Muslim99Muslim99
← Tafsir library

4. An-Nisaa

The Women · Medinan · 176 ayahs

سُورَةُ النِّسَاءِ

Reading Al-Bahr al-Muhit by Abu Hayyan al-Gharnati

Ayahs 71–80 of 176

71

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ خُذُوا۟ حِذْرَكُمْ فَٱنفِرُوا۟ ثُبَاتٍ أَوِ ٱنفِرُوا۟ جَمِيعًۭا

O you who have believed, take your precaution and [either] go forth in companies or go forth all together.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكم فانْفِرُوا ثُباتٍ أوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ مُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها هو أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ طاعَتَهُ وطاعَةَ رَسُولِهِ، وكانَ مِن أهَمِّ الطّاعاتِ إحْياءُ دِينِ اللَّهِ أمَرَ بِالقِيامِ بِإحْياءِ دِينِهِ، وإعْلاءِ دَعْوَتِهِ، وأمَرَهم أنْ لا يَقْتَحِمُوا عَلى عَدُوِّهِمْ عَلى جَهالَةٍ فَقالَ: خُذُوا حِذْرَكم. فَعَلَّمَهم مُباشَرَةَ الحُرُوبِ. ولَمّا تَقَدَّمَ ذِكْرُ المُنافِقِينَ ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ تَحْذِيرَ المُؤْمِنِينَ مِن قَبُولِ مَقالاتِهِمْ وتَثْبِيطِهِمْ عَنِ الجِهادِ، فَنادى ولا باسِمِ الإيمانِ عَلى عادَتِهِ تَعالى إذا أرادَ أنْ يَأْمُرَ المُؤْمِنِينَ أوْ يَنْهاهم، والحَذَرَ والحَذَرَ بِمَعْنًى واحِدٍ. قالُوا: ولَمْ يُسْمَعْ في هَذا التَّرْكِيبِ الأخْذُ حِذْرَكَ لِأخْذِ حِذْرِكَ. ومَعْنى خُذْ حِذْرَكَ: أيِ اسْتَعِدَّ بِأنْواعِ ما يُسْتَعَدُّ بِهِ لِلِقاءِ مَن تَلَقّاهُ، فَيَدْخُلُ فِيهِ أخْذُ السِّلاحِ وغَيْرِهِ. ويُقالُ: أخَذَ حِذْرَهُ إذا احْتَرَزَ مِنَ المُخَوَّفِ، كَأنَّهُ جَعَلَ الحَذَرَ آلَتَهُ الَّتِي يَتَّقِي بِها ويَعْتَصِمُ، والمَعْنى: احْتَرِزُوا مِنَ العَدُوِّ. ثُمَّ أمَرَ تَعالى بِالخُرُوجِ إلى الجِهادِ جَماعَةً جَماعَةً، وسَرِيَّةً بَعْدَ سَرِيَّةٍ، أوْ كَتِيبَةً واحِدَةً مُجْتَمِعَةً.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿فانْفِرُوا﴾ بِكَسْرِ الفاءِ فِيهِما. وقَرَأ الأعْمَشُ: بِضَمِّها فِيهِما، وانْتِصابِ (ثُباتًا) و(جَمِيعًا) عَلى الحالِ. ولَمْ يُقْرَأْ (ثُباتٍ) فِيما عَلِمْناهُ إلّا بِكَسْرِ التّاءِ. وقالَ الفَرّاءُ: العَرَبُ تَخْفِضُ هَذِهِ التّاءَ في النَّصْبِ وتَنْصِبُها. أنْشَدَنِي بَعْضُهم:

؎فَلَمّا جَلاها بِالايّامِ تَحَيَّزَتْ ثُباتًا عَلَيْها ذُلُّها واكْتِئابُها

يُنْشَدُ بِكَسْرِ التّاءِ وفَتْحِها انْتَهى. وأوْفى أوِ انْفَرُوا لِلتَّخْيِيرِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هَذِهِ الآيَةُ نَسَخَتْها.

﴿وما كانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كافَّةً﴾ [التوبة: ١٢٢] قِيلَ: وإنَّما عُنِيَ بِذَلِكَ التَّخْصِيصُ إذْ لَيْسَ يُلْزَمُ النَّفْرُ جَماعَتَهم.

﴿وإنَّ مِنكم لَمَن لَيُبَطِّئَنَّ﴾ الخِطابُ لِعَسْكَرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وقالَ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ وابْنُ جُرَيْجٍ وابْنُ زَيْدٍ في آخَرِينَ: لَمَن لَيُبَطِّئَنَّ هُمُ المُنافِقُونَ، وجُعِلُوا مِنَ المُؤْمِنِينَ بِاعْتِبارِ الجِنْسِ، أوِ النَّسَبِ، أوِ الِانْتِماءِ إلى الإيمانِ ظاهِرًا. وقالَ الكَلْبِيُّ: نَزَلَتْ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ وأصْحابِهِ. وقِيلَ: هم ضَعَفَةُ المُؤْمِنِينَ. ويُبْعِدُ هَذا القَوْلَ قَوْلُهُ: عِنْدَ مُصِيبَةِ المُؤْمِنِينَ ﴿قَدْ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إذْ لَمْ أكُنْ مَعَهم شَهِيدًا﴾ وقَوْلُهُ: ﴿كَأنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكم وبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ﴾ [النساء: ٧٣] ومِثْلُ هَذا لا يَصْدُرُ عَنْ مُؤْمِنٍ؛ إنَّما يَصْدُرُ عَنْ مُنافِقٍ. واللّامُ في لَيُبَطِّئَنَّ لامُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ التَّقْدِيرُ: لَلَّذِي واللَّهِ لَيُبَطِّئَنَّ. والجُمْلَتانِ مِنَ القَسَمِ وجَوابِهِ صِلَةٌ لِمَن، والعائِدُ الضَّمِيرُ المُسْتَكِنُّ في ﴿لَيُبَطِّئَنَّ﴾ .

قالُوا: وفي هَذِهِ الآيَةِ رَدٌّ عَلى مَن زَعَمَ مِن قُدَماءِ النُّحاةِ أنَّهُ لا يَجُوزُ وصْلُ المَوْصُولِ بِالقَسَمِ وجَوابِهِ إذا كانَتْ جُمْلَةُ القَسَمِ قَدْ عَرِيَتْ مِن ضَمِيرٍ؛ فَلا يَجُوزُ جاءَنِي الَّذِي أُقْسِمُ بِاللَّهِ لَقَدْ قامَ أبُوهُ، ولا حُجَّةَ فِيها لِأنَّ جُمْلَةَ القَسَمِ مَحْذُوفَةٌ؛ فاحْتُمِلَ أنْ يَكُونَ فِيها ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى المَوْصُولِ، واحْتُمِلَ أنْ لا يَكُونَ. وما كانَ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ لا حُجَّةَ فِيهِ عَلى تَعْيِينِ …

72

وَإِنَّ مِنكُمْ لَمَن لَّيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَٰبَتْكُم مُّصِيبَةٌۭ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَىَّ إِذْ لَمْ أَكُن مَّعَهُمْ شَهِيدًۭا

And indeed, there is among you he who lingers behind; and if disaster strikes you, he says, "Allah has favored me in that I was not present with them."

