وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا۟ إِلَىٰ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَإِلَى ٱلرَّسُولِ رَأَيْتَ ٱلْمُنَٰفِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًۭا
And when it is said to them, "Come to what Allah has revealed and to the Messenger," you see the hypocrites turning away from you in aversion.
ثم قال الله تبارك وتعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [النساء ٦٠] الاستفهام هنا للتعجيب، يعني ألا تتعجب إلى هؤلاء؟ والخطاب في قوله: ﴿تَرَ﴾ يجوز أن يكون موجهًا إلى الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ويجوز أن يكون موجهًا لكل مخاطب بهذا الكتاب العزيز، وإذا دار الأمر بين هذا وهذا فالأولى الثاني أو الأول؟ الأولى الثاني؛ أن يكون محمولًا على العموم. وعلى الأول، وهو أن المخاطب بها الرسول ﷺ لا يعني أن الأمة لا تخاطب به؛ لأن ما خوطب به الرسول، فهو خطاب للأمة؛ إما عن طريق الأُسوة وإما لأنه القائد، والخطاب للقائد خطاب له ولمن يتّبعه في قيادته.
فهاهنا أمور ثلاثة:
أولًا: هل الخطاب عام للرسول وللأمة؟ قلنا: إذا لم يكن مانع فهذا هو الأصل، وهو الأصح.
ثانيًا: إذا قلنا: خاص بالرسول هل هو خاص به وغيره من الأمة يكون تبعًا له عن طريق الأسوة، أو أنه وجّه للرسول خطابًا لا حكمًا بمعنى أنه لما كان هو القائد الإمام لهذه الأمة وجّه إليها الخطاب والخطاب الموجه للقائد يكون خطابًا له ولمن وراءه؟
فيه احتمالان، وأيًّا كان فإن الخطاب واضح، نقول: للعموم، يعني: ألم تر أيها المخاطب إلى الذين يزعمون. الآن هذا التقدير كله سوف يهدمه قوله: ﴿يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ مما يجعلنا نقول: إن الصحيح أنه خطاب للرسول ﷺ، لكن كلامنا الأول باق على القاعدة أنه إذا لم يوجد مانع فالأصل حمله على العموم، هنا وجد مانع وهو قوله: ﴿إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ ومعلوم أنه لم يُنزل إلى كل واحد منا وحي، فيكون هذا خطاب للرسول عليه الصلاة والسلام، والأمة تبع له، إما عن طريق التأسي، أو لأنه القائد، والخطاب للقائد خطاب لمن تبعه ﴿إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا﴾، ﴿يَزْعُمُونَ﴾ أي يقولون، وهذه المقولة يُنظر هل تكون صحيحة أو لا، ﴿يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ كاليهود مثلًا يقولون: نحن نؤمن بما أنزل إليك يا محمد، ونؤمن بالتوراة، والنصارى يقولون: نؤمن بما أنزل إليك ونؤمن بالإنجيل والتوراة، ولكنهم ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ﴾ هذا محل التعجب، يزعمون وهم يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت، والطاغوت كل ما خالف الشرع، في هذه الآية كل ما خالف الشرع؛ لأن ما خالف الشرع فهو طغيان، فيريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت، ﴿وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾ أي يكفروا بالطاغوت، ومن الآمر لهم؟ الآمر هو الله عز وجل، لكنه أتى بصيغة الاسم المفعول ليكون هذا الأمر وإن كان أصله من الله فهو أيضًا صادر من الرسول ومن كل مؤمن، كلُّ مؤمن يأمر أن يكون التحاكم إلى الله ورسوله وأن يكفر الإنسان بالطاغوت، ﴿وَقَدْ أُمِرُوا﴾ أي من قبل الله ومن قبل أولياء الله ﴿أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾ أي بالطاغوت.
وإنما قلنا: إنه من قبل الله ومن قبل أوليائه؛ لأنه نظير قوله: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة ٧] يعني: ولم يقل: غير الذين غضبت عليهم؛ لأن طريقة هؤلاء تغضب الله وتغضب أولياء الله، ﴿وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾، إذن فهم تابعون للشيطان الذي يملي عليهم التحاكم إلى الطاغوت، فالشيطان يريد أن يضلهم ضلالًا بعيدًا، أي بعيدًا عن الحق؛ لأن التحاكم إلى الطاغوت يوجب للإنسان أن يبتعد عن الحق، وأن يعلق قلبه بهذا الطاغوت.
فإذا قال قائل: مثاله؟
نقول: المثال: دعي أحد من الناس إلى القرآن الكريم، ولكن قال: لا، نتحاكم إلى التوراة، نتحاكم إلى الإنجيل، نتحاكم إلى القانون الفلاني، نقول: كيف …