Muslim99Muslim99
← Tafsir library

4. An-Nisaa

The Women · Medinan · 176 ayahs

سُورَةُ النِّسَاءِ

Reading Nazm al-Durar by Burhan al-Din al-Biqa'i

Ayahs 61–70 of 176

61

وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا۟ إِلَىٰ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَإِلَى ٱلرَّسُولِ رَأَيْتَ ٱلْمُنَٰفِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًۭا

And when it is said to them, "Come to what Allah has revealed and to the Messenger," you see the hypocrites turning away from you in aversion.

ولَمّا ذَكَرَ ضَلالَهم بِالإرادَةِ؛ ورَغْبَتَهم في التَّحاكُمِ إلى الطّاغُوتِ؛ ذَكَرَ فِعْلَهم فِيهِ في نَفْرَتِهِمْ عَنِ التَّحاكُمِ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؛ فَقالَ: ﴿وإذا قِيلَ لَهُمْ﴾؛ أيْ: مِن أيِّ قائِلٍ كانَ؛ ﴿تَعالَوْا﴾؛ أيْ: أقْبِلُوا رافِعِينَ أنْفُسَكم مِن وِهادِ الجَهْلِ إلى شَرَفِ العِلْمِ؛ ﴿إلى ما أنْـزَلَ اللَّهُ﴾ أيْ: الَّذِي عِنْدَهُ كُلُّ شَيْءٍ؛ ﴿وإلى الرَّسُولِ﴾؛ أيْ: الَّذِي تَجِبُ طاعَتُهُ؛ لِأجْلِ مُرْسِلِهِ؛ مَعَ أنَّهُ أكْمَلُ الرُّسُلِ الَّذِينَ هم أكْمَلُ الخَلْقِ رِسالَةً؛ رَأيْتَهم - هَكَذا كانَ الأصْلُ -؛ ولَكِنَّهُ أظْهَرَ الوَصْفَ الَّذِي دَلَّ عَلى كَذِبِهِمْ فِيما زَعَمُوهُ مِنَ الإيمانِ؛ فَقالَ: ﴿رَأيْتَ المُنافِقِينَ يَصُدُّونَ﴾؛ أيْ: يُعْرِضُونَ ﴿عَنْكَ﴾؛ وأكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿صُدُودًا﴾؛ أيْ: هو في أعْلى طَبَقاتِ الصُّدُودُ.

62

فَكَيْفَ إِذَآ أَصَٰبَتْهُم مُّصِيبَةٌۢ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَآءُوكَ يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ إِنْ أَرَدْنَآ إِلَّآ إِحْسَٰنًۭا وَتَوْفِيقًا

So how [will it be] when disaster strikes them because of what their hands have put forth and then they come to you swearing by Allah, "We intended nothing but good conduct and accommodation."

ولَمّا تَسَبَّبَ عَنْ هَذا تَهْدِيدُهُمْ؛ قالَ - مُهَوِّلًا لِوَعِيدِهِمْ بِالإبْهامِ؛ والتَّعْجِيبِ مِنهُ بِالِاسْتِفْهامِ؛ مُعْلِمًا بِأنَّهم سَيَنْدَمُونَ حِينَ لا يَنْفَعُهُمُ النَّدَمُ؛ ولا يُغْنِي عَنْهم الِاعْتِذارُ -: ﴿فَكَيْفَ﴾؛ أيْ: يَكُونُ حالُهُمْ؛ ﴿إذا أصابَتْهم مُصِيبَةٌ﴾؛ أيْ: عُقُوبَةٌ هائِلَةٌ؛ ﴿بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ﴾؛ مِمّا ذَكَرْنا؛ ومِن غَيْرِهِ.