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكم فانْفِرُوا ثُباتٍ أوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ مُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها هو أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ طاعَتَهُ وطاعَةَ رَسُولِهِ، وكانَ مِن أهَمِّ الطّاعاتِ إحْياءُ دِينِ اللَّهِ أمَرَ بِالقِيامِ بِإحْياءِ دِينِهِ، وإعْلاءِ دَعْوَتِهِ، وأمَرَهم أنْ لا يَقْتَحِمُوا عَلى عَدُوِّهِمْ عَلى جَهالَةٍ فَقالَ: خُذُوا حِذْرَكم. فَعَلَّمَهم مُباشَرَةَ الحُرُوبِ. ولَمّا تَقَدَّمَ ذِكْرُ المُنافِقِينَ ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ تَحْذِيرَ المُؤْمِنِينَ مِن قَبُولِ مَقالاتِهِمْ وتَثْبِيطِهِمْ عَنِ الجِهادِ، فَنادى ولا باسِمِ الإيمانِ عَلى عادَتِهِ تَعالى إذا أرادَ أنْ يَأْمُرَ المُؤْمِنِينَ أوْ يَنْهاهم، والحَذَرَ والحَذَرَ بِمَعْنًى واحِدٍ. قالُوا: ولَمْ يُسْمَعْ في هَذا التَّرْكِيبِ الأخْذُ حِذْرَكَ لِأخْذِ حِذْرِكَ. ومَعْنى خُذْ حِذْرَكَ: أيِ اسْتَعِدَّ بِأنْواعِ ما يُسْتَعَدُّ بِهِ لِلِقاءِ مَن تَلَقّاهُ، فَيَدْخُلُ فِيهِ أخْذُ السِّلاحِ وغَيْرِهِ. ويُقالُ: أخَذَ حِذْرَهُ إذا احْتَرَزَ مِنَ المُخَوَّفِ، كَأنَّهُ جَعَلَ الحَذَرَ آلَتَهُ الَّتِي يَتَّقِي بِها ويَعْتَصِمُ، والمَعْنى: احْتَرِزُوا مِنَ العَدُوِّ. ثُمَّ أمَرَ تَعالى بِالخُرُوجِ إلى الجِهادِ جَماعَةً جَماعَةً، وسَرِيَّةً بَعْدَ سَرِيَّةٍ، أوْ كَتِيبَةً واحِدَةً مُجْتَمِعَةً.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿فانْفِرُوا﴾ بِكَسْرِ الفاءِ فِيهِما. وقَرَأ الأعْمَشُ: بِضَمِّها فِيهِما، وانْتِصابِ (ثُباتًا) و(جَمِيعًا) عَلى الحالِ. ولَمْ يُقْرَأْ (ثُباتٍ) فِيما عَلِمْناهُ إلّا بِكَسْرِ التّاءِ. وقالَ الفَرّاءُ: العَرَبُ تَخْفِضُ هَذِهِ التّاءَ في النَّصْبِ وتَنْصِبُها. أنْشَدَنِي بَعْضُهم:

؎فَلَمّا جَلاها بِالايّامِ تَحَيَّزَتْ ثُباتًا عَلَيْها ذُلُّها واكْتِئابُها

يُنْشَدُ بِكَسْرِ التّاءِ وفَتْحِها انْتَهى. وأوْفى أوِ انْفَرُوا لِلتَّخْيِيرِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هَذِهِ الآيَةُ نَسَخَتْها.

﴿وما كانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كافَّةً﴾ [التوبة: ١٢٢] قِيلَ: وإنَّما عُنِيَ بِذَلِكَ التَّخْصِيصُ إذْ لَيْسَ يُلْزَمُ النَّفْرُ جَماعَتَهم.

﴿وإنَّ مِنكم لَمَن لَيُبَطِّئَنَّ﴾ الخِطابُ لِعَسْكَرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وقالَ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ وابْنُ جُرَيْجٍ وابْنُ زَيْدٍ في آخَرِينَ: لَمَن لَيُبَطِّئَنَّ هُمُ المُنافِقُونَ، وجُعِلُوا مِنَ المُؤْمِنِينَ بِاعْتِبارِ الجِنْسِ، أوِ النَّسَبِ، أوِ الِانْتِماءِ إلى الإيمانِ ظاهِرًا. وقالَ الكَلْبِيُّ: نَزَلَتْ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ وأصْحابِهِ. وقِيلَ: هم ضَعَفَةُ المُؤْمِنِينَ. ويُبْعِدُ هَذا القَوْلَ قَوْلُهُ: عِنْدَ مُصِيبَةِ المُؤْمِنِينَ ﴿قَدْ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إذْ لَمْ أكُنْ مَعَهم شَهِيدًا﴾ وقَوْلُهُ: ﴿كَأنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكم وبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ﴾ [النساء: ٧٣] ومِثْلُ هَذا لا يَصْدُرُ عَنْ مُؤْمِنٍ؛ إنَّما يَصْدُرُ عَنْ مُنافِقٍ. واللّامُ في لَيُبَطِّئَنَّ لامُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ التَّقْدِيرُ: لَلَّذِي واللَّهِ لَيُبَطِّئَنَّ. والجُمْلَتانِ مِنَ القَسَمِ وجَوابِهِ صِلَةٌ لِمَن، والعائِدُ الضَّمِيرُ المُسْتَكِنُّ في ﴿لَيُبَطِّئَنَّ﴾ .

قالُوا: وفي هَذِهِ الآيَةِ رَدٌّ عَلى مَن زَعَمَ مِن قُدَماءِ النُّحاةِ أنَّهُ لا يَجُوزُ وصْلُ المَوْصُولِ بِالقَسَمِ وجَوابِهِ إذا كانَتْ جُمْلَةُ القَسَمِ قَدْ عَرِيَتْ مِن ضَمِيرٍ؛ فَلا يَجُوزُ جاءَنِي الَّذِي أُقْسِمُ بِاللَّهِ لَقَدْ قامَ أبُوهُ، ولا حُجَّةَ فِيها لِأنَّ جُمْلَةَ القَسَمِ مَحْذُوفَةٌ؛ فاحْتُمِلَ أنْ يَكُونَ فِيها ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى المَوْصُولِ، واحْتُمِلَ أنْ لا يَكُونَ. وما كانَ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ لا حُجَّةَ فِيهِ عَلى تَعْيِينِ …

73

وَلَئِنْ أَصَٰبَكُمْ فَضْلٌۭ مِّنَ ٱللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَن لَّمْ تَكُنۢ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُۥ مَوَدَّةٌۭ يَٰلَيْتَنِى كُنتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًۭا

But if bounty comes to you from Allah, he will surely say, as if there had never been between you and him any affection. "Oh, I wish I had been with them so I could have attained a great attainment."

﴿ولَئِنْ أصابَكم فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكم وبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهم فَأفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ الفَضْلُ هُنا: الظَّفَرُ بِالعَدُوِّ والغَنِيمَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: لَيَقُولَنَّ بِفَتْحِ اللّامِ. وقَرَأ الحَسَنُ: لَيَقُولُنَّ بِضَمِّ اللّامِ؛ أُضْمِرَ فِيهِ ضَمِيرُ الجَمْعِ عَلى مَعْنى (مَن) . وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وحَفْصٌ ”كَأنْ لَمْ تَكُنْ“ بِتاءِ التَّأْنِيثِ والباقُونَ بِالياءِ. وقَرَأ الحَسَنُ ويَزِيدُ النَّحْوِيُّ: فَأفُوزُ بِرَفْعِ الزّايِ عَطْفًا عَلى كُنْتُ؛ فَتَكُونُ الكَيْنُونَةُ مَعَهم والفَوْزُ بِالقِسْمَةِ داخِلَيْنِ في التَّمَنِّي، أوْ عَلى الِاسْتِئْنافِ أيْ فَأنا أفُوزُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: بِنَصْبِ الزّايِ، وهو جَوابُ التَّمَنِّي. ومَذْهَبُ جُمْهُورِ البَصْرِيِّينَ: أنَّ النَّصْبَ بِإضْمارِ (أنْ) بَعْدَ الفاءِ، وهي حَرْفُ عَطْفٍ عَطَفَتِ المَصْدَرَ المُنْسَبِكَ مِن (أنِ) المُضْمَرَةِ والفِعْلِ المَنصُوبِ بِها عَلى مَصْدَرٍ مُتَوَهَّمٍ. ومَذْهَبُ الكُوفِيِّينَ: أنَّهُ انْتَصَبَ بِالخِلافِ. ومَذْهَبُ الجَرْمِيِّ: أنَّهُ انْتَصَبَ بِالفاءِ نَفْسِها، و(يا) عِنْدَ قَوْمٍ لِلنِّداءِ والمُنادى مَحْذُوفٌ؛ تَقْدِيرُهُ: يا قَوْمُ لَيْتَنِي. وذَهَبَ أبُو عَلِيٍّ: إلى أنَّ (يا) لِلتَّنْبِيهِ، ولَيْسَ في الكَلامِ مُنادًى مَحْذُوفٌ، وهو الصَّحِيحُ. و(كَأنْ) هُنا مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ. وإذا ولِيَتْها الجُمْلَةُ الفِعْلِيَّةُ فَتَكُونُ مَبْدُوءَةً بِقَدْ، نَحْوَ قَوْلِهِ:

