Muslim99Muslim99
← Tafsir library

4. An-Nisaa

The Women · Medinan · 176 ayahs

سُورَةُ النِّسَاءِ

Reading Nazm al-Durar by Burhan al-Din al-Biqa'i

Ayahs 71–80 of 176

71

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ خُذُوا۟ حِذْرَكُمْ فَٱنفِرُوا۟ ثُبَاتٍ أَوِ ٱنفِرُوا۟ جَمِيعًۭا

O you who have believed, take your precaution and [either] go forth in companies or go forth all together.

ولَمّا دَلَّ عَلى دَرَجَةِ الشَّهادَةِ؛ بَعْدَما ذَكَرَ مِن ثَوابِ مَن قَبِلَ مَوْعِظَتَهُ؛ ولَوْ في قَتْلِ نَفْسِهِ؛ وذَمَّ مَن أبى ذَلِكَ؛ بَعْدَما حَذَّرَ مِنَ الأعْداءِ مِن أهْلِ الكِتابِ؛ والمُشْرِكِينَ؛ والمُنافِقِينَ المُخادِعِينَ؛ فَتَوَفَّرَتْ دَواعِي الرّاغِبِينَ في المَكارِمِ عَلى ارْتِقابِها؛ التَفَتَ إلى المُؤْمِنِينَ؛ مُلَذِّذًا لَهم بِحُسْنِ خِطابِهِ؛ نادِبًا إلى الجِهادِ؛ مَعَ الإرْشادِ إلى الِاسْتِعْدادِ لَهُ؛ مِمّا يُرَوِّعُ الأضْدادَ؛ فَقالَ - سُبْحانَهُ وتَعالى - مُنَبِّهًا بِأداةِ البُعْدِ؛ وصِيغَةِ المُضِيِّ؛ إلى أنَّ الرّاسِخَ لا يَنْبَغِي لَهُ أنْ يَحْتاجَ إلى تَنْبِيهٍ عَلى مِثْلِ هَذا -: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾؛ أيْ: أقَرُّوا بِالإيمانِ؛ ولَمّا كانَ - سُبْحانَهُ وتَعالى - قَدْ خَلَقَ لِلْإنْسانِ عَقْلًا يَحْمِلُهُ عَلى التَّيَقُّظِ؛ والتَّحَرُّزِ مِنَ الخَوْفِ؛ فَكانَ كالآلَةِ لَهُ؛ وكانَ - لِما عِنْدَهُ مِنَ السَّهْوِ؛ والنِّسْيانِ؛ في غالِبِ الأوْقاتِ - مُهْمِلًا لَهُ؛ فَكانَ كَأنَّهُ قَدْ تَرَكَ آلَةً كانَتْ مِنهُ؛ قالَ - سُبْحانَهُ وتَعالى -: ﴿خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾؛ أيْ: مِنَ الأعْداءِ؛ الَّذِينَ ذَكَرْتُهم لَكُمْ؛ وحَذَّرْتُكم مِنهُمُ؛ المُشاقِقِينَ مِنهم والمُنافِقِينَ؛ ﴿فانْفِرُوا﴾؛ أيْ: اخْرُجُوا؛ تَصْدِيقًا لِما ادَّعَيْتُمْ؛ إلى جِهادِهِمْ؛ مُسْرِعِينَ؛ ﴿ثُباتٍ﴾؛ أيْ: جَماعاتٍ مُتَفَرِّقِينَ؛ سَرِيَّةً في إثْرِ سَرِيَّةٍ؛ لا تَمَلُّوا ذَلِكَ أصْلًا؛ ﴿أوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾؛ أيْ: عَسْكَرًا واحِدًا؛ ولا تَخاذَلُوا تَهْلَكُوا؛ فَكَأنَّهُ قالَ: خَفَّفْتُ عَنْكم قَتْلَ الأنْفُسِ؛ عَلى الصِّفَةِ الَّتِي كَتَبْتُها عَلى مَن قَبْلَكُمْ؛ ولَمْ آمُرْكم إلّا بِما تَأْلَفُونَهُ؛ وتَتَمادَحُونَ بِهِ فِيما بَيْنَكُمْ؛ وتَذُمُّونَ تارِكَهُ؛ مِن مَوارِدِ القِتالِ؛ الَّذِي هو مَناهِجُ الأبْطالِ؛ ومَشارِعُ فُحُولِ الرِّجالِ؛ وجَعَلْتُ لِلْباقِي مِنكُمُ المَحْبُوبِينَ مِنَ الظَّفَرِ وحِلِّ المَغْنَمِ؛ ولِلْماضِي أحَبَّ المَحْبُوبِ؛ وهو الدَّرَجَةُ الَّتِي ما بَعْدَها إلّا دَرَجَةُ النُّبُوَّةِ؛ مَعَ أنَّهُ لَمْ يَنْقُصْ مِن أجَلِهِ شَيْءٌ؛ ولَوْ لَمْ يُقْتَلْ في ذَلِكَ السَّبِيلِ المَرْضِيِّ لِقُتِلَ في غَيْرِهِ؛ في ذَلِكَ الوَقْتِ.

72

وَإِنَّ مِنكُمْ لَمَن لَّيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَٰبَتْكُم مُّصِيبَةٌۭ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَىَّ إِذْ لَمْ أَكُن مَّعَهُمْ شَهِيدًۭا

And indeed, there is among you he who lingers behind; and if disaster strikes you, he says, "Allah has favored me in that I was not present with them."

