Muslim99Muslim99
← Tafsir library

4. An-Nisaa

The Women · Medinan · 176 ayahs

سُورَةُ النِّسَاءِ

Reading Irshad al-'Aql al-Salim by Abu al-Su'ud

Ayahs 61–70 of 176

61

وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا۟ إِلَىٰ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَإِلَى ٱلرَّسُولِ رَأَيْتَ ٱلْمُنَٰفِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًۭا

And when it is said to them, "Come to what Allah has revealed and to the Messenger," you see the hypocrites turning away from you in aversion.

﴿وَإذا قِيلَ لَهم تَعالَوْا إلى ما أنْزَلَ اللَّهُ وإلى الرَّسُولِ﴾ تَكْمِلَةٌ لِمادَّةِ التَّعْجِيبِ بِبَيانِ إعْراضِهِمْ صَرِيحًَا عَنِ التَّحاكُمِ إلى كِتابِ اللَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ إثْرَ بَيانِ إعْراضِهِمْ عَنْ ذَلِكَ في ضِمْنِ التَّحاكُمِ إلى الطّاغُوتِ، وقُرِئَ "تَعالُوا" بِضَمِّ الَّلامِ عَلى أنَّهُ حَذَفَ لامَ الفِعْلِ تَخْفِيفًَا كَما في قَوْلِهِمْ: ما بالَيْتُ بالَةً أصْلُها بالِيَةٌ كَعافِيَةٍ وكَما قالُوا في "آيَةٍ": إنَّ أصْلَها أيْيَةٌ فَحُذِفَتِ اللّامُ ووَقَعَتْ واوُ الجَمْعِ بَعْدَ اللّامِ في تَعالى، فَضُمَّتْ فَصارَ تَعالُوا ومِنهُ قَوْلُ أهْلِ مَكَّةَ لِلْمَرْأةِ تَعالِي بِكَسْرِ اللّامِ وعَلَيْهِ قَوْلُ أبِي فِراسٍ الحَمْدانِيِّ:

؎ أيا جارَتِي ما أنْصَفَ الدَّهْرُ بَيْنَنا ∗∗∗ تَعالِي أُقاسِمْكِ الهُمُومَ تَعالِي

﴿رَأيْتَ المُنافِقِينَ﴾ إظْهارُ المُنافِقِينَ في مَقامِ الإضْمارِ لِلتَّسْجِيلِ عَلَيْهِمْ بِالنِّفاقِ وذَمِّهِمْ بِهِ والإشْعارِ بِعِلَّةِ الحُكْمِ والرُّؤْيَةُ بَصَرِيَّةٌ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَصُدُّونَ عَنْكَ﴾ حالٌ مِنَ المُنافِقِينَ، وقِيلَ: الرُّؤْيَةُ قَلْبِيَّةٌ والجُمْلَةُ مَفْعُولٌ ثانٍ لَها والأوَّلُ هو الأنْسَبُ بِظُهُورِ حالِهِمْ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿صُدُودًا﴾ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِفِعْلِهِ، أيْ: يُعْرِضُونَ عَنْكَ إعْراضًَا وأيَّ إعْراضٍ. وقِيلَ: هو اسْمٌ لِلْمَصْدَرِ الَّذِي هو الصَّدُّ والأظْهَرُ أنَّهُ مَصْدَرٌ لِصَدِّ اللّازِمِ والصَّدُّ مَصْدَرٌ لِلْمُتَعَدِّي يُقالُ صَدَّ عَنْهُ صُدُودًَا، أيْ: أعْرَضَ عَنْهُ، وصَدَّهُ عَنْهُ صَدًَّا، أيْ: مَنَعَهُ مِنهُ.

62

فَكَيْفَ إِذَآ أَصَٰبَتْهُم مُّصِيبَةٌۢ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَآءُوكَ يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ إِنْ أَرَدْنَآ إِلَّآ إِحْسَٰنًۭا وَتَوْفِيقًا

So how [will it be] when disaster strikes them because of what their hands have put forth and then they come to you swearing by Allah, "We intended nothing but good conduct and accommodation."

وَقَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَكَيْفَ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ غائِلَةِ جِنايَتِهِمِ المَحْكِيَّةِ ووَخامَةِ عاقِبَتِها، أيْ: كَيْفَ يَكُونُ حالُهم.

