفُهم في جِهادِ عَدُوِّهِمْ يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنَ الجِهادِ، أوْ مَن يَشْفَعْ وِتْرَ الإسْلامِ بِالمَعُونَةِ لِلْمُسْلِمِينَ؛ فَتِلْكَ حَسَنَةٌ، ولَهُ نَصِيبٌ مِنها. وحَمَلَهم عَلى هَذا التَّأْوِيلِ ما تَقَدَّمَ مِن ذِكْرِ القِتالِ والأمْرِ بِهِ، وقالَ قَرِيبًا مِنهُ الطَّبَرِيُّ. وقالَ مُجاهِدٌ، والحَسَنُ، وابْنُ زَيْدٍ وغَيْرُهم: هي في حَوائِجِ النّاسِ؛ فَمَن يَشْفَعْ لِنَفْعٍ فَلَهُ نَصِيبٌ، ومَن يَشْفَعْ لِضُرٍّ فَلَهُ كِفْلٌ.

وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الشَّفاعَةُ الحَسَنَةُ هي الَّتِي رُوعِيَ فِيها حَقُّ مُسْلِمٍ، ودُفِعَ عَنْهُ بِها شَرٌّ، أوْ جُلِبَ إلَيْهِ خَيْرٌ، وابْتُغِيُ بِها وجْهُ اللَّهِ، ولَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْها رِشْوَةٌ، وكانَتْ في أمْرٍ جائِزٍ، لا في حَدٍّ مِن حُدُودِ اللَّهِ، ولا حَقٍّ مِنَ الحُقُوقِ. والسَّيِّئَةُ ما كانَ بِخِلافِ ذَلِكَ انْتَهى.

وهَذا بَسْطُ ما قالَهُ الحَسَنُ؛ قالَ: الشَّفاعَةُ الحَسَنَةُ هي في البِرِّ والطّاعَةِ، والسَّيِّئَةُ في المَعاصِي. وقِيلَ الشَّفاعَةُ الحَسَنَةُ هي الدَّعْوَةُ لِلْمُسْلِمِ؛ لِأنَّها في مَعْنى الشَّفاعَةِ إلى اللَّهِ تَعالى. وعَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «مَن دَعا لِأخِيهِ بِظَهْرِ الغَيْبِ اسْتُجِيبَ لَهُ، وقالَ لَهُ المَلَكُ: ولَكَ مِثْلُ ذَلِكَ النَّصِيبِ» والدَّعْوَةُ عَلى المُسْلِمِ بِضِدٍّ ذَلِكَ. وقالَ ابْنُ السّائِبِ ومُقاتِلٌ: الشَّفاعَةُ الحَسَنَةُ هُنا الصُّلْحُ بَيْنَ الِاثْنَيْنِ، والسَّيِّئَةُ الإفْسادُ بَيْنَهُما والسَّعْيُ بِالنَّمِيمَةِ. وقِيلَ الشَّفاعَةُ الحَسَنَةُ أنْ يَشْفَعَ إلى الكافِرِ حَتّى يُوَضِّحَ لَهُ مِنَ الحُجَجِ لَعَلَّهُ يُسْلِمُ، والسَّيِّئَةُ أنْ يَشْفَعَ إلى المُسْلِمِ عَسى يَرْتَدُّ أوْ يُنافِقُ. والظّاهِرُ أنَّ (مَن) لِلسَّبَبِ؛ أيْ نَصِيبٌ مِنَ الخَيْرِ بِسَبَبِها، وكِفْلٌ مِنَ الشَّرِّ بِسَبَبِها. وتَقَدَّمَ في المُفْرَداتِ أنَّ الكِفْلَ النَّصِيبُ.

وقالَ أبانُ بْنُ تَغْلِبَ: الكِفْلُ المِثْلُ. وقالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ: هو الوِزْرُ والإثْمُ، وغايَرَ في النَّصِيبِ، فَذَكَرَهُ بِلَفْظِ الكِفْلِ في الشَّفاعَةِ السَّيِّئَةِ؛ لِأنَّهُ أكْثَرُ ما يُسْتَعْمَلُ في الشَّرِّ، وإنْ كانَ قَدِ اسْتُعْمِلَ في الخَيْرِ لِقَوْلِهِ: ﴿يُؤْتِكم كِفْلَيْنِ مِن رَحْمَتِهِ﴾ [الحديد: ٢٨] قالُوا: وهو مُسْتَعارٌ مِن كِفْلِ البَعِيرِ، وهو كِساءٌ يُدارُ عَلى سَنامِهِ لِيُرْكَبَ عَلَيْهِ، وسُمِّي كِفْلًا؛ لِأنَّهُ لَمْ يَعُمَّ الظَّهْرَ؛ بَلْ نَصِيبًا مِنهُ.

