Muslim99Muslim99
← Tafsir library

4. An-Nisaa

The Women · Medinan · 176 ayahs

سُورَةُ النِّسَاءِ

Reading Tafsir Ibn 'Uthaymin by Muhammad ibn Salih al-'Uthaymin

Ayahs 61–70 of 176

61

وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا۟ إِلَىٰ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَإِلَى ٱلرَّسُولِ رَأَيْتَ ٱلْمُنَٰفِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًۭا

And when it is said to them, "Come to what Allah has revealed and to the Messenger," you see the hypocrites turning away from you in aversion.

ثم قال الله تبارك وتعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [النساء ٦٠] الاستفهام هنا للتعجيب، يعني ألا تتعجب إلى هؤلاء؟ والخطاب في قوله: ﴿تَرَ﴾ يجوز أن يكون موجهًا إلى الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ويجوز أن يكون موجهًا لكل مخاطب بهذا الكتاب العزيز، وإذا دار الأمر بين هذا وهذا فالأولى الثاني أو الأول؟ الأولى الثاني؛ أن يكون محمولًا على العموم. وعلى الأول، وهو أن المخاطب بها الرسول ﷺ لا يعني أن الأمة لا تخاطب به؛ لأن ما خوطب به الرسول، فهو خطاب للأمة؛ إما عن طريق الأُسوة وإما لأنه القائد، والخطاب للقائد خطاب له ولمن يتّبعه في قيادته.

فهاهنا أمور ثلاثة:

أولًا: هل الخطاب عام للرسول وللأمة؟ قلنا: إذا لم يكن مانع فهذا هو الأصل، وهو الأصح.

ثانيًا: إذا قلنا: خاص بالرسول هل هو خاص به وغيره من الأمة يكون تبعًا له عن طريق الأسوة، أو أنه وجّه للرسول خطابًا لا حكمًا بمعنى أنه لما كان هو القائد الإمام لهذه الأمة وجّه إليها الخطاب والخطاب الموجه للقائد يكون خطابًا له ولمن وراءه؟

فيه احتمالان، وأيًّا كان فإن الخطاب واضح، نقول: للعموم، يعني: ألم تر أيها المخاطب إلى الذين يزعمون. الآن هذا التقدير كله سوف يهدمه قوله: ﴿يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ مما يجعلنا نقول: إن الصحيح أنه خطاب للرسول ﷺ، لكن كلامنا الأول باق على القاعدة أنه إذا لم يوجد مانع فالأصل حمله على العموم، هنا وجد مانع وهو قوله: ﴿إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ ومعلوم أنه لم يُنزل إلى كل واحد منا وحي، فيكون هذا خطاب للرسول عليه الصلاة والسلام، والأمة تبع له، إما عن طريق التأسي، أو لأنه القائد، والخطاب للقائد خطاب لمن تبعه ﴿إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا﴾، ﴿يَزْعُمُونَ﴾ أي يقولون، وهذه المقولة يُنظر هل تكون صحيحة أو لا، ﴿يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ كاليهود مثلًا يقولون: نحن نؤمن بما أنزل إليك يا محمد، ونؤمن بالتوراة، والنصارى يقولون: نؤمن بما أنزل إليك ونؤمن بالإنجيل والتوراة، ولكنهم ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ﴾ هذا محل التعجب، يزعمون وهم يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت، والطاغوت كل ما خالف الشرع، في هذه الآية كل ما خالف الشرع؛ لأن ما خالف الشرع فهو طغيان، فيريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت، ﴿وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾ أي يكفروا بالطاغوت، ومن الآمر لهم؟ الآمر هو الله عز وجل، لكنه أتى بصيغة الاسم المفعول ليكون هذا الأمر وإن كان أصله من الله فهو أيضًا صادر من الرسول ومن كل مؤمن، كلُّ مؤمن يأمر أن يكون التحاكم إلى الله ورسوله وأن يكفر الإنسان بالطاغوت، ﴿وَقَدْ أُمِرُوا﴾ أي من قبل الله ومن قبل أولياء الله ﴿أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾ أي بالطاغوت.

وإنما قلنا: إنه من قبل الله ومن قبل أوليائه؛ لأنه نظير قوله: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة ٧] يعني: ولم يقل: غير الذين غضبت عليهم؛ لأن طريقة هؤلاء تغضب الله وتغضب أولياء الله، ﴿وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾، إذن فهم تابعون للشيطان الذي يملي عليهم التحاكم إلى الطاغوت، فالشيطان يريد أن يضلهم ضلالًا بعيدًا، أي بعيدًا عن الحق؛ لأن التحاكم إلى الطاغوت يوجب للإنسان أن يبتعد عن الحق، وأن يعلق قلبه بهذا الطاغوت.

فإذا قال قائل: مثاله؟

نقول: المثال: دعي أحد من الناس إلى القرآن الكريم، ولكن قال: لا، نتحاكم إلى التوراة، نتحاكم إلى الإنجيل، نتحاكم إلى القانون الفلاني، نقول: كيف …

62

فَكَيْفَ إِذَآ أَصَٰبَتْهُم مُّصِيبَةٌۢ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَآءُوكَ يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ إِنْ أَرَدْنَآ إِلَّآ إِحْسَٰنًۭا وَتَوْفِيقًا

So how [will it be] when disaster strikes them because of what their hands have put forth and then they come to you swearing by Allah, "We intended nothing but good conduct and accommodation."