ولَمّا كانَ الَّذِي يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ تَناقُضُهم بَعِيدًا؛ لِأنَّ الكَذِبَ عِنْدَ العَرَبِ كانَ شَدِيدًا؛ قالَ: ﴿ثُمَّ جاءُوكَ﴾؛ أيْ: خاضِعِينَ بِما لَيَّنَتْ مِنهم تِلْكَ المُصِيبَةُ؛ حالَ كَوْنِهِمْ ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ﴾؛ أيْ: الحاوِي لِصِفاتِ الكَمالِ؛ مِنَ الجَلالِ؛ والجَمالِ؛ غَيْرَ مُسْتَحْضِرِينَ لِصِفَةٍ مِن صِفاتِهِ؛ ﴿إنْ﴾؛ أيْ: ما؛ ﴿أرَدْنا﴾؛ أيْ: في جَمِيعِ أحْوالِنا؛ وبِسائِرِ أفْعالِنا؛ ﴿إلا إحْسانًا وتَوْفِيقًا﴾؛ أيْ: أنْ تَكُونَ الأُمُورُ عَلى الوَجْهِ الأحْسَنِ والأوْفَقِ؛ لِما رَأيْنا في ذَلِكَ مِمّا خَفِيَ عَلى غَيْرِنا؛ وقَدْ كَذَبُوا في جَمِيعِ ذَلِكَ.

63

أُو۟لَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ يَعْلَمُ ٱللَّهُ مَا فِى قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُل لَّهُمْ فِىٓ أَنفُسِهِمْ قَوْلًۢا بَلِيغًۭا

Those are the ones of whom Allah knows what is in their hearts, so turn away from them but admonish them and speak to them a far-reaching word.

ولَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ وتَعالى - بَعْضَ ما يَصْدُرُ مِنهم مِنَ التَّناقُضاتِ؛ وهم غَيْرُ مُحْتَشِمِينَ؛ ولا هائِبِينَ؛ قالَ - مُعْلِمًا بِشَأْنِهِمْ؛ مُعْلِمًا لِما يَصْنَعُ بِهِمْ -: ﴿أُولَئِكَ﴾؛ أيْ: البُعَداءُ عَنِ الخَيْرِ؛ ﴿الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ﴾؛ أيْ: الحاوِي لِنُعُوتِ العَظَمَةِ؛ ﴿ما في قُلُوبِهِمْ﴾؛ أيْ: مِن شِدَّةِ البُغْضِ لِلْإسْلامِ؛ وأهْلِهِ؛ وإنِ اجْتَهَدُوا في إخْفائِهِ عَنْهُ؛ ثُمَّ سَبَّبَ - تَعْلِيمًا لِما يَصْنَعُ بِهِمْ؛ وإعْلامًا بِأنَّهم لا يَضُرُّونَ إلّا أنْفُسَهم - قَوْلَهُ: ﴿فَأعْرِضْ عَنْهُمْ﴾؛ أيْ: عَنْ عِقابِهِمْ؛ وعَنِ الخَشْيَةِ مِنهُمْ؛ وعَنْ عِتابِهِمْ؛ لِأنَّهم أقَلُّ مِن أنْ يُحْسَبَ لَهم حِسابٌ؛ ﴿وعِظْهُمْ﴾؛ أيْ: وإنْ ظَنَنْتَ أنَّ ذَلِكَ لا يُؤَثِّرُ؛ لِأنَّ القُلُوبَ بِيَدِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ وتَعالى - يَصْطَنِعُها لِما أرادَ؛ مَتى أرادَ؛ ﴿وقُلْ لَهم في أنْفُسِهِمْ﴾؛ أيْ: بِسَبَبِها؛ وما يَشْرَحُ أحْوالَها؛ ويُبَيِّنُ نَقائِصَها مِن نَفائِسِها؛ أوْ خالِيًا مَعَهُمْ؛ فَإنَّ ذَلِكَ أقْرَبُ إلى تَرْقِيقِهِمْ؛ ﴿قَوْلا بَلِيغًا﴾؛ أيْ: يَكُونُ في غايَةِ البَلاغَةِ في حَدِّ ذاتِهِ.