﴿إذا أصابَتْهم مُصِيبَةٌ﴾ أيْ: وقْتَ إصابَةِ المُصِيبَةِ إيّاهم بِافْتِضاحِهِمْ بِظُهُورِ نِفاقِهِمْ.

﴿بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ﴾ بِسَبَبِ ما عَمِلُوا مِنَ الجِناياتِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها التَّحاكُمُ إلى الطّاغُوتِ والإعْراضُ عَنْ حُكْمِكَ.

﴿ثُمَّ جاءُوكَ﴾ لِلِاعْتِذارِ عَمّا صَنَعُوا مِنَ القَبائِحِ وهو عَطْفٌ عَلى "أصابَتْهُمْ" والمُرادُ: تَفْظِيعُ حالِهِمْ وتَهْوِيلُ ما دَهَمَهم مِنَ الخَطْبِ واعْتَراهم مِن شِدَّةِ الأمْرِ عِنْدَ إصابَةِ المُصِيبَةِ وعِنْدَ المَجِيءِ لِلِاعْتِذارِ.

﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ﴾ حالٌ مِن فاعِلِ "جاءُوكَ".

﴿إنْ أرَدْنا إلا إحْسانًا وتَوْفِيقًا﴾ أيْ: ما أرَدْنا بِتَحاكُمِنا إلى غَيْرِكَ إلّا الفَصْلَ بِالوَجْهِ الحَسَنِ والتَّوْفِيقَ بَيْنَ الخَصْمَيْنِ ولَمْ نُرِدْ مُخالَفَةً لَكَ ولا تَسَخُّطًَا لِحُكْمِكَ فَلا تُؤاخِذْنا بِما فَعَلْنا وهَذا وعِيدٌ لَهم عَلى ما فَعَلُوا وأنَّهم سَيَنْدَمُونَ عَلَيْهِ حِينَ لا يَنْفَعُهُمُ النَّدَمُ ولا يُغْنِي عَنْهُمُ الاعْتِذارُ. وقِيلَ: جاءَ أوْلِياءُ المُنافِقِ يَطْلُبُونَ بِدَمِهِ وقَدْ أهْدَرَهُ اللَّهُ تَعالى فَقالُوا: ما أرَدْنا، أيْ: ما أرادَ صاحِبُنا المَقْتُولُ بِالتَّحاكُمِ إلى عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ إلّا أنْ يُحْسِنَ إلَيْهِ ويُوَفِّقَ بَيْنَهُ وبَيْنَ خَصْمِهِ.

63

أُو۟لَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ يَعْلَمُ ٱللَّهُ مَا فِى قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُل لَّهُمْ فِىٓ أَنفُسِهِمْ قَوْلًۢا بَلِيغًۭا

Those are the ones of whom Allah knows what is in their hearts, so turn away from them but admonish them and speak to them a far-reaching word.

﴿أُولَئِكَ﴾ إشارَةٌ إلى المُنافِقِينَ وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى بُعْدِ مَنزِلَتِهِمْ في الكُفْرِ والنِّفاقِ، وهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ﴿الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ ما في قُلُوبِهِمْ﴾ أيْ: مِن فُنُونِ الشُّرُورِ والفَساداتِ المُنافِيَةِ لِما أظْهَرُوا لَكَ مِنَ الأكاذِيبِ.

﴿فَأعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ جَوابُ شَرْطٍ مَحْذُوفٍ أيْ: إذا كانَ حالُهم كَذَلِكَ فَأعْرِضْ عَنْ قَبُولِ مَعْذِرَتِهِمْ، وقِيلَ: عَنْ عِقابِهِمْ لِمَصْلَحَةٍ في اسْتِبْقائِهِمْ ولا تُظْهِرْ لَهم عِلْمَكَ بِما في بَواطِنِهِمْ وتَهْتِكْ سِتْرَهم حَتّى يَبْقَوْا عَلى وجَلٍ وحَذَرٍ.

﴿وَعِظْهُمْ﴾ أيِ: ازْجُرْهم عَنِ النِّفاقِ والكَيْدِ.

﴿وَقُلْ لَهم في أنْفُسِهِمْ﴾ في حَقِّ أنْفُسِهِمُ الخَبِيثَةِ وقُلُوبِهِمُ المُنْطَوِيَةِ عَلى الشُّرُورِ الَّتِي يَعْلَمُها اللَّهُ تَعالى أوْ في أنْفُسِهِمْ خالِيًَا بِهِمْ لَيْسَ مَعَهم غَيْرُهم مُسارًَّا بِالنَّصِيحَةِ لِأنَّها في السِّرِّ أنْجَعُ.