ثم قال الله تبارك وتعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [النساء ٦٠] الاستفهام هنا للتعجيب، يعني ألا تتعجب إلى هؤلاء؟ والخطاب في قوله: ﴿تَرَ﴾ يجوز أن يكون موجهًا إلى الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ويجوز أن يكون موجهًا لكل مخاطب بهذا الكتاب العزيز، وإذا دار الأمر بين هذا وهذا فالأولى الثاني أو الأول؟ الأولى الثاني؛ أن يكون محمولًا على العموم. وعلى الأول، وهو أن المخاطب بها الرسول ﷺ لا يعني أن الأمة لا تخاطب به؛ لأن ما خوطب به الرسول، فهو خطاب للأمة؛ إما عن طريق الأُسوة وإما لأنه القائد، والخطاب للقائد خطاب له ولمن يتّبعه في قيادته.

فهاهنا أمور ثلاثة:

أولًا: هل الخطاب عام للرسول وللأمة؟ قلنا: إذا لم يكن مانع فهذا هو الأصل، وهو الأصح.

ثانيًا: إذا قلنا: خاص بالرسول هل هو خاص به وغيره من الأمة يكون تبعًا له عن طريق الأسوة، أو أنه وجّه للرسول خطابًا لا حكمًا بمعنى أنه لما كان هو القائد الإمام لهذه الأمة وجّه إليها الخطاب والخطاب الموجه للقائد يكون خطابًا له ولمن وراءه؟

فيه احتمالان، وأيًّا كان فإن الخطاب واضح، نقول: للعموم، يعني: ألم تر أيها المخاطب إلى الذين يزعمون. الآن هذا التقدير كله سوف يهدمه قوله: ﴿يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ مما يجعلنا نقول: إن الصحيح أنه خطاب للرسول ﷺ، لكن كلامنا الأول باق على القاعدة أنه إذا لم يوجد مانع فالأصل حمله على العموم، هنا وجد مانع وهو قوله: ﴿إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ ومعلوم أنه لم يُنزل إلى كل واحد منا وحي، فيكون هذا خطاب للرسول عليه الصلاة والسلام، والأمة تبع له، إما عن طريق التأسي، أو لأنه القائد، والخطاب للقائد خطاب لمن تبعه ﴿إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا﴾، ﴿يَزْعُمُونَ﴾ أي يقولون، وهذه المقولة يُنظر هل تكون صحيحة أو لا، ﴿يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ كاليهود مثلًا يقولون: نحن نؤمن بما أنزل إليك يا محمد، ونؤمن بالتوراة، والنصارى يقولون: نؤمن بما أنزل إليك ونؤمن بالإنجيل والتوراة، ولكنهم ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ﴾ هذا محل التعجب، يزعمون وهم يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت، والطاغوت كل ما خالف الشرع، في هذه الآية كل ما خالف الشرع؛ لأن ما خالف الشرع فهو طغيان، فيريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت، ﴿وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾ أي يكفروا بالطاغوت، ومن الآمر لهم؟ الآمر هو الله عز وجل، لكنه أتى بصيغة الاسم المفعول ليكون هذا الأمر وإن كان أصله من الله فهو أيضًا صادر من الرسول ومن كل مؤمن، كلُّ مؤمن يأمر أن يكون التحاكم إلى الله ورسوله وأن يكفر الإنسان بالطاغوت، ﴿وَقَدْ أُمِرُوا﴾ أي من قبل الله ومن قبل أولياء الله ﴿أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾ أي بالطاغوت.

وإنما قلنا: إنه من قبل الله ومن قبل أوليائه؛ لأنه نظير قوله: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة ٧] يعني: ولم يقل: غير الذين غضبت عليهم؛ لأن طريقة هؤلاء تغضب الله وتغضب أولياء الله، ﴿وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾، إذن فهم تابعون للشيطان الذي يملي عليهم التحاكم إلى الطاغوت، فالشيطان يريد أن يضلهم ضلالًا بعيدًا، أي بعيدًا عن الحق؛ لأن التحاكم إلى الطاغوت يوجب للإنسان أن يبتعد عن الحق، وأن يعلق قلبه بهذا الطاغوت.

فإذا قال قائل: مثاله؟

نقول: المثال: دعي أحد من الناس إلى القرآن الكريم، ولكن قال: لا، نتحاكم إلى التوراة، نتحاكم إلى الإنجيل، نتحاكم إلى القانون الفلاني، نقول: كيف …

63

أُو۟لَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ يَعْلَمُ ٱللَّهُ مَا فِى قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُل لَّهُمْ فِىٓ أَنفُسِهِمْ قَوْلًۢا بَلِيغًۭا

Those are the ones of whom Allah knows what is in their hearts, so turn away from them but admonish them and speak to them a far-reaching word.