﴿وكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا﴾؛ أيْ مُقْتَدِرًا؛ قالَهُ السُّدِّيُّ، وابْنُ زَيْدٍ والكِسائِيُّ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ: حَفِيظًا، وشَهِيدًا. وقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَثِيرٍ: واصِبًا قَيِّمًا بِالأُمُورِ. وقِيلَ المُحِيطُ. وقِيلَ الحَسِيبُ. وقِيلَ المُجازِي. وقِيلَ المُواظِبُ لِلشَّيْءِ الدّائِمُ عَلَيْهِ. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهو قَوْلُ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا. وهَذِهِ أقْوالٌ مُتَقارِبَةٌ لِاسْتِلْزامِ بَعْضِها مَعْنى بَعْضٍ. وقالَ الطَّبَرِيُّ في قَوْلِهِ: إنِّي عَلى الحِسابِ مُقِيتٌ، إنَّهُ مِن غَيْرِ هَذِهِ المَعانِي المُتَقَدِّمَةِ، وإنَّهُ بِمَعْنى مَوْقُوتٍ. وهَذا يُضْعِفُهُ أنْ يَكُونَ بِناءُ اسْمِ الفاعِلِ بِمَعْنى بِناءِ اسْمِ المَفْعُولِ. وقالَ غَيْرُهُ: مَعْناهُ مُقْتَدِرٌ.

﴿وإذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأحْسَنَ مِنها أوْ رُدُّوها﴾ الظّاهِرُ أنَّ التَّحِيَّةَ هُنا السَّلامُ، …

86

وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍۢ فَحَيُّوا۟ بِأَحْسَنَ مِنْهَآ أَوْ رُدُّوهَآ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ حَسِيبًا

And when you are greeted with a greeting, greet [in return] with one better than it or [at least] return it [in a like manner]. Indeed, Allah is ever, over all things, an Accountant.

﴿مَن يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنها، ومَن يَشْفَعُ شَفاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنها﴾ قالَ قَوْمٌ: مَن يَكُنْ شَفِيعًا لِوِتْرِ أصْحابِكِ، يا مُحَمَّدُ في الجِهادِ؛ فَيُسْعِفُهم في جِهادِ عَدُوِّهِمْ يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنَ الجِهادِ، أوْ مَن يَشْفَعْ وِتْرَ الإسْلامِ بِالمَعُونَةِ لِلْمُسْلِمِينَ؛ فَتِلْكَ حَسَنَةٌ، ولَهُ نَصِيبٌ مِنها. وحَمَلَهم عَلى هَذا التَّأْوِيلِ ما تَقَدَّمَ مِن ذِكْرِ القِتالِ والأمْرِ بِهِ، وقالَ قَرِيبًا مِنهُ الطَّبَرِيُّ. وقالَ مُجاهِدٌ، والحَسَنُ، وابْنُ زَيْدٍ وغَيْرُهم: هي في حَوائِجِ النّاسِ؛ فَمَن يَشْفَعْ لِنَفْعٍ فَلَهُ نَصِيبٌ، ومَن يَشْفَعْ لِضُرٍّ فَلَهُ كِفْلٌ.

وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الشَّفاعَةُ الحَسَنَةُ هي الَّتِي رُوعِيَ فِيها حَقُّ مُسْلِمٍ، ودُفِعَ عَنْهُ بِها شَرٌّ، أوْ جُلِبَ إلَيْهِ خَيْرٌ، وابْتُغِيُ بِها وجْهُ اللَّهِ، ولَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْها رِشْوَةٌ، وكانَتْ في أمْرٍ جائِزٍ، لا في حَدٍّ مِن حُدُودِ اللَّهِ، ولا حَقٍّ مِنَ الحُقُوقِ. والسَّيِّئَةُ ما كانَ بِخِلافِ ذَلِكَ انْتَهى.

وهَذا بَسْطُ ما قالَهُ الحَسَنُ؛ قالَ: الشَّفاعَةُ الحَسَنَةُ هي في البِرِّ والطّاعَةِ، والسَّيِّئَةُ في المَعاصِي. وقِيلَ الشَّفاعَةُ الحَسَنَةُ هي الدَّعْوَةُ لِلْمُسْلِمِ؛ لِأنَّها في مَعْنى الشَّفاعَةِ إلى اللَّهِ تَعالى. وعَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «مَن دَعا لِأخِيهِ بِظَهْرِ الغَيْبِ اسْتُجِيبَ لَهُ، وقالَ لَهُ المَلَكُ: ولَكَ مِثْلُ ذَلِكَ النَّصِيبِ» والدَّعْوَةُ عَلى المُسْلِمِ بِضِدٍّ ذَلِكَ. وقالَ ابْنُ السّائِبِ ومُقاتِلٌ: الشَّفاعَةُ الحَسَنَةُ هُنا الصُّلْحُ بَيْنَ الِاثْنَيْنِ، والسَّيِّئَةُ الإفْسادُ بَيْنَهُما والسَّعْيُ بِالنَّمِيمَةِ. وقِيلَ الشَّفاعَةُ الحَسَنَةُ أنْ يَشْفَعَ إلى الكافِرِ حَتّى يُوَضِّحَ لَهُ مِنَ الحُجَجِ لَعَلَّهُ يُسْلِمُ، والسَّيِّئَةُ أنْ يَشْفَعَ إلى المُسْلِمِ عَسى يَرْتَدُّ أوْ يُنافِقُ. والظّاهِرُ أنَّ (مَن) لِلسَّبَبِ؛ أيْ نَصِيبٌ مِنَ الخَيْرِ بِسَبَبِها، وكِفْلٌ مِنَ الشَّرِّ بِسَبَبِها. وتَقَدَّمَ في المُفْرَداتِ أنَّ الكِفْلَ النَّصِيبُ.