﴿قَوْلا بَلِيغًا﴾ مُؤَثِّرًَا واصِلًَا إلى كُنْهِ المُرادِ مُطابِقًَا لِما سِيقَ لَهُ مِنَ المَقْصُودِ فالظَّرْفُ عَلى التَّقْدِيرَيْنِ مُتَعَلِّقٌ بِالأمْرِ، وقِيلَ: مُتَعَلِّقٌ بِـ"بَلِيغًَا" عَلى رَأْيِ مَن يُجِيزُ تَقْدِيمَ مَعْمُولِ الصِّفَةِ عَلى المَوْصُوفِ، أيْ: قُلْ لَهم قَوْلًَا بَلِيغًَا في أنْفُسِهِمْ مُؤَثِّرًَا في قُلُوبِهِمْ يَغْتَنِمُونَ بِهِ اغْتِنامًَا ويَسْتَشْعِرُونَ مِنهُ الخَوْفَ اسْتِشْعارًَا وهو التَّوَعُّدُ بِالقَتْلِ والِاسْتِئْصالِ والإيذانُ بِأنَّ ما في قُلُوبِهِمْ مِن مَكْنُوناتِ الشَّرِّ والنِّفاقِ غَيْرُ خافٍ عَلى اللَّهِ تَعالى وأنَّ ذَلِكَ مُسْتَوْجِبٌ لِأشَدِّ العُقُوباتِ وإنَّما هَذِهِ المُكافَأةُ والتَّأْخِيرُ لِإظْهارِهِمُ الإيمانَ والطّاعَةَ وإضْمارِهِمُ الكُفْرَ ولَئِنْ أظْهَرُوُا الشِّقاقَ وبَرَزُوا بِأشْخاصِهِمْ مِن نَفَقِ النِّفاقِ لَيَمَسَّنَّهُمُ العَذابُ إنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقابِ.

64

وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ ٱللَّهِ ۚ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ جَآءُوكَ فَٱسْتَغْفَرُوا۟ ٱللَّهَ وَٱسْتَغْفَرَ لَهُمُ ٱلرَّسُولُ لَوَجَدُوا۟ ٱللَّهَ تَوَّابًۭا رَّحِيمًۭا

And We did not send any messenger except to be obeyed by permission of Allah. And if, when they wronged themselves, they had come to you, [O Muhammad], and asked forgiveness of Allah and the Messenger had asked forgiveness for them, they would have found Allah Accepting of repentance and Merciful.

﴿وَما أرْسَلْنا مِن رَسُولٍ إلا لِيُطاعَ بِإذْنِ اللَّهِ﴾ كَلامٌ مُبْتَدَأٌ جِيءَ بِهِ تَمْهِيدًَا لِبَيانِ خَطَئِهِمْ في الِاشْتِغالِ بِسَتْرِ جِنايَتِهِمْ بِالِاعْتِذارِ بِالأباطِيلِ وعَدَمِ تَلافِيها بِالتَّوْبَةِ أيْ: وما أرْسَلْنا رَسُولًَا مِنَ الرُّسُلِ لِشَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ إلّا لِيُطاعَ بِسَبَبِ إذْنِهِ تَعالى في طاعَتِهِ وأمْرِهِ المُرْسَلِ إلَيْهِمْ بِأنْ يُطِيعُوهُ ويَتَّبِعُوهُ لِأنَّهُ مُؤَدٍّ عَنْهُ تَعالى فَطاعَتُهُ طاعَةُ اللَّهِ تَعالى ومَعْصِيَتُهُ مَعْصِيَتُهُ تَعالى: مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أطاعَ اللَّهَ، أوْ بِتَيْسِيرِ اللَّهِ تَعالى وتَوْفِيقِهِ في طاعَتِهِ.

﴿وَلَوْ أنَّهم إذْ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ﴾ وعَرَّضُوها لِعَذابٍ عَلى عَذابِ النِّفاقِ بِتَرْكِ طاعَتِكَ والتَّحاكُمِ إلى غَيْرِكَ.