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: ”فَإنَّ مِنكُمُ الخارِجَ إلى الجِهادِ عَنْ غَيْرِ حَزْمٍ؛ ولا حَذَرٍ“؛ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ - مُبَيِّنًا لِما هو مِن أجَلِّ مَقاصِدِ هَذِهِ الآياتِ؛ مِن تَبْكِيتِ المُنافِقِينَ؛ لِلتَّحْذِيرِ مِنهُمْ؛ ووَصْفِهِمْ بِبَعْضِ ما يُخْفُونَ؛ مُؤَكِّدًا لِأنَّ كُلَّ مَنِ ادَّعى الإيمانَ يُنْكِرُ أنْ يَكُونَ كَذَلِكَ -: ﴿وإنَّ مِنكُمْ﴾؛ أيْ: يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا؛ وعِزَّتِنا؛ ﴿لَمَن لَيُبَطِّئَنَّ﴾؛ أيْ: يَتَثاقَلُ في نَفْسِهِ عَنِ الجِهادِ؛ لِضَعْفِهِ في الإيمانِ؛ أوْ نِفاقِهِ؛ ويَأْمُرُ غَيْرَهُ بِذَلِكَ؛ أمْرًا مُؤَكَّدًا؛ إظْهارًا لِلشَّفَقَةِ عَلَيْكُمْ؛ وهو عَيْنُ الغِشِّ؛ فَإنَّهُ يُثْمِرُ الضَّعْفَ المُؤَدِّيَ إلى جُرْأةِ العَدُوِّ؛ المُفْضِي إلى التَّلاشِي.

ولَمّا كانَ لِمَن يَتَثاقَلُ عَنْهم حالَتا نَصْرٍ؛ وكَسْرٍ؛ سَبَّبَ عَنْ تَثاقُلِهِ؛ مُقْسِمًا لِقَوْلِهِ فِيهِما: ﴿فَإنْ أصابَتْكم مُصِيبَةٌ﴾؛ أيْ: في وجْهِكُمُ الَّذِي قَعَدُوا عَنْهُ؛ ﴿قالَ﴾؛ ذَلِكَ القاعِدُ - جَهْلًا مِنهُ؛ وغِلْظَةً -: ﴿قَدْ أنْعَمَ اللَّهُ﴾؛ أيْ: المَلِكُ الأعْظَمُ؛ ذاكِرًا لِهَذا الِاسْمِ؛ غَيْرَ عارِفٍ بِمَعْناهُ؛ ﴿عَلَيَّ إذْ﴾؛ أيْ: حِينَ؛ أوْ لِأنِّي؛ ﴿لَمْ أكُنْ مَعَهم شَهِيدًا﴾؛ أيْ: حاضِرًا؛ ويَجُوزُ أنْ يُرِيدَ الشَّهِيدَ الشَّرْعِيَّ؛ ويَكُونَ إطْلاقُهُ مِن بابِ التَّنَزُّلِ؛ فَكَأنَّهُ يَقُولُ: هَذا الَّذِي هو أعْلى ما عِنْدَهُمْ؛ أعَدَّ فَواتَهُ مِنِّي نِعْمَةً عَظِيمَةً؛

73

وَلَئِنْ أَصَٰبَكُمْ فَضْلٌۭ مِّنَ ٱللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَن لَّمْ تَكُنۢ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُۥ مَوَدَّةٌۭ يَٰلَيْتَنِى كُنتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًۭا

But if bounty comes to you from Allah, he will surely say, as if there had never been between you and him any affection. "Oh, I wish I had been with them so I could have attained a great attainment."

﴿ولَئِنْ أصابَكم فَضْلٌ﴾؛ أيْ: فَتْحٌ؛ وظَفَرٌ؛ وغَنِيمَةٌ؛ ﴿مِنَ اللَّهِ﴾؛ أيْ: المَلِكِ الأعْلى؛ الَّذِي كُلُّ شَيْءٍ بِيَدِهِ؛ ولَمّا كانَ تَحَسُّرُهُ إنَّما هو عَلى فَواتِ الأغْراضِ الدُّنْيَوِيَّةِ؛ أكَّدَ قَوْلَهُ: ﴿لَيَقُولَنَّ﴾؛ أيْ: في غَيْبَتِكُمْ؛ واعْتَرَضَ بَيْنَ القَوْلِ ومَقُولِهِ؛ تَأْكِيدًا لِذَمِّهِمْ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿كَأنْ﴾؛ أيْ: كَأنَّهُ؛ ﴿لَمْ﴾؛ أيْ: مُشْبِهًا حالُهُ حالَ مَن لَمْ؛ ﴿تَكُنْ بَيْنَكم وبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ﴾؛ أيْ: بِسَبَبِ قَوْلِهِ: ”يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهم فَأفُوزَ“؛ أيْ: بِمُشارَكَتِهِمْ في ذَلِكَ؛ ﴿فَوْزًا عَظِيمًا﴾؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ لَوْ كانَ ذا مَوَدَّةٍ لَقالَ - حالَ المُصِيبَةِ -: ”يا لَيْتَها لَمْ تُصِبْهُمْ؛ ولَوْ كُنْتُ مَعَهم لَدافَعْتُ عَنْهُمْ“؛ وحالَ الظَّفَرِ: ”لَقَدْ سَرَّنِي عِزُّهُمْ“؛ ولَكِنَّهُ لَمْ يَجْعَلْ مَحَطَّ هَمِّهِ في كِلْتا الحالَتَيْنِ غَيْرَ المَطْلُوبِ الدُّنْيَوِيِّ؛ ولَعَلَّهُ خَصَّ الحالَةَ الثّانِيَةَ بِالتَّشْبِيهِ؛ لِأنَّ ما نُسِبَ إلَيْهِ فِيها لا يَقْتَصِرُ عَلَيْهِ مُحِبٌّ؛ وأمّا الحالَةُ الأُولى فَرُبَّما اقْتَصَرَ المُحِبُّ فِيها عَلى ذَلِكَ؛ قَصْدًا لِلْبَقاءِ؛ لِأخْذِ الثَّأْرِ؛ ونَكالِ الكُفّارِ؛ وذَكَرَ المَوَدَّةَ لِأنَّ المُنافِقِينَ كانُوا يُبالِغُونَ في إظْهارِ الوُدِّ؛ والشَّفَقَةِ؛ والنَّصِيحَةِ لِلْمُؤْمِنِينَ.