64

وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ ٱللَّهِ ۚ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ جَآءُوكَ فَٱسْتَغْفَرُوا۟ ٱللَّهَ وَٱسْتَغْفَرَ لَهُمُ ٱلرَّسُولُ لَوَجَدُوا۟ ٱللَّهَ تَوَّابًۭا رَّحِيمًۭا

And We did not send any messenger except to be obeyed by permission of Allah. And if, when they wronged themselves, they had come to you, [O Muhammad], and asked forgiveness of Allah and the Messenger had asked forgiveness for them, they would have found Allah Accepting of repentance and Merciful.

ولَمّا أمَرَ بِطاعَةِ الرَّسُولِ ﷺ؛ وذَمَّ مَن حاكَمَ إلى غَيْرِهِ؛ وهَدَّدَهُ؛ وخَتَمَ تَهْدِيدَهُ بِأمْرِ النَّبِيِّ ﷺ بِالإعْراضِ عَنْهُ؛ والوَعْظِ لَهُ؛ فَكانَ التَّقْدِيرُ: ”فَما أرْسَلْناكَ؛ وغَيْرَكَ مِنَ الرُّسُلِ؛ إلّا لِلرِّفْقِ بِالأُمَّةِ؛ والصَّفْحِ عَنْهُمْ؛ والدُّعاءِ لَهُمْ؛ عَلى غايَةِ الجُهْدِ والنَّصِيحَةِ“؛ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وما أرْسَلْنا﴾؛ أيْ: بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ؛ ودَلَّ عَلى الإعْراقِ في الِاسْتِغْراقِ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن رَسُولٍ﴾؛ ولَمّا كانَ ما يُؤْتِيهِمْ - سُبْحانَهُ وتَعالى - مِنَ الآياتِ؛ ويَمْنَحُهم بِهِ مِنَ المُعْجِزاتِ؛ حامِلًا في ذاتِهِ عَلى الطّاعَةِ شَبَّهَهُ بِالحامِلِ عَلى إرْسالِهِ؛ فَقالَ: ﴿إلا لِيُطاعَ﴾؛ أيْ: لِأنَّ مَنصِبَهُ الشَّرِيفَ مُقْتَضٍ لِذَلِكَ؛ آمِرٌ بِهِ؛ داعٍ إلَيْهِ؛ ﴿بِإذْنِ اللَّهِ﴾؛ أيْ: بِعِلْمِ المَلِكِ الأعْظَمِ؛ الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ بِكُلِّ شَيْءٍ في تَمْكِينِهِ مِن أنْ يُطاعَ؛ لِما جَعَلْنا لَهُ مِنَ المَزِيَّةِ بِالصِّفاتِ العَظِيمَةِ؛ والمَناصِبِ الجَلِيلَةِ؛ والأخْلاقِ الشَّرِيفَةِ؛ كَما قالَ ﷺ «”ما مِنَ الأنْبِياءِ نَبِيٌّ إلّا وقَدْ أُوتِيَ مِنَ الآياتِ ما مِثْلُهُ آمَنَ عَلَيْهِ البَشَرُ“؛» أخْرَجَهُ الشَّيْخانِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: ”فَلَوْ أطاعُوكَ لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ“؛ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿ولَوْ أنَّهم إذْ﴾؛ أيْ: حِينَ؛ ﴿ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ﴾؛ أيْ: بِالتَّحاكُمِ إلى الطّاغُوتِ؛ أوْ غَيْرِهِ؛ ﴿جاءُوكَ﴾؛ أيْ: مُبادِرِينَ؛ ﴿فاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ﴾؛ أيْ: عَقَّبُوا مَجِيئَهم بِطَلَبِ المَغْفِرَةِ مِنَ المَلِكِ الأكْرَمِ؛ لِما اسْتَحْضَرُوهُ لَهُ مِنَ الجَلالِ؛ ﴿واسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ﴾؛ أيْ: ما فَرَّطُوا بِعِصْيانِهِ؛ فِيما اسْتَحَقَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ الطّاعَةِ؛ ﴿لَوَجَدُوا اللَّهَ﴾؛ أيْ: المَلِكَ الأعْظَمَ؛ ﴿تَوّابًا رَحِيمًا﴾؛ أيْ: بَلِيغَ التَّوْبَةِ عَلى عَبِيدِهِ؛ والرَّحْمَةِ؛ لِإحاطَتِهِ بِجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ؛ فَقَبِلَ تَوْبَتَهُمْ؛ ومَحا ذُنُوبَهُمْ؛ وأكْرَمَهم.