؎لا يَهُولَنَّكَ اصْطِلاؤُكَ لِلْحَرِّ فَمَحْذُورُها كَأنْ قَدْ ألَمّا

أوْ بِـ (لَمْ) كَقَوْلِهِ: كَأنْ لَمْ يَكُنْ، ﴿كَأنْ لَمْ تَغْنَ بِالأمْسِ﴾ [يونس: ٢٤]، ووَجَدْتُ في شِعْرِ عَمّارٍ الكَلْبِيِّ ابْتِداءَها في قَوْلِهِ:

؎بَدَّدَتْ مِنها اللَّيالِي شَمْلَهم ∗∗∗ فَكَأنْ لَمّا يَكُونُوا قَبْلُ ثَمَّ

ويَنْبَغِي التَّوَقُّفُ في جَوازِ ذَلِكَ حَتّى يُسْمَعَ مِن لِسانِ العَرَبِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: و(كَأنْ) مُضَمَّنَةٌ مَعْنى التَّشْبِيهِ؛ ولَكِنَّها لَيْسَتْ كالثَّقِيلَةِ في الحاجَةِ إلى الِاسْمِ والخَبَرِ؛ وإنَّما تَجِيءُ بَعْدَها الجُمَلُ انْتَهى. وهَذا الَّذِي ذَكَرَهُ غَيْرَ مُحَرَّرٍ ولا عَلى إطْلاقِهِ؛ أمّا إذا خُفِّفَّتْ ووَلِيَها ما كانَ يَلِيها، وهي ثَقِيلَةٌ، فالأكْثَرُ والأفْصَحُ أنْ تَرْتَفِعَ تِلْكَ الجُمْلَةُ عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرِ، ويَكُونُ اسْمُ كانَ ضَمِيرَ شَأْنٍ مَحْذُوفًا، وتَكُونُ تِلْكَ الجُمْلَةُ في مَوْضِعِ رَفْعِ خَبَرِ كانَ. وإذا لَمْ يُنْوَ ضَمِيرُ الشَّأْنِ جازَ لَها أنَّ تَنْصِبَ الِاسْمَ إذا كانَ مُظْهَرًا، وتَرْفَعَ الخَبَرَ هَذا ظاهِرُ كَلامِ سِيبَوَيْهِ. ولا يُخَصُّ ذَلِكَ بِالشِّعْرِ؛ فَنَقُولُ: كَأنْ زَيْدًا قائِمٌ.

قالَ سِيبَوَيْهِ: وحَدَّثَنا مَن يَوْثَقُ بِهِ أنَّهُ سَمِعَ مِنَ العَرَبِ مَن يَقُولُ: إنْ عُمَرَ المُنْطَلِقُ. وأهْلُ المَدِينَةِ يَقْرَءُونَ: ”وإنْ كُلًّا لَمّا“ يُخَفِّفُونَ، ويَنْصِبُونَ كَما قالَ: كَأنْ ثَدْيَيْهِ حُقّانِ، وذَلِكَ؛ لِأنَّ الحَرْفَ بِمَنزِلَةِ الفِعْلِ، فَلَمّا حُذِفَ مِن نَفْسِهِ شَيْءٌ لَمْ يُغَيِّرْ عَمَلَهُ، كَما لَمْ يُغَيِّرْ عَمَلَ (لَمْ يَكُ)، ولَمْ أُبْلَ حِينَ حُذِفَ، انْتَهى. فَظاهِرُ تَشْبِيهِ سِيبَوَيْهِ: أنْ عُمَرَ المُنْطَلِقُ بِقَوْلِهِ: كَأنْ ثَدْيَيْهِ حُقّانِ جَوازُ ذَلِكَ في الكَلامِ، وأنَّهُ لا يَخْتَصُّ بِالشِّعْرِ.

وقَدْ نَقَلَ صاحِبُ رُءُوسِ المَسائِلِ: أنَّ (كَأنْ) إذا خُفِّفَتْ لا يَجُوزُ إعْمالُها عِنْدَ الكُوفِيِّينَ، وأنَّ البَصْرِيِّينَ أجازُوا ذَلِكَ؛ فَعَلى مَذْهَبِ الكُوفِيِّينَ قَدْ يَتَمَشّى …

74

۞ فَلْيُقَٰتِلْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يَشْرُونَ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا بِٱلْءَاخِرَةِ ۚ وَمَن يُقَٰتِلْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًۭا

So let those fight in the cause of Allah who sell the life of this world for the Hereafter. And he who fights in the cause of Allah and is killed or achieves victory - We will bestow upon him a great reward.

﴿فَلْيُقاتِلْ في سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الحَياةَ الدُّنْيا بِالآخِرَةِ﴾ قِيلَ نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ الَّذِينَ تَخَلَّفُوا عَنْ أُحُدٍ. ويَشْرُونَ بِمَعْنى يَشْتَرُونَ. والمَعْنى: أخْلَصُوا الإيمانَ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ، ثُمَّ جاهَدُوا في سَبِيلِ اللَّهِ. وقِيلَ نَزَلَتْ في المُؤْمِنِينَ المُتَخَلِّفِينَ ويَشْرُونَ بِمَعْنى يَبْغُونَ ويُؤْثِرُونَ الآجِلَةَ عَلى العاجِلَةِ ويَسْتَبْدِلُونَها بِها أمْرَ اللَّهِ بِالجِهادِ مَن تَخَلَّفَ مِن ضَعَفَةِ المُؤْمِنِينَ.

﴿ومَن يُقاتِلْ في سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أجْرًا عَظِيمًا﴾ ثُمَّ وعَدَ مَن قاتَلَ في سَبِيلِ اللَّهِ بِالأجْرِ العَظِيمِ، سَواءٌ اسْتُشْهِدَ، أوْ غُلِبَ. واكْتَفى في الحالَتَيْنِ بِالغايَةِ؛ لِأنَّ غايَةَ المَغْلُوبِ في القِتالِ أنْ يُقْتَلَ، وغايَةُ الَّذِي يَقْتُلُ أنْ يَغْلِبَ ويَغْنَمَ، فَأشْرَفُ الحالَتَيْنِ ما بُدِئَ بِهِ مِن ذِكْرِ الِاسْتِشْهادِ في سَبِيلِ اللَّهِ، ويَلِيها أنْ يَقْتُلَ أعْداءَ اللَّهِ، ودُونَ ذَلِكَ الظَّفَرُ بِالغَنِيمَةِ، ودُونَ ذَلِكَ أنْ يَغْزُوَ فَلا يُصِيبَ، ولا يُصابَ. ولَفْظُ الجِهادِ في سَبِيلِ اللَّهِ يَشْمَلُ هَذِهِ الأحْوالَ. والأجْرُ العَظِيمُ فُسِّرَ بِالجَنَّةِ. والَّذِي يَظْهَرُ أنَّهُ مَزِيدُ ثَوابٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى مِثْلَ كَوْنِهِمْ أحْياءً عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ؛ لِأنَّ الجَنَّةَ مَوْعُودٌ دُخُولُها بِالإيمانِ. وكَأنَّ الَّذِي فَسَّرَهُ بِالجَنَّةِ يَنْظُرُ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ المُؤْمِنِينَ أنْفُسَهم وأمْوالَهم بِأنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ﴾ [التوبة: ١١١] الآيَةَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿فَلْيُقاتِلْ﴾ بِسُكُونِ لامِ الأمْرِ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: بِكَسْرِها عَلى الأصْلِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿فَيُقْتَلْ﴾ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. وقَرَأ مُحارِبُ بْنُ دِثارٍ: فَيَقْتُلْ عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْفاعِلِ. وأدْغَمَ (يَغْلِبْ) في الفاءِ أبُو عَمْرٍو، والكِسائِيُّ، وهِشامٌ، وخَلّادٌ بِخِلافٍ عَنْهُ، وأظْهَرَها باقِي السَّبْعَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: نُؤْتِيهِ بِالنُّونِ. وقَرَأ الأعْمَشُ، وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: يُؤْتِيهِ بِالياءِ.