74

۞ فَلْيُقَٰتِلْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يَشْرُونَ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا بِٱلْءَاخِرَةِ ۚ وَمَن يُقَٰتِلْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًۭا

So let those fight in the cause of Allah who sell the life of this world for the Hereafter. And he who fights in the cause of Allah and is killed or achieves victory - We will bestow upon him a great reward.

ولَمّا بَيَّنَ أنَّ مَحَطَّ حالِ القاعِدِ عَنِ الجِهادِ الدُّنْيا؛ عُلِمَ أنَّ قَصْدَ المُجاهِدِ الآخِرَةُ؛ فَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ قَوْلَهُ: ﴿فَلْيُقاتِلْ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾؛ أيْ: بِسَبَبِ تَسْهِيلِ طَرِيقِ المَلِكِ؛ الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ؛ وحِفْظُ النّاسِ عَلَيْهِ؛ ﴿الَّذِينَ يَشْرُونَ﴾؛ أيْ: يَبِيعُونَ بِرَغْبَةٍ؛ ولَجاجَةٍ؛ وهُمُ المُؤْمِنُونَ؛ أوْ يَأْخُذُونَ؛ وهُمُ المُنافِقُونَ - اسْتِعْمالًا لِلْمُشْتَرَكِ في مَدْلُولَيْهِ؛ ﴿الحَياةَ الدُّنْيا﴾؛ فَيَتْرُكُونَها؛ ﴿بِالآخِرَةِ﴾؛ ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: ”فَإنَّهُ مَن قَعَدَ عَنِ الجِهادِ؛ فَقَدْ رَضِيَ في الآخِرَةِ بِالدُّنْيا“؛ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿ومَن يُقاتِلْ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾؛ أيْ: يُرِيدُ إعْلاءَ كَلِمَةِ المَلِكِ المُحِيطِ بِصِفاتِ الجَمالِ؛ والجَلالِ؛ ﴿فَيُقْتَلْ﴾؛ أيْ: في ذَلِكَ الوَجْهِ؛ وهو عَلى تِلْكَ النِّيَّةِ؛ بَعْدَ أنْ يَغْلِبَ القَضاءُ والقَدَرُ عَلى نَفْسِهِ؛ ﴿أوْ يَغْلِبْ﴾؛ أيْ: الكُفّارَ؛ فَيَسْلَمْ؛ ﴿فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ﴾؛ أيْ: بِوَعْدٍ لا خُلْفَ فِيهِ؛ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ المُحِيطَةِ بِالخَيْرِ؛ والشَّرِّ؛ والآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: ذِكْرُ القَتْلِ أوَّلًا دَلِيلٌ عَلى السَّلامَةِ ثانِيًا؛ وذِكْرُ الغالِبِيَّةِ ثانِيًا دَلِيلٌ عَلى المَغْلُوبِيَّةِ أوَّلًا؛ ورُبَّما دَلَّ التَّعْبِيرُ بِـ ”سَوْفَ“؛ عَلى طُولِ عُمْرِ المُجاهِدِ غالِبًا - خِلافًا لِما يَتَوَهَّمُهُ كَثِيرٌ مِنَ النّاسِ -؛ إعْلامًا بِأنَّ المَدارَ عَلى فِعْلِ الفاعِلِ المُخْتارِ؛ لا عَلى الأسْبابِ؛ ﴿أجْرًا عَظِيمًا﴾؛ أيْ: في الدّارَيْنِ؛ عَلى اجْتِهادِهِ في إعْزازِ دِينِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ وتَعالى.

واقْتِصارُهُ عَلى هَذَيْنِ القِسْمَيْنِ حَثٌّ عَلى الثَّباتِ؛ ولَوْ كانَ العَدُوُّ أكْثَرَ مِنَ الضِّعْفِ؛ فَكَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً؛ ”واللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشاءُ“؛ ”واللَّهُ مَعَ الصّابِرِينَ“ .

75

وَمَا لَكُمْ لَا تُقَٰتِلُونَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ ٱلرِّجَالِ وَٱلنِّسَآءِ وَٱلْوِلْدَٰنِ ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا مِنْ هَٰذِهِ ٱلْقَرْيَةِ ٱلظَّالِمِ أَهْلُهَا وَٱجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيًّۭا وَٱجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا

And what is [the matter] with you that you fight not in the cause of Allah and [for] the oppressed among men, women, and children who say, "Our Lord, take us out of this city of oppressive people and appoint for us from Yourself a protector and appoint for us from Yourself a helper?"

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: ”فَما لَكَمَ لا تُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ لِهَذا الأجْرِ الكَثِيرِ مِمَّنْ لا يُخْلِفُ المِيعادَ“؛ وكانُوا يَقُولُونَ: إنّا لا نُعْطِي المِيراثَ إلّا لِمَن يَحْمِي الذِّمارَ؛ ويَذُبُّ عَنِ الجارِ؛ ويَمْنَعُ الحَوْزَةَ؛ قالَ - عاطِفًا عَلى هَذا المُقَدَّرِ؛ مُلْهِبًا لَهُمْ؛ ومُهَيِّجًا؛ ومُبَكِّتًا لِلْقاعِدِينَ؛ ومُوَبِّخًا -: ﴿وما﴾؛ أيْ: وأيُّ شَيْءٍ؛ ﴿لَكُمْ﴾؛ مِن دُنْيا أوْ آخِرَةٍ؛ حالَ كَوْنِكم ﴿لا تُقاتِلُونَ﴾؛ أيْ: تُجَدِّدُونَ القِتالَ في كُلِّ وقْتٍ؛ لا تَمَلُّونَهُ؛ ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾؛ أيْ: بِسَبَبِ تَسْهِيلِ طَرِيقِ المَلِكِ؛ الَّذِي لَهُ العَظَمَةُ الكامِلَةُ؛ والغِنى المُطْلَقُ؛ وبِسَبَبِ خَلاصِ؛ ﴿والمُسْتَضْعَفِينَ﴾؛ أيْ: المَطْلُوبِ مِنَ الكُفّارِ ضَعْفُهم حَتّى صارَ مَوْجُودًا؛ ويَجُوزُ - وهو أقْعَدُ - أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى الِاخْتِصاصِ؛ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ مِن أجَلِّ ما في سَبِيلِ اللَّهِ.