﴿جاءُوكَ﴾ مِن غَيْرِ تَأْخِيرٍ كَما يُفْصِحُ عَنْهُ تَقْدِيمُ الظَّرْفِ مُتَوَسِّلِينَ بِكَ في التَّنَصُّلِ عَنْ جِنايَتِهِمُ القَدِيمَةِ والحادِثَةِ ولَمْ يَزْدادُوا جِنايَةً عَلى جِنايَةٍ بِالقَصْدِ إلى سَتْرِها بِالِاعْتِذارِ الباطِلِ والإيمانِ الفاجِرِ.

﴿فاسْتَغْفَرُوُا اللَّهَ﴾ بِالتَّوْبَةِ والإخْلاصِ وبالَغُوا في التَّضَرُّعِ إلَيْكَ حَتّى انْتَصَبْتَ شَفِيعًَا لَهم إلى اللَّهِ تَعالى واسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ، وإنَّما قِيلَ: ﴿واسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ﴾ عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ تَفْخِيمًَا لِشَأْنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وتَعْظِيمًَا لِاسْتِغْفارِهِ وتَنْبِيهًَا عَلى أنَّ شَفاعَتَهُ في حَيِّزِ القَبُولِ.

﴿لَوَجَدُوُا اللَّهَ تَوّابًا رَحِيمًا﴾ لَعَلِمُوهُ مُبالِغًَا في قَبُولِ تَوْبَتِهِمْ والتَّفَضُّلِ عَلَيْهِمْ بِالرَّحْمَةِ وإنْ فُسِّرَ الوِجْدانُ بِالمُصادَفَةِ كانَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَوّابًا﴾ حالًَا و ﴿رَحِيمًا﴾ بَدَلًَا مِنهُ أوْ حالًَا مِنَ الضَّمِيرِ فِيهِ. وأيًَّا ما كانَ؛ فَفِيهِ فَضْلُ تَرْغِيبٍ لِلسّامِعِينَ في المُسارَعَةِ إلى التَّوْبَةِ والِاسْتِغْفارِ ومَزِيدُ تَنْدِيمٍ لِأُولَئِكَ المُنافِقِينَ عَلى ما صَنَعُوا لِما أنَّ ظُهُورَ تَباشِيرِ قَبُولِ التَّوْبَةِ وحُصُولِ الرَّحْمَةِ لَهم ومُشاهَدَتَهم لِآثارِهِما نِعْمَةٌ زائِدَةٌ عَلَيْهِما مُوجِبَةٌ لِكَمالِ الرَّغْبَةِ في تَحْصِيلِها وتَمامِ الحَسْرَةِ عَلى فَواتِها.

65

فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا۟ فِىٓ أَنفُسِهِمْ حَرَجًۭا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا۟ تَسْلِيمًۭا

But no, by your Lord, they will not [truly] believe until they make you, [O Muhammad], judge concerning that over which they dispute among themselves and then find within themselves no discomfort from what you have judged and submit in [full, willing] submission.

﴿فَلا ورَبِّكَ﴾ أيْ: فَوَرَبِّكَ و"لا" مَزِيدَةٌ لِتَأْكِيدِ مَعْنى القَسَمِ لا لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ في جَوابِهِ أعْنِي قَوْلَهُ: ﴿لا يُؤْمِنُونَ﴾ لِأنَّها تُزادُ في الإثْباتِ أيْضًَا كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ﴾ ونَظائِرِهِ.

﴿حَتّى يُحَكِّمُوكَ﴾ أيْ: يَتَحاكَمُوا إلَيْكَ ويَتَرافَعُوا إلَيْكَ وإنَّما جِيءَ بِصِيغَةِ التَّحْكِيمِ مَعَ أنَّهُ ﷺ حاكِمٌ بِأمْرِ اللَّهِ سُبْحانَهُ إيذانًَا بِأنَّ حَقَّهم أنْ يَجْعَلُوهُ حَكَمًَا فِيما بَيْنَهم ويَرْضَوْا بِحُكْمِهِ وإنْ قُطِعَ النَّظَرُ عَنْ كَوْنِهِ حاكِمًَا عَلى الإطْلاقِ.

﴿فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ أيْ: فِيما اخْتَلَفَ بَيْنَهم مِنَ الأُمُورِ واخْتَلَطَ ومِنهُ الشَّجَرُ لِتَداخُلِ أغْصانِهِ.