ثم قال الله تبارك وتعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [النساء ٦٠] الاستفهام هنا للتعجيب، يعني ألا تتعجب إلى هؤلاء؟ والخطاب في قوله: ﴿تَرَ﴾ يجوز أن يكون موجهًا إلى الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ويجوز أن يكون موجهًا لكل مخاطب بهذا الكتاب العزيز، وإذا دار الأمر بين هذا وهذا فالأولى الثاني أو الأول؟ الأولى الثاني؛ أن يكون محمولًا على العموم. وعلى الأول، وهو أن المخاطب بها الرسول ﷺ لا يعني أن الأمة لا تخاطب به؛ لأن ما خوطب به الرسول، فهو خطاب للأمة؛ إما عن طريق الأُسوة وإما لأنه القائد، والخطاب للقائد خطاب له ولمن يتّبعه في قيادته.

فهاهنا أمور ثلاثة:

أولًا: هل الخطاب عام للرسول وللأمة؟ قلنا: إذا لم يكن مانع فهذا هو الأصل، وهو الأصح.

ثانيًا: إذا قلنا: خاص بالرسول هل هو خاص به وغيره من الأمة يكون تبعًا له عن طريق الأسوة، أو أنه وجّه للرسول خطابًا لا حكمًا بمعنى أنه لما كان هو القائد الإمام لهذه الأمة وجّه إليها الخطاب والخطاب الموجه للقائد يكون خطابًا له ولمن وراءه؟

فيه احتمالان، وأيًّا كان فإن الخطاب واضح، نقول: للعموم، يعني: ألم تر أيها المخاطب إلى الذين يزعمون. الآن هذا التقدير كله سوف يهدمه قوله: ﴿يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ مما يجعلنا نقول: إن الصحيح أنه خطاب للرسول ﷺ، لكن كلامنا الأول باق على القاعدة أنه إذا لم يوجد مانع فالأصل حمله على العموم، هنا وجد مانع وهو قوله: ﴿إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ ومعلوم أنه لم يُنزل إلى كل واحد منا وحي، فيكون هذا خطاب للرسول عليه الصلاة والسلام، والأمة تبع له، إما عن طريق التأسي، أو لأنه القائد، والخطاب للقائد خطاب لمن تبعه ﴿إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا﴾، ﴿يَزْعُمُونَ﴾ أي يقولون، وهذه المقولة يُنظر هل تكون صحيحة أو لا، ﴿يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ كاليهود مثلًا يقولون: نحن نؤمن بما أنزل إليك يا محمد، ونؤمن بالتوراة، والنصارى يقولون: نؤمن بما أنزل إليك ونؤمن بالإنجيل والتوراة، ولكنهم ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ﴾ هذا محل التعجب، يزعمون وهم يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت، والطاغوت كل ما خالف الشرع، في هذه الآية كل ما خالف الشرع؛ لأن ما خالف الشرع فهو طغيان، فيريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت، ﴿وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾ أي يكفروا بالطاغوت، ومن الآمر لهم؟ الآمر هو الله عز وجل، لكنه أتى بصيغة الاسم المفعول ليكون هذا الأمر وإن كان أصله من الله فهو أيضًا صادر من الرسول ومن كل مؤمن، كلُّ مؤمن يأمر أن يكون التحاكم إلى الله ورسوله وأن يكفر الإنسان بالطاغوت، ﴿وَقَدْ أُمِرُوا﴾ أي من قبل الله ومن قبل أولياء الله ﴿أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾ أي بالطاغوت.

وإنما قلنا: إنه من قبل الله ومن قبل أوليائه؛ لأنه نظير قوله: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة ٧] يعني: ولم يقل: غير الذين غضبت عليهم؛ لأن طريقة هؤلاء تغضب الله وتغضب أولياء الله، ﴿وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾، إذن فهم تابعون للشيطان الذي يملي عليهم التحاكم إلى الطاغوت، فالشيطان يريد أن يضلهم ضلالًا بعيدًا، أي بعيدًا عن الحق؛ لأن التحاكم إلى الطاغوت يوجب للإنسان أن يبتعد عن الحق، وأن يعلق قلبه بهذا الطاغوت.

فإذا قال قائل: مثاله؟

نقول: المثال: دعي أحد من الناس إلى القرآن الكريم، ولكن قال: لا، نتحاكم إلى التوراة، نتحاكم إلى الإنجيل، نتحاكم إلى القانون الفلاني، نقول: كيف …

64

وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ ٱللَّهِ ۚ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ جَآءُوكَ فَٱسْتَغْفَرُوا۟ ٱللَّهَ وَٱسْتَغْفَرَ لَهُمُ ٱلرَّسُولُ لَوَجَدُوا۟ ٱللَّهَ تَوَّابًۭا رَّحِيمًۭا

And We did not send any messenger except to be obeyed by permission of Allah. And if, when they wronged themselves, they had come to you, [O Muhammad], and asked forgiveness of Allah and the Messenger had asked forgiveness for them, they would have found Allah Accepting of repentance and Merciful.

ثم قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾، أولًا الإعراب، قوله: ﴿مِنْ رَسُولٍ﴾ هذه محلها النصب على أنها مفعول به، لكن دخلت عليها (من) الزائدة لتأكيد العموم؛ وعليه فنقول في إعرابها: ﴿رَسُولٍ﴾ مفعول به منصوب وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها أيش؟ اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد.