75

وَمَا لَكُمْ لَا تُقَٰتِلُونَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ ٱلرِّجَالِ وَٱلنِّسَآءِ وَٱلْوِلْدَٰنِ ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا مِنْ هَٰذِهِ ٱلْقَرْيَةِ ٱلظَّالِمِ أَهْلُهَا وَٱجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيًّۭا وَٱجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا

And what is [the matter] with you that you fight not in the cause of Allah and [for] the oppressed among men, women, and children who say, "Our Lord, take us out of this city of oppressive people and appoint for us from Yourself a protector and appoint for us from Yourself a helper?"

﴿وما لَكم لا تُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ والمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ والوِلْدانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا أخْرِجْنا مِن هَذِهِ القَرْيَةِ الظّالِمِ أهْلُها واجْعَلْ لَنا مِن لَدُنْكَ ولِيًّا واجْعَلْ لَنا مِن لَدُنْكَ نَصِيرًا﴾ هَذا الِاسْتِفْهامُ فِيهِ حَثٌّ وتَحْرِيضٌ عَلى الجِهادِ في سَبِيلِ اللَّهِ، وعَلى تَخْلِيصِ المُسْتَضْعَفِينَ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿لا تُقاتِلُونَ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ. وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: وما لَكَمْ في أنْ لا تُقاتِلُوا، فَلَمّا حُذِفَ حَرْفُ الجَرِّ، وحُذِفَ أنْ ارْتَفَعَ الفِعْلُ ”والمُسْتَضْعَفِينَ“ هو مَعْطُوفٌ عَلى اسْمِ اللَّهِ؛ أيْ وفي سَبِيلِ المُسْتَضْعَفِينَ. وقالَ المُبَرِّدُ والزَّجّاجُ: هو مَعْطُوفٌ عَلى سَبِيلِ اللَّهِ؛ أيْ في سَبِيلِ اللَّهِ وفي خَلاصِ المُسْتَضْعَفِينَ.

وقَرَأ ابْنُ شِهابٍ: في سَبِيلِ اللَّهِ المُسْتَضْعَفِينَ بِغَيْرِ واوِ عَطْفٍ. فَإمّا أنْ يَخْرُجَ عَلى إضْمارِ حَرْفِ العَطْفِ، وإمّا عَلى البَدَلِ مِن سَبِيلِ اللَّهِ؛ أيْ في سَبِيلِ اللَّهِ سَبِيلِ المُسْتَضْعَفِينَ؛ لِأنَّهُ سَبِيلُ اللَّهِ تَعالى. وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَكُونَ: والمُسْتَضْعَفِينَ مَنصُوبًا عَلى الِاخْتِصاصِ يَعْنِي: واخْتَصَّ مِن سَبِيلِ اللَّهِ خَلاصَ المُسْتَضْعَفِينَ؛ لِأنَّ سَبِيلَ اللَّهِ عامٌّ في كُلِّ خَيْرٍ، وخَلاصُ المُسْتَضْعَفِينَ مِنَ المُسْلِمِينَ مِن أيْدِي الكُفّارِ مِن أعْظَمِ الخَيْرِ وأخَصِّهِ، انْتَهى كَلامُهُ. ولا حاجَةَ إلى تَكَلُّفِ نَصْبِهِ عَلى الِاخْتِصاصِ؛ إذْ هو خِلافُ الظّاهِرِ.

ويَعْنِي بِالمُسْتَضْعَفِينَ مَن كانَ بِمَكَّةَ مِنَ المُؤْمِنِينَ تَحْتَ إذْلالِ قُرَيْشٍ وأذاهم إذْ كانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ خُرُوجًا، ولا تَطِيبُ لَهم عَلى الأذى إقامَةٌ. ومِنَ المُسْتَضْعَفِينَ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبّاسٍ، وأُمُّهُ، وقَدْ دَعا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالنَّجاةِ لِلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ، وسَمّى مِنهم: الوَلِيدَ بْنَ الوَلِيدِ، وسَلَمَةَ بْنَ هِشامٍ، وعَيّاشَ بْنَ أبِي رَبِيعَةَ. وقَوْلُهُ: ﴿مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ والوِلْدانِ﴾ تَبْيِينٌ لِلْمُسْتَضْعَفِينَ.

والظّاهِرُ أنَّ الوِلْدانَ المُرادُ بِهِ الصِّبْيانُ، وهو جَمْعُ ولِيدٍ. قِيلَ: وقَدْ يَكُونُ جَمْعَ ولَدٍ، كَوَرَلٍ ووِرْلانٍ. ونَبَّهَ عَلى الوِلْدانِ تَسْجِيلًا بِإفْراطِ ظُلْمِ مَن ظَلَمَهم؛ وهم غَيْرُ مُكَلَّفِينَ لِيَتَأذّى بِذَلِكَ آباؤُهم، ولِأنَّهم كانُوا يُشْرِكُونَ آباءَهم في الدُّعاءِ طَلَبًا لِرَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى، وتَخْلِيصِهِمْ مِن أذى الكُفّارِ. وهم أقْرَبُ إلى الإجابَةِ حَيْثُ لَمْ تَكُنْ لَهم ذُنُوبٌ كَما فَعَلَ قَوْمُ يُونُسَ، وكَما هي السُّنَّةُ في خُرُوجِ الصِّبْيانِ في العِيدِ؛ لِأنَّهُ يُطْلَقُ عَلى العَبْدِ ولِيدٌ، وعَلى الأمَةِ ولِيدَةٌ، وغَلَبَ المُذَكَّرُ عَلى المُؤَنَّثِ إذْ دَرَجَ المُؤَنَّثُ في الجَمْعِ الِاسْتِسْقاءَ. وقِيلَ المُرادُ بِقَوْلِهِ مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ الأحْرارُ وبِالوِلْدانِ العَبِيدُ لِأنَّهُ يُطْلَقُ عَلى العَبْدِ ولِيدٌ وعَلى الأمَةِ ولِيدَةٌ، وغَلَبَ المُذَكَّرُ ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا أخْرِجْنا﴾ لَيْسَ لَهم مِنَ القُوَّةِ والمَنَعَةِ مِنَ الظُّلْمِ إلّا بِالدُّعاءِ والِاسْتِنْصارِ بِاللَّهِ تَعالى والقَرْيَةُ هُنا مَكَّةُ بِإجْماعٍ.

وتَكَلَّمُوا في جَرَيانِ الظّالِمِ، وهو مُذَكَّرٌ عَلى القَرْيَةِ، وهو مُؤَنَّثٌ، وهَذا مِن واضِحِ النَّحْوِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لَوْ أُنِّثَ فَقِيلَ الظّالِمَةِ، أوْ جُمِعَ فَقِيلَ الظّالِمِينَ، وأجابَ عَنْ ذَلِكَ وهَذا لَمْ يُقْرَأْ بِهِ؛ فَيُحْتاجُ إلى الكَلامِ فِيهِ. …

76

ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ يُقَٰتِلُونَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ۖ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ يُقَٰتِلُونَ فِى سَبِيلِ ٱلطَّٰغُوتِ فَقَٰتِلُوٓا۟ أَوْلِيَآءَ ٱلشَّيْطَٰنِ ۖ إِنَّ كَيْدَ ٱلشَّيْطَٰنِ كَانَ ضَعِيفًا

Those who believe fight in the cause of Allah, and those who disbelieve fight in the cause of Taghut. So fight against the allies of Satan. Indeed, the plot of Satan has ever been weak.

﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ والَّذِينَ كَفَرُوا يُقاتِلُونَ في سَبِيلِ الطّاغُوتِ فَقاتِلُوا أوْلِياءَ الشَّيْطانِ إنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفًا﴾ . لَمّا أمَرَ تَعالى المُؤْمِنِينَ أوَّلًا بِالنَّفْرِ إلى الجِهادِ ثُمَّ ثانِيًا بِقَوْلِهِ: ﴿فَلْيُقاتِلْ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٧٤] ثُمَّ ثالِثًا عَلى طَرِيقِ الحَثِّ والحَضِّ بِقَوْلِهِ: ﴿وما لَكم لا تُقاتِلُونَ﴾ [النساء: ٧٥] أخْبَرَ في هَذِهِ الآيَةِ بِالتَّقْسِيمِ أنَّ المُؤْمِنَ هو الَّذِي يُقاتِلُ في سَبِيلِ اللَّهِ، وأنَّ الكافِرَ هو الَّذِي يُقاتِلُ في سَبِيلِ الطّاغُوتِ، لِيُبَيِّنَ لِلْمُؤْمِنِينَ فَرْقَ ما بَيْنَهم وبَيْنَ الكُفّارِ، ويُقَوِّيَهم بِذَلِكَ ويُشَجِّعَهم ويُحَرِّضَهم. وإنَّ مَن قاتَلَ في سَبِيلِ اللَّهِ هو الَّذِي يَغْلِبُ؛ لِأنَّ اللَّهَ هو ولِيُّهُ وناصِرُهُ. ومَن قاتَلَ في سَبِيلِ اللَّهِ الطّاغُوتِ فَهو المَخْذُولُ المَغْلُوبُ. والطّاغُوتُ هُنا الشَّيْطانُ؛ لِقَوْلِهِ: فَقاتِلُوا أوْلِياءَ الشَّيْطانِ. وهُنا مَحْذُوفٌ، التَّقْدِيرُ: فَقاتِلُوا أوْلِياءَ الشَّيْطانِ فَإنَّكم لِقُوَّتِكم بِاللَّهِ، ثُمَّ عَلَّلَ هَذا المَحْذُوفَ، وهو غَلَبَتُكم إيّاهم بِأنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ ضَعِيفٌ؛ فَلا يُقاوِمُ نَصْرَ اللَّهِ وتَأْيِيدَهُ؛ وشَتّانَ بَيْنِ عَزْمٍ يَرْجِعُ إلى إيمانٍ بِاللَّهِ وبِما وعَدَ عَلى الجِهادِ، وعَزْمٍ يَرْجِعُ إلى غُرُورٍ وأمانٍ كاذِبَةٍ. ودَخَلَتْ كانَ في قَوْلِهِ: ﴿كانَ ضَعِيفًا﴾ إشْعارًا بِأنَّ هَذا الوَصْفَ سابِقٌ لِكَيْدِ الشَّيْطانِ، وأنَّهُ لَمْ يَزَلْ ضَعِيفًا. وقِيلَ هي بِمَعْنى أيْ صارَ ضَعِيفًا بِالإسْلامِ. وقَوْلُ مِن زَعَمَ: أنَّها زائِدَةٌ؛ لَيْسَ بِشَيْءٍ. وقالَ الحَسَنُ: أخْبَرَهم أنَّهم سَيَظْهَرُونَ عَلَيْهِمْ؛ فَلِذَلِكَ كانَ ضَعِيفًا.

77

أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوٓا۟ أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُوا۟ ٱلزَّكَوٰةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ ٱلْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌۭ مِّنْهُمْ يَخْشَوْنَ ٱلنَّاسَ كَخَشْيَةِ ٱللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةًۭ ۚ وَقَالُوا۟ رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا ٱلْقِتَالَ لَوْلَآ أَخَّرْتَنَآ إِلَىٰٓ أَجَلٍۢ قَرِيبٍۢ ۗ قُلْ مَتَٰعُ ٱلدُّنْيَا قَلِيلٌۭ وَٱلْءَاخِرَةُ خَيْرٌۭ لِّمَنِ ٱتَّقَىٰ وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا

Have you not seen those who were told, "Restrain your hands [from fighting] and establish prayer and give zakah"? But then when fighting was ordained for them, at once a party of them feared men as they fear Allah or with [even] greater fear. They said, "Our Lord, why have You decreed upon us fighting? If only You had postponed [it for] us for a short time." Say, The enjoyment of this world is little, and the Hereafter is better for he who fears Allah. And injustice will not be done to you, [even] as much as a thread [inside a date seed]."

﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ قِيلَ لَهم كُفُّوا أيْدِيَكم وأقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ فَلَمّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ القِتالُ إذا فَرِيقٌ مِنهم يَخْشَوْنَ النّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أوْ أشَدَّ خَشْيَةً﴾ خَرَّجَ النَّسائِيُّ في سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: «أنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ وأصْحابًا لَهُ أتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِمَكَّةَ فَقالُوا: يا نَبِيَّ اللَّهِ كُنّا في عِزٍّ، ونَحْنُ مُشْرِكُونَ؛ فَلَمّا آمَنّا صِرْنا أذِلَّةً. فَقالَ: إنِّي أُمِرْتُ بِالعَفْوِ فَلا تُقاتِلُوا القَوْمَ؛ فَلَمّا حَوَّلَهُ اللَّهُ تَعالى إلى المَدِينَةِ أمَرَهُ بِالقِتالِ فَكَفُّوا، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ» . ونَحْوُ هَذا رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ والسُّدِّيِّ، ومُقاتِلٍ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا: نَزَلَتْ واصِفَةً أحْوالَ قَوْمٍ كانُوا في الزَّمَنِ المُتَقَدِّمِ. قالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: كَأنَّهُ يُومِئُ إلى قِصَّةِ الَّذِينَ قالُوا: ﴿ابْعَثْ لَنا مَلِكًا﴾ [البقرة: ٢٤٦] .

وقالَ مُجاهِدٌ: نَزَلَتْ في اليَهُودِ. وقالَ الحَسَنُ: في المُؤْمِنِينَ لِقَوْلِهِ: يَخْشَوْنَ النّاسَ؛ أيْ مُشْرِكِي مَكَّةَ. والخَشْيَةُ هي ما طُبِعَ عَلَيْهِ البَشَرُ مِنَ المَخافَةِ، لا عَلى المُخالَفَةِ. ونَحْوُ ما قالَ الحَسَنُ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: قالَ كَعَّ فَرِيقٌ مِنهم لا شَكًّا في الدِّينِ ولا رَغْبَةً عَنْهُ؛ ولَكِنْ نُفُورًا عَنِ الأخْطارِ بِالأرْواحِ، وخَوْفًا مِنَ المَوْتِ. وقالَ قَوْمٌ: كانَ كَثِيرٌ مِنَ العَرَبِ اسْتَحْسَنُوا الدُّخُولَ في الدِّينِ عَلى فَرائِضِهِ الَّتِي قَبْلَ القِتالِ مِنَ الصَّلاةِ والزَّكاةِ، ونَحْوِها والمُوادَعَةِ، فَلَمّا نَزَلَ القِتالُ شَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، وجَزِعُوا لَهُ فَنَزَلَتْ.

ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها ظاهِرَةٌ؛ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ بِالقِتالِ حِينَ طَلَبُوهُ وجَبَ امْتِثالُ أمْرِ اللَّهِ؛ فَلَمّا كَعَّ عَنْهُ بَعْضُهم قالَ تَعالى: ألا تَعْجَبُ يا مُحَمَّدُ مِن ناسٍ طَلَبُوا القِتالَ فَأُمِرُوا بِالمُوادَعَةِ؛ فَلَمّا كُتِبَ عَلَيْهِمْ فَرِقَ فَرِيقٌ وجَزِعَ. ومَعْنى ﴿كُفُّوا أيْدِيَكُمْ﴾؛ أيْ عَنِ القِتالِ، يَدُلُّ عَلَيْهِ: فَلَمّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ القِتالُ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: لا يُقالُ (كُفُّوا) إلّا لِلرّاغِبِينَ فِيهِ، وهُمُ المُؤْمِنُونَ. وقِيلَ يُرِيدُ المُنافِقِينَ. وإنَّما قالَ: كُفُّوا؛ لِأنَّهم كانُوا يُظْهِرُونَ الرَّغْبَةَ فِيهِ، انْتَهى.

وقالَ أيْضًا: ودَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ إيجابَ الصَّلاةِ والزَّكاةِ كانَ مُقَدَّمًا عَلى إيجابِ الجِهادِ، وهَذا التَّرْتِيبُ هو المُطابِقُ لِما في العُقُولِ؛ لِأنَّ الصَّلاةَ عِبارَةٌ عَنِ التَّعْظِيمِ لِأمْرِ اللَّهِ، والزَّكاةُ عِبارَةٌ عَنِ الشَّفَقَةِ عَلى خَلْقِ اللَّهِ. ولا شَكَّ أنَّهُما مُتَقَدِّمانِ عَلى الجِهادِ. والفَرِيقُ إمّا مُنافِقُونَ، وإمّا مُؤْمِنُونَ، أوْ ناسٌ في الزَّمانِ المُتَقَدِّمِ، أوْ أسْلَمُوا قَبْلَ فَرْضِ القِتالِ حَسَبَ اخْتِلافِ سَبَبِ النُّزُولِ. والنّاسُ هُنا أهْلُ مَكَّةَ قالَهُ الجُمْهُورُ، أوْ كُفّارُ أهْلِ الكِتابِ، ومُشْرِكُو العَرَبِ.

و(لَمّا) حَرْفُ وُجُوبٍ لِوُجُوبٍ عَلى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ، وظَرْفُ زَمانٍ بِمَعْنى حِينَ عَلى مَذْهَبِ أبِي عَلِيٍّ. وإذا كانَتْ حَرْفًا، وهو الصَّحِيحُ فَجَوابُهُ إذا الفُجائِيَّةُ، وإذا كانَتْ ظَرْفًا فَيَحْتاجُ إلى عامِلٍ فِيها فَيَعْسُرُ؛ لِأنَّهُ لا يُمْكِنُ أنْ يَعْمَلَ ما بَعْدَ إذا الفُجائِيَّةِ فِيما قَبْلَها، ولا يُمْكِنُ أنْ يَعْمَلَ في لَمّا الفِعْلُ الَّذِي يَلِيها؛ لِأنَّ لَمّا هي مُضافَةٌ إلى الجُمْلَةِ بَعْدَها. فَقالَ …

78

أَيْنَمَا تَكُونُوا۟ يُدْرِككُّمُ ٱلْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِى بُرُوجٍۢ مُّشَيَّدَةٍۢ ۗ وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌۭ يَقُولُوا۟ هَٰذِهِۦ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ ۖ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌۭ يَقُولُوا۟ هَٰذِهِۦ مِنْ عِندِكَ ۚ قُلْ كُلٌّۭ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ ۖ فَمَالِ هَٰٓؤُلَآءِ ٱلْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًۭا

Wherever you may be, death will overtake you, even if you should be within towers of lofty construction. But if good comes to them, they say, "This is from Allah "; and if evil befalls them, they say, "This is from you." Say, "All [things] are from Allah." So what is [the matter] with those people that they can hardly understand any statement?

﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ قِيلَ لَهم كُفُّوا أيْدِيَكم وأقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ فَلَمّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ القِتالُ إذا فَرِيقٌ مِنهم يَخْشَوْنَ النّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أوْ أشَدَّ خَشْيَةً﴾ خَرَّجَ النَّسائِيُّ في سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: «أنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ وأصْحابًا لَهُ أتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِمَكَّةَ فَقالُوا: يا نَبِيَّ اللَّهِ كُنّا في عِزٍّ، ونَحْنُ مُشْرِكُونَ؛ فَلَمّا آمَنّا صِرْنا أذِلَّةً. فَقالَ: إنِّي أُمِرْتُ بِالعَفْوِ فَلا تُقاتِلُوا القَوْمَ؛ فَلَمّا حَوَّلَهُ اللَّهُ تَعالى إلى المَدِينَةِ أمَرَهُ بِالقِتالِ فَكَفُّوا، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ» . ونَحْوُ هَذا رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ والسُّدِّيِّ، ومُقاتِلٍ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا: نَزَلَتْ واصِفَةً أحْوالَ قَوْمٍ كانُوا في الزَّمَنِ المُتَقَدِّمِ. قالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: كَأنَّهُ يُومِئُ إلى قِصَّةِ الَّذِينَ قالُوا: ﴿ابْعَثْ لَنا مَلِكًا﴾ [البقرة: ٢٤٦] .

وقالَ مُجاهِدٌ: نَزَلَتْ في اليَهُودِ. وقالَ الحَسَنُ: في المُؤْمِنِينَ لِقَوْلِهِ: يَخْشَوْنَ النّاسَ؛ أيْ مُشْرِكِي مَكَّةَ. والخَشْيَةُ هي ما طُبِعَ عَلَيْهِ البَشَرُ مِنَ المَخافَةِ، لا عَلى المُخالَفَةِ. ونَحْوُ ما قالَ الحَسَنُ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: قالَ كَعَّ فَرِيقٌ مِنهم لا شَكًّا في الدِّينِ ولا رَغْبَةً عَنْهُ؛ ولَكِنْ نُفُورًا عَنِ الأخْطارِ بِالأرْواحِ، وخَوْفًا مِنَ المَوْتِ. وقالَ قَوْمٌ: كانَ كَثِيرٌ مِنَ العَرَبِ اسْتَحْسَنُوا الدُّخُولَ في الدِّينِ عَلى فَرائِضِهِ الَّتِي قَبْلَ القِتالِ مِنَ الصَّلاةِ والزَّكاةِ، ونَحْوِها والمُوادَعَةِ، فَلَمّا نَزَلَ القِتالُ شَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، وجَزِعُوا لَهُ فَنَزَلَتْ.

ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها ظاهِرَةٌ؛ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ بِالقِتالِ حِينَ طَلَبُوهُ وجَبَ امْتِثالُ أمْرِ اللَّهِ؛ فَلَمّا كَعَّ عَنْهُ بَعْضُهم قالَ تَعالى: ألا تَعْجَبُ يا مُحَمَّدُ مِن ناسٍ طَلَبُوا القِتالَ فَأُمِرُوا بِالمُوادَعَةِ؛ فَلَمّا كُتِبَ عَلَيْهِمْ فَرِقَ فَرِيقٌ وجَزِعَ. ومَعْنى ﴿كُفُّوا أيْدِيَكُمْ﴾؛ أيْ عَنِ القِتالِ، يَدُلُّ عَلَيْهِ: فَلَمّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ القِتالُ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: لا يُقالُ (كُفُّوا) إلّا لِلرّاغِبِينَ فِيهِ، وهُمُ المُؤْمِنُونَ. وقِيلَ يُرِيدُ المُنافِقِينَ. وإنَّما قالَ: كُفُّوا؛ لِأنَّهم كانُوا يُظْهِرُونَ الرَّغْبَةَ فِيهِ، انْتَهى.

وقالَ أيْضًا: ودَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ إيجابَ الصَّلاةِ والزَّكاةِ كانَ مُقَدَّمًا عَلى إيجابِ الجِهادِ، وهَذا التَّرْتِيبُ هو المُطابِقُ لِما في العُقُولِ؛ لِأنَّ الصَّلاةَ عِبارَةٌ عَنِ التَّعْظِيمِ لِأمْرِ اللَّهِ، والزَّكاةُ عِبارَةٌ عَنِ الشَّفَقَةِ عَلى خَلْقِ اللَّهِ. ولا شَكَّ أنَّهُما مُتَقَدِّمانِ عَلى الجِهادِ. والفَرِيقُ إمّا مُنافِقُونَ، وإمّا مُؤْمِنُونَ، أوْ ناسٌ في الزَّمانِ المُتَقَدِّمِ، أوْ أسْلَمُوا قَبْلَ فَرْضِ القِتالِ حَسَبَ اخْتِلافِ سَبَبِ النُّزُولِ. والنّاسُ هُنا أهْلُ مَكَّةَ قالَهُ الجُمْهُورُ، أوْ كُفّارُ أهْلِ الكِتابِ، ومُشْرِكُو العَرَبِ.

و(لَمّا) حَرْفُ وُجُوبٍ لِوُجُوبٍ عَلى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ، وظَرْفُ زَمانٍ بِمَعْنى حِينَ عَلى مَذْهَبِ أبِي عَلِيٍّ. وإذا كانَتْ حَرْفًا، وهو الصَّحِيحُ فَجَوابُهُ إذا الفُجائِيَّةُ، وإذا كانَتْ ظَرْفًا فَيَحْتاجُ إلى عامِلٍ فِيها فَيَعْسُرُ؛ لِأنَّهُ لا يُمْكِنُ أنْ يَعْمَلَ ما بَعْدَ إذا الفُجائِيَّةِ فِيما قَبْلَها، ولا يُمْكِنُ أنْ يَعْمَلَ في لَمّا الفِعْلُ الَّذِي يَلِيها؛ لِأنَّ لَمّا هي مُضافَةٌ إلى الجُمْلَةِ بَعْدَها. فَقالَ …

79

مَّآ أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍۢ فَمِنَ ٱللَّهِ ۖ وَمَآ أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍۢ فَمِن نَّفْسِكَ ۚ وَأَرْسَلْنَٰكَ لِلنَّاسِ رَسُولًۭا ۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيدًۭا

What comes to you of good is from Allah, but what comes to you of evil, [O man], is from yourself. And We have sent you, [O Muhammad], to the people as a messenger, and sufficient is Allah as Witness.

﴿وإنْ تُصِبْهم حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِن عِنْدِكَ﴾ [النساء: ٧٨] قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الضَّمِيرُ لِلْمُنافِقِينَ واليَهُودِ، وقالَ الحَسَنُ: لِلْمُنافِقِينَ، وقالَ السُّدِّيُّ: لِلْيَهُودِ. والظّاهِرُ أنَّهُ لِلْمُنافِقِينَ لِأنَّ مِثْلَ هَذا لا يَصْدُرُ مِن مُؤْمِنٍ، واليَهُودُ لَمْ يَكُونُوا في طاعَةِ الإسْلامِ حَتّى يُكْتَبَ عَلَيْهِمُ القِتالُ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ الحَسَنَةَ هُنا هي السَّلامَةُ والأمْنُ، والسَّيِّئَةُ الأمْراضُ والخَوْفُ. وعَنْهُ أيْضًا: الحَسَنَةُ الخِصْبُ والرَّخاءُ، والسَّيِّئَةُ الجَدْبُ والغَلاءُ. وعَنْهُ أيْضًا: الحَسَنَةُ السَّرّاءُ، والسَّيِّئَةُ الضَّرّاءُ. وقالَ الحَسَنُ وابْنُ زَيْدٍ: الحَسَنَةُ النِّعْمَةُ والفَتْحُ والغَنِيمَةُ يَوْمَ بَدْرٍ، والسَّيِّئَةُ البَلِيَّةُ والشِّدَّةُ والقَتْلُ يَوْمَ أُحُدٍ. وقِيلَ: الحَسَنَةُ الغِنى، والسَّيِّئَةُ الفَقْرُ.

والمَعْنى: أنَّ هَؤُلاءِ المُنافِقِينَ إذا أصابَتْهم حَسَنَةٌ نَسَبُوها إلى اللَّهِ تَعالى، وأنَّها لَيْسَتْ بِاتِّباعِ الرَّسُولِ، ولا الإيمانِ بِهِ، وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ أضافُوها إلى الرَّسُولِ وقالُوا: هي بِسَبَبِهِ، كَما جاءَ في قَوْمِ مُوسى: ﴿وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى ومَن مَعَهُ﴾ [الأعراف: ١٣١] وفي قَوْمِ صالِحٍ: ﴿قالُوا اطَّيَّرْنا بِكَ وبِمَن مَعَكَ﴾ [النمل: ٤٧] . ورَوى جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمّا قَدِمَ المَدِينَةَ قالَ اليَهُودُ والمُنافِقُونَ: ما زِلْنا نَعْرِفُ النَّقْصَ في ثِمارِنا ومَزارِعِنا مُذْ قَدِمَ عَلَيْنا هَذا الرَّجُلُ وأصْحابُهُ.

﴿قُلْ كُلٌّ مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٧٨] أمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ أنْ يُخْبِرَهم أنَّ كُلًّا مِنَ الحَسَنَةِ والسَّيِّئَةِ إنَّما هو مِن عِنْدِ اللَّهِ، لا خالِقَ ولا مُخْتَرِعَ سِواهُ، فَلَيْسَ الأمْرُ كَما زَعَمْتُمْ؛ فاللَّهُ تَعالى وحْدَهُ هو النّافِعُ الضّارُّ، وعَنْ إرادَتِهِ تَصْدُرُ جَمِيعُ الكائِناتِ.

﴿فَمالِ هَؤُلاءِ القَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٧٨] هَذا اسْتِفْهامٌ مَعْناهُ التَّعَجُّبُ مِن هَذِهِ المَقالَةِ، وكَيْفَ يُنْسَبُ ما هو مِن عِنْدِ اللَّهِ لِغَيْرِ اللَّهِ ؟ أيْ أنَّ هَؤُلاءِ كانُوا يَنْبَغِي لَهم أنْ يَكُونُوا مِمَّنْ يَتَفَهَّمُ الأشْياءَ، ويَتَوَقَّفُونَ عَمّا يُرِيدُونَ أنْ يَقُولُوا حَتّى يَعْرِضُوهُ عَلى عُقُولِهِمْ. وبالَغَ تَعالى في قِلَّةِ فَهْمِهِمْ وتَعَلُّقِهِمْ؛ حَتّى نَفى مُقارَبَةَ الفِقْهِ، ونَفْيُ المُقارَبَةِ أبْلَغُ مِن نَفْيِ الفِعْلِ. وهَذا النَّوْعُ مِنَ الِاسْتِفْهامِ يَتَضَمَّنُ إنْكارَ ما اسْتُفْهِمَ عَنْ عِلَّتِهِ، وأنَّهُ يَنْبَغِي أنْ يُوجَدَ مُقابِلُهُ. فَإذا قِيلَ: ما لَكَ قائِمًا، فَهو إنْكارٌ لِلْقِيامِ، ومُتَضَمِّنٌ أنْ يُوجَدَ مُقابِلُهُ. وإذا قِيلَ: ما لَكَ لا تَقُومُ، فَهو إنْكارٌ لِتَرْكِ القِيامِ، ومُتَضَمِّنٌ أنْ يُوجَدَ مُقابِلُهُ. قِيلَ في قَوْلِهِ: حَدِيثًا، أيِ القُرْآنُ لَوْ تَدَبَّرُوهُ لَبَصَّرَهم في الدِّينِ، وأوْرَثَهُمُ اليَقِينَ. وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: لامَهم عَلى تَرْكِ التَّفَقُّهِ فِيما أعْلَمَهم بِهِ وأدَّبَهم في كِتابِهِ. ووَقَفَ أبُو عَمْرٍو والكِسائِيُّ عَلى قَوْلِهِ: (فَما)، ووَقَفَ الباقُونَ عَلى اللّامِ في قَوْلِهِ: (فَمالِ) اتِّباعًا لِلْخَطِّ. ولا يَنْبَغِي تَعَمُّدُ ذَلِكَ؛ لِأنَّ الوَقْفَ عَلى (فَما) فِيهِ قَطْعٌ عَنِ الخَبَرِ، وعَلى اللّامِ فِيهِ قَطْعٌ عَنِ المَجْرُورِ دُونَ حَرْفِ الجَرِّ؛ وإنَّما يَكُونُ ذَلِكَ لِضَرُورَةِ انْقِطاعِ النَّفَسِ.

﴿ما أصابَكَ مِن حَسَنَةٍ …

80

مَّن يُطِعِ ٱلرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ ٱللَّهَ ۖ وَمَن تَوَلَّىٰ فَمَآ أَرْسَلْنَٰكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًۭا

He who obeys the Messenger has obeyed Allah; but those who turn away - We have not sent you over them as a guardian.

﴿مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أطاعَ اللَّهَ ومَن تَوَلّى فَما أرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ ﴿ويَقُولُونَ طاعَةٌ فَإذا بَرَزُوا مِن عِنْدِكَ بَيَّتَ طائِفَةٌ مِنهم غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ واللَّهُ يَكْتُبُ ما يُبَيِّتُونَ فَأعْرِضْ عَنْهم وتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ وكَفى بِاللَّهِ وكِيلًا﴾ ﴿أفَلا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ ولَوْ كانَ مِن عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ ﴿وإذا جاءَهم أمْرٌ مِنَ الأمْنِ أوِ الخَوْفِ أذاعُوا بِهِ ولَوْ رَدُّوهُ إلى الرَّسُولِ وإلى أُولِي الأمْرِ مِنهم لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنهم ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ إلّا قَلِيلًا﴾ [النساء: ٨٣] ﴿فَقاتِلْ في سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إلّا نَفْسَكَ وحَرِّضِ المُؤْمِنِينَ عَسى اللَّهُ أنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا واللَّهُ أشَدُّ بَأْسًا وأشَدُّ تَنْكِيلًا﴾ [النساء: ٨٤] ﴿مَن يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنها ومَن يَشْفَعْ شَفاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنها وكانَ اللَّهُ عَلى كُلِ شَيْءٍ مُقِيتًا﴾ [النساء: ٨٥] ﴿وإذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأحْسَنَ مِنها أوْ رُدُّوها إنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِ شَيْءٍ حَسِيبًا﴾ [النساء: ٨٦] التَّبْيِيتُ قالَ الأصْمَعِيُّ، وأبُو عُبَيْدَةَ، وأبُو العَبّاسِ: كُلُّ أمْرٍ قُضِيَ بِلَيْلٍ قِيلَ قَدْ بُيِّتَ. وقالَ الزَّجّاجُ: كُلُّ أمْرٍ مُكِرَ فِيهِ أوْ خِيضَ بِلَيْلٍ فَقَدْ بُيِّتَ. وقالَ الشّاعِرُ:

؎أتَوْنِي فَلَمْ أرْضَ ما بَيَّتُوا وكانُوا أتَوْنِي بِأمْرٍ نُكُرْ

وقالَ الأخْفَشُ: العَرَبُ تَقُولُ لِلشَّيْءِ إذا قُدِّرَ: بُيِّتَ. وقالَ أبُو رَزِينٍ: بُيِّتَ أُلِّفَ. وقِيلَ هُيِّئَ وزُوِّرَ، وقِيلَ قُصِدَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:

؎لَمّا تَبَيَّتْنا أخا تَمِيمٍ ∗∗∗ أعْطى عَطاءَ اللَّحِزِ اللَّئِيمِ

أيْ: قَصَدْنا. وقِيلَ التَّبْيِيتُ التَّبْدِيلُ بِلُغَةِ طَيِّئٍ، قالَ شاعِرُهم:

؎وتَبْيِيتُ قَوْلِي عِنْدَ المَلِيكِ ∗∗∗ قاتَلَكَ اللَّهُ عَبْدًا كَفُورًا

التَّدَبُّرُ: تَأمُّلُ الأمْرِ والنَّظَرُ في أدْبارِهِ، وما يَئُولُ إلَيْهِ في عاقِبَتِهِ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ في كُلِّ تَأمُّلٍ. والدَّبَرُ: المالُ الكَثِيرُ، سُمِّيَ بِذَلِكَ؛ لِأنَّهُ يَبْقى لِلْأعْقابِ ولِلْأدْبارِ، قالَهُ الزَّجّاجُ وغَيْرُهُ.

الإذاعَةُ: إظْهارُ الشَّيْءِ، وإفْشاؤُهُ يُقالُ: ذاعَ يَذِيعُ وأذاعَ، ويَتَعَدّى بِنَفْسِهِ وبِالباءِ؛ فَيَكُونُ إذْ ذاكَ أذاعَ في مَعْنى الفِعْلِ المُجَرَّدِ. قالَ أبُو الأسْوَدِ:

؎أذاعُوا بِهِ في النّاسِ حَتّى كَأنَّهُ ∗∗∗ بِعَلْياءِ نارٍ أُوقِدَتْ بِثُقُوبِ

الِاسْتِنْباطُ: الِاسْتِخْراجُ والنَّبَطُ الماءُ يَخْرُجُ مِنَ البِئْرِ أوَّلَ ما تُحْفَرُ، والإنْباطُ والِاسْتِنْباطُ إخْراجُهُ. وقالَ الشّاعِرُ:

؎نَعَمْ صادِقًا والفاعِلُ القائِلُ الَّذِي ∗∗∗ إذا قالَ قَوْلًا أنْبَطَ الماءَ في الثَّرى

وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: يُقالُ لِلرَّجُلِ إذا كانَ بَعِيدَ العِزِّ والمَنَعَةِ ما يَجِدُ عَدُوُّهُ لَهُ: نَبَطًا. قالَ كَعْبٌ:

؎قَرِيبٌ تَراهُ لا يَنالُ عَدُوُّهُ ∗∗∗ لَهُ نَبَطًا آبى الهَوانَ قُطُوبُ

والنَّبَطُ الَّذِينَ يَسْتَخْرِجُونَ المِياهَ والنَّباتَ مِنَ الأرْضِ. وقالَ الفَرّاءُ: نَبَطَ مِثْلَ اسْتَنْبَطَ، ونَبَطَ الماءُ يَنْبُطُ بِضَمِّ الباءِ وفَتْحِها. التَّحْرِيضُ: الحَثُّ. التَّنْكِيلُ: الأخْذُ بِأنْواعِ العَذابِ وتَرْدِيدُهُ عَلى المُعَذَّبِ، وكَأنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنَ النِّكْلِ وهو: القَيْدُ. الكِفْلُ: النَّصِيبُ والنَّصِيبُ في الخَيْرِ أكْثَرُ اسْتِعْمالًا. والكِفْلُ في الشَّرِّ أكْثَرُ مِنهُ في الخَيْرِ. …

Commentary: Al-Bahr al-Muhit by Abu Hayyan al-Gharnati. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.