وقالَ أبانُ بْنُ تَغْلِبَ: الكِفْلُ المِثْلُ. وقالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ: هو الوِزْرُ والإثْمُ، وغايَرَ في النَّصِيبِ، فَذَكَرَهُ بِلَفْظِ الكِفْلِ في الشَّفاعَةِ السَّيِّئَةِ؛ لِأنَّهُ أكْثَرُ ما يُسْتَعْمَلُ في الشَّرِّ، وإنْ كانَ قَدِ اسْتُعْمِلَ في الخَيْرِ لِقَوْلِهِ: ﴿يُؤْتِكم كِفْلَيْنِ مِن رَحْمَتِهِ﴾ [الحديد: ٢٨] قالُوا: وهو مُسْتَعارٌ مِن كِفْلِ البَعِيرِ، وهو كِساءٌ يُدارُ عَلى سَنامِهِ لِيُرْكَبَ عَلَيْهِ، وسُمِّي كِفْلًا؛ لِأنَّهُ لَمْ يَعُمَّ الظَّهْرَ؛ بَلْ نَصِيبًا مِنهُ.

﴿وكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا﴾؛ أيْ مُقْتَدِرًا؛ قالَهُ السُّدِّيُّ، وابْنُ زَيْدٍ والكِسائِيُّ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ: حَفِيظًا، وشَهِيدًا. وقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَثِيرٍ: واصِبًا قَيِّمًا بِالأُمُورِ. وقِيلَ المُحِيطُ. وقِيلَ الحَسِيبُ. وقِيلَ المُجازِي. وقِيلَ المُواظِبُ لِلشَّيْءِ الدّائِمُ عَلَيْهِ. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهو قَوْلُ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا. وهَذِهِ أقْوالٌ مُتَقارِبَةٌ لِاسْتِلْزامِ بَعْضِها مَعْنى بَعْضٍ. وقالَ الطَّبَرِيُّ في قَوْلِهِ: إنِّي عَلى الحِسابِ مُقِيتٌ، إنَّهُ مِن غَيْرِ هَذِهِ المَعانِي المُتَقَدِّمَةِ، وإنَّهُ بِمَعْنى مَوْقُوتٍ. وهَذا يُضْعِفُهُ أنْ يَكُونَ بِناءُ اسْمِ الفاعِلِ بِمَعْنى بِناءِ اسْمِ المَفْعُولِ. وقالَ غَيْرُهُ: مَعْناهُ مُقْتَدِرٌ.

﴿وإذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأحْسَنَ مِنها أوْ رُدُّوها﴾ الظّاهِرُ أنَّ التَّحِيَّةَ هُنا السَّلامُ، …

87

ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۚ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَٰمَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ ۗ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ ٱللَّهِ حَدِيثًۭا

Allah - there is no deity except Him. He will surely assemble you for [account on] the Day of Resurrection, about which there is no doubt. And who is more truthful than Allah in statement.

﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هو لَيَجْمَعَنَّكم إلى يَوْمِ القِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ ومَن أصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ ﴿فَما لَكم في المُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ واللَّهُ أرْكَسَهم بِما كَسَبُوا أتُرِيدُونَ أنْ تَهْدُوا مَن أضَلَّ اللَّهُ ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾ [النساء: ٨٨] ﴿ودُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَما كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَواءً فَلا تَتَّخِذُوا مِنهم أوْلِياءَ حَتّى يُهاجِرُوا في سَبِيلِ اللَّهِ فَإنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهم واقْتُلُوهم حَيْثُ وجَدْتُمُوهم ولا تَتَّخِذُوا مِنهم ولِيًّا ولا نَصِيرًا﴾ [النساء: ٨٩] ﴿إلّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إلى قَوْمٍ بَيْنَكم وبَيْنَهم مِيثاقٌ أوْ جاءُوكم حَصِرَتْ صُدُورُهم أنْ يُقاتِلُوكم أوْ يُقاتِلُوا قَوْمَهم ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهم عَلَيْكم فَلَقاتَلُوكم فَإنِ اعْتَزَلُوكم فَلَمْ يُقاتِلُوكم وألْقَوْا إلَيْكُمُ السَّلَمَ فَما جَعَلَ اللَّهُ لَكم عَلَيْهِمْ سَبِيلًا﴾ [النساء: ٩٠] ﴿سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أنْ يَأْمَنُوكم ويَأْمَنُوا قَوْمَهم كُلَّما رُدُّوا إلى الفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيها فَإنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكم ويُلْقُوا إلَيْكُمُ السَّلَمَ ويَكُفُّوا أيْدِيَهم فَخُذُوهم واقْتُلُوهم حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهم وأُولَئِكم جَعَلْنا لَكم عَلَيْهِمْ سُلْطانًا مُبِينًا﴾ [النساء: ٩١] ﴿وما كانَ لِمُؤْمِنٍ أنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إلّا خَطَأً ومَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ ودِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إلى أهْلِهِ إلّا أنْ يَصَّدَّقُوا فَإنْ كانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكم وهو مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وإنْ كانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكم وبَيْنَهم مِيثاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إلى أهْلِهِ وتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَن لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وكانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ٩٢] ﴿ومَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِدًا فِيها وغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ ولَعَنَهُ وأعَدَّ لَهُ عَذابًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٩٣]