واعلم أنك إذا قلت في حرفٍ ما: إنه زائد، فلا تعني أنه زائد من حيث المعنى، بل هو زائد من حيث الإعراب، أما المعنى فإن جميع الحروف الزائدة يقولون: إنها من أدوات التوكيد، فكل حرف جر زائد فهو من أدوات التوكيد.

ثانيًا: قوله: ﴿لِيُطَاعَ﴾ اللام هذه للتعليل وليست للعاقبة، انتبه! ليش؟ لأنه ما كل رسول يُطاع، لكن الحكمة من الإرسال هو أن يطاع، فاللام هنا للتعليل.

قوله أيضًا: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا﴾، (إذ) ظرف لما مضى، وليست ظرفًا للمستقبل، وتأتي (إذ) للتعليل لا ظرفية، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ [الزخرف ٣٩] يعني: لأنكم ظلمتم، وتقول: أتيتك إذ أتيتني، وإن كان وقت الإتيان الثاني غير وقت الإتيان الأول، لكن (إذ) هنا تكون للتعليل.

وفي الإعراب أيضًا (لو) يقولون: إنها مختصة بالأفعال وهنا دخلت على (أن)، فما هو الجواب عن هذه القاعدة التي تقول: إن (لو) مختصة بالأفعال مع أنها هنا لم تدخل على فعل؟ الجواب أن نقول: إن الفعل محذوف، والتقدير: ولو ثبت أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤوك، أما ﴿جَاءُوكَ﴾ فهي جواب (لو).

وقوله: ﴿لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾، ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ﴾، اللام أيضًا واقعة في جواب الشرط ﴿لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ إلى آخره.

يقول الله عز وجل إنه ما أرسل من رسول إلا ليُطاع بإذن الله، لم يرسل الرسل من أجل أن يُكذَّبوا ويُؤذَوا وإن كانت العاقبة قد تكون التكذيب والإيذاء، لكن الأصل في إرسال الرسل هو أيش؟ طاعته كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات ٥٦]، يعني هذا هو الأصل في خلق الجن والإنس؛ أنهم خُلِقوا للعبادة لا للهو واللعب، ولكن هل هذا متحقَّق في كل واحد من البشر وكل واحد من الجن؟ لا.

إذن هذه الآية كالآية التي في سورة الذاريات، لكن التي في سورة الذاريات تتعلق بشهادة أن لا إله إلا الله، وهذه تتعلق بشهادة أن محمدًا رسول الله، هذه في الرسالة، وتلك في التوحيد، فالرسل ما أُرسلوا إلا ليطاعوا لا ليُكذَّبوا ويُؤذَوا ويُقتَلوا؛ لأن من الرسل من كُذِّب وأُوذِي وقُتِل، ومن الرسل من أُطيع.

وقوله: ﴿إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾، (إذنُ اللهِ) تعالى ينقسم إلى قسمين: إذن كوني، وشرعي، والمراد به هنا أيش؟ الشرعي، ويحتمل أنه الكوني، يعني ليطاع إذا أذِن الله تعالى بذلك كونًا، ومن الرسل الذين أُرسِلوا ليطاعوا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم.

ولهذا فرّع عليه قوله: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ﴾، يعني لو أنهم حين ظلموا أنفسهم جاؤوك، يعني جاؤوك في حال ظلم أنفسهم، وذلك فيما وقع بينهم من خصومة، فتحاكموا إلى غير الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فلو أنهم حين حصلت منهم هذه المظلمة، لو أنهم جاؤوا إلى الرسول عليه الصلاة والسلام ﴿فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾.

وقوله: ﴿إِذْ ظَلَمُوا﴾، يعني حين ظلموا أنفسهم، وذلك بما وقع بينهم من نزاع وخصومة ﴿جَاءُوكَ﴾، أي جاؤوا إلى الرسول عليه الصلاة والسلام، ومن المعلوم أن المراد جاؤوك في حال حياتك، ويدل لهذا قوله: ﴿وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ﴾؛ لأنه بعد موته لا …

65

فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا۟ فِىٓ أَنفُسِهِمْ حَرَجًۭا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا۟ تَسْلِيمًۭا

But no, by your Lord, they will not [truly] believe until they make you, [O Muhammad], judge concerning that over which they dispute among themselves and then find within themselves no discomfort from what you have judged and submit in [full, willing] submission.

Explained together with ayah 64

66

وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ ٱقْتُلُوٓا۟ أَنفُسَكُمْ أَوِ ٱخْرُجُوا۟ مِن دِيَٰرِكُم مَّا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌۭ مِّنْهُمْ ۖ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا۟ مَا يُوعَظُونَ بِهِۦ لَكَانَ خَيْرًۭا لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًۭا

And if We had decreed upon them, "Kill yourselves" or "Leave your homes," they would not have done it, except for a few of them. But if they had done what they were instructed, it would have been better for them and a firmer position [for them in faith].

طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم:﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا (٦٦) وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا (٦٧) وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (٦٨) وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (٦٩) ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا﴾ [النساء ٦٦ - ٧٠].

* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، سبق الكلام على قوله تبارك وتعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾، وأخذنا فوائدها.

قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ﴾، أيضًا تكلمنا على أول هذه الآية من حيث التفسير والإعراب.

يقول عز وجل: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ﴾؛ وذلك لأنهم يكرهون ما يؤلمهم ويؤذيهم في الدنيا، ولا يهمهم إذا كُفُوا هذا الأمر أن يكونوا طائعين أو عاصين.

وقوله: ﴿أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ لا يراد به أن يقتل الإنسان نفسه، بل يراد به أن يقتل أخاه؛ لأن أخا الإنسان بمنزلة نفسه، ودليل ذلك قوله تبارك وتعالى: ﴿وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [الحجرات ١١]، ومعلوم أن الإنسان لا يلمز نفسه وإنما يلمز أخاه.

وقوله: ﴿أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ﴾، هذا أيضًا من الأمور المكروهة للنفوس؛ أن يُخرَج الإنسان من بلده، فإن ذلك من أكره ما يكون على النفوس؛ يدع وطنه الذي عاش فيه، ويدع أملاكه، ويدع الأرض التي كان يعرفها، شاقٌّ على النفوس، لو فرضنا عليهم ذلك ما انقادوا إلا قليل منهم، ما فعلوه إلا قليل منهم؛ وذلك لإيثارهم الدنيا على الآخرة.

وقوله: ﴿إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾ هذا استثناء، والقليل يعني ما دون النصف، والكثير النصف فما فوق، لكن يقال لما فوق النصف: إنه أكثر، ويقال لما دونه: إنه الأقل.

﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ﴾ يعني: لو أن هؤلاء الذين تحاكموا إلى غير الرسول عليه الصلاة والسلام، وأُمروا أن يتحاكموا إلى الرسول، ﴿لَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾، والذي يوعظون به هو الرجوع إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ﴿لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ في الحال والمآل، ﴿وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ أي: أشد إثباتًا على الحق؛ لأن الإنسان كلما ازداد طاعة لله ازداد إيمانًا ويقينًا وثباتًا.

* فمن هذه الآية يستفاد أولًا: بيان ضعف الإنسان، وأنه لا يستطيع أن يتحمل كل ما أُمر به إذا كان لا يلائمه، لا سيما مع ضعف الإيمان، خصوصًا إذا قلنا: إن هذه الآية نزلت في المنافقين.

* ومن فوائدها: أن قتل الناس بعضهم بعضًا من أشق ما يكون على النفوس.

* ومن فوائدها أيضًا: أن الإخراج من الديار هو من الشاق على النفوس؛ لأن الله تعالى ضربه هنا مثلًا ﴿أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ﴾.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الناجي من العباد قليل؛ لقوله: ﴿مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾، ففتش نفسك هل أنت من هؤلاء القليل أو من الكثر؟ وهذا الحكم يشهد له ما ثبت في الصحيحين وغيرهما «أَنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يُنَادِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ: يَا آدَمُ، فَيَقُولُ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ، فَيَقُولُ اللهُ لَهُ: أَخْرِجْ مِنْ ذُرِّيَّتِكَ بَعْثًا إِلَى النَّارِ، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ، وَمَا بَعْثُ النَّارِ؟ قَالَ: مِنْ كُلِّ أَلْفٍ …

67

وَإِذًۭا لَّءَاتَيْنَٰهُم مِّن لَّدُنَّآ أَجْرًا عَظِيمًۭا

And then We would have given them from Us a great reward.

ثم قال تعالى: ﴿وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا (٦٧) وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾، (إذن) ظرف للزمن الحاضر، و(إذ) للماضي، و(إذا) للمستقبل، فهذه العوامل الثلاث أو الأدوات الثلاث تقاسمت الزمان؛ (إذ)؟

* طالب: للماضي.

* الشيخ: وإذا؟ إي نعم.

* الطالب: للمستقبل.

* الشيخ: وإذن؟

* الطالب: للحاضر.

* الشيخ: للحاضر، يعني: وإذن لو أنهم فعلوا ما يوعظون به لأثبناهم على ذلك.

﴿لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا﴾، (آتى) بالمد بمعنى: أعطى، فهي من أخوات أيش؟

* طلبة: (كسا).

* الشيخ: (كسا)، أي: فهي من العوامل التي تنصب مفعولين ليس أصلهما المبتدأ والخبر، بخلاف (ظن) وأخواتها؛ فإنها تنصب مفعولين أصلهما المبتدأ والخبر، مثال ذلك تقول: زيد قائم، أَدْخِل عليها (ظن): ظننت زيدًا قائمًا، وتقول: كسوت زيدًا جبة، احذف العامل، فهل يستقيم أن تقول: (زيد) مبتدأ، و(جبة) خبر؟ لا يمكن؛ ولهذا يفرَّق بين (كسا) وأخواتها وبين (ظن) وأخواتها، (آتى) من أي البابين؟

* طلبة: باب (كسا).

* الشيخ: من باب (كسا)؛ من الباب الثاني، ومفعولها الأول الهاء في قوله: ﴿لَآتَيْنَاهُمْ﴾، والثاني ﴿أَجْرًا﴾.