65

فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا۟ فِىٓ أَنفُسِهِمْ حَرَجًۭا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا۟ تَسْلِيمًۭا

But no, by your Lord, they will not [truly] believe until they make you, [O Muhammad], judge concerning that over which they dispute among themselves and then find within themselves no discomfort from what you have judged and submit in [full, willing] submission.

ولَمّا أفْهَمَ ذَلِكَ أنَّ إباءَهم لِقَبُولِ حُكْمِهِ؛ والِاعْتِرافِ بِالذَّنْبِ لَدَيْهِ سَبَبٌ مانِعٌ لَهم مِنَ الإيمانِ؛ قالَ - مُؤَكِّدًا لِلْكَلامِ غايَةَ التَّأْكِيدِ؛ بِالقَسَمِ المُؤَكِّدِ لِإثْباتِ مَضْمُونِهِ؛ و”لا“؛ النّافِيَةِ لِنَقِيضِهِ -: ﴿فَلا ورَبِّكَ﴾؛ أيْ: المُحْسِنِ إلَيْكَ؛ ﴿لا يُؤْمِنُونَ﴾؛ أيْ: يُوجِدُونَ هَذا الوَصْفَ؛ ويُجَدِّدُونَهُ؛ ﴿حَتّى يُحَكِّمُوكَ﴾؛ أيْ: يَجْعَلُوكَ حَكَمًا؛ ﴿فِيما شَجَرَ﴾؛ أيْ: اخْتَلَطَ؛ واخْتَلَفَ؛ ﴿بَيْنَهُمْ﴾؛ مِن كَلامِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ لِلتَّنازُعِ؛ حَتّى كانُوا كَأغْصانِ الشَّجَرِ في التَّداخُلِ؛ والتَّضايُقِ.

ولَمّا كانَ الإذْعانُ لِلْحُكْمِ بِما يُخالِفُ الهَوى في غايَةِ الشِّدَّةِ عَلى النَّفْسِ؛ أشارَ إلَيْهِ بِأداةِ التَّراخِي؛ فَقالَ: ﴿ثُمَّ لا يَجِدُوا في أنْفُسِهِمْ حَرَجًا﴾؛ أيْ: نَوْعًا مِنَ الضِّيقِ؛ ﴿مِمّا قَضَيْتَ﴾؛ أيْ: عَلَيْهِمْ بِهِ؛ وأكَّدَ إسْلامَهم لِأنْفُسِهِمْ بِصِيغَةِ التَّفْعِيلِ؛ فَقالَ: ﴿ويُسَلِّمُوا﴾؛ أيْ: يُوقِعُوا التَّسْلِيمَ البَلِيغَ لِكُلِّ ما هو لَهم مِن أنْفُسِهِمْ؛ وغَيْرِها؛ لِلَّهِ؛ ورَسُولِهِ ﷺ خالِصًا عَنْ شَوْبِ كُرْهٍ؛ ثُمَّ زادَهُ تَأْكِيدًا بِقَوْلِهِ: ﴿تَسْلِيمًا﴾؛ وفي الصَّحِيحِ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في الزُّبَيْرِ؛ وخَصْمٍ لَهُ مِنَ الأنْصارِ؛ فَلا التِفاتَ إلى مَن قالَ: إنَّهُ ”حاطِبٌ“ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.

66

وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ ٱقْتُلُوٓا۟ أَنفُسَكُمْ أَوِ ٱخْرُجُوا۟ مِن دِيَٰرِكُم مَّا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌۭ مِّنْهُمْ ۖ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا۟ مَا يُوعَظُونَ بِهِۦ لَكَانَ خَيْرًۭا لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًۭا

And if We had decreed upon them, "Kill yourselves" or "Leave your homes," they would not have done it, except for a few of them. But if they had done what they were instructed, it would have been better for them and a firmer position [for them in faith].