الإرْكاسُ: الرَّدُّ والرَّجْعُ. قِيلَ مِن آخِرِهِ عَلى أوَّلِهِ والرِّكْسُ: الرَّجِيعُ. ومِنهُ قَوْلُهُ في «الرَّوْثَةِ هَذا رِكْسٌ»، وقالَ أُمَيَّةُ بْنُ أبِي الصَّلْتِ:

؎فَأُرْكِسُوا في حَمِيمِ النّارِ أنَّهُمُ كانُوا عُصاةً وقالُوا الإفْكَ والزُّورا

وحَكى الكِسائِيُّ والنَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ: رَكَسَ وأرْكَسَ بِمَعْنًى واحِدٍ أيْ رَجَعَهم. ويُقالُ: رَكَّسَ مُشَدَّدًا بِمَعْنى أرْكَسَ، وارْتَكَسَ هو أيِ ارْتَجَعَ، وقِيلَ أرْكَسَهُ أوْبَقَهُ قالَ:

؎بِشُؤْمِكَ أرْكَسْتَنِي في الخَنا ∗∗∗ وأرْمَيْتَنِي بِضُرُوبِ العَنا

وقِيلَ أضَلَّهم. وقالَ الشّاعِرُ:

؎وأرْكَسْتَنِي عَنْ طَرِيقِ الهُدى ∗∗∗ وصَيَّرْتَنِي مَثَلًا لَلْعِدا

وقِيلَ نَكَّسَهُ. قالَهُ الزَّجّاجُ قالَ:

؎رَكَسُوا في فِتْنَةٍ مُظْلِمَةٍ ∗∗∗ كَسَوادِ اللَّيْلِ يَتْلُوها فِتَنْ

الدِّيَةُ: ما غُرِمَ في القَتْلِ مِنَ المالِ، وكانَ لَها في الجاهِلِيَّةِ أحْكامٌ، ومَقادِيرُ، ولَها في الشَّرْعِ أحْكامٌ، ومَقادِيرُ، سَيَأْتِي ذِكْرُ شَيْءٍ مِنها. وأصْلُها: مَصْدَرٌ أُطْلِقَ عَلى المالِ المَذْكُورِ، وتَقُولُ: مِنهُ ودى يَدِي ودْيًا ودِيَةً. كَما تَقُولُ: وشى يَشِي وشْيًا وشِيَةً، ومِثالُهُ مِن صَحِيحِ اللّامِ: زِنَةٌ وعِدَةٌ.

التَّعَمُّدُ والعَمْدُ: القَصْدُ إلى الشَّيْءِ ﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هو لَيَجْمَعَنَّكم إلى يَوْمِ القِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: نَزَلَتْ فِيمَن شَكَّ في البَعْثِ؛ فَأقْسَمَ اللَّهُ لَيَبْعَثَنَّهُ. ومُناسَبَتُها لِما قَبْلَها ظاهِرَةٌ، وهي أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ أنَّ اللَّهَ كانَ …

88

۞ فَمَا لَكُمْ فِى ٱلْمُنَٰفِقِينَ فِئَتَيْنِ وَٱللَّهُ أَرْكَسَهُم بِمَا كَسَبُوٓا۟ ۚ أَتُرِيدُونَ أَن تَهْدُوا۟ مَنْ أَضَلَّ ٱللَّهُ ۖ وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُۥ سَبِيلًۭا

What is [the matter] with you [that you are] two groups concerning the hypocrites, while Allah has made them fall back [into error and disbelief] for what they earned. Do you wish to guide those whom Allah has sent astray? And he whom Allah sends astray - never will you find for him a way [of guidance].

﴿فَما لَكم في المُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾ ذَكَرُوا في سَبَبِ نُزُولِها أقْوالًا طَوَّلُوا بِها، ومُلَخَّصُها: أنَّهم قَوْمٌ أسْلَمُوا فاسْتَوْبَئُوا المَدِينَةَ فَخَرَجُوا، فَقِيلَ لِهم: أما لَكم في الرَّسُولِ أُسْوَةٌ ؟ أوْ ناسٌ رَجَعُوا مِن أُحُدٍ لَمّا خَرَجَ الرَّسُولُ، وهَذا في الصَّحِيحَيْنِ مِن قَوْلِ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ. أوْ ناسٍ بِمَكَّةَ تَكَلَّمُوا بِالإسْلامِ وهم يُعِينُونَ الكُفّارَ، فَخَرَجُوا مِن مَكَّةَ. قالَ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ: خَرَجُوا لِحاجَةٍ لَهم؛ فَقالَ قَوْمٌ مِنَ المُسْلِمِينَ، اخْرُجُوا إلَيْهِمْ فاقْتُلُوهم؛ فَإنَّهم يُظاهِرُونَ عَدُوَّكم.