﴿وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ﴾ أي: أعطيناهم، ﴿مِنْ لَدُنَّا﴾ أي: من عندنا، ﴿أَجْرًا عَظِيمًا﴾ أي: ثوابًا، وسمَّى الله تعالى الثواب الذي جعله على الأعمال سمَّاه أجرًا؛ ليتبين للإنسان أن هذا الثواب لا بد من حصوله، كما أنه لا بد من حصول الأجر لمن استأجر بيتًا أو نحوه، فلا بد أن يحصل على الأجرة.

والعظيم هنا بمعنى الكثير، وبمعنى الشديد، يعني أنه أجر لا يمكن للإنسان أن يدرك كُنهه؛ لأنه عظيم، ووصف الشيء بالعظيم من العظيم يدل على عظمته.

يعني، ففي هذه الآية دليل على أن الإنسان يُثاب ثوابًا آخر غير التثبيت الذي ذكره الله في الآية الأولى، وهو أنه ينال ثوابًا عظيمًا من عند الله عز وجل، وكل هذا من أجل الترغيب في فعل ما يوعَظ به العبد.

* وفي هذه الآية الكريمة دليل على بطلان قول الصوفية الذين يقولون: اعبد الله لله ولا تعبده لثواب الله، وجه الدلالة أنه لولا أن لذكر الثواب تأثيرًا في العمل لكان ذكره أيش؟ عبثًا ولغوًا، والله عز وجل لم يذكر الثواب ويرغِّب في العمل من أجل الثواب إلا ليبين أن نية الثواب لا تُضعِف العمل ولا تنافي الإخلاص، وقد وصف الله نبيه محمدًا صلى الله عليه وعلى آله وسلم والذين معه بأنهم يبتغون فضلًا من الله ورضوانًا، فقال: ﴿تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾ [الفتح ٢٩].

على أنه جاء في آية أخرى المدح في الذين يبتغون وجه الله، فيكون هذا دليلًا على أنك إن أردت وجه الله فإنك مُثاب، وإن أردت ثواب الله فإنك مُثاب أيضًا.

* ومن فوائد الآية الكريمة: عِظم هذا الثواب؛ من وجهين: الأول إضافته إلى الله، في قوله: ﴿مِنْ لَدُنَّا﴾؛ لأن عطاء العظيم عظيم، والثاني من قوله: ﴿أَجْرًا عَظِيمًا﴾.

68

وَلَهَدَيْنَٰهُمْ صِرَٰطًۭا مُّسْتَقِيمًۭا

And We would have guided them to a straight path.

﴿وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ ، ﴿صِرَاطًا﴾ هذه فيها قراءتان: بالسين، والصاد؛ ﴿سِرَاطًا﴾ ، و﴿صِرَاطًا﴾، وهذه أيضًا تنصب مفعولين ليس أصلهما المبتدأ والخبر؛ المفعول الأول الهاء في قوله: ﴿لَهَدَيْنَاهُمْ﴾، والثاني ﴿صِرَاطًا﴾.

(هديناهم): الهداية هنا تشمل هداية العلم والإرشاد، وهداية التوفيق والرشاد، وقد مرّ علينا أنه إذا عُدِّي العامل بـ (إلى) فهو هداية الدلالة والإرشاد، وإذا جُرِّد من حرف الجر شمل هذا وهذا، وذكرنا لهذا شواهد؛ فمن شواهد المعدَّى بـ (إلى) قوله تعالى عن نبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيم﴾ [الشورى ٥٢].

أنه إذا عُدِّي العامل بـ(إلى) فهو هداية الدلالة والإرشاد، وإذا جُرد منها حرف الجر شمل هذا وهذا، وذكرنا لهذا شواهد، فمن شواهد المعدَّى بـ(إلى) قوله تعالى عن نبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى ٥٢]، ومن شواهد المجرد قوله تعالى في سورة الفاتحة: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة ٦]، وهذه الآية أيضًا ﴿وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ [النساء ٦٨].

* ففيها، من فوائدها: أن من فعل ما يوعَظ به وأطاع الله ورسوله، فإنه يُهدى إلى الحق. وثواب الحسنة الحسنة بعدها.

* ومن فوائدها: أنك إذا أردت سعة العلم وثبوت العلم فعليك بطاعة الله؛ لأنه كلما اهتدى الإنسان بهداية الله ازداد هدى، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ [محمد ١٧].

وقوله: ﴿صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ يُستفاد منه: أن هناك صراطًا غير مستقيم، ما هو الصراط المستقيم؟

* طالب: (...).

* الشيخ: نعم، سبل الكفر، ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام ١٥٣]، فالسُّبل التي تميل بالإنسان يمينًا وشمالًا هذه غير مستقيمة، أما صراط الله الذي هو سبيله الموصل إليه فإنه مستقيم.

69

وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ فَأُو۟لَٰٓئِكَ مَعَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّۦنَ وَٱلصِّدِّيقِينَ وَٱلشُّهَدَآءِ وَٱلصَّٰلِحِينَ ۚ وَحَسُنَ أُو۟لَٰٓئِكَ رَفِيقًۭا

And whoever obeys Allah and the Messenger - those will be with the ones upon whom Allah has bestowed favor of the prophets, the steadfast affirmers of truth, the martyrs and the righteous. And excellent are those as companions.