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: ”فَقَدْ كَتَبْنا عَلَيْهِمْ طاعَتَكَ؛ والتَّسْلِيمَ لَكَ في هَذِهِ الحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَةِ؛ الَّتِي دَعَوْتَهم إلَيْها؛ وحَمَلْتَهم عَلَيْها“؛ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿ولَوْ أنّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ﴾؛ أيْ: هَذا المُخاصِمِ لِلزُّبَيْرِ - رَضِيَ اللَّهُ (تَعالى) عَنْهُ - وأشْباهِ هَذا المُخاصِمِ؛ مِمَّنْ ضَعُفَ إيمانُهُ؛ كِتابَةً مَفْرُوضَةً؛ ﴿أنِ اقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ﴾؛ أيْ: كَما كانَ في التَّوْراةِ؛ في كَفّارَةِ بَعْضِ الذُّنُوبِ؛ مُباشَرَةً حَقِيقَةً؛ وكَما فَعَلَ المُهاجِرُونَ بِتَعْرِيضِ أنْفُسِهِمْ لِذَلِكَ ثَلاثَ عَشْرَةَ سَنَةً؛ هم فِيها عِنْدَ أعْداءِ اللَّهِ مُضْغَةُ لَحْمٍ؛ بَيْنَ يَدَيْ نُسُورٍ يَتَخاطَفُونَها؛ ﴿أوِ اخْرُجُوا﴾؛ كَما فَعَلَ المُهاجِرُونَ - رَضِيَ اللَّهُ (تَعالى) عَنْهُمُ -؛ الَّذِينَ الزُّبَيْرُ مِن رُؤُوسِهِمْ؛ ﴿مِن دِيارِكُمْ﴾؛ أيْ: الَّتِي هي لِأشْباحِكم كَأشْباحِكم لِأرْواحِكم - تَوْبَةً لِرَبِّكُمْ؛ ﴿ما فَعَلُوهُ﴾؛ أيْ: لِقُصُورِ إيمانِهِمْ؛ وضَعْفِ إيقانِهِمْ؛ ولَوْ كَتَبْناهُ عَلَيْهِمْ ولَمْ يَرْضَوْا بِهِ كَفَرُوا؛ فاسْتَحَقُّوا القَتْلَ.

ولَمّا كانَ كُلُّ كَدَرٍ لا يَخْلُو عَنْ خَلاصِهِ؛ قالَ: ﴿إلا قَلِيلٌ مِنهُمْ﴾؛ أيْ: وهُمُ العالِمُونَ بِأنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ وتَعالى - خَيْرٌ لَهم مِن أنْفُسِهِمْ؛ وأنَّ حَياتَهم إنَّما هي في طاعَتِهِ؛ رُوِيَ أنَّ مِن هَؤُلاءِ ثابِتَ بْنَ قَيْسِ بْنِ شَمّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ (تَعالى) عَنْهُ -؛ قالَ: ”أما واللَّهِ إنَّ اللَّهَ لِيَعْلَمُ مِنِّي الصِّدْقَ؛ لَوْ أمَرَنِي مُحَمَّدٌ أنْ أقْتُلَ نَفْسِي لِقَتْلْتُها“؛ وكَذا قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وعَمّارُ بْنُ ياسِرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -؛ ورُوِيَ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّهُ قالَ: ”واللَّهِ لَوْ أمَرَنا رَبُّنا لَفَعَلْنا؛ والحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَفْعَلْ بِنا ذَلِكَ“؛ ولا رَيْبَ في أنَّ التَّقْدِيرَ: ”ولَكِنّا لَمْ نَكْتُبْ عَلَيْهِمْ؛ فَلْيَشْكُرُوا لَنا؛ ويَسْتَمْسِكُوا بِهَذِهِ الحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَةِ“.