وقالَ قَوْمٌ: كَيْفَ نَقْتُلُهم، وقَدْ تَكَلَّمُوا بِالإسْلامِ رَواهُ ابْنُ عَطِيَّةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. أوْ قَوْمٌ قَدِمُوا المَدِينَةَ، وأظْهَرُوا الإسْلامَ، ثُمَّ رَجَعُوا إلى مَكَّةَ، فَأظْهَرُوا الشِّرْكَ، أوْ قَوْمٌ أعْلَنُوا الإيمانَ بِمَكَّةَ، وامْتَنَعُوا مِنَ الهِجْرَةِ قالَهُ الضَّحّاكُ. أوِ العُرَنِيُّونَ الَّذِينَ أغارُوا عَلى السَّرْحِ وقَتَلُوا يَسارًا، أوِ المُنافِقُونَ الَّذِينَ تَكَلَّمُوا في حَدِيثِ الإفْكِ.

وما كانَ مِن هَذِهِ الأقْوالِ يَتَضَمَّنُ أنَّهم كانُوا بِالمَدِينَةِ يَرُدُّهُ قَوْلُهُ: ﴿حَتّى يُهاجِرُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٨٩] إلّا إنْ حَمَلْتَ المُهاجَرَةَ عَلى هِجْرَةِ ما نَهى اللَّهُ عَنْهُ؛ والمَعْنى: أنَّهُ تَعالى أنْكَرَ عَلَيْهِمُ اخْتِلافَهم في نِفاقِ مَن ظَهَرَ مِنهُ النِّفاقُ؛ أيْ مَن ظَهَرَ مِنهُ النِّفاقُ قُطِعَ بِنِفاقِهِ، ولَوْ لَمْ يَكُونُوا بادِيًا نِفاقُهم؛ لَما أُطْلِقَ عَلَيْهِ اسْمُ النِّفاقِ. و﴿فِي المُنافِقِينَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِما تَعَلَّقَ بِهِ لَكم، وهو كائِنٌ أيْ شَيْءٌ كائِنٌ لَكم في شَأْنِ المُنافِقِينَ. أوْ بِمَعْنى فِئَتَيْنِ؛ أيْ فِرْقَتَيْنِ في أمْرِ المُنافِقِينَ. وانْتَصَبَ (فِئَتَيْنِ) عَلى الحالِ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ مِن ضَمِيرِ الخِطابِ في لَكم والعامِلُ فِيها العامِلُ في لَكم. وذَهَبَ الكُوفِيُّونَ إلى أنَّهُ مَنصُوبٌ عَلى إضْمارِ (كانَ)؛ أيْ كُنْتُمْ فِئَتَيْنِ. ويُجِيزُونَ ما لَكَ الشّاتِمَ؛ أيْ كُنْتَ الشّاتِمَ، وهَذا عِنْدَ البَصْرِيِّينَ لا يَجُوزُ؛ لِأنَّهُ عِنْدَهم حالٌ والحالُ لا يَجُوزُ تَعْرِيفُها.

﴿واللَّهُ أرْكَسَهم بِما كَسَبُوا﴾ أيْ رَجَّعَهم ورَدَّهم في كُفْرِهِمْ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. واخْتارَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ: أوْبَقَهم. رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أوْ أضَلَّهم؛ قالَهُ السُّدِّيُّ. أوْ أهْلَكَهم؛ قالَهُ قَتادَةُ، أوْ نَكَّسَهم قالَهُ الزَّجّاجُ. وكُلُّها مُتَقارِبَةٌ. ومَن عَبَّرَ بِهِ عَنِ الإهْلاكِ فَإنَّهُ أخَذَ بِلازِمِ الإرْكاسِ. ومَعْنى بِما كَسَبُوا؛ أيْ بِما أجْراهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ المُخالَفَةِ، وذَلِكَ الإرْكاسُ هو بِخَلْقِ اللَّهِ واخْتِراعِهِ، ويُنْسَبُ لِلْعَبْدِ كَسْبًا.

وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: واللَّهُ أرْكَسَهم؛ أيْ رَدَّهم في حُكْمِ المُشْرِكِينَ كَما كانُوا بِما كَسَبُوا مِنِ ارْتِدادِهِمْ، ولُحُوقِهِمْ بِالمُشْرِكِينَ، واحْتِيالِهِمْ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . أوْ أرْكَسَهم في الكُفْرِ بِأنْ خَذَلَهم حَتّى ارْتَكَبُوا فِيهِ لِما عَلِمَ مِن مَرَضِ قُلُوبِهِمْ، انْتَهى. وهو جارٍ عَلى عَقِيدَتِهِ الِاعْتِزالِيَّةِ؛ فَلا يَنْسُبُ الإرْكاسَ إلى اللَّهِ حَقِيقَةً، بَلْ يُؤَوِّلُهُ عَلى مَعْنى الخِذْلانِ وتَرْكِ اللُّطْفِ، أوْ عَلى الحُكْمِ بِكَوْنِهِمْ مِنَ المُشْرِكِينَ. إذْ هم فاعِلُو الكُفْرِ ومُخْتَرِعُوهُ لا اللَّهُ؛ تَعالى اللَّهُ عَنْ قَوْلِهِمْ.

وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: رَكَسَهم ثُلاثِيًّا. وقُرِئَ: رَكَّسَهم رَكَسُوا فِيها بِالتَّشْدِيدِ؛ قالَ الرّاغِبُ: …

89

وَدُّوا۟ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا۟ فَتَكُونُونَ سَوَآءًۭ ۖ فَلَا تَتَّخِذُوا۟ مِنْهُمْ أَوْلِيَآءَ حَتَّىٰ يُهَاجِرُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ۚ فَإِن تَوَلَّوْا۟ فَخُذُوهُمْ وَٱقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ ۖ وَلَا تَتَّخِذُوا۟ مِنْهُمْ وَلِيًّۭا وَلَا نَصِيرًا

They wish you would disbelieve as they disbelieved so you would be alike. So do not take from among them allies until they emigrate for the cause of Allah. But if they turn away, then seize them and kill them wherever you find them and take not from among them any ally or helper.

﴿ودُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَما كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَواءً﴾ مَن أثْبَتَ أنَّ (لَوْ) تَكُونُ مَصْدَرِيَّةً قَدَّرَهُ: ودُّوا كُفْرَكم كَما كَفَرُوا. ومَن جَعَلَ (لَوْ) حَرْفًا لِما كانَ سَيَقَعُ لِوُقُوعِ غَيْرِهِ، جَعَلَ مَفْعُولَ ودُّوا مَحْذُوفًا؛ وجَوابَ لَوْ مَحْذُوفًا. والتَّقْدِيرُ: ودُّوا كُفْرَكم لَوْ تَكْفُرُونَ كَما كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَواءً لَسُرُّوا بِذَلِكَ. وسَبَبُ وُدِّهِمْ ذَلِكَ إمّا حَسَدًا لِما ظَهَرَ مِن عُلُوِّ الإسْلامِ كَما قالَ في نَظِيرَتِها: ﴿حَسَدًا مِن عِنْدِ أنْفُسِهِمْ﴾ [البقرة: ١٠٩]، وإمّا إيثارًا لَهم أنْ يَكُونُوا عُبّادَ أصْنامٍ لِكَوْنِهِمْ يَرَوْنَ المُؤْمِنِينَ عَلى غَيْرِ شَيْءٍ، وهَذا كَشْفٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى لِخَبِيثِ مُعْتَقَدِهِمْ، وتَحْذِيرٌ لِلْمُؤْمِنِينَ مِنهم. وفَتَكُونُونَ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: تَكْفُرُونَ.

قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ولَوْ نُصِبَ عَلى جَوابِ التَّمَنِّي لَجازَ والمَعْنى: ودُّوا كُفْرَكم وكَوْنَكم مَعَهم شَرْعًا واحِدًا فِيما هم عَلَيْهِ مِنَ الضَّلالِ واتِّباعِ دِينِ الآباءِ، انْتَهى. وكَوْنُ التَّمَنِّي بِلَفْظِ الفِعْلِ، ويَكُونُ لَهُ جَوابٌ فِيهِ نَظَرٌ. وإنَّما المَنقُولُ أنَّ الفِعْلَ يَنْتَصِبُ في جَوابِ التَّمَنِّي إذا كانَ بِالحَرْفِ نَحْوَ: لَيْتَ، ولَوْ وإلّا إذا أُشْرِبَتا مَعْنى التَّمَنِّي، أمّا إذا كانَ بِالفِعْلِ فَيَحْتاجُ إلى سَماعٍ مِنَ العَرَبِ. بَلْ لَوْ جاءَ لَمْ تَتَحَقَّقْ فِيهِ الجَوابِيَّةُ؛ لِأنَّ ودَّ الَّتِي تَدُلُّ عَلى التَّمَنِّي إنَّما مُتَعَلِّقُها المَصادِرُ لا الذَّواتُ، فَإذا نُصِبَ الفِعْلُ بَعْدَ الفاءِ لَمْ يَتَعَيَّنْ أنْ تَكُونَ فاءَ جَوابٍ؛ لِاحْتِمالِ أنْ يَكُونَ مِن بابِ عَطْفِ المَصْدَرِ المُقَدَّرِ عَلى المَصْدَرِ المَلْفُوظِ بِهِ؛ فَيَكُونُ مِن بابِ: لَلُبْسُ عَباءَةٍ وتَقَرُّ عَيْنِي.