ثم قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء ٦٩]، (مَن) هذه شرطية، والفعل بعدها مجزوم بها، ودليل الجزم حذف الياء، وأصل (يُطع): (يطيع).

فإذا قال قائل: لماذا حُذفت الياء؟

قلنا: لأنه لما جُزم الفعل صار ساكنًا، والياء ساكنة، والقاعدة أنه إذا اجتمع ساكنان فإن كان الأول حرفًا صحيحًا كُسر، وإن كان حرف علة حُذف. وفي هذا يقول ابن مالك:

* طالب:

إِنْ سَاكِنَانِ الْتَقَيَا اكْسِرْ مَا سَبَقْ ∗∗∗ وَإِنْ يَكُنْ لَيْنًا فَحَذْفَــــــهُاسْتَحَــــــــقْ

* الشيخ: صحيح، (إن ساكنان التقيا اكسر ما سبق، وإن يكن لينا) يعني: حرف علة (فحذفه استحق) يعني: احذفه.

هنا نقول: حذفت الياء لأنها حرف لين وبعدها ساكن، فوجب حذفها.

فإن قال قائل: ما بعدها ليس بساكن، بل هو مكسور ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ﴾؟

فالجواب: أن هذه الكسرة عارضة لالتقاء الساكنين.

أين الجواب؛ جواب (مَن)؟ جملة ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾.

وهنا نسأل: لماذا اقترنت الفاء في الجواب؟

* طالب: هذه الفاء عوض عن الفعل.

* الشيخ: رابطة للجواب. فلماذا اقترن جواب الشرط بالفاء؟

* طالب: لأنه لم يكن جواب..

* الشيخ: لا، جواب.

* الطالب: جواب الشرط.

* طالب: لأن جواب الشرط جملة اسمية.

* الشيخ: لأن جواب الشرط جملة اسمية، وإذا كان جملة اسمية فإنه يجب اقترانه بالفاء.

* طالب:

اسْمِيَّـــــــــــــــــــــةٌطَلَبِيَّـــــــــــــةٌ وَبِجَامِــــــــدٍ ∗∗∗ وَبِمَا وَلَنْ وَقَدْوَبِالتَّنْفِيـــــــــسِ

* الشيخ: سبعة مواضع إذا وقعت جوابًا للشرط اقترنت بالفاء.

قوله: ﴿مِنَ النَّبِيِّينَ﴾ فيها قراءتان: ﴿مِنَ النَّبِيِّينَ﴾ بالياء، و﴿مِنَ النَّبِيئِينَ﴾ بالهمزة.

و(مِن) هذه بيانية، فما هو المبهم الذي بُين بـ(من)؟

* طالب: ﴿الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾.

* الشيخ: اسم موصول، اسم الموصول مبهم فيحتاج إلى بيان، وصلته لا تبينه.

﴿وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾، ﴿أُولَئِكَ﴾ تعود إلى؟

* طالب: ﴿أُولَئِكَ﴾ تعود إلى.

* الشيخ: يعني المشار إليه ما هو؟

* طالب: المشار إليهم: الصديقين والشهداء والصالحين.

* الشيخ: بس، و(النبيين) خارجين؟!

لماذا قال: ﴿رَفِيقًا﴾ مع أن المشار إليه جمع؟

* طالب: تمييز.

* الشيخ: (رفيقًا) تمييز؟ والتمييز لا بد أن يكون مفردًا، هو الآن رفيق مفرد وجمعه رفقاء؟

* طالب: لأنه على وزن (فعيل).

* الشيخ: وإذا كان على وزن فعيل؟

* طالب: (...).

* الشيخ: يعني معناه إذا قلنا: قتيل فهو بمعنى قتلى؟

* طالب: اللفظ مفرد، ولكن يريد به الجمع: الرفقاء.

* الشيخ: نعم، يقول العلماء: إن (رفيق) مفرد صالح للجمع والمفرد، يعني: صالح لهذا وهذا، فتقول: هؤلاء رفيق هؤلاء الجماعة، أو رفقاء هؤلاء الجماعة، كـ(الجُنُب) مثلًا، كلمة (جُنُب) لفظها مفرد ولكنها صالحة للجمع، قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة ٦]، ومثل الفُلك مفرد لكنه صالح للجمع، قال الله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ﴾ [يونس ٢٢]، وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ﴾ [لقمان ٣١]، وأمثال هذا كثير.

ويعجبني كلمة قالها ابن عقيل رحمه الله، وهو من الفقهاء، قال: إن الأحدب الذي حدبته كالراكع ينوي الركوع كفلك في العربية؛ صالح للمفرد والجمع، وهكذا الانحناء من الرجل الأحدب صالح لأن يكون طبيعيًّا أو يكون شرعيًّا راكعًا.