ولَمّا كانَ مَبْنى السُّورَةِ عَلى الِائْتِلافِ؛ وكانَ السِّياقُ لِلِاسْتِعْطافِ؛ قالَ – مُرَغِّبًا -: ﴿ولَوْ أنَّهُمْ﴾؛ أيْ: هَؤُلاءِ المُنافِقِينَ؛ ﴿فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ﴾؛ أيْ: يُجَدَّدُ لَهُمُ الوَعْظُ في كُلِّ حِينٍ؛ ﴿بِهِ لَكانَ﴾؛ أيْ: فِعْلُهم ذَلِكَ؛ ﴿خَيْرًا لَهُمْ﴾؛ أيْ: مِمّا اخْتارُوهُ لِأنْفُسِهِمْ؛ ﴿وأشَدَّ تَثْبِيتًا﴾؛ أيْ: مِمّا ثَبَّتُوا بِهِ أنْفُسَهم بِالأيْمانِ الحانِثَةِ؛

67

وَإِذًۭا لَّءَاتَيْنَٰهُم مِّن لَّدُنَّآ أَجْرًا عَظِيمًۭا

And then We would have given them from Us a great reward.

﴿وإذًا لآتَيْناهُمْ﴾؛ أيْ: وإذا فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ آتَيْناهم بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ إيتاءً مُؤَكَّدًا؛ لا مِرْيَةَ فِيهِ؛ وأشارَ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن لَدُنّا﴾؛ إلى أنَّهُ مِن غَرائِبِ ما عِنْدَهُ مِن خَوارِقِ خَوارِقِ العاداتِ؛ ونَواقِضِ نَواقِضِ المُطَرِّداتِ؛ ﴿أجْرًا عَظِيمًا﴾؛

68

وَلَهَدَيْنَٰهُمْ صِرَٰطًۭا مُّسْتَقِيمًۭا

And We would have guided them to a straight path.

﴿ولَهَدَيْناهُمْ﴾؛ أيْ: بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ؛ ﴿صِراطًا مُسْتَقِيمًا﴾؛ أيْ: يُوصِلُهم إلى مُرادِهِمْ؛ وقَدْ عَظَّمَ - سُبْحانَهُ وتَعالى - هَذا الأجْرَ - تَرْغِيبًا في الطّاعَةِ - أنْواعًا مِنَ العَظَمَةِ؛ مِنها التَّنْبِيهُ بِـ ”إذًا“؛ والإتْيانُ بِصِيغَةِ العَظَمَةِ؛ و”لَدُنْ“؛ مَعَ العَظَمَةِ والوَصْفِ بِالعَظِيمِ.

69

وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ فَأُو۟لَٰٓئِكَ مَعَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّۦنَ وَٱلصِّدِّيقِينَ وَٱلشُّهَدَآءِ وَٱلصَّٰلِحِينَ ۚ وَحَسُنَ أُو۟لَٰٓئِكَ رَفِيقًۭا

And whoever obeys Allah and the Messenger - those will be with the ones upon whom Allah has bestowed favor of the prophets, the steadfast affirmers of truth, the martyrs and the righteous. And excellent are those as companions.