﴿فَلا تَتَّخِذُوا مِنهم أوْلِياءَ حَتّى يُهاجِرُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ لَمّا نَصَّ عَلى كُفْرِهِمْ، وأنَّهم تَمَنَّوْا أنْ تَكُونُوا مِثْلَهم بانَتْ عَداوَتُهم لِاخْتِلافِ الدِّينَيْنِ؛ فَنَهى تَعالى أنْ يُوالى مِنهم أحَدٌ؛ وإنْ آمَنُوا حَتّى يُظاهِرُوا بِالهِجْرَةِ الصَّحِيحَةِ جُلَّ الإيمانِ، لا جُلَّ حَظِّ الدُّنْيا؛ وإنَّما غَيّا بِالهِجْرَةِ فَقَطْ؛ لِأنَّها تَتَضَمَّنُ الإيمانَ. وفي هَذِهِ الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى وُجُوبِ الهِجْرَةِ إلى النَّبِيِّ ﷺ إلى المَدِينَةِ، ولَمْ يَزَلْ حُكْمُها كَذَلِكَ إلى أنْ فُتِحَتْ مَكَّةُ، فَنُسِخَ بِقَوْلِهِ ﷺ: «لا هِجْرَةَ بَعْدَ الفَتْحِ؛ ولَكِنْ جِهادٌ ونِيَّةٌ، وإذا اسْتُنْفِرْتُمْ فانْفِرُوا» . وخالَفَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ فَقالَ بِوُجُوبِها، وأنَّ حُكْمَها لَمْ يُنْسَخْ، وهو باقٍ فَتَحْرُمُ الإقامَةُ بَعْدَ الإسْلامِ في دارِ الشِّرْكِ. وإجْماعُ أهْلِ المَذاهِبِ عَلى خِلافِهِ. قالَ القاضِي أبُو يَعْلى وغَيْرُهُ: مَن هو قادِرٌ عَلى الهِجْرَةِ ولا يَقْدِرُ عَلى إظْهارِ دِينِهِ فَهي تَجِبُ عَلَيْهِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَمْ تَكُنْ أرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها﴾ [النساء: ٩٧]، ومَن كانَ قادِرًا عَلى إظْهارِ دِينِهِ اسْتُحِبَّتْ لَهُ، ومَن لا يَقْدِرُ عَلى إظْهارِ دِينِهِ ولا عَلى الحَرَكَةِ كالشَّيْخِ الفانِي والزَّمِنِ، لا يُسْتَحَبُّ لَهُ.

﴿فَإنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهم واقْتُلُوهم حَيْثُ وجَدْتُمُوهم ولا تَتَّخِذُوا مِنهم ولِيًّا ولا نَصِيرًا﴾؛ أيْ فَإنْ تَوَلَّوْا عَنِ الإيمانِ المُظاهَرِ بِالهِجْرَةِ الصَّحِيحَةِ؛ فَحُكْمُهم حُكْمُ الكُفّارِ؛ يُقْتَلُونَ حَيْثُ وُجِدُوا في حِلٍّ وحَرَمٍ، وجانِبُوهم مُجانَبَةً كُلِّيَّةً، ولَوْ بَذَلُوا لَكُمُ الوِلايَةَ والنُّصْرَةَ؛ فَلا تَقْبَلُوا مِنهم. …

90

إِلَّا ٱلَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَىٰ قَوْمٍۭ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَٰقٌ أَوْ جَآءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَن يُقَٰتِلُوكُمْ أَوْ يُقَٰتِلُوا۟ قَوْمَهُمْ ۚ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَٰتَلُوكُمْ ۚ فَإِنِ ٱعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَٰتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا۟ إِلَيْكُمُ ٱلسَّلَمَ فَمَا جَعَلَ ٱللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًۭا

Except for those who take refuge with a people between yourselves and whom is a treaty or those who come to you, their hearts strained at [the prospect of] fighting you or fighting their own people. And if Allah had willed, He could have given them power over you, and they would have fought you. So if they remove themselves from you and do not fight you and offer you peace, then Allah has not made for you a cause [for fighting] against them.

﴿فَإنِ اعْتَزَلُوكم فَلَمْ يُقاتِلُوكم وألْقَوْا إلَيْكُمُ السَّلَمَ فَما جَعَلَ اللَّهُ لَكم عَلَيْهِمْ سَبِيلًا﴾ إذا كانَ المُسْتَثْنَوْنَ كُفّارًا؛ فالِاعْتِزالُ حَقِيقَةً لا يَتَهَيَّأُ إلّا في حالَةِ المُواجَهَةِ في الحَرْبِ كَأنَّهُ يَقُولُ: إذا اعْتَزَلُوكم بِانْفِرادِهِمْ عَنْ قَوْمِهِمُ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكم فَلا تَقْتُلُوهم. وقِيلَ أرادَ بِالِاعْتِزالِ هُنا المُهادَنَةَ. وسُمِّيَتِ اعْتِزالًا؛ لِأنَّها سَبَبُ الِاعْتِزالِ عَنِ القِتالِ. والسَّلَمُ هُنا الِانْقِيادُ؛ قالَهُ الحَسَنُ، أوِ الصُّلْحُ؛ قالَهُ الرَّبِيعُ ومُقاتِلٌ، أوِ الإسْلامُ قالَهُ الحَسَنُ أيْضًا. وأمّا عَلى مَن قالَ: إنَّ المُسْتَثْنَيْنَ مُؤْمِنُونَ، فالمَعْنى أنَّهم إذْ قَدِ اعْتَزَلُوكم، وأظْهَرُوا الإسْلامَ فاتْرُكُوهم؛ فَعَلى هَذا تَكُونُ في الَّذِينَ أسْلَمُوا ولَمْ يَسْتَحْكِمْ إيمانُهم والمَعْنى: سَبِيلًا إلى قَتْلِهِمْ ومُقاتَلَتِهِمْ. وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ: السَّلْمُ بِسُكُونِ اللّامِ. وقَرَأ الحَسَنُ: بِكَسْرِ السِّينِ وسُكُونِ اللّامِ.