﴿ثُمَّ لا يَجِدُوا﴾ عَطْفٌ عَلى مُقَدَّرٍ يَنْساقُ إلَيْهِ الكَلامُ أيْ: فَتَقْضِي بَيْنَهُمْ، ثُمَّ لا يَجِدُوا ﴿فِي أنْفُسِهِمْ حَرَجًا﴾ ضِيقًَا.

﴿مِمّا قَضَيْتَ﴾ أيْ: مِمّا قَضَيْتَ بِهِ أوْ مِن قَضائِكَ، وقِيلَ: شَكا مِن أجْلِهِ إذا الشّاكُّ في ضِيقٍ مِن أمْرِهِ.

﴿وَيُسَلِّمُوا﴾ أيْ: يَنْقادُوا لِأمْرِكَ ويُذْعِنُوا لَهُ.

﴿تَسْلِيمًا﴾ تَأْكِيدٌ لِلْفِعْلِ بِمَنزِلَةِ تَكْرِيرِهِ، أيْ: تَسْلِيمًَا تامًَّا بِظاهِرِهِمْ وباطِنِهِمْ، يُقالُ: سَلَّمَ لِأمْرِ اللَّهِ وأسْلَمَ لَهُ بِمَعْنىً وحَقِيقَتُهُ: سَلَّمَ نَفْسَهُ لَهُ إذا جَعَلَها سالِمَةً لَهُ خالِصَةً أيْ: يَنْقادُوا لِحُكْمِكَ انْقِيادًَا لا شُبْهَةَ فِيهِ بِظاهِرِهِمْ وباطِنِهِمْ. وقِيلَ: نَزَلَتْ في شَأْنِ المُنافِقِ واليَهُودِيِّ. وقِيلَ: في شَأْنِ الزُّبَيْرِ ورَجُلٍ مِنَ الأنْصارِ حِينَ اخْتَصَما إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في شِراجٍ مِنَ الحَرَّةِ كانا يَسْقِيانِ بِها النَّخْلَ فَقالَ ﷺ: اسْقِ يا زُبَيْرُ ثُمَّ أرْسِلِ الماءَ إلى جارِكَ فَغَضِبَ الأنْصارِيُّ وقالَ: لِأنَّ كانَ ابْنَ عَمَّتِكَ فَتَغَيَّرَ وجْهُ رَسُولِ اللَّهِ ثُمَّ قالَ: اسْقِ يا زُبَيْرُ ثُمَّ احْبِسِ الماءَ حَتّى يَرْجِعَ إلى الجُدُرِ واسْتَوْفِ حَقَّكَ ثُمَّ أرْسِلْهُ إلى جارِكَ، كانَ قَدْ أشارَ عَلى الزُّبَيْرِ بِرَأْيٍ فِيهِ سَعَةٌ لَهُ ولِخَصْمِهِ فَلَمّا أُحْفِظَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ اسْتَوْعَبَ لِلزُّبَيْرِ حَقَّهُ في صَرِيحِ الحُكْمِ ثُمَّ خَرَجا فَمَرّا عَلى المِقْدادِ بْنِ الأسْوَدِ فَقالَ: لِمَنِ القَضاءُ؟ فَقالَ الأنْصارِيُّ: قَضى لِابْنِ عَمَّتِهِ ولَوى شِدْقَهُ فَفَطِنَ يَهُودِيٌّ كانَ مَعَ المِقْدادِ فَقالَ: قاتَلَ اللَّهُ هَؤُلاءِ يَشْهَدُونَ أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَّهِمُونَهُ في قَضاءٍ يَقْضِي بَيْنَهم وايْمِ اللَّهِ لَقَدْ أذْنَبْنا ذَنْبًَا مَرَّةً في حَياةِ مُوسى فَدَعانا إلى التَّوْبَةِ مِنهُ وقالَ: اقْتُلُوا أنْفُسَكم فَفَعَلْنا فَبَلَغَ قَتْلانا سَبْعِينَ ألْفًَا في طاعَةِ رَبِّنا حَتّى رَضِيَ عَنّا فَقالَ ثابِتُ بْنُ قَيْسِ بْنِ شَمّاسَ: أما واللَّهِ إنَّ اللَّهَ لَيَعْلَمُ مِنِّي الصِّدْقَ لَوْ أمَرَنِي مُحَمَّدٌ أنْ أقْتُلَ نَفْسِي لَقَتَلْتُها. ورُوِيَ أنَّهُ قالَ ذَلِكَ ثابِتٌ وابْنُ مَسْعُودٍ وعَمّارُ بْنُ ياسِرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنَّ مِن أُمَّتِي رِجالًَا الإيمانُ أثْبَتُ في قُلُوبِهِمْ مِنَ الجِبالِ الرَّواسِي فَنَزَلَتْ في شَأْنِ هَؤُلاءِ.