وهذا يجُرنا إلى قصة الكسائي مع أبي يوسف، كان الكسائي يقول: إن الإنسان إذا أتقن علمًا إتقانًا قويًّا جيدًا فهِم ما سواه من العلوم وإن لم يدرسها. هكذا قال، وكان ذلك بحضرة …

70

ذَٰلِكَ ٱلْفَضْلُ مِنَ ٱللَّهِ ۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ عَلِيمًۭا

That is the bounty from Allah, and sufficient is Allah as Knower.

ثم قال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا﴾ [النساء ٧٠] (ذلك) المشار إليه ما سبق من نعمة الله سبحانه وتعالى على هؤلاء الأصناف الأربعة الذين أنعم الله عليهم نعمة في الدنيا والآخرة؛ لأن النعمة على هؤلاء الأصناف الأربعة نعمة متصلة من الدنيا إلى الآخرة، بخلاف إنعام الله على غيرهم من أشقياء عباد الله، فإنها نعمة في الدنيا، خسارة في الآخرة.

﴿ذَلِكَ﴾ إذن المشار إليه ما أنعم الله به على هؤلاء الأصناف، ﴿الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ﴾: (الفضل) يحتمل أن تكون صفة أو عطف بيان لـ(ذا)، ويحتمل أن تكون خبر المبتدأ، ولو جاء ضمير الفصل لتعين أن تكون خبر المبتدأ. فالآن لنا في إعرابها وجهان: الوجه الأول أن تكون: (ذلك الفضل) كلمة واحدة، يعني الصفة والموصوف، و(من الله) جار ومجرور خبر المبتدأ، ويجوز أن تكون (ذا) مبتدأ و(الفضل) خبره، ويكون (من الله) حالًا في موضع نصب على الحال.

﴿ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ﴾ يعني لا من غيره، فهم لم يكسبوا ما كسبوا من المنزلة العالية بأنفسهم، بل بفضل من الله عز وجل، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «اللَّهُمَّ لَا تَكِلْنِي إِلَى نَفْسِي وَلَا إِلَى أَحَدٍ غَيْرِكَ طَرْفَةَ عَيْنٍ»أخرجه أبو داود (٥٠٩٠) من حديث أبي بكرة.. فالإنسان لا يكتسب الفضائل بنفسه، ولو وكل إلى نفسه لهان وذل وحرم، ولكن الفضل من الله عز وجل.

﴿وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا﴾ هذه صيغة بمعنى التعجب، وقيل في إعرابها: إن (كفى) فعل ماضٍ، والباء حرف جر زائد، ولفظ الجلالة فاعل، يعني: وكفى الله شهيدًا. وعلى هذا فتكون (عليمًا) منصوبة على الحال، أي حال كونه عليمًا. وصلة هذه الجملة بما قبلها بيان أن الله سبحانه وتعالى لم يعط الفضل لهؤلاء إلا عن علم، ليس هكذا جزافًا، بل الله أعلم حيث يجعل رسالته، وأعلم حيث يجعل الصلاح، وأعلم حيث يجعل العلم، وأعلم حيث يجعل الرشد، فهو سبحانه وتعالى يعلم المحل الذي هو أهل لهذا الفضل فيمنحه إياه، ويعلم من ليس بأهل فيحرمه. هذه وجه صلة الجملة بما قبلها.

* يستفاد من هذه الآية الكريمة:

* أولًا: بيان نعمة الله عز وجل على هؤلاء الأصناف؛ لقوله: ﴿ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ﴾، ووجهه أن الله تفضل عليهم.

* ثانيًا: أن ما يحصل للإنسان من فضل فإنما هو من الله عز وجل، لا بحوله وقوته، ولهذا أهلك الله الذين قالوا: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ [القصص ٧٨]؛ لأن الفضل بيد الله.

* ومن فوائد هذه الآية: الحث على توجه الإنسان إلى ربه في سؤال مطلوبه، وجهه أنه إذا كان الفضل من الله فلا تسأل الفضل إلا ممن بيده الفضل.

* ومن فوائد الآية الكريمة: بيان سعة علم الله عز وجل؛ لقوله: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا﴾.

* ومن فوائدها أيضًا: تفويض الأمر إلى الله، وأن الله تعالى إذا فضل أحدًا على أحد فاعلم أن ذلك عن علم، ليس عبثًا، ولهذا لما قال المكذبون: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ﴾ [الأنعام ١٢٤] رد الله عليهم، قال لهم: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام ١٢٤] وأنتم لستم أهلًا للرسالة.

* ومن فوائد هذه الآية، وهي فائدة بعيدة بعض الشيء: بيان أن جنس العرب أفضل بني آدم بعلم الله؛ وجهه أن محمدًا عليه الصلاة والسلام أشرف عباد الله، يعني أشرف البشر، وكان من العرب، فدل ذلك على أن الجنس العربي أفضل من الجنس غير العربي من بني آدم، وهذا شيء مشاهد، وتدل عليه أخلاقهم وآدابهم، وما حصل لهم من الفضل العظيم بنصرة هذا الدين. وقد ذكر شيخ الإسلام رحمه الله في كتابه اقتضاء صراط المستقيم أوجهًا متعددة على أن جنس العرب أفضل من الجنس الآخر من البشر.

Commentary: Tafsir Ibn 'Uthaymin by Muhammad ibn Salih al-'Uthaymin. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.