Muslim99Muslim99
← Tafsir library

4. An-Nisaa

The Women · Medinan · 176 ayahs

سُورَةُ النِّسَاءِ

Reading Al-Bahr al-Muhit by Abu Hayyan al-Gharnati

Ayahs 61–70 of 176

61

وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا۟ إِلَىٰ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَإِلَى ٱلرَّسُولِ رَأَيْتَ ٱلْمُنَٰفِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًۭا

And when it is said to them, "Come to what Allah has revealed and to the Messenger," you see the hypocrites turning away from you in aversion.

﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أنَّهم آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ وما أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أنْ يَتَحاكَمُوا إلى الطّاغُوتِ وقَدْ أُمِرُوا أنْ يَكْفُرُوا بِهِ ويُرِيدُ الشَّيْطانُ أنْ يُضِلَّهم ضَلالًا بَعِيدًا﴾ ذُكِرَ في سَبَبِ نُزُولِها قَصَصٌ طَوِيلٌ مُلَخَّصُهُ: أنَّ أبا بُرْدَةَ الأسْلَمِيَّ كانَ كاهِنًا يَقْضِي بَيْنَ اليَهُودِ، فَتَنافَرَ إلَيْهِ نَفَرٌ مِن أسْلَمَ، أوْ أنَّ قَيْسًا الأنْصارِيَّ أحَدَ مَن يَدَّعِي الإسْلامَ، ورَجُلًا مِنَ اليَهُودِ تَداعَيا إلى الكاهِنِ، وتَرَكا الرَّسُولَ ﷺ بَعْدَما دَعا اليَهُودِيُّ إلى الرَّسُولِ والأنْصارِيُّ يَأْبى إلّا الكاهِنَ. أوْ أنَّ مُنافِقًا ويَهُودِيًّا اخْتَصَما؛ فاخْتارَ اليَهُودِيُّ الرَّسُولَ ﷺ، واخْتارَ المُنافِقُ كَعْبَ بْنَ الأشْرَفِ؛ فَأبى اليَهُودِيُّ، وتَحاكَما إلى الرَّسُولِ فَقَضى لِلْيَهُودِيِّ، فَخَرَجا ولَزِمَهُ المُنافِقُ، وقالَ: نَنْطَلِقُ إلى عُمَرَ، فانْطَلَقا إلَيْهِ فَقالَ اليَهُودِيُّ: قَدْ تَحاكَمْنا إلى الرَّسُولِ ﷺ، فَلَمْ يَرْضَ بِقَضائِهِ، فَأقَرَّ المُنافِقُ بِذَلِكَ عِنْدَ عُمَرَ، فَقَتَلَهُ عُمَرُ، وقالَ: هَكَذا أقْضِي فِيمَن لَمْ يَرْضَ بِقَضاءِ اللَّهِ، وقَضاءِ رَسُولِهِ.

ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها ظاهِرَةٌ؛ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ المُؤْمِنِينَ بِطاعَةِ اللَّهِ ورَسُولِهِ، وأُولِي الأمْرِ ذَكَرَ أنَّهُ يَعْجَبُ بَعْدَ وُرُودِ هَذا الأمْرِ مِن حالِ مَن يَدَّعِي الإيمانَ، ويُرِيدُ أنْ يَتَحاكَمَ إلى الطّاغُوتِ، ويَتْرُكَ الرَّسُولَ. وظاهِرُ الآيَةِ يَقْتَضِي أنْ تَكُونَ نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ؛ لِأنَّهُ قالَ: يَزْعُمُونَ أنَّهم آمَنُوا بِما أنْزِلُ إلَيْكَ، وما أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ؛ فَلَوْ كانَتْ في يَهُودٍ أوْ في مُؤْمِنٍ ويَهُودِيٍّ كانَ ذَلِكَ بَعِيدًا مِن لَفْظِ الآيَةِ، إلّا إنْ حُمِلَ عَلى التَّوْزِيعِ؛ فَيَجْعَلُ بِما أنْزِلُ إلَيْكَ في مُنافِقٍ، وما أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ في يَهُودِيٍّ، وشُمِلُوا في ضَمِيرِ ﴿يَزْعُمُونَ﴾ فَيُمْكِنُ. وقالَ السُّدِّيُّ: نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ مِن قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ، تَفاخَرُوا بِسَبَبِ تَكافُؤِ دِمائِهِمْ؛ إذْ كانَتِ النَّضِيرُ في الجاهِلِيَّةِ تَدِي مَن قَتَلَتْ، وتَسْتَقِيهِ إذا قَتَلَتْ قُرَيْظَةُ مِنهم، فَأبَتْ قُرَيْظَةُ لَمّا جاءَ الإسْلامُ، وطَلَبُوا المُنافَرَةَ، فَدَعا المُؤْمِنُونَ مِنهم إلى النَّبِيِّ ﷺ، ودَعا المُنافِقُونَ إلى بُرْدَةَ الكاهِنِ فَنَزَلَتْ. وقالَ الحَسَنُ: احْتَكَمَ المُنافِقُونَ بِالقِداحِ الَّتِي يُضْرَبُ بِها عِنْدَ الأوْثانِ فَنَزَلَتْ. أوْ لِسَبَبِ اخْتِلافِهِمْ في أسْبابِ النُّزُولِ اخْتَلَفُوا في الطّاغُوتِ. فَقِيلَ كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ. وقِيلَ الأوْثانُ، وقِيلَ ما عُبِدَ مِن دُونِ اللَّهِ، وقِيلَ الكُهّانُ.