66

وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ ٱقْتُلُوٓا۟ أَنفُسَكُمْ أَوِ ٱخْرُجُوا۟ مِن دِيَٰرِكُم مَّا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌۭ مِّنْهُمْ ۖ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا۟ مَا يُوعَظُونَ بِهِۦ لَكَانَ خَيْرًۭا لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًۭا

And if We had decreed upon them, "Kill yourselves" or "Leave your homes," they would not have done it, except for a few of them. But if they had done what they were instructed, it would have been better for them and a firmer position [for them in faith].

﴿وَلَوْ أنّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أنِ اقْتُلُوا أنْفُسَكم أوِ اخْرُجُوا مِن دِيارِكُمْ﴾ أيْ: لَوْ أوْجَبْنا عَلَيْهِمْ مِثْلَ ما أوْجَبْنا عَلى بَنى إسْرائِيلَ مِن قَتْلِهِمْ أنْفُسَهم أوْ خُرُوجِهِمْ مِن دِيارِهِمْ حِينَ اسْتِتابَتِهِمْ مِن عِبادَةِ العِجْلِ و"أنْ" مَصْدَرِيَّةٌ أوْ مُفَسِّرَةٌ لِأنَّ كَتَبْنا في مَعْنى أمَرْنا.

﴿ما فَعَلُوهُ﴾ أيِ: المَكْتُوبَ المَدْلُولَ عَلَيْهِ بِ "كَتَبْنا" أوْ أحَدِ مَصْدَرَيِ الفِعْلَيْنِ.

﴿إلا قَلِيلٌ مِنهُمْ﴾ أيْ: إلّا أُناسٌ قَلِيلٌ مِنهم وهُمُ المُخْلِصُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ، ورُوِيَ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: واللَّهِ لَوْ أمَرَنا رَبُّنا لَفَعَلْنا والحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَفْعَلْ بِنا ذَلِكَ. وقِيلَ: مَعْنى اقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ: تَعَرَّضُوا بِها لِلْقَتْلِ بِالجِهادِ، وهو بَعِيدٌ. وقُرِئَ "إلّا قَلِيلًَا" بِالنَّصْبِ عَلى الِاسْتِثْناءِ أوْ "إلّا فِعْلًَا قَلِيلًَا".

﴿وَلَوْ أنَّهم فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ﴾ مِن مُتابَعَةِ الرَّسُولِ ﷺ وطاعَتِهِ والِانْقِيادِ لِما يَراهُ ويَحْكُمُ بِهِ ظاهِرًَا وباطِنًَا وسُمِّيَتْ أوامِرُ اللَّهِ تَعالى ونَواهِيهِ مَواعِظَ لِاقْتِرانِهِما بِالوَعْدِ والوَعِيدِ.

﴿لَكانَ﴾ أيْ: فِعْلُهم ذَلِكَ.

﴿خَيْرًا لَهُمْ﴾ عاجِلًَا وآجِلًَا.

﴿وَأشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ لَهم عَلى الإيمانِ وأبْعَدَ مِنَ الاضْطِرابِ فِيهِ وأشَدَّ تَثْبِيتًَا لِثَوابِ أعْمالِهِمْ.

67

وَإِذًۭا لَّءَاتَيْنَٰهُم مِّن لَّدُنَّآ أَجْرًا عَظِيمًۭا

And then We would have given them from Us a great reward.

﴿وَإذًا لآتَيْناهم مِن لَدُنّا أجْرًا عَظِيمًا﴾ جَوابٌ لِسُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: وماذا يَكُونُ لَهم بَعْدَ التَّثْبِيتِ؟ فَقِيلَ: وإذَنْ لَوْ ثَبَتُوا لَآتَيْناهم فَإنَّ إذَنْ جَوابٌ وجَزاءٌ.

68

وَلَهَدَيْنَٰهُمْ صِرَٰطًۭا مُّسْتَقِيمًۭا

And We would have guided them to a straight path.