﴿سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أنْ يَأْمَنُوكم ويَأْمَنُوا قَوْمَهم كُلَّما رُدُّوا إلى الفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيها﴾ لَمّا ذَكَرَ صِفَةَ المُحِقِّينَ في المُتارَكَةِ المُجِدِّينَ في إلْقاءِ السَّلَمِ نَبَّهَ عَلى طائِفَةٍ أُخْرى مُخادِعَةٍ يُرِيدُونَ الإقامَةَ في مَواضِعِهِمْ مَعَ أهْلِيهِمْ يَقُولُونَ لَهم: نَحْنُ مَعَكم وعَلى دِينِكم، ويَقُولُونَ لِلْمُسْلِمِينَ كَذَلِكَ إذا وجَدُوا. قِيلَ كانَتْأسَدٌ وغَطَفانُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ فَنَزَلَتْ فِيهِمْ؛ قالَهُ مُقاتِلٌ. وقِيلَ نَزَلَتْ في نُعَيْمِ بْنِ مَسْعُودٍ الأشْجَعِيِّ كانَ يَنْقُلُ بَيْنَ النَّبِيِّ ﷺ الأخْبارَ؛ قالَهُ السُّدِّيُّ. وقِيلَ في قَوْمٍ يَجِيئُونَ مِن مَكَّةَ إلى النَّبِيِّ ﷺ رِياءً، ويُظْهِرُونَ الإسْلامَ، ثُمَّ يَرْجِعُونَ إلى قُرَيْشٍ يَكْفُرُونَ؛ فَفَضَحَهُمُ اللَّهُ تَعالى، وأعْلَمَ أنَّهم لَيْسُوا عَلى صِفَةِ مَن تَقَدَّمَ؛ قالَهُ مُجاهِدٌ. وقِيلَ إنَّهم مِن أهْلِ تِهامَةَ؛ قالَهُ قَتادَةُ. وقِيلَ إنَّهم مِنَ المُنافِقِينَ قالَهُ الحَسَنُ.

والظّاهِرُ مِن قَوْلِهِ: سَتَجِدُونَ آخَرِينَ أنَّهم قَوْمٌ غَيْرُ المُسْتَثْنَيْنَ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا الَّذِينَ يَصِلُونَ﴾ . وذَهَبَ قَوْمٌ: إلى أنَّها بِمَنزِلَةِ الآيَةِ الأُولى والقَوْمُ الَّذِينَ نَزَلَتْ فِيهِمْ هُمُ الَّذِينَ نَزَلَتْ فِيهِمُ الأُولى. وجاءَتْ مُؤَكِّدَةً لِمَعْنى الأُولى مُقَرِّرَةً لَها. والسِّينُ في ﴿سَتَجِدُونَ﴾ لَيْسَتْ لِلِاسْتِقْبالِ قالُوا: إنَّما هي دالَّةٌ عَلى اسْتِمْرارِهِمْ عَلى ذَلِكَ الفِعْلِ في الزَّمَنِ المُسْتَقْبَلِ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهاءُ﴾ [البقرة: ١٤٢]، وما نَزَلَتْ إلّا بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿ما ولّاهم عَنْ قِبْلَتِهِمُ﴾ [البقرة: ١٤٢] فَدَخَلَتِ السِّينُ إشْعارًا بِالِاسْتِمْرارِ، انْتَهى. ولا تَحْرِيرَ في قَوْلِهِمْ: إنَّ السِّينَ لَيْسَتْ لِلِاسْتِقْبالِ، وإنَّما تُشْعِرُ بِالِاسْتِمْرارِ؛ بَلِ السِّينُ لِلِاسْتِقْبالِ، لَكِنْ لَيْسَ في ابْتِداءِ الفِعْلِ؛ لَكِنْ في اسْتِمْرارِهِ أنْ يَأْمَنُوكم؛ أيْ يَأْمَنُوا أذاكم، ويَأْمَنُوا أذى قَوْمِهِمْ. والفِتْنَةُ هُنا: المِحْنَةُ في إظْهارِ الكُفْرِ. ومَعْنى أُرْكِسُوا فِيها رَجَعُوا أقْبَحَ رُجُوعٍ وأشْنَعَهُ، وكانُوا شَرًّا فِيها مِن كُلِّ عَدُوٍّ. وحُكِيَ أنَّهم كانُوا يَرْجِعُونَ إلى قَوْمِهِمْ، فَيُقالُ لِأحَدِهِمْ: قُلْ رَبِّي الخُنْفُساءُ، ورَبِّي القِرَدَةُ، ورَبِّي العَقْرَبُ، ونَحْوَهُ فَيَقُولُها. وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ والأعْمَشُ: رِدُّوا بِكَسْرِ الرّاءِ، لَمّا أدْغَمَ نَقَلَ الكَسْرَةَ إلى الرّاءِ. …

Commentary: Al-Bahr al-Muhit by Abu Hayyan al-Gharnati. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.