ولَمّا رَغَّبَ في العَمَلِ بِمَواعِظِهِ؛ وكانَ الوَعْدُ قَدْ يَكُونُ لِغِلَظٍ في المَوْعُوظِ؛ وكانَ ما قَدَّمَهُ في وعْظِهِ أمْرًا مُجْمَلًا؛ رَغَّبَ بَعْدَ تَرْقِيقِهِ بِالوَعْظِ في مُطْلَقِ الطّاعَةِ؛ الَّتِي المَقامُ كُلُّهُ لَها؛ مُفَصِّلًا إجْمالَ ما وعَدَ عَلَيْها؛ فَقالَ: ﴿ومَن يُطِعِ اللَّهَ﴾؛ أيْ: في امْتِثالِ أوامِرِهِ؛ والوُقُوفِ عِنْدَ زَواجِرِهِ؛ مُسْتَحْضِرًا عَظَمَتَهُ؛ طاعَةً هي عَلى سَبِيلِ التَّجَدُّدِ؛ والِاسْتِمْرارِ؛ ﴿والرَّسُولَ﴾؛ أيْ: في كُلِّ ما أرادَهُ؛ فَإنَّ مَنصِبَ الرِّسالَةِ يَقْتَضِي ذَلِكَ؛ لا سِيَّما مَن بَلَغَ نِهايَتَها؛ ﴿فَأُولَئِكَ﴾؛ أيْ: العالُو الرُّتْبَةِ؛ العَظِيمُو الشَّرَفِ؛ ﴿مَعَ الَّذِينَ أنْعَمَ﴾؛ أيْ: بِما لَهُ مِن صِفاتِ الجَلالِ؛ والجَمالِ؛ ﴿عَلَيْهِمْ﴾؛ أيْ: مَعْدُودٌ مِن حِزْبِهِمْ؛ فَهو بِحَيْثُ إذا أرادَ زِيارَتَهم أوْ رُؤْيَتَهم وصَلَ إلَيْها بِسُهُولَةٍ؛ لا أنَّهُ يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ في دَرَجاتِهِمْ؛ وإنْ كانَتْ أعْمالُهُ قاصِرَةً؛ ثُمَّ بَيْنَهم بِقَوْلِهِ: ﴿مِنَ النَّبِيِّينَ﴾؛ أيْ: الَّذِينَ أنْبَأهُمُ اللَّهُ بِدَقائِقِ الحِكَمِ؛ وأنْبَؤُوا النّاسَ بِحَلائِلِ الكَلِمِ؛ بِما لَهم مِن طَهارَةِ الشِّيَمِ؛ والعُلُوِّ؛ والعِظَمِ؛ ﴿والصِّدِّيقِينَ﴾؛ أيْ: الَّذِينَ صَدَّقُوا أوَّلَ النّاسِ ما أتاهم عَنِ اللَّهِ؛ وصَدَقُوا هم في أقْوالِهِمْ؛ وأفْعالِهِمْ؛ فَكانُوا قُدْوَةً لِمَن بَعْدَهُمْ؛ ﴿والشُّهَداءِ﴾؛ أيْ: الَّذِينَ لَمْ يَغِيبُوا أصْلًا عَنْ حَضْراتِ القُدْسِ؛ ومَواطِنِ الأُنْسِ طَرْفَةَ عَيْنٍ؛ بَلْ هم مَعَ النّاسِ بِجُسُومِهِمْ؛ ومَعَ اللَّهِ - سُبْحانَهُ وتَعالى - بِحُلُومِهِمْ؛ وعُلُومِهِمْ؛ سَواءٌ شَهِدُوا لِدِينِ اللَّهِ بِالحَقِّ؛ ولِسِواهُ بِالبُطْلانِ؛ بِالحُجَّةِ؛ أوْ بِالسَّيْفِ؛ ثُمَّ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ؛ ﴿والصّالِحِينَ﴾؛ أيْ: الَّذِينَ لا يَعْتَرِيهِمْ في ظاهِرٍ ولا باطِنٍ - بِحَوْلِ اللَّهِ - فَسادٌ أصْلًا؛ وإلى هَذا يُشِيرُ كَلامُ العارِفِ الشَّيْخِ رَسْلانُ؛ حَيْثُ قالَ: ما صَلَحْتَ ما دامَتْ فِيكَ بَقِيَّةٌ لِسِواهُ؛ وقَدْ تَجْتَمِعُ الصِّفاتُ الأرْبَعُ في شَخْصٍ؛ وقَدْ لا تَجْتَمِعُ؛ وأبُو بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ (تَعالى) عَنْهُ - أحَقُّ الأُمَّةِ بِالصِّدِّيقِيَّةِ؛ وإنْ قُلْنا: إنَّ عَلِيًّا؛ وزَيْدًا - رَضِيَ اللَّهُ (تَعالى) عَنْهُما - أسْلَما قَبْلَهُ؛ لِأنَّهُ - لِكِبَرِهِ؛ وكَوْنِهِ لَمْ يَكُنْ قَبْلَ الإسْلامِ تابِعًا لِلنَّبِيِّ ﷺ كانَ قُدْوَةً لِغَيْرِهِ؛ ولِذَلِكَ كانَ سَبَبًا لِإسْلامِ ناسٍ كَثِيرٍ؛ وأُولَئِكَ كانُوا سَبَبًا لِإسْلامِ غَيْرِهِمْ؛ فَكانَ لَهُ مِثْلُ أجْرِ الكُلِّ؛ وكانَ فِيهِ - حِينَ إسْلامِهِ - قُوَّةُ الجِهادِ في اللَّهِ - سُبْحانَهُ وتَعالى - بِالمُدافَعَةِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأفْعالِ الدّالَّةِ عَلى صِدْقِهِ؛ ولِمُلاحَظَةِ هَذِهِ الأُمُورِ كانَتْ رُتْبَتُها تَلِي رُتْبَةَ النُّبُوَّةِ؛ ولِرَفْعِ الواسِطَةِ بَيْنَهُما؛ وفَّقَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ وتَعالى - هَذِهِ الأُمَّةَ الَّتِي اخْتارَها؛ بِتَوْلِيَةِ الصِّدِّيقِ - رَضِيَ اللَّهُ (تَعالى) عَنْهُ - بَعْدَ نَبِيِّهِمْ ﷺ ودَفْنِهِ إلى جانِبِهِ؛ ومِن عَظِيمِ رُتْبَتِهِمْ تَنْوِيهُ النَّبِيِّ ﷺ في آخِرِ عُمْرِهِ بِهِمْ؛ فَقالَ: ”مَعَ الرَّفِيقِ الأعْلى“؛ رَوى البُخارِيُّ؛ في التَّفْسِيرِ؛ «عَنْ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ (تَعالى) عَنْها - قالَتْ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ – يَقُولُ: ”ما مِن نَبِيٍّ يَمْرَضُ إلّا خُيِّرَ بَيْنَ الدُّنْيا والآخِرَةِ“.