﴿وَلَهَدَيْناهم صِراطًا مُسْتَقِيمًا﴾ يَصِلُونَ بِسُلُوكِهِ إلى عالَمِ القُدُسِ ويَفْتَحُ لَهم أبْوابَ الغَيْبِ، قالَ ﷺ: « "مَن عَمِلَ بِما عَلِمَ ورَّثَهُ اللَّهُ تَعالى عِلْمَ ما لَمْ يَعْلَمْ".»

69

وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ فَأُو۟لَٰٓئِكَ مَعَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّۦنَ وَٱلصِّدِّيقِينَ وَٱلشُّهَدَآءِ وَٱلصَّٰلِحِينَ ۚ وَحَسُنَ أُو۟لَٰٓئِكَ رَفِيقًۭا

And whoever obeys Allah and the Messenger - those will be with the ones upon whom Allah has bestowed favor of the prophets, the steadfast affirmers of truth, the martyrs and the righteous. And excellent are those as companions.

﴿وَمَن يُطِعِ اللَّهَ والرَّسُولَ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنِفٌ فِيهِ فَضْلُ تَرْغِيبٍ في الطّاعَةِ ومَزِيدُ تَشْوِيقٍ إلَيْها بِبَيانِ أنَّ نَتِيجَتَها أقْصى ما يَنْتَهِي إلَيْهِ هِمَمُ الأُمَمِ وأرْفَعُ ما يَمْتَدُّ إلَيْهِ أعْناقُ عَزائِمِهِمْ مِن مُجاوَرَةِ أعْظَمِ الخَلائِقِ مِقْدارًَا وأرْفَعِهِمْ مَنارًَا مُتَضَمِّنٌ لِتَفْسِيرِ ما أُبْهِمَ في جَوابِ الشَّرْطِيَّةِ السّابِقَةِ وتَفْصِيلِ ما أُجْمِلَ فِيهِ، والمُرادُ بِالطّاعَةِ: هو الِانْقِيادُ التّامُّ والِامْتِثالُ الكامِلُ لِجَمِيعِ الأوامِرِ والنَّواهِي.

﴿فَأُولَئِكَ﴾ إشارَةٌ إلى المُطِيعِينَ والجَمْعُ بِاعْتِبارِ مَعْنى مَن كَما أنَّ الإفْرادَ في فِعْلِ الشَّرْطِ بِاعْتِبارِ لَفْظِها وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ مَعَ القُرْبِ في الذِّكْرِ لِلْإيذانِ بِعُلُوِّ دَرَجَتِهِمْ وبُعْدِ مَنزِلَتِهِمْ في الشَّرَفِ، وهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ﴿مَعَ الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ والجُمْلَةُ جَوابُ الشَّرْطِ وتَرْكُ ذِكْرِ المُنْعَمِ بِهِ لِلْإشْعارِ بِقُصُورِ العِبارَةِ عَنْ تَفْصِيلِهِ وبَيانِهِ.