* *

﴿وقَدْ أُمِرُوا أنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ مِن قَوْلِهِ: يُرِيدُونَ. و(يُرِيدُونَ) حالٌ؛ فَهي حالٌ مُتَداخِلَةٌ. وأعادَ الضَّمِيرُ هُنا مُذَكَّرًا، وأعادَهُ مُؤَنَّثًا في قَوْلِهِ: ﴿اجْتَنَبُوا الطّاغُوتَ أنْ يَعْبُدُوها﴾ [الزمر: ١٧] . وقَرَأ بِها هَنا عَبّاسُ بْنُ الفَضْلِ عَلى التَّأْنِيثِ، وأعادَ الضَّمِيرَ كَضَمِيرِ جَمْعِ العُقَلاءِ في قَوْلِهِ: ﴿أوْلِياؤُهُمُ الطّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ﴾ [البقرة: ٢٥٧] .

﴿ويُرِيدُ الشَّيْطانُ أنْ يُضِلَّهم ضَلالًا بَعِيدًا﴾ ضَلالًا لَيْسَ جارِيًا عَلى ﴿يُضِلَّهُمْ﴾؛ فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ جُعِلَ مَكانَ (إضْلالٍ)، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرَ المُطاوِعِ ﴿يُضِلَّهُمْ﴾؛ أيْ فَيَضِلُّونَ ضَلالًا بَعِيدًا. وقَرَأ الجُمْهُورُ: بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ، وما أُنْزِلُ مَبْنِيًّا …

62

فَكَيْفَ إِذَآ أَصَٰبَتْهُم مُّصِيبَةٌۢ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَآءُوكَ يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ إِنْ أَرَدْنَآ إِلَّآ إِحْسَٰنًۭا وَتَوْفِيقًا

So how [will it be] when disaster strikes them because of what their hands have put forth and then they come to you swearing by Allah, "We intended nothing but good conduct and accommodation."

﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أنَّهم آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ وما أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أنْ يَتَحاكَمُوا إلى الطّاغُوتِ وقَدْ أُمِرُوا أنْ يَكْفُرُوا بِهِ ويُرِيدُ الشَّيْطانُ أنْ يُضِلَّهم ضَلالًا بَعِيدًا﴾ ذُكِرَ في سَبَبِ نُزُولِها قَصَصٌ طَوِيلٌ مُلَخَّصُهُ: أنَّ أبا بُرْدَةَ الأسْلَمِيَّ كانَ كاهِنًا يَقْضِي بَيْنَ اليَهُودِ، فَتَنافَرَ إلَيْهِ نَفَرٌ مِن أسْلَمَ، أوْ أنَّ قَيْسًا الأنْصارِيَّ أحَدَ مَن يَدَّعِي الإسْلامَ، ورَجُلًا مِنَ اليَهُودِ تَداعَيا إلى الكاهِنِ، وتَرَكا الرَّسُولَ ﷺ بَعْدَما دَعا اليَهُودِيُّ إلى الرَّسُولِ والأنْصارِيُّ يَأْبى إلّا الكاهِنَ. أوْ أنَّ مُنافِقًا ويَهُودِيًّا اخْتَصَما؛ فاخْتارَ اليَهُودِيُّ الرَّسُولَ ﷺ، واخْتارَ المُنافِقُ كَعْبَ بْنَ الأشْرَفِ؛ فَأبى اليَهُودِيُّ، وتَحاكَما إلى الرَّسُولِ فَقَضى لِلْيَهُودِيِّ، فَخَرَجا ولَزِمَهُ المُنافِقُ، وقالَ: نَنْطَلِقُ إلى عُمَرَ، فانْطَلَقا إلَيْهِ فَقالَ اليَهُودِيُّ: قَدْ تَحاكَمْنا إلى الرَّسُولِ ﷺ، فَلَمْ يَرْضَ بِقَضائِهِ، فَأقَرَّ المُنافِقُ بِذَلِكَ عِنْدَ عُمَرَ، فَقَتَلَهُ عُمَرُ، وقالَ: هَكَذا أقْضِي فِيمَن لَمْ يَرْضَ بِقَضاءِ اللَّهِ، وقَضاءِ رَسُولِهِ.

ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها ظاهِرَةٌ؛ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ المُؤْمِنِينَ بِطاعَةِ اللَّهِ ورَسُولِهِ، وأُولِي الأمْرِ ذَكَرَ أنَّهُ يَعْجَبُ بَعْدَ وُرُودِ هَذا الأمْرِ مِن حالِ مَن يَدَّعِي الإيمانَ، ويُرِيدُ أنْ يَتَحاكَمَ إلى الطّاغُوتِ، ويَتْرُكَ الرَّسُولَ. وظاهِرُ الآيَةِ يَقْتَضِي أنْ تَكُونَ نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ؛ لِأنَّهُ قالَ: يَزْعُمُونَ أنَّهم آمَنُوا بِما أنْزِلُ إلَيْكَ، وما أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ؛ فَلَوْ كانَتْ في يَهُودٍ أوْ في مُؤْمِنٍ ويَهُودِيٍّ كانَ ذَلِكَ بَعِيدًا مِن لَفْظِ الآيَةِ، إلّا إنْ حُمِلَ عَلى التَّوْزِيعِ؛ فَيَجْعَلُ بِما أنْزِلُ إلَيْكَ في مُنافِقٍ، وما أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ في يَهُودِيٍّ، وشُمِلُوا في ضَمِيرِ ﴿يَزْعُمُونَ﴾ فَيُمْكِنُ. وقالَ السُّدِّيُّ: نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ مِن قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ، تَفاخَرُوا بِسَبَبِ تَكافُؤِ دِمائِهِمْ؛ إذْ كانَتِ النَّضِيرُ في الجاهِلِيَّةِ تَدِي مَن قَتَلَتْ، وتَسْتَقِيهِ إذا قَتَلَتْ قُرَيْظَةُ مِنهم، فَأبَتْ قُرَيْظَةُ لَمّا جاءَ الإسْلامُ، وطَلَبُوا المُنافَرَةَ، فَدَعا المُؤْمِنُونَ مِنهم إلى النَّبِيِّ ﷺ، ودَعا المُنافِقُونَ إلى بُرْدَةَ الكاهِنِ فَنَزَلَتْ. وقالَ الحَسَنُ: احْتَكَمَ المُنافِقُونَ بِالقِداحِ الَّتِي يُضْرَبُ بِها عِنْدَ الأوْثانِ فَنَزَلَتْ. أوْ لِسَبَبِ اخْتِلافِهِمْ في أسْبابِ النُّزُولِ اخْتَلَفُوا في الطّاغُوتِ. فَقِيلَ كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ. وقِيلَ الأوْثانُ، وقِيلَ ما عُبِدَ مِن دُونِ اللَّهِ، وقِيلَ الكُهّانُ.

* *

﴿وقَدْ أُمِرُوا أنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ مِن قَوْلِهِ: يُرِيدُونَ. و(يُرِيدُونَ) حالٌ؛ فَهي حالٌ مُتَداخِلَةٌ. وأعادَ الضَّمِيرُ هُنا مُذَكَّرًا، وأعادَهُ مُؤَنَّثًا في قَوْلِهِ: ﴿اجْتَنَبُوا الطّاغُوتَ أنْ يَعْبُدُوها﴾ [الزمر: ١٧] . وقَرَأ بِها هَنا عَبّاسُ بْنُ الفَضْلِ عَلى التَّأْنِيثِ، وأعادَ الضَّمِيرَ كَضَمِيرِ جَمْعِ العُقَلاءِ في قَوْلِهِ: ﴿أوْلِياؤُهُمُ الطّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ﴾ [البقرة: ٢٥٧] .

﴿ويُرِيدُ الشَّيْطانُ أنْ يُضِلَّهم ضَلالًا بَعِيدًا﴾ ضَلالًا لَيْسَ جارِيًا عَلى ﴿يُضِلَّهُمْ﴾؛ فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ جُعِلَ مَكانