Muslim99Muslim99
← Tafsir library

4. An-Nisaa

The Women · Medinan · 176 ayahs

سُورَةُ النِّسَاءِ

Reading Tafsir Ibn 'Uthaymin by Muhammad ibn Salih al-'Uthaymin

Ayahs 71–80 of 176

71

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ خُذُوا۟ حِذْرَكُمْ فَٱنفِرُوا۟ ثُبَاتٍ أَوِ ٱنفِرُوا۟ جَمِيعًۭا

O you who have believed, take your precaution and [either] go forth in companies or go forth all together.

ثم قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ [النساء ٧١] الخطاب هنا موجه للمؤمنين، وإذا صدر الله سبحانه وتعالى الخطاب بياء النداء دل هذا على الاهتمام به وأنه جدير بأن ينبه المخاطب له، فينادى حتى ينتبه.

ثم إن هذا الخطاب موجه إلى المؤمنين ليدل على أن القيام به من مقتضى الإيمان، وأن مخالفته من نواقص الإيمان، وقد تكون من نواقض الإيمان حسب ما أُمر به، قال ابن مسعود رضي الله عنه فيما نقل عنه واشتهر: «إِذَا سَمِعْتَ اللهَ يَقُولُ: » ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ «فَأَرْعِهَا سَمْعَك -يعني استمع لها جيدًا- فَإِمَّا خَيْرٌ تُؤْمَرُ بِهِ وَإِمَّا شَرٌّ تُنْهَى عَنْهُ»أخرجه سعيد بن منصور في التفسير (٥٠)، والبيهقي في شعب الإيمان (١٨٨٦) من حديث عبد الله بن مسعود.، وصدق رحمه الله، إما خير نؤمر به، وإما شر ننهى عنه، وإما خبر نحذر منه، مثل قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة ٣٤] هذه ما فيها أمر ولا نهي، لكن فيها التحذير من طريقة هؤلاء الأحبار والرهبان الذين يصدون عن سبيل الله ويأكلون أموال الناس.

وقوله: ﴿خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ [النساء ٧١] الحِذر يعني التخوف ممن؟

* طلبة: من أعدائنا.

* الشيخ: هو في الأصل من أعدائنا الكفار، ولا عدو للمؤمن إلا الكافر ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة ٩٨]، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ [الممتحنة ١] فلا عدو حقيقة للمؤمن إلا الكافر، والكافر طبقات، الكافر المصرح بالكفر أهون من الكافر المخفِي للكفر، وهو المنافق، ولهذا قال الله تعالى في سورة المنافقين، التي أنزلها كاملة في المنافقين؛ قال: ﴿هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ﴾ [المنافقون ٤]، وكثير منكم يعرف كلمة ﴿هُمُ الْعَدُوُّ﴾ أنها جملة تفيد الحصر لتعريف طرفيها ﴿هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ﴾، كأنه لا عدو للمسلمين إلا المنافق؛ لأن عداوته -والعياذ بالله- لا يمكن أن يطلع عليها، ولا يمكن التحرز منها.

إذن خذوا حذركم من أعدائكم من المنافقين، ومن الكافرين المصرحين بالكفر، ومن الفاسقين الذين يغرونكم في الوقوع في المعاصي التي دون الكفر، ومن كل أحد يصدكم عن دين الله، خذوا حذركم.

نأخذ الحِذر من غزو هؤلاء لنا، سواء كان بالسلاح، أو كان بالفكر، أو كان بالخلق، ومعلوم الآن أن أعداء المسلمين يغزون المسلمين بكل سلاح، وينظرون السلاح المناسب للأمة فيغزونها به، إذا كان من المناسب للأمة أن يغزوها بالسلاح فعلوا وقاتلوا وهاجموا، إذا كان من غير الممكن نظروا هل يغزونا بالأفكار؛ يأتون بأفكار منحرفة إلحادية، إذا أمكنهم ذلك فعلوا، إذا لم يمكن بأن كانت الأمة على جانب كبير من الوعي والتوحيد والارتباط بالله عز وجل قالوا: إذن نغزو بطريق ثالث، وهو الخلق، فسلطوا عليها كل ما يفسد أخلاقها من المجلات والإذاعات وغير ذلك.

ولهذا الآن انظر ماذا فعلوا بالناس بواسطة المحطات الأفقية التي تُلتَقط عن طريق الدشوش.

* طالب: الأقمار الصناعية.

* الشيخ: يقول: عن طريق الأقمار، الأقمار مرسِلة والدش مسقبِل.

هذه الأشياء التي يبثونها لا شك أنها كما سمعنا، ولم نشاهد والحمد لله، لكن كما سمعنا أن فيها شرًّا عظيمًا، وهم يجعلون فيها أشياء مفيدة لأنهم يعلمون أنها لو كانت مُفسدة مئة في المئة ما قبلها الناس إلا من زاغ قلبه والعياذ بالله، لكن يجعلون فيها أشياء مفيدة من أجل أن يضعوا الحب للصيد.

فأقول: هذا الغزو الآن غزو خُلقي، وربما يكون فيه غزو فكري، وأنا أسمع أحيانًا إذاعة عالية صافية من أحسن ما يكون من إذاعات العالم اللي نسمع وتبث …

72

وَإِنَّ مِنكُمْ لَمَن لَّيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَٰبَتْكُم مُّصِيبَةٌۭ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَىَّ إِذْ لَمْ أَكُن مَّعَهُمْ شَهِيدًۭا

And indeed, there is among you he who lingers behind; and if disaster strikes you, he says, "Allah has favored me in that I was not present with them."

ثم قال: ﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا﴾ [النساء ٧٢]. في هذه الآية لامان: اللام الأولى (لمَن) والثانية (لَيبطئن) فهل هما لام الابتداء؟

الجواب: أما الأولى فهي لام الابتداء؛ لأنها وقعت في اسم (إن) المؤخر، وتفيد التوكيد، أما اللام الثاني فهي موطئة للقسم، فقوله: ﴿لَيُبَطِّئَنَّ﴾ واقعة في جواب القسم، والتقدير: وإن منكم لمن والله ليبطئن، فاللام هنا واقعة في جواب القسم.

وقوله: ﴿فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ﴾ الجملة الشرطية، والشرط فيها وجوابه فعل ماض، فهل نقول: إنه مجزوم أو نقول: إنه مبني في محل الجزم؟ الثاني؛ لأن الفعل الماضي مبني، وفعل الشرط ﴿أَصَابَتْكُمْ﴾، وجوابه: ﴿قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ﴾.

وقوله: ﴿إِذْ لَمْ أَكُنْ﴾ (إذ) هنا للتعليل وليست ظرفًا، بل هي للتعليل، يعني حيث لم أكن معهم شهيدًا.

أما معنى الآية: يقول الله عز وجل: ﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ﴾ و(من) هذه للتبعيض، يعني إن بعضكم ﴿لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ﴾ يعني: للذي يبطئن، ومعنى (يبطئ) أي يدعو إلى التباطؤ، سواء دعا غيره أو دعا نفسه، فيكون قوله: ﴿لَيُبَطِّئَنَّ﴾ شاملًا لمن يخذل غيره عن النفور للقتال، ومن يخذل نفسه ويتهاون حتى يفوت الأوان، هذا الذي بطأ يتأخر ولا يخرج للقتال، نتيجة القتال إما أن تكون الغنيمة والغلبة والنصرة وإما أن تكون العكس، فهو إذا أصابتكم مصيبة يعني أصابكم خذلان وهزيمة قال: ﴿قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا﴾، فيتضمن كلامه هذا الافتخار والاحتقار؛ افتخار بنفسه أنه لم يشهد هذه المصيبة، واحتقار لمن أصيبوا بهذه المصيبة، وهذا غاية ما يكون من التباعد، هذا الذي يقول وهو منهم يقول هذا الكلام كأن لم يكن بينه وبينهم مودة، كأنه من أبعد الناس عنهم حين افتخر بأن نجا من المصيبة التي أصابتهم، واحتقر هؤلاء الذين أصيبوا وصار كالموبخ لهم. ﴿وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ﴾، ﴿يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [النساء ٧٣]. ﴿وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ﴾ أي نصر وغنيمة ليقولن ﴿يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾، فيتمنى على الله الأماني بعد أن فاته الأمر.

وقوله: ﴿كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ﴾: ﴿كَأَنْ لَمْ تَكُنْ﴾ هذه فيها شاهد لقراءتنا في النحو قبل ليلتين، وهي تخفيف (كأن): ﴿كَأَنْ لَمْ تَكُنْ﴾، و(كأن) إذا خففت أظن قرأناها؟ وقفنا عليها؟ طيب إذن نتركها حتى نصل إليها.

جملة ﴿لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ﴾ في محل رفع خبر (كأن)، واسمهما ضمير الشأن محذوف.

وقوله: ﴿كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ﴾ المودة هي خالص الحب، يعني كأنه بعيد منكم ليس بينكم وبينه ارتباط، وهذه الجملة زعم أكثر المفسرين بأنها جملة تعود إلى الحال الأولى، وهي: إذا أصابتكم مصيبة، قال كأن لم تكن بينكم مودة قد أنعم الله علي، ولكن هذا ليس بصحيح، وسيأتي إن شاء الله بيان ذلك.

* * *

فيه جماعة جمعوا بين المغرب والعشاء من أجل المطر -يعني الحمد لله الأمطار عامة- وقصروا، جمعوا وقصروا وهم في البلد، صحيح هذا؟

* طالب: الجمع الصحيح.

* الشيخ: الجمع صحيح، والقصر غير صحيح، فقيل لهم: إن هذا لا يجوز، يجب أن تصلوا أربعة، فبلغهم إمامهم في اليوم الثاني وقال: صلوا ركعتين إتمامًا للركعتين السابقتين، فصلوا ركعتين إتمامًا للركعتين السابقتين، سبحان الله! يعني تعدي الناس في الفتوى شيء عجيب، فما الواجب عليهم الآن؟

* طلبة: إعادة الصلاة.

* الشيخ: أن يصلوا العشاء أربعًا، الواجب الآن أن يصلوا العشاء أربعًا نعم، وهذه واقعة، ما هي فرضية، واقعة فعلًا قبل البارحة.

* * *

* طالب: أعوذ بالله من الشيطان …

73

وَلَئِنْ أَصَٰبَكُمْ فَضْلٌۭ مِّنَ ٱللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَن لَّمْ تَكُنۢ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُۥ مَوَدَّةٌۭ يَٰلَيْتَنِى كُنتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًۭا

But if bounty comes to you from Allah, he will surely say, as if there had never been between you and him any affection. "Oh, I wish I had been with them so I could have attained a great attainment."

ثم قال: ﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا﴾ [النساء ٧٢]. في هذه الآية لامان: اللام الأولى (لمَن) والثانية (لَيبطئن) فهل هما لام الابتداء؟

الجواب: أما الأولى فهي لام الابتداء؛ لأنها وقعت في اسم (إن) المؤخر، وتفيد التوكيد، أما اللام الثاني فهي موطئة للقسم، فقوله: ﴿لَيُبَطِّئَنَّ﴾ واقعة في جواب القسم، والتقدير: وإن منكم لمن والله ليبطئن، فاللام هنا واقعة في جواب القسم.

وقوله: ﴿فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ﴾ الجملة الشرطية، والشرط فيها وجوابه فعل ماض، فهل نقول: إنه مجزوم أو نقول: إنه مبني في محل الجزم؟ الثاني؛ لأن الفعل الماضي مبني، وفعل الشرط ﴿أَصَابَتْكُمْ﴾، وجوابه: ﴿قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ﴾.

وقوله: ﴿إِذْ لَمْ أَكُنْ﴾ (إذ) هنا للتعليل وليست ظرفًا، بل هي للتعليل، يعني حيث لم أكن معهم شهيدًا.

أما معنى الآية: يقول الله عز وجل: ﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ﴾ و(من) هذه للتبعيض، يعني إن بعضكم ﴿لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ﴾ يعني: للذي يبطئن، ومعنى (يبطئ) أي يدعو إلى التباطؤ، سواء دعا غيره أو دعا نفسه، فيكون قوله: ﴿لَيُبَطِّئَنَّ﴾ شاملًا لمن يخذل غيره عن النفور للقتال، ومن يخذل نفسه ويتهاون حتى يفوت الأوان، هذا الذي بطأ يتأخر ولا يخرج للقتال، نتيجة القتال إما أن تكون الغنيمة والغلبة والنصرة وإما أن تكون العكس، فهو إذا أصابتكم مصيبة يعني أصابكم خذلان وهزيمة قال: ﴿قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا﴾، فيتضمن كلامه هذا الافتخار والاحتقار؛ افتخار بنفسه أنه لم يشهد هذه المصيبة، واحتقار لمن أصيبوا بهذه المصيبة، وهذا غاية ما يكون من التباعد، هذا الذي يقول وهو منهم يقول هذا الكلام كأن لم يكن بينه وبينهم مودة، كأنه من أبعد الناس عنهم حين افتخر بأن نجا من المصيبة التي أصابتهم، واحتقر هؤلاء الذين أصيبوا وصار كالموبخ لهم. ﴿وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ﴾، ﴿يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [النساء ٧٣]. ﴿وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ﴾ أي نصر وغنيمة ليقولن ﴿يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾، فيتمنى على الله الأماني بعد أن فاته الأمر.

وقوله: ﴿كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ﴾: ﴿كَأَنْ لَمْ تَكُنْ﴾ هذه فيها شاهد لقراءتنا في النحو قبل ليلتين، وهي تخفيف (كأن): ﴿كَأَنْ لَمْ تَكُنْ﴾، و(كأن) إذا خففت أظن قرأناها؟ وقفنا عليها؟ طيب إذن نتركها حتى نصل إليها.

جملة ﴿لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ﴾ في محل رفع خبر (كأن)، واسمهما ضمير الشأن محذوف.

وقوله: ﴿كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ﴾ المودة هي خالص الحب، يعني كأنه بعيد منكم ليس بينكم وبينه ارتباط، وهذه الجملة زعم أكثر المفسرين بأنها جملة تعود إلى الحال الأولى، وهي: إذا أصابتكم مصيبة، قال كأن لم تكن بينكم مودة قد أنعم الله علي، ولكن هذا ليس بصحيح، وسيأتي إن شاء الله بيان ذلك.

* * *

فيه جماعة جمعوا بين المغرب والعشاء من أجل المطر -يعني الحمد لله الأمطار عامة- وقصروا، جمعوا وقصروا وهم في البلد، صحيح هذا؟

* طالب: الجمع الصحيح.

* الشيخ: الجمع صحيح، والقصر غير صحيح، فقيل لهم: إن هذا لا يجوز، يجب أن تصلوا أربعة، فبلغهم إمامهم في اليوم الثاني وقال: صلوا ركعتين إتمامًا للركعتين السابقتين، فصلوا ركعتين إتمامًا للركعتين السابقتين، سبحان الله! يعني تعدي الناس في الفتوى شيء عجيب، فما الواجب عليهم الآن؟

* طلبة: إعادة الصلاة.

* الشيخ: أن يصلوا العشاء أربعًا، الواجب الآن أن يصلوا العشاء أربعًا نعم، وهذه واقعة، ما هي فرضية، واقعة فعلًا قبل البارحة.

* * *

* طالب: أعوذ بالله من الشيطان …

74

۞ فَلْيُقَٰتِلْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يَشْرُونَ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا بِٱلْءَاخِرَةِ ۚ وَمَن يُقَٰتِلْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًۭا

So let those fight in the cause of Allah who sell the life of this world for the Hereafter. And he who fights in the cause of Allah and is killed or achieves victory - We will bestow upon him a great reward.

ثم قال تعالى: ﴿فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ﴾ [النساء ٧٤] ﴿فَلْيُقَاتِلْ﴾ الفاء عاطفة وتدل على ارتباط ما بعدها بما قبلها، والارتباط واضح؛ لأن الذي قبلها فيه ذكر من لا يريد القتال في سبيل الله، أما هذه ففيها ذكر الصنف الآخر الذي يقاتل في سبيل الله.

واللام في قوله: ﴿فَلْيُقَاتِلْ﴾ لام الأمر، وسُكِّنت مع أنها مكسورة لوقوعها بعد الفاء، ولام الأمر تُسَكَّن إذا وقعت بعد الفاء أو الواو أو ثم؛ مثل قوله تعالى هنا: ﴿فَلْيُقَاتِلْ﴾ ومثل قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ [الحج ٢٩]، ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا﴾ ﴿وَلْيُوفُوا﴾، بخلاف لام التعليل التي تسمى (لام كي) فإنه يجب أن تكون مكسورة بكل حال؛ مثل قوله: ﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا﴾ [العنكبوت ٦٦] يجب أن تكسرها، ولا تقل: ولْيتمتعوا؛ لأنك إذا قلت هكذا اختلف المعنى.

وقوله: ﴿الَّذِينَ يَشْرُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ﴾ فاعل ﴿يُقَاتِلْ﴾، وقوله: ﴿يَشْرُونَ﴾ بمعنى يبيعون، مع أنها في لغتنا العامية بمعنى يشترون، وليس كذلك، ﴿يَشْرُونَ﴾ بمعنى يبيعون، ومن هذا قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ [البقرة ٢٠٧] ﴿يَشْرِي نَفْسَهُ﴾ يعني: يبيع نفسه، أما إذا كان آخذًا فيقال: اشترى؛ فالمعطي شارٍ والآخذ مشترٍ.

﴿الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ﴾ أي: يبيعون الحياة الدنيا بالآخرة، فيجعلون البدل -بدل الحياة الدنيا- هو الآخرة، وهؤلاء هم الذين اغتنموا الأعمار، وهم الذين اكتسبوا في الحقيقة أن أخذوا الآخرة بالدنيا، ولم يكونوا كالذين قال الله فيهم ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (١٦) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [الأعلى ١٦، ١٧].

﴿وَمَنْ يُقَاتِلْ﴾ [النساء ٧٤]، (من) هذه شرطية، والفعل بعدها مجزوم، وجواب الشرط قوله: ﴿فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾، أما ﴿فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ﴾ فهي معطوفة على فعل الشرط.

﴿وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي: أيُّ إنسان يقاتل في سبيل الله، وهو الذي قاتل لتكون كلمة الله هي العليا كما فسر ذلك النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.

﴿فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ﴾ إن قُتِل فهو شهيد، أو غَلَب فهو فائز، ولا يُبطل غَلَبُه أجرَه، ولهذا قال: ﴿فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾، فهو غانم على كل حال؛ إن قُتِل قُتِل شهيدًا، وإن غَلَب غَلَب سعيدًا، وهذا كقوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾ -وهما: الشهادة، أو النصر والغَلَبة- ﴿وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا﴾ [التوبة ٥٢].

﴿فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء ٧٤] أي: ثوابًا عظيمًا، وسمَّى الله تعالى الثواب أجرًا تشبيهًا له بأجر العامل الذي يستأجره الإنسان لعمل شيء ما ثم يعطيه أجره، والمقصود بذلك أن الله تعالى التزم بإثابة هذا العامل كما يلتزم المستأجِر بإعطاء العامل أجره، ولهذا سمَّى اللهُ العملَ له قرضًا مع أن الله لا يحتاج، وسمَّى الثواب عليه أجرًا كأنه استأجر أجيرًا ليعطيه أجره.

وقوله: ﴿أَجْرًا عَظِيمًا﴾ هو أجر الجنة؛ كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِهِ مِئَةَ دَرَجَةٍ»أخرجه البخاري (٢٧٩٠) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. يعني في الجنة، وهذا هو الأجر العظيم.

* في هذه الآية الكريمة فوائد:

* منها: وجوب قتال الأعداء؛ لقوله: ﴿فَلْيُقَاتِلْ﴾.

* ومنها: وجوب إخلاص النيَّة في القتال؛ لقوله: ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾، ووجه ذلك أن المقاتِلين منهم من يقاتل شجاعةً، ومنهم من يقاتل حميَّةً ؛يعني: عصبيَّة لقوميَّته أو …

75

وَمَا لَكُمْ لَا تُقَٰتِلُونَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ ٱلرِّجَالِ وَٱلنِّسَآءِ وَٱلْوِلْدَٰنِ ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا مِنْ هَٰذِهِ ٱلْقَرْيَةِ ٱلظَّالِمِ أَهْلُهَا وَٱجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيًّۭا وَٱجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا

And what is [the matter] with you that you fight not in the cause of Allah and [for] the oppressed among men, women, and children who say, "Our Lord, take us out of this city of oppressive people and appoint for us from Yourself a protector and appoint for us from Yourself a helper?"

طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا (٧٥) الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾ [النساء ٧٥، ٧٦].

* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، لما أمر الله سبحانه وتعالى بالقتال في سبيل الله ووجَّه الأمر للذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة؛ أي: يبيعون الحياة الدنيا بالآخرة، وبيَّن فضل القتال في سبيل الله وأنَّ المقاتل في سبيل الله سواء قُتِل أو غَلَب فله الأجر من عند الله :﴿فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء ٧٤]؛ وَبَّخَ الله أولئك الذين يمتنعون عن القتال وقال: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (ما) هنا للاستفهام، ومعناه الإنكار، ويحتمل أن يكون الإنكار والتعجب؛ يعني أن يكون معناه الإنكار على هؤلاء الذين لم يقاتلوا والتعجب من حالهم.

وقوله: ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ سبق مِرارًا كثيرة بأن القتال في سبيل الله هو القتال لتكون كلمة الله هي العليا لا غير.

وقوله: ﴿وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ﴾ يحتمل أن تكون معطوفة على لفظ الجلالة؛ أي: وفي سبيل المستضعفين، ويحتمل أن تكون معطوفة على ﴿سَبِيلِ﴾؛ أي: وفي المستضعفين من الرجال، والمعنيان يصُبَّان في قناة واحدة سواء قلنا: في سبيل المستضعفين، أو: في المستضعفين أنفسهم. والمستضعفون من الرجال هم الذين لا يستطيعون أن يخرجوا من هذه القرية التي تسومهم سوء العذاب.

﴿وَالنِّسَاءِ﴾ معطوفة على المستضعفين أو معطوفة على ﴿الرِّجَالِ﴾، أيهما أولى؟ إذا قلنا: معطوفة على ﴿الرِّجَالِ﴾ صار المعنى أن النساء ينقسمن إلى قسمين: قسم مستضعف وقسم غير مستضعف، والمراد بالآية القسم المستضعف، وإذا قلنا: معطوفة على ﴿الْمُسْتَضْعَفِينَ﴾ صار النساء لا ينقسمن إلى قسمين، بل هنَّ قسم واحد، وأن المرأة لا يلزمها أن تهاجر، ولكن المعنى الأول أحسن؛ لأن من النساء من هاجرت ولم تبْقَ في دار الذل والهوان.

وقوله: ﴿وَالْوِلْدَانِ﴾ هذا هو الذي يمكن أن نقول: إنه معطوف على قوله: ﴿الْمُسْتَضْعَفِينَ﴾، وذلك لأن الولدان لا يستطيعون الهجرة ولا يستطيعون الخروج، وهم في هذه الأماكن مظلومون، لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا، فواجب علينا أن نقاتل في سبيل الله سبحانه وتعالى وفي هؤلاء المستضعفين من الرجال والنساء والولدان.

وقوله: ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا﴾ ﴿الَّذِينَ﴾ صفة لكل ما سبق من المعطوف والمعطوف عليه، ﴿يَقُولُونَ﴾ أي: يقول كل واحد منهم، أو (يقولون) على معنى الجملة، وإن لم يكن هذا القول صادرًا من كل واحد؛ وذلك لأن الجماعة الذين على هدف واحد وعلى طريق واحد يكون قول القائل منهم قولا للجميع.

﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾، ﴿أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ﴾ والمشار إليه القرية التي هم ساكنوها وباقون فيها وهي مكة؛ لأن قريشًا كانت تسوم من يُسلم سوء العذاب.

وقوله: ﴿الظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾ ﴿الظَّالِمِ﴾ هنا نعت، لأيش؟

* طلبة: للقرية.

* طالب: لـ(أهل).

* الشيخ: لاسم الإشارة في ﴿هَذِهِ﴾، ولكن كيف يكون نعتًا والمعنى قائم بغير المنعوت؛ لأنه قال: ﴿الظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾ ولم يقل: الظالمة؟

والجواب عن هذا أن يقال: النعت نوعان: حقيقي، وسببي:

فالحقيقي: ما عاد فيه الوصف على المنعوت؛ كما تقول: مررت بزيدٍ الفاضلِ. هنا (الفاضل) هذا وصفٌ عائد أيش؟ على …

76

ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ يُقَٰتِلُونَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ۖ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ يُقَٰتِلُونَ فِى سَبِيلِ ٱلطَّٰغُوتِ فَقَٰتِلُوٓا۟ أَوْلِيَآءَ ٱلشَّيْطَٰنِ ۖ إِنَّ كَيْدَ ٱلشَّيْطَٰنِ كَانَ ضَعِيفًا

Those who believe fight in the cause of Allah, and those who disbelieve fight in the cause of Taghut. So fight against the allies of Satan. Indeed, the plot of Satan has ever been weak.

طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا (٧٥) الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾ [النساء ٧٥، ٧٦].

* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، لما أمر الله سبحانه وتعالى بالقتال في سبيل الله ووجَّه الأمر للذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة؛ أي: يبيعون الحياة الدنيا بالآخرة، وبيَّن فضل القتال في سبيل الله وأنَّ المقاتل في سبيل الله سواء قُتِل أو غَلَب فله الأجر من عند الله :﴿فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء ٧٤]؛ وَبَّخَ الله أولئك الذين يمتنعون عن القتال وقال: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (ما) هنا للاستفهام، ومعناه الإنكار، ويحتمل أن يكون الإنكار والتعجب؛ يعني أن يكون معناه الإنكار على هؤلاء الذين لم يقاتلوا والتعجب من حالهم.

وقوله: ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ سبق مِرارًا كثيرة بأن القتال في سبيل الله هو القتال لتكون كلمة الله هي العليا لا غير.

وقوله: ﴿وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ﴾ يحتمل أن تكون معطوفة على لفظ الجلالة؛ أي: وفي سبيل المستضعفين، ويحتمل أن تكون معطوفة على ﴿سَبِيلِ﴾؛ أي: وفي المستضعفين من الرجال، والمعنيان يصُبَّان في قناة واحدة سواء قلنا: في سبيل المستضعفين، أو: في المستضعفين أنفسهم. والمستضعفون من الرجال هم الذين لا يستطيعون أن يخرجوا من هذه القرية التي تسومهم سوء العذاب.

﴿وَالنِّسَاءِ﴾ معطوفة على المستضعفين أو معطوفة على ﴿الرِّجَالِ﴾، أيهما أولى؟ إذا قلنا: معطوفة على ﴿الرِّجَالِ﴾ صار المعنى أن النساء ينقسمن إلى قسمين: قسم مستضعف وقسم غير مستضعف، والمراد بالآية القسم المستضعف، وإذا قلنا: معطوفة على ﴿الْمُسْتَضْعَفِينَ﴾ صار النساء لا ينقسمن إلى قسمين، بل هنَّ قسم واحد، وأن المرأة لا يلزمها أن تهاجر، ولكن المعنى الأول أحسن؛ لأن من النساء من هاجرت ولم تبْقَ في دار الذل والهوان.

وقوله: ﴿وَالْوِلْدَانِ﴾ هذا هو الذي يمكن أن نقول: إنه معطوف على قوله: ﴿الْمُسْتَضْعَفِينَ﴾، وذلك لأن الولدان لا يستطيعون الهجرة ولا يستطيعون الخروج، وهم في هذه الأماكن مظلومون، لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا، فواجب علينا أن نقاتل في سبيل الله سبحانه وتعالى وفي هؤلاء المستضعفين من الرجال والنساء والولدان.

وقوله: ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا﴾ ﴿الَّذِينَ﴾ صفة لكل ما سبق من المعطوف والمعطوف عليه، ﴿يَقُولُونَ﴾ أي: يقول كل واحد منهم، أو (يقولون) على معنى الجملة، وإن لم يكن هذا القول صادرًا من كل واحد؛ وذلك لأن الجماعة الذين على هدف واحد وعلى طريق واحد يكون قول القائل منهم قولا للجميع.

﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾، ﴿أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ﴾ والمشار إليه القرية التي هم ساكنوها وباقون فيها وهي مكة؛ لأن قريشًا كانت تسوم من يُسلم سوء العذاب.

وقوله: ﴿الظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾ ﴿الظَّالِمِ﴾ هنا نعت، لأيش؟

* طلبة: للقرية.

* طالب: لـ(أهل).

* الشيخ: لاسم الإشارة في ﴿هَذِهِ﴾، ولكن كيف يكون نعتًا والمعنى قائم بغير المنعوت؛ لأنه قال: ﴿الظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾ ولم يقل: الظالمة؟

والجواب عن هذا أن يقال: النعت نوعان: حقيقي، وسببي:

فالحقيقي: ما عاد فيه الوصف على المنعوت؛ كما تقول: مررت بزيدٍ الفاضلِ. هنا (الفاضل) هذا وصفٌ عائد أيش؟ على …

77

أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوٓا۟ أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُوا۟ ٱلزَّكَوٰةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ ٱلْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌۭ مِّنْهُمْ يَخْشَوْنَ ٱلنَّاسَ كَخَشْيَةِ ٱللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةًۭ ۚ وَقَالُوا۟ رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا ٱلْقِتَالَ لَوْلَآ أَخَّرْتَنَآ إِلَىٰٓ أَجَلٍۢ قَرِيبٍۢ ۗ قُلْ مَتَٰعُ ٱلدُّنْيَا قَلِيلٌۭ وَٱلْءَاخِرَةُ خَيْرٌۭ لِّمَنِ ٱتَّقَىٰ وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا

Have you not seen those who were told, "Restrain your hands [from fighting] and establish prayer and give zakah"? But then when fighting was ordained for them, at once a party of them feared men as they fear Allah or with [even] greater fear. They said, "Our Lord, why have You decreed upon us fighting? If only You had postponed [it for] us for a short time." Say, The enjoyment of this world is little, and the Hereafter is better for he who fears Allah. And injustice will not be done to you, [even] as much as a thread [inside a date seed]."

ثم قال الله تبارك وتعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُم﴾ إلى آخره. الاستفهام هنا استفهام تعجيبي؛ يعني اعْجَبْ لحال هؤلاء.

وقوله: ﴿تَرَ﴾ يحتمل أن تكون رؤية علمية أو رؤية بصرية، والظاهر أنها رؤية علمية؛ يعني تعجَّبْ من حال هؤلاء بقلبك وفِكرك.

﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُم﴾ والقائل مبهم، والظاهر أنه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.

وقوله: ﴿كُفُّوا أَيْدِيَكُم﴾ أي: امنعوها عن القتال، وذلك أن بعض الصحابة الذين كانوا في مكة لما ظلمتهم قريش وضيّقت عليهم قالوا: أفلا نقاتلهم؟ لماذا يحجرون علينا ويظلموننا؟ أفلا نقاتلهم؟ فقيل لهم: ﴿كُفُّوا أَيْدِيَكُم﴾ لا تقاتلوهم؛ لأن القتال في غير موضعه مهلكة، فلا تقاتلوهم، كفوا أيديكم، وتعلمون أن الناس في مكة مضطهدون مظلومون، ليس لهم شوكة، وليس لهم دولة، فالقتال غير لائق إطلاقًا، فقيل لهم: ﴿كُفُّوا أَيْدِيَكُم﴾ أي: عن القتال، والدليل أن المراد عن القتال قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّة﴾ [الفتح ٢٤] أي: كفّها عن القتال، ﴿كُفُّوا أَيْدِيَكُم﴾.

﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاة﴾ يعني قوموا بالعبادات الخاصة التي ليس فيها قتال ولا جهاد.

﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ وهذه عبادة خاصة بالإنسان لا تتعداه إلى غيره.

﴿وَآتُوا الزَّكَاة﴾ وهذه عبادة تتعداه إلى غيره، لكنها عبادة؛ فالزكاة مثلًا لا يراد بها مجرد الإحسان إلى الفقراء، أهم شيء فيها أن تتعبّد لله ببذل المحبوب؛ وهو المال لنيل المطلوب، ولهذا يغلط من يفهم من الزكاة أنه لا يراد بها إلا مجرد نفع المستحقين، هذا ليس المقصود؛ المقصود التعبد لله ببذل ما تحب، وكلنا يحب المال كما قال تعالى: ﴿وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا﴾ [الفجر ٢٠]، وقال: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ﴾ أي المال ﴿لَشَدِيدٌ﴾ [العاديات ٨].

فيقول: ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاة﴾ وهي عبادة خاصة لا تتعدى الإنسان. ﴿وَآتُوا الزَّكَاة﴾ وهي عبادة متعدية ﴿وَآتُوا الزَّكَاة﴾. الصلاة معروفة هي عبادة أو هي التعبد لله تعالى بأقوال وأفعال معلومة مفتتحة بالتكبير مختتمة بالتسليم، وهنا يجب أن تلحقوا بالتعاريف التي عرفها الفقهاء في العبادات أن تلحقوا بها: التعبّد لله، نحن نجد في كتب الفقهاء مثلًا: الصلاة هي: أقوال وأفعال معلومة. هذا ما يكفي هذا؛ لأن الإنسان لو أراد أن يقول هذه الأقوال ويفعل هذه الأفعال بدون تعبد لله ما صارت صلاة، يجب أن نزيد أيش؟ التعبد لله بأقوال وأفعال معلومة مفتتحة بالتكبير مختتمة بالتسليم.

ثانيًا: الزكاة: نقول: هي التعبد لله ببذل جزء من المال على وجه مخصوص معلوم من السنة.

وقوله: ﴿آتُوا الزَّكَاة﴾ نعلم أن (آتى) تنصب مفعولين، أصلهما؟

* طلبة: ليس أصلهما المبتدأ والخبر.

* الشيخ: ليس أصلهما المبتدأ والخبر، بل من باب (كسا)، فإذن ﴿آتُوا الزَّكَاة﴾ المفعول الثاني محذوف، التقدير: مستحقّها، أو أهلها.

﴿فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ﴾ أي: فلما فرض، والكَتْب بمعنى الفرض لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة ١٨٣]. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء ١٠٣] أي: فرضًا، ﴿كُتِبَ﴾ أي: فرض، ومتى فرض؟

فُرض حين هاجر النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه إلى المدينة، وكان لهم دولة، وكان لهم شوكة أُمروا بالجهاد، و﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِير﴾ [الحج ٣٩]، وكان فرض الجهاد في السنة الثانية من الهجرة، فرض الجهاد على المسلمين ﴿لَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ …

78

أَيْنَمَا تَكُونُوا۟ يُدْرِككُّمُ ٱلْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِى بُرُوجٍۢ مُّشَيَّدَةٍۢ ۗ وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌۭ يَقُولُوا۟ هَٰذِهِۦ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ ۖ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌۭ يَقُولُوا۟ هَٰذِهِۦ مِنْ عِندِكَ ۚ قُلْ كُلٌّۭ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ ۖ فَمَالِ هَٰٓؤُلَآءِ ٱلْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًۭا

Wherever you may be, death will overtake you, even if you should be within towers of lofty construction. But if good comes to them, they say, "This is from Allah "; and if evil befalls them, they say, "This is from you." Say, "All [things] are from Allah." So what is [the matter] with those people that they can hardly understand any statement?

قال الله عز وجل: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ﴾. فلنبدأ أولًا بالإعراب، (أين) هنا اسم شرط جازم، و(ما) زائدة للتوكيد، وفعل الشرط ﴿تَكُونُوا﴾ و﴿يُدْرِكْكُمُ﴾ جواب الشرط.

﴿وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ (لو) هذه شرطية، وفعل الشرط فيها قوله: ﴿كُنْتُمْ﴾ ولم نجد جواب الشرط في (لو)، فقيل: إن جواب الشرط محذوف يدل عليه ما قبله، والتقدير: ولو كنتم في بروج مشيدة لأدرككم الموت. وقيل: إنها في مثل هذا السياق لا تحتاج إلى جواب، وهذا اختيار ابن القيم رحمه الله في كتابه أقسام القرآن؛ أنها في مثل هذا لا تحتاج إلى جواب، بل لو جيء بالجواب لكان الكلام ركيكًا ليس ببليغ، وهذا يوجد في القرآن كثيرًا، تجد جملة شرطية عائدة على ما سبق؛ أي: أن جوابها يُفهم مما سبق، وحينئذٍ نقول: لا تحتاج إلى جواب، وتقدير الجواب يجعل الكلام ركيكًا.

وبقية الآية الظاهر أنه ليس فيها إشكال إلا أن قوله: ﴿لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ (يكاد) هذه من أفعال المقاربة، وتعمل عمل (كان وأخواتها) ترفع الاسم وتنصب الخبر.

يقول الله عز وجل ردًّا على هؤلاء الذين قالوا: ﴿لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾ يقول: إذا كنتم تقولون ذلك من أجل أن تتمتّعوا قليلًا في الدنيا فإنكم لن تنجو من الموت ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ﴾ سواء كنتم في الجو، أو في البحر، أو في الأرض، أو في بروج مشيدة، أو في دور منهارة، أو في فلاة من الأرض، ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا﴾ و(أين) هذه معروف أنها للمكان.

وقوله: ﴿يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ﴾ أي: لا يخطئكم، ولا تفوتونه، بل في آية أخرى ما هو أشد وأبلغ حيث قال عز وجل: ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ﴾ [الجمعة ٨] لم يقل: فإنه لاحقكم.

قال: ﴿مُلَاقِيكُمْ﴾ وما ظنك بشيء إذا فررت منه لاقاك تكون أنت أسرع إليه مما لو كان يلحقك لا شك؟!

لأنه يجتمع فرارك، والثاني: وملاقاتك، فيكون ذلك أسرع، فيقول عز وجل: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ وماذا بعد الموت؟ بعد الموت ملاقاة الله عز وجل بالخير أو بالشر، ومتى يكون؟ لا ندري متى يكون الموت، وفي أي أرض؟ لا ندري ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ [لقمان ٣٤]؛ إذن فلنستعد ولنكن دائمًا في يقظة حتى إذا أدركنا الموت وإذا نحن على الحال التي يرضاها ربنا عز وجل.

وقوله: ﴿وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ﴾ البروج جمع (بُرْج)؛ وهو البناء العالي، ومنه البروج التي في السماء؛ وهي اثنا عشر برجًا، أشار الله إليها في قوله: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا﴾ [الملك ٦١] هذه البروج تدور عليها أوقات السنة من الربيع، والقيظ، والخريف، والشتاء؛ كل فصل يكون له ثلاثة بروج، وأحسن البروج وأنفعها للبدن برج الحمل الذي يكون في أول الربيع؛ فإنه أصح ما تكون فيه الأجسام، هذا من حيث إنه برج، لكن هناك أشياء تعتري الإنسان يكون فيها بدنه صحيحًا أو يكون مريضًا، حسب الحال، لكن من حيث الزمن أحسن ما يكون فصل الربيع.

فالمراد بالبروج هنا أيش؟ الأبنية العالية؛ لأنها تشبه بروج السماء في علوّها وارتفاعها، وأما من قال: إن المراد بذلك البروج السماوية فقد أبعد وأخطأ؛ لأن الله قال: ﴿مُشَيَّدَةٍ﴾، وهذا الوصف لا يكون أبدًا للبروج السماوية إنما يكون للقصور العالية.

وقوله: ﴿مُشَيَّدَةٍ﴾ أي: مُحْكمة متقنة، ويضاف إلى ذلك أنها مطليّة بالشِّيد؛ وهو (الجصّ) أي: بالبياض؛ لأن البياض محبوب للنفس، واقٍ من حرّ الشمس؛ فلذلك تشاد به القصور. ﴿وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾.

﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ﴾ الهاء في قوله: ﴿وَإِنْ …

79

مَّآ أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍۢ فَمِنَ ٱللَّهِ ۖ وَمَآ أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍۢ فَمِن نَّفْسِكَ ۚ وَأَرْسَلْنَٰكَ لِلنَّاسِ رَسُولًۭا ۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيدًۭا

What comes to you of good is from Allah, but what comes to you of evil, [O man], is from yourself. And We have sent you, [O Muhammad], to the people as a messenger, and sufficient is Allah as Witness.

قال الله عز وجل: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ﴾. فلنبدأ أولًا بالإعراب، (أين) هنا اسم شرط جازم، و(ما) زائدة للتوكيد، وفعل الشرط ﴿تَكُونُوا﴾ و﴿يُدْرِكْكُمُ﴾ جواب الشرط.

﴿وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ (لو) هذه شرطية، وفعل الشرط فيها قوله: ﴿كُنْتُمْ﴾ ولم نجد جواب الشرط في (لو)، فقيل: إن جواب الشرط محذوف يدل عليه ما قبله، والتقدير: ولو كنتم في بروج مشيدة لأدرككم الموت. وقيل: إنها في مثل هذا السياق لا تحتاج إلى جواب، وهذا اختيار ابن القيم رحمه الله في كتابه أقسام القرآن؛ أنها في مثل هذا لا تحتاج إلى جواب، بل لو جيء بالجواب لكان الكلام ركيكًا ليس ببليغ، وهذا يوجد في القرآن كثيرًا، تجد جملة شرطية عائدة على ما سبق؛ أي: أن جوابها يُفهم مما سبق، وحينئذٍ نقول: لا تحتاج إلى جواب، وتقدير الجواب يجعل الكلام ركيكًا.

وبقية الآية الظاهر أنه ليس فيها إشكال إلا أن قوله: ﴿لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ (يكاد) هذه من أفعال المقاربة، وتعمل عمل (كان وأخواتها) ترفع الاسم وتنصب الخبر.

يقول الله عز وجل ردًّا على هؤلاء الذين قالوا: ﴿لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾ يقول: إذا كنتم تقولون ذلك من أجل أن تتمتّعوا قليلًا في الدنيا فإنكم لن تنجو من الموت ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ﴾ سواء كنتم في الجو، أو في البحر، أو في الأرض، أو في بروج مشيدة، أو في دور منهارة، أو في فلاة من الأرض، ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا﴾ و(أين) هذه معروف أنها للمكان.

وقوله: ﴿يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ﴾ أي: لا يخطئكم، ولا تفوتونه، بل في آية أخرى ما هو أشد وأبلغ حيث قال عز وجل: ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ﴾ [الجمعة ٨] لم يقل: فإنه لاحقكم.

قال: ﴿مُلَاقِيكُمْ﴾ وما ظنك بشيء إذا فررت منه لاقاك تكون أنت أسرع إليه مما لو كان يلحقك لا شك؟!

لأنه يجتمع فرارك، والثاني: وملاقاتك، فيكون ذلك أسرع، فيقول عز وجل: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ وماذا بعد الموت؟ بعد الموت ملاقاة الله عز وجل بالخير أو بالشر، ومتى يكون؟ لا ندري متى يكون الموت، وفي أي أرض؟ لا ندري ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ [لقمان ٣٤]؛ إذن فلنستعد ولنكن دائمًا في يقظة حتى إذا أدركنا الموت وإذا نحن على الحال التي يرضاها ربنا عز وجل.

وقوله: ﴿وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ﴾ البروج جمع (بُرْج)؛ وهو البناء العالي، ومنه البروج التي في السماء؛ وهي اثنا عشر برجًا، أشار الله إليها في قوله: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا﴾ [الملك ٦١] هذه البروج تدور عليها أوقات السنة من الربيع، والقيظ، والخريف، والشتاء؛ كل فصل يكون له ثلاثة بروج، وأحسن البروج وأنفعها للبدن برج الحمل الذي يكون في أول الربيع؛ فإنه أصح ما تكون فيه الأجسام، هذا من حيث إنه برج، لكن هناك أشياء تعتري الإنسان يكون فيها بدنه صحيحًا أو يكون مريضًا، حسب الحال، لكن من حيث الزمن أحسن ما يكون فصل الربيع.

فالمراد بالبروج هنا أيش؟ الأبنية العالية؛ لأنها تشبه بروج السماء في علوّها وارتفاعها، وأما من قال: إن المراد بذلك البروج السماوية فقد أبعد وأخطأ؛ لأن الله قال: ﴿مُشَيَّدَةٍ﴾، وهذا الوصف لا يكون أبدًا للبروج السماوية إنما يكون للقصور العالية.

وقوله: ﴿مُشَيَّدَةٍ﴾ أي: مُحْكمة متقنة، ويضاف إلى ذلك أنها مطليّة بالشِّيد؛ وهو (الجصّ) أي: بالبياض؛ لأن البياض محبوب للنفس، واقٍ من حرّ الشمس؛ فلذلك تشاد به القصور. ﴿وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾.

﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ﴾ الهاء في قوله: ﴿وَإِنْ …

80

مَّن يُطِعِ ٱلرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ ٱللَّهَ ۖ وَمَن تَوَلَّىٰ فَمَآ أَرْسَلْنَٰكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًۭا

He who obeys the Messenger has obeyed Allah; but those who turn away - We have not sent you over them as a guardian.

ثم قال الله تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾، فيه جملتان شرطيتان:

الأولى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ فـ (مَن) هنا شرطية، وفعل الشرط ﴿يُطِعِ﴾، وفيه إشكالان؛ الإشكال الأول: أين ذهبت عين الكلمة؟ والإشكال الثاني: كيف كانت مكسورة مع أن (مَن) تجزم؟

والجواب عن الإشكال الأول: أن عين الكلمة حذفت؛ لأن لامها كانت مجزومة وعينها ساكنة، وقد قال ابن مالك:

إِنْ سَاكِنَانِ الْتَقَيَا اكْسِرْ مَا سَبَقْ ∗∗∗ وَإِنْ يَكُنْ لَيْنًا فَحَذْفَهُاسْتَحَقْ

فالياء ساكنة والعين ساكنة، فيُحذف حرف اللين: الياء، وأما كسر العين وهي مجزومة فمن أجل التقاء الساكنين، والأمثلة في هذا كثيرة مثل قوله تعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [البينة ١]، فأين جواب الشرط في ﴿مَن يُطِعِ﴾؟ جوابه قوله: ﴿فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾.

الجملة الثانية: ﴿وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾، الجملة الثانية فعل الشرط فيها (...)، وجملة الجواب جملة اسمية! ﴿فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ جملة اسمية! مثل (...)، جملة فعلية؛ لأن (ما) نافية و﴿أَرْسَلْنَاكَ﴾ فعل ماضٍ.

أما وجه اقتران الجواب بالفاء في الجملتين فلأنه لا يصح أن يكون الجواب شرطًا، وإذا كان الجواب لا يصح أن يكون شرطًا وجب اقترانه بالفاء، كما قاله ابن مالك في ألفيته:

وَاقْرُنْ بِـ (فَا) حَتْمًا جَوَابًا لَوْ جُعِلْ ∗∗∗ شَرْطًا لِـ (إِنْ) أَوْ غَيْرِهَا لَمْيَنْجَعِلْ

وقد ذُكِر ذلك في بيت من الشعر وهو؟

* طالب: (...)

* الشيخ:

اسْمِيَّةٌ طَلَبِيَّـــــــــةٌ وَبِجَــــــامِدٍ ∗∗∗ وَبِمَا وَقَدْ وَبِلَنْ وَبِالتَّنْفِيسِ

يقول الله عز وجل: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ و(أل) في الرسول للعهد الذهني، وهو محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛ لأن القرآن نزل في عهد رسالته، ويصح أن نقول: إنه عامٌّ يشمل كل رسول، وعلى هذا فتكون (أل) للعموم وليست للعهد، لكن يضعف هذا الاحتمال قوله: ﴿وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ﴾؛ لأن هذا الخطاب للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وعلى هذا فالمراد بالرسول محمدًا صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وتكون (أل) للعهد أيش؟ الذهني.

﴿فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ إذن طاعة الرسول طاعة لله عز وجل، فإذا أمرنا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بأمر فأطعناه فنحن قد أطعنا الله.

﴿وَمَنْ تَوَلَّى﴾ يعني: فلم يُطع الرسول ﴿فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾؛ لأن عليك البلاغ، وقد بلَّغت، وحفظُ الناس وأعمالهم إلى الله عز وجل.

* يستفاد من هذه الآية الكريمة فوائد، منها: أن الأصل فيما قاله الرسول عليه الصلاة والسلام أنه شرع؛ لعموم قوله: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾، وينبني على ذلك أننا لو شككنا فيما فعله الرسول عليه الصلاة والسلام أو قاله هل هو شرع أو نسيان؟ فنحمله على أنه شرع، ومن ذلك «أنه قرأ سورة الزلزلة في صلاة الفجر في الركعتين، قال الراوي: فلا أدري أنسي» -يعني- «أم كان على علم.»أخرجه أبو داود في سننه (٨١٦) من حديث معاذ بن عبد الله الجهني عن رجل من جهينة. فنقول: هذا الاحتمال وارد ولَّا غير وارد؟

* طلبة: وارد.

* الشيخ: لا، إذا قلنا: إن الأصل أن ما فعله فهو شرع يكون هذا الاحتمال غير وارد، وإن ورد عقلًا فهو ضعيف شرعًا، نقول: الأصل إن ما فعله فهو شرع ما هو نسيان.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الاحتجاج بالسنة، وأنها كالقرآن في وجوب العمل بها، ولكن نحتاج في السنة إلى إثبات صحتها أو إلى إثبات نسبتها إلى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، نحتاج إلى هذا؛ لأن ما دامت لم تثبت فإنها ليست من كلام الرسول.

* ويستفاد من هذه الآية: جواز نسخ القرآن بالسنة، وجواز تخصيص القرآن …

Commentary: Tafsir Ibn 'Uthaymin by Muhammad ibn Salih al-'Uthaymin. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.