﴿مِنَ النَّبِيِّينَ﴾ بَيانٌ لِلْمُنْعَمِ عَلَيْهِمْ والتَّعَرُّضُ لِمَعِيَّةِ سائِرِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ مَعَ أنَّ الكَلامَ في بَيانِ حُكْمِ طاعَةِ نَبِيِّنا ﷺ لِجَرَيانِ ذِكْرِهِمْ في سَبَبِ النُّزُولِ مَعَ ما فِيهِ مِنَ الإشارَةِ إلى أنَّ طاعَتَهُ ﷺ مُتَضَمِّنَةٌ لِطاعَتِهِمْ لِاشْتِمالِ شَرِيعَتِهِ عَلى شَرائِعِهِمُ الَّتِي لا تَتَغَيَّرُ بِتَغَيُّرِ الأعْصارِ. رُوِيَ أنَّ نَفَرًَا مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالُوا: يا نَبِيَّ اللَّهِ إنْ صِرْنا إلى الجَنَّةِ تَفْضُلُنا بِدَرَجاتِ النُّبُوَّةِ فَلا نَراكَ. وقالَ الشَّعْبِيُّ: جاءَ رَجُلٌ مِنَ الأنْصارِ إلى رَسُولِ اللَّهِ وهو يَبْكِي فَقالَ: ما يُبْكِيكَ يا فُلانُ؟ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ بِاللَّهِ الَّذِي لا إلَهَ إلّا هو لَأنْتَ أحَبُّ إلَيَّ مِن نَفْسِي وأهْلِي ومالِي ووَلَدِي وإنِّي لَأذْكُرُكَ وأنا في أهْلِي فَيَأْخُذُنِي مِثْلُ الجُنُونِ حَتّى أراكَ وذَكَرْتُ مَوْتِي وأنَّكَ تُرْفَعُ مَعَ النَّبِيِّينَ وإنِّي إنْ أُدْخِلْتُ الجَنَّةَ كُنْتُ في مَنزِلَةٍ أدْنى مِن مَنزِلَتِكَ فَلَمْ يَرُدَّ النَّبِيُّ ﷺ فَنَزَلَتْ. ورُوِيَ أنَّ ثَوْبانَ مَوْلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كانَ شَدِيدَ الحُبِّ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قَلِيلَ الصَّبْرِ عَنْهُ فَأتاهُ يَوْمًَا وقَدْ تَغَيَّرَ وجْهُهُ ونَحُلَ جِسْمُهُ وعُرِفَ الحُزْنُ في وجْهِهِ فَسَألَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ حالِهِ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ ما بِي مِن وجَعٍ غَيْرَ أنِّي إذا لَمْ أرَكَ اشْتَقْتُ إلَيْكَ واسْتَوْحَشْتُ وحْشَةً شَدِيدَةً حَتّى ألْقاكَ فَذَكَرْتُ الآخِرَةَ فَخِفْتُ أنْ لا أراكَ هُناكَ لِأنِّي عَرَفْتُ أنَّكَ تُرْفَعُ مَعَ النَّبِيِّينَ وإنْ أُدْخِلْتُ الجَنَّةَ كُنْتُ في مَنزِلَةٍ دُونَ مَنزِلِكَ وإنْ لَمْ أُدْخَلْ فَذاكَ حِينَ لا أراكَ أبَدًَا فَنَزَلَتْ، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: « "والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لا يُؤْمِنُ عَبْدٌ حَتّى أكُونَ أحَبَّ إلَيْهِ مِن نَفْسِهِ وأبَوَيْهِ وأهْلِهِ ووَلَدِهِ والنّاسِ أجْمَعِينَ"،» وحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم. ورُوِيَ «أنَّ أنَسًَا قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ الرَّجُلُ يُحِبُّ قَوْمًَا ولَمّا يَلْحَقْ بِهِمْ قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: "المَرْءُ مَعَ مَن أحَبَّ".» ﴿والصِّدِّيقِينَ﴾ أيِ: المُتَقَدِّمِينَ في تَصْدِيقِهِمُ المُبالِغِينَ في الصِّدْقِ والإخْلاصِ في الأقْوالِ والأفْعالِ وهم أفاضِلُ أصْحابِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ وأماثِلُ …

70

ذَٰلِكَ ٱلْفَضْلُ مِنَ ٱللَّهِ ۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ عَلِيمًۭا

That is the bounty from Allah, and sufficient is Allah as Knower.

﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى ما لِلْمُطِيعِينَ مِن عَظِيمِ الأجْرِ ومَزِيدِ الهِدايَةِ ومُرافَقَةِ هَؤُلاءِ المُنْعَمِ عَلَيْهِمْ أوْ إلى فَضْلِهِمْ ومَزِيَّتِهِمْ، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإشْعارِ بِعُلُوِّ رُتْبَتِهِ وبُعْدِ مَنزِلَتِهِ في الشَّرَفِ، وهو مُبْتَدَأٌ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿الفَضْلُ﴾ صِفَتُهُ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ خَبَرُهُ، أيْ: ذَلِكَ الفَضْلُ العَظِيمُ مِنَ اللَّهِ تَعالى لا مِن غَيْرِهِ، أوِ "الفَضْلُ" خَبَرُهُ و"مِنَ اللَّهِ" مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًَا مِنهُ والعامِلُ فِيهِ مَعْنى الإشارَةِ أيْ: ذَلِكَ الَّذِي ذُكِرَ الفَضْلُ كائِنًَا مِنَ اللَّهِ تَعالى لا أنَّ أعْمالَ المُكَلَّفِينَ تُوجِبُهُ.

﴿وَكَفى بِاللَّهِ عَلِيمًا﴾ بِجَزاءِ مَن أطاعَهُ وبِمَقادِيرِ الفَضْلِ واسْتِحْقاقِ أهْلِهِ.

Commentary: Irshad al-'Aql al-Salim by Abu al-Su'ud. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.