؛ وكانَ في شَكْواهُ الَّذِي قُبِضَ فِيهِ أخَذَتْهُ بَحَّةٌ شَدِيدَةٌ؛ فَسَمِعَتْهُ يَقُولُ: ﴿مَعَ الَّذِينَ أنْعَمَ …

70

ذَٰلِكَ ٱلْفَضْلُ مِنَ ٱللَّهِ ۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ عَلِيمًۭا

That is the bounty from Allah, and sufficient is Allah as Knower.

ثُمَّ أشارَ إلى تَعْظِيمِ ما مَنَحَهم بِهِ؛ مُرَغِّبًا في العَمَلِ بِما يُؤَدِّي إلَيْهِ؛ بِأداةِ البُعْدِ؛ فَقالَ: ﴿ذَلِكَ الفَضْلُ﴾؛ وزادَ في التَّرْغِيبِ فِيهِ بِالإخْبارِ عَنْ هَذا الِابْتِداءِ بِالِاسْمِ الأعْظَمِ؛ فَقالَ: ﴿مِنَ اللَّهِ﴾

ولَمّا كانَ مَدارُ التَّفْضِيلِ عَلى العِلْمِ؛ قالَ - بانِيًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: "لِما يَعْلَمُ مِن صِحَّةِ بَواطِنِهِمُ اللّازِمِ مِنها شَرَفُ ظَواهِرِهِمْ -: ﴿وكَفى بِاللَّهِ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ الكامِلَةُ؛ ﴿عَلِيمًا﴾؛ يَعْلَمُ مِنَ الظَّواهِرِ؛ والضَّمائِرِ؛ ما يَسْتَحِقُّ بِهِ التَّفْضِيلَ مَن فَضَّلَهُ عَلى غَيْرِهِ.

Commentary: Nazm al-Durar by Burhan al-Din al-Biqa'i. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.