ولَمّا كانَ الإنْكاءُ مِن هَذا ما لِمَن كانَ رَجاءُ نَفْعِهِ أعْظَمَ؛ ثُمَّ ما لِمَن يَكُونُ العارُ بِهِ أقْوى وأحْكَمَ؛ رَتَّبَهم هَذا التَّرْتِيبَ؛ فَقالَ: ﴿مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ والوِلْدانِ﴾؛ أيْ: المُسْلِمِينَ؛ الَّذِينَ حَبَسَهُمُ الكُفّارُ عَنِ الهِجْرَةِ؛ وكانُوا يُعَذِّبُونَهم ويَفْتِنُونَهم عَنْ دِينِهِمْ؛ وكُلٌّ مِنهُما كافٍ في بَعْثِ ذَوِي الهِمَمِ العالِيَةِ؛ والمَكارِمِ؛ عَلى القِتالِ؛ ثُمَّ وصَفَهم بِما يُهَيِّجُ إلى نَصْرِهِمْ؛ ويَحُثُّ عَلى غِياثِهِمْ؛ فَقالَ: ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ﴾؛ أيْ: لا يَفْتُرُونَ؛ ﴿رَبَّنا﴾؛ أيْ: أيُّها المُحْسِنُ إلَيْنا بِإخْراجِنا مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ؛ ﴿أخْرِجْنا مِن هَذِهِ القَرْيَةِ﴾؛ ثُمَّ وصَفُوها بِالحامِلِ عَلى هَذا الدُّعاءِ؛ فَقالُوا: ﴿الظّالِمِ أهْلُها﴾؛ أيْ: بِما تُيَسِّرُهُ لَنا مِنَ الأسْبابِ؛ ﴿واجْعَلْ لَنا مِن لَدُنْكَ﴾؛ أيْ: مِن أُمُورِكَ العَجِيبَةِ في الأُمُورِ الخارِقَةِ لِلْعاداتِ؛ ﴿ولِيًّا﴾؛ يَتَوَلّى مَصالِحَنا؛ ولَمّا كانَ الوَلِيُّ قَدْ لا يَكُونُ فِيهِ قُوَّةُ النَّصْرِ؛ قالُوا: ﴿واجْعَلْ لَنا﴾؛ ولَمّا كانُوا يُرِيدُونَ أنْ يَأْتِيَهم خَوارِقُ كَرَّرُوا قَوْلَهُمْ: ﴿مِن لَدُنْكَ نَصِيرًا﴾؛ أيْ: بَلِيغَ النَّصْرِ؛ إلى حَدٍّ تَعَجَّبَ مِنهُ المُعْتادُونَ لِلْخَوارِقِ؛ فَكانَ بِهَذا الكَلامِ كَأنَّهُ - سُبْحانَهُ وتَعالى - قالَ: قَدْ جَعَلْتُ لَكُمُ الحَظَّ الأوْفَرَ مِنَ المِيراثِ؛ فَما لَكم لا تُقاتِلُونَ في سَبِيلِي؛ شُكْرًا لِنِعْمَتِي؛ وأيْنَ ما تَدَّعُونَ مِنَ الحَمِيَّةِ والحِمايَةِ؟ ما لَكُمَ لا تُقاتِلُونَ في نَصْرِ هَؤُلاءِ الضُّعَفاءِ؛ لِتَحَقُّقِ حِمايَتِكم لِلذِّمارِ ومَنعِكم لِلْحَوْزَةِ؛ وذَبِّكم عَنِ الجارِ؟!

76

ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ يُقَٰتِلُونَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ۖ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ يُقَٰتِلُونَ فِى سَبِيلِ ٱلطَّٰغُوتِ فَقَٰتِلُوٓا۟ أَوْلِيَآءَ ٱلشَّيْطَٰنِ ۖ إِنَّ كَيْدَ ٱلشَّيْطَٰنِ كَانَ ضَعِيفًا

Those who believe fight in the cause of Allah, and those who disbelieve fight in the cause of Taghut. So fight against the allies of Satan. Indeed, the plot of Satan has ever been weak.

ولَمّا أخْبَرَ عَنِ افْتِقارِهِمْ إلى الأنْصارِ؛ وتَظَلُّمِهِمْ مِنَ الكُفّارِ؛ اسْتَأْنَفَ الإخْبارَ عَنِ الفَرِيقَيْنِ؛ فَقالَ - مُؤَكِّدًا لِلتَّرْغِيبِ في الجِهادِ -: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾؛ أيْ: صَدَقُوا في دَعْواهُمُ الإيمانَ؛ ﴿يُقاتِلُونَ﴾؛ أيْ: تَصْدِيقًا لِدَعْواهُمْ؛ مِن غَيْرِ فَتْرَةٍ أصْلًا؛ ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ بِجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ؛ قاصِدِينَ وجْهَهُ بِحِمايَةِ الذِّمارِ وغَيْرِهِ؛ وأمّا مَن لَمْ يُصَدِّقْ دَعْواهُ بِهَذا فَما آمَنَ؛ ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا يُقاتِلُونَ﴾؛ أيْ: كَذَلِكَ ﴿فِي سَبِيلِ الطّاغُوتِ﴾؛ فَلا ولِيَّ لَهُمْ؛ ولا ناصِرَ.

ولَمّا كانَ الطّاغُوتُ الشَّيْطانَ؛ أوْ مَن زَيَّنَهُ الشَّيْطانُ؛ وكانَ كُلُّ مَن عَصى اللَّهَ مِنهُ؛ ومِمَّنْ أغْواهُ؛ حَقِيرًا؛ سَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ قَوْلَهُ: ﴿فَقاتِلُوا أوْلِياءَ الشَّيْطانِ﴾؛ ثُمَّ عَلَّلَ الجُرْأةَ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ﴾؛ أيْ: الَّذِي هو رَأْسُ العُصاةِ؛ ﴿كانَ﴾؛ جِبِلَّةً وطَبْعًا؛ ﴿ضَعِيفًا﴾

77

أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوٓا۟ أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُوا۟ ٱلزَّكَوٰةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ ٱلْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌۭ مِّنْهُمْ يَخْشَوْنَ ٱلنَّاسَ كَخَشْيَةِ ٱللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةًۭ ۚ وَقَالُوا۟ رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا ٱلْقِتَالَ لَوْلَآ أَخَّرْتَنَآ إِلَىٰٓ أَجَلٍۢ قَرِيبٍۢ ۗ قُلْ مَتَٰعُ ٱلدُّنْيَا قَلِيلٌۭ وَٱلْءَاخِرَةُ خَيْرٌۭ لِّمَنِ ٱتَّقَىٰ وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا

Have you not seen those who were told, "Restrain your hands [from fighting] and establish prayer and give zakah"? But then when fighting was ordained for them, at once a party of them feared men as they fear Allah or with [even] greater fear. They said, "Our Lord, why have You decreed upon us fighting? If only You had postponed [it for] us for a short time." Say, The enjoyment of this world is little, and the Hereafter is better for he who fears Allah. And injustice will not be done to you, [even] as much as a thread [inside a date seed]."

ولَمّا عَرَّفَهم هَذِهِ المَفاوِزَ الأُخْرَوِيَّةَ والمَفاخِرَ الدُّنْيَوِيَّةَ؛ وخَتَمَ بِما يُنْهِضُ الجَبانَ؛ ويُقَوِّي الجَنانَ؛ ورَغَّبَهم بِما شَوَّقَ إلَيْهِ مِن نَعِيمِ الجِنانِ؛ عَجِبَ مِن حالِ مَن تَوانى بَعْدَ ذَلِكَ واسْتَكانَ؛ فَقالَ (تَعالى) - مُقْبِلًا بِالخِطابِ عَلى أعْبَدِ خَلْقِهِ؛ وأطْوَعِهِمْ لِأمْرِهِ -: ﴿ألَمْ تَرَ﴾؛ وأشارَ إلى أنَّهم بِمَحَلِّ بُعْدٍ عَنْ حَضْرَتِهِ؛ تَنْهِيضًا لَهم بِقَوْلِهِ: ﴿إلى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ﴾؛ أيْ: جَوابًا لِقَوْلِهِمْ: إنّا نُرِيدُ أنْ نَبْسُطَ أيْدِيَنا إلى الكُفّارِ بِالقِتالِ؛ لِأنَّ امْتِحانَنا بِهِمْ قَدْ طالَ؛ ﴿كُفُّوا أيْدِيَكُمْ﴾؛ أيْ: ولا تَبْسُطُوها إلَيْهِمْ؛ فَإنّا لَمْ نَأْمُرْ بِهَذا؛ ﴿وأقِيمُوا الصَّلاةَ﴾؛ أيْ: صِلَةً بِالخالِقِ؛ واسْتِنْصارًا عَلى المُشاقِقِ؛ ﴿وآتُوا الزَّكاةَ﴾؛ مُنَمّاةً لِلْمالِ؛ وطُهْرَةً لِلْأخْلاقِ؛ وصِلَةً لِلْخَلائِقِ؛ ﴿فَلَمّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ القِتالُ﴾؛ أيْ: الَّذِي طَلَبُوهُ؛ وهم يُؤْمَرُونَ بِالصَّفْحِ؛ كِتابَةً لا تَنْفَكُّ إلى آخِرِ الدَّهْرِ؛ ﴿إذا فَرِيقٌ مِنهُمْ﴾؛ أيْ: ناسٌ تَلْزَمُ عَنْ فِعْلِهِمُ الفُرْقَةُ؛ فَأحَبُّوا هَذا الكَتْبَ بِأنَّهُمْ؛ ﴿يَخْشَوْنَ النّاسَ﴾؛ أيْ: الَّذِينَ هم مِثْلُهُمْ؛ أنْ يَضُرُّوهُمْ؛ والحالُ أنَّهُ يَقْبُحُ عَلَيْهِمْ أنْ يَكُونُوا أجْرَأ مِنهُمْ؛ وهم ناسٌ مِثْلُهُمْ؛ ﴿كَخَشْيَةِ اللَّهِ﴾؛ أيْ: مِثْلَما يَخْشَوْنَ اللَّهَ؛ الَّذِي هو القادِرُ؛ لا غَيْرُهُ. ولَمّا كانَ كَفُّهم عَنِ القِتالِ شَدِيدًا؛ يُوجِبُ لِمَن يَراهُ مِنهم أنْ يَظُنَّ بِهِمْ مِنَ الجُبْنِ ما يَتَرَدَّدُ بِهِ في المُوازَنَةِ بَيْنَ خَوْفِهِمْ مِنَ النّاسِ؛ وخَوْفِهِمْ مِنَ اللَّهِ؛ عَبَّرَ بِأداةِ الشَّكِّ؛ فَقالَ: ﴿أوْ أشَدَّ خَشْيَةً﴾؛ أيْ: أوْ كانَتْ خَشْيَتُهم لَهم عِنْدَ النّاظِرِ لَهم أشَدَّ مِن خَشْيَتِهِمْ مِنَ اللَّهِ؛ فَقَدْ أفادَ هَذا أنَّ خَوْفَهم مِنَ النّاسِ لَيْسَ بِأقَلَّ مِن خَوْفِهِمْ مِنَ اللَّهِ جَزْمًا؛ بَلْ إمّا مِثْلُهُ أوْ أشَدُّ مِنهُ؛ وقَدْ يَكُونُ الإبْهامُ لِتَفاوُتٍ بِالنِّسْبَةِ إلى وقْتَيْنِ؛ فَيَكُونُ خَوْفُهم مِنهُ في وقْتٍ مُتَساوِيًا؛ وفي آخَرَ أزْيَدَ؛ فَهو مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ هَذَيْنِ الحالَيْنِ؛ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ كِنايَةً عَنْ كَراهَتِهِمُ القِتالَ في ذَلِكَ الوَقْتِ؛ وتَمَنِّيهِمْ لِتَأْخِيرِهِ إلى وقْتٍ ما.

وأيَّدَ ما تَقَدَّمَ مِنَ الظَّنِّ بِقَوْلِهِ ما هو كالتَّعْلِيلِ لِلْكَراهَةِ: ﴿وقالُوا﴾؛ جَزَعًا مِنَ المَوْتِ؛ أوِ المَتاعِبِ - إنْ كانُوا مُؤْمِنِينَ -؛ أوِ اعْتِراضًا - إنْ كانُوا مُنافِقِينَ -؛ عَلى تَقْدِيرِ صِحَّةِ ما يَقُولُ الرَّسُولُ ﷺ ﴿رَبَّنا﴾؛ أيْ: أيُّها المُحْسِنُ إلَيْنا؛ القَرِيبُ مِنّا؛ ﴿لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنا القِتالَ﴾؛ أيْ: ونَحْنُ الضُّعَفاءُ؛ ﴿لَوْلا﴾؛ أيْ: هَلّا؛ ﴿أخَّرْتَنا﴾؛ أيْ: عَنِ الأمْرِ بِالقِتالِ؛ ﴿إلى أجَلٍ قَرِيبٍ﴾؛ أيْ: لِنَأْخُذَ راحَةً مِمّا كُنّا فِيهِ مِنَ الجُهْدِ مِنَ الكُفّارِ بِمَكَّةَ.

وسَبَبُ نُزُولِها «أنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ؛ والمِقْدادَ بْنَ الأسْوَدِ الكِنْدِيَّ؛ وقُدامَةَ بْنَ مَظْعُونٍ؛ وسَعْدَ بْنَ أبِي وقاصٍّ؛ وجَماعَةً - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - كانُوا يَلْقَوْنَ مِنَ المُشْرِكِينَ بِمَكَّةَ أذًى كَثِيرًا قَبْلَ أنْ يُهاجِرُوا؛ ويَقُولُونَ: يا رَسُولَ اللَّهِ؛ ائْذَنْ لَنا في قِتالِهِمْ؛ فَإنَّهم قَدْ آذَوْنا؛ فَيَقُولُ لَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”كُفُّوا أيْدِيَكُمْ؛ فَإنِّي لَمْ أُومَرْ بِقِتالِهِمْ؛ وأقِيمُوا الصَّلاةَ؛ وآتُوا الزَّكاةَ“؛ فَلَمّا هاجَرُوا إلى المَدِينَةِ؛ وأمَرَهُمُ اللَّهُ - سُبْحانَهُ وتَعالى - …

78

أَيْنَمَا تَكُونُوا۟ يُدْرِككُّمُ ٱلْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِى بُرُوجٍۢ مُّشَيَّدَةٍۢ ۗ وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌۭ يَقُولُوا۟ هَٰذِهِۦ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ ۖ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌۭ يَقُولُوا۟ هَٰذِهِۦ مِنْ عِندِكَ ۚ قُلْ كُلٌّۭ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ ۖ فَمَالِ هَٰٓؤُلَآءِ ٱلْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًۭا

Wherever you may be, death will overtake you, even if you should be within towers of lofty construction. But if good comes to them, they say, "This is from Allah "; and if evil befalls them, they say, "This is from you." Say, "All [things] are from Allah." So what is [the matter] with those people that they can hardly understand any statement?

ولَمّا زَهَّدَهم في دارِ المَتاعِبِ والأكْدارِ عَلى تَقْدِيرِ طُولِ البَقاءِ؛ وكانُوا كَأنَّهم يَرْجُونَ بِتَرْكِ القِتالِ الخُلُودَ؛ أوْ تَأْخِيرَ مَوْتٍ يُسَبِّبُهُ القِتالُ؛ نَبَّهَهم عَلى ما يَتَحَقَّقُونَ؛ مِن أنَّ المَنِيَّةَ مَنهَلٌ لا بُدَّ مِن وُرُودِهِ؛ في الوَقْتِ الَّذِي قُدِّرَ لَهُ؛ وإنِ امْتَنَعَ الإنْسانُ مِنهُ في الحُصُونِ؛ أوْ رَمى نَفْسَهُ في المَتالِفِ؛ فَقالَ (تَعالى) - مُبَكِّتًا مَن قالَ ذَلِكَ؛ مُؤَكِّدًا بِـ ”ما“؛ النّافِيَةِ لِنَقِيضِ ما تَضَمَّنَهُ الكَلامُ؛ لِأنَّ حالَهم حالُ مَن يُنْكِرُ المَوْتَ بِغَيْرِ القِتالِ؛ مُجِيبًا بِحاقِّ الجَوابِ؛ بَعْدَما أوْرَدَ الجَوابَ الأوَّلَ عَلى سَبِيلِ التَّنَزُّلِ -: ﴿أيْنَما تَكُونُوا﴾؛ أيُّها النّاسُ؛ كُلُّكُمْ؛ مُطِيعُكُمْ؛ وعاصِيكُمْ؛ ﴿يُدْرِكْكُمُ المَوْتُ﴾؛ أيْ: فَإنَّهُ طالِبٌ؛ لا يَفُوتُهُ هارِبٌ؛ ﴿ولَوْ كُنْتُمْ في بُرُوجٍ﴾؛ أيْ: حُصُونٍ؛ بُرْجٍ داخِلَ بُرْجٍ؛ أوْ كُلُّ واحِدٍ مِنكم في بُرْجٍ.

ولَمّا كانَ ذَلِكَ جَمْعًا ناسَبَ التَّشْدِيدَ المُرادَ بِهِ الكَثْرَةُ فِي: ﴿مُشَيَّدَةٍ﴾؛ أيْ: مُطَوَّلَةٍ؛ كُلُّ واحِدٍ مِنها شاهِقٌ في الهَواءِ؛ مَنِيعٌ؛ وهو مَعَ ذَلِكَ مَطْلِيٌّ بِالشَّيْدِ؛ أيْ: بِالجَصِّ؛ فَلا خَلَلَ فِيهِ أصْلًا؛ ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالتَّشَيُّدِ مُجَرَّدُ الإتْقانِ؛ يَعْنِي أنَّها مُبالَغٌ في تَحْصِينِها - لِأنَّ السِّياقَ أيْضًا يَقْتَضِيهِ؛ فَإذا كانَ لا بُدَّ مِنَ المَوْتِ فَلَأنْ يَكُونَ في الجِهادِ الَّذِي يَسْتَعْقِبُ السَّعادَةَ الأبَدِيَّةَ أوْلى مِن أنْ يَكُونَ في غَيْرِهِ. ثُمَّ عَطَفَ ما بَقِيَ مِن أقْوالِهِمْ عَلى ما سَلَفَ مِنها؛ في قَوْلِهِ: ﴿رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ﴾ [النساء: ٧٧]؛ إلى آخِرِهِ؛ وإنْ كانَ هَذا النّاسُ مِنهم غَيْرَ الأوَّلِينَ؛ ويَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ لَمّا أخْبَرَ أنَّ الحَذَرَ لا يُغْنِي مِنَ القَدَرِ؛ أتْبَعَ ذَلِكَ حالًا لَهُمْ؛ مُبَكِّتًا بِهِ لِمَن تَوانى في أمْرِهِ؛ مُؤْذِنًا بِالِالتِفاتِ إلى الغَيْبَةِ؛ إعْراضًا عَنْ خِطابِهِمْ بِبَعْضِ غَضَبٍ؛ لِأنَّهم جَمَعُوا إلى الإخْلالِ بِتَعْظِيمِهِمْ لِلَّهِ (تَعالى) الإخْلالَ بِالأدَبِ مَعَ الرَّسُولِ ﷺ؛ الَّذِي أرْسَلَهُ لِيُطاعَ بِإذْنِ اللَّهِ؛ فَقالَ: ﴿وإنْ﴾؛ أيْ: قالُوا ذَلِكَ والحالُ أنَّهُ إنْ ﴿تُصِبْهُمْ﴾؛ أيْ: بَعْضَ المَدْعُوِّينَ مِنَ الأُمَّةِ؛ وهم مَن كانَ في قَلْبِهِ مَرَضٌ؛ ﴿حَسَنَةٌ﴾؛ أيْ: شَيْءٌ يُعْجِبُهُمْ؛ ويَحْسُنُ وقْعُهُ عِنْدَهُمْ؛ مِن أيِّ شَيْءٍ كانَ؛ ﴿يَقُولُوا هَذِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ؛ لا دَخْلَ لَكَ فِيها؛ ﴿وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ﴾؛ أيْ: حالَةٌ تَسُوؤُهُمْ؛ مِن أيِّ جِهَةٍ كانَتْ؛ ﴿يَقُولُوا هَذِهِ مِن عِنْدِكَ﴾؛ أيْ: مِن جِهَةِ حُلُولِكَ في هَذا البَلَدِ؛ تَطَيُّرًا بِكَ.

ولَمّا كانَ هَذا أمْرًا فادِحًا؛ ولِلْفُؤادِ مُحْرِقًا؛ وقادِحًا؛ سَهَّلَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ كُلٌّ﴾؛ أيْ: مِنَ السَّيِّئَةِ؛ والحَسَنَةِ؛ في الحَقِيقَةِ؛ دُنْيَوِيَّةً كانَتْ أوْ أُخْرَوِيَّةً؛ ﴿مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ كُلُّ شَيْءٍ؛ ولا شَيْءَ لِغَيْرِهِ؛ وذَلِكَ - كَما قالُوا - «لَمّا ماتَ أبُو أُمامَةَ؛ أسْعَدُ بْنُ زُرارَةَ؛ نَقِيبُ بَنِي النَّجّارِ - رَضِيَ اللَّهُ (تَعالى) عَنْهُ - عِنْدَما هاجَرَ النَّبِيُّ ﷺ؛ فَقالَ النَّبِيَّ ﷺ كَما في السِّيرَةِ -: ”بِئْسَ المَيِّتُ أبُو أُمامَةَ لِيَهُودِ ومُنافِقِي العَرَبِ! يَقُولُونَ: لَوْ كانَ نَبِيًّا لَمْ يَمُتْ صاحِبُهُ؛ ولا أمْلِكُ لِنَفْسِي ولا لِصاحِبِي مِنَ اللَّهِ شَيْئًا“؛» ولَمّا تَسَبَّبَ عَنْ هَذا مَعْرِفَةُ أنَّهم أخْطَؤُوا في ذَلِكَ؛ فاسْتَحَقُّوا …

79

مَّآ أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍۢ فَمِنَ ٱللَّهِ ۖ وَمَآ أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍۢ فَمِن نَّفْسِكَ ۚ وَأَرْسَلْنَٰكَ لِلنَّاسِ رَسُولًۭا ۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيدًۭا

What comes to you of good is from Allah, but what comes to you of evil, [O man], is from yourself. And We have sent you, [O Muhammad], to the people as a messenger, and sufficient is Allah as Witness.

ولَمّا أجابَهم بِما هو الحَقُّ إيجادًا؛ عَلَّمَهم ما هو الأدَبُ؛ لِمُلاحَظَةِ السَّبَبِ؛ فَقالَ – مُسْتَأْنِفًا -: ﴿ما أصابَكَ مِن حَسَنَةٍ﴾؛ أيْ: نِعْمَةٍ دُنْيَوِيَّةٍ؛ أوْ أُخْرَوِيَّةٍ؛ ﴿فَمِنَ اللَّهِ﴾؛ أيْ: إيجادًا وفَضْلًا؛ والإيمانُ أحْسَنُ الحَسَناتِ؛ قالَ الإمامُ: إنَّهم يَقُولُونَ: إنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ومَن أحْسَنُ قَوْلا مِمَّنْ دَعا إلى اللَّهِ﴾ [فصلت: ٣٣]؛ المُرادُ بِهِ كَلِمَةُ الشَّهادَةِ.

﴿وما أصابَكَ﴾؛ وأنْتَ خَيْرُ الخَلْقِ؛ ﴿مِن سَيِّئَةٍ﴾؛ أيْ: بَلاءٍ؛ ﴿فَمِن نَفْسِكَ﴾؛ أيْ: بِسَبَبِها؛ فَغَيْرُكَ بِطَرِيقِ الأوْلى؛ ولَمّا اقْتَضى قَوْلُهم إنْكارَ رِسالَتِهِ ﷺ؛ إلّا إنْ فَعَلَ كُلَّ خارِقٍ؛ وأخْبَرَ - سُبْحانَهُ وتَعالى - بِأنَّهُ مُسْتَوٍ مَعَ الخَلْقِ في القُدْرَةِ؛ قالَ - سُبْحانَهُ وتَعالى - مُخْبِرًا بِما اخْتَصَّهُ بِهِ عَنْهم -: ﴿وأرْسَلْناكَ﴾؛ أيْ: مُخْتَصِّينَ لَكَ بِعَظَمَتِنا؛ ﴿لِلنّاسِ﴾؛ أيْ: كافَّةً؛ ﴿رَسُولا﴾؛ أيْ: تَفْعَلُ ما عَلى الرُّسُلِ مِنَ البَلاغِ؛ ونَحْوِهِ؛ وقَدِ اجْتَهَدْتَ في البَلاغِ والنَّصِيحَةِ؛ ولَمْ نَجْعَلْكَ إلَهًا تَأْتِي بِما يُطْلَبُ مِنكَ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ؛ فَإنْ أنْكَرُوا رِسالَتَكَ فاللَّهُ يَشْهَدُ بِنَصْبِ المُعْجِزاتِ؛ والآياتِ البَيِّناتِ ﴿وكَفى بِاللَّهِ﴾؛ المُحِيطِ عِلْمًا وقُدْرَةً؛ ﴿شَهِيدًا﴾؛ لَكَ بِالرِّسالَةِ؛ والبَلاغِ؛

80

مَّن يُطِعِ ٱلرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ ٱللَّهَ ۖ وَمَن تَوَلَّىٰ فَمَآ أَرْسَلْنَٰكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًۭا

He who obeys the Messenger has obeyed Allah; but those who turn away - We have not sent you over them as a guardian.

ولَمّا نَفى عِلَلَهم في التَّخَلُّفِ عَنْ طاعَتِهِ؛ إلى أنْ خَتَمَ بِالشَّهادَةِ بِرِسالَتِهِ؛ قالَ - مُرَغِّبًا؛ مُرَهِّبًا؛ عَلى وجْهٍ عامٍّ يُسَكِّنُ قَلْبَهُ؛ ويُخَفِّفُ مِن دَوامِ عِصْيانِهِمْ لَهُ؛ دالًّا عَلى عِصْمَتِهِ في جَمِيعِ حَرَكاتِهِ؛ وسَكَناتِهِ -: ﴿مَن يُطِعِ الرَّسُولَ﴾؛ أيْ: كَما هو مُقْتَضى حالِهِ؛ ﴿فَقَدْ أطاعَ اللَّهَ﴾؛ المَلِكَ الأعْظَمَ الَّذِي لا كُفُؤَ لَهُ؛ لِأنَّهُ داعٍ إلَيْهِ؛ وهو لا يَنْطِقُ عَنِ الهَوى؛ إنَّما يُخْبَرُ بِما يُوحِيهِ إلَيْهِ؛ ﴿ومَن تَوَلّى﴾؛ أيْ: عَنْ طاعَتِهِ؛ ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: ”فَإنَّما عَصى اللَّهَ؛ واللَّهُ - سُبْحانَهُ وتَعالى - عالِمٌ بِهِ؛ وقادِرٌ عَلَيْهِ؛ فَلَوْ أرادَ لَرَدَّهُ؛ ولَوْ شاءَ لَأهْلَكَهُ بِطُغْيانِهِ؛ فاتْرُكْهُ وذاكَ“؛ عَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَما أرْسَلْناكَ﴾؛ أيْ: بِعَظَمَتِنا؛ ﴿عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾؛ إنَّما أرْسَلْناكَ داعِيًا.

Commentary: Nazm al-Durar by Burhan al-Din al-Biqa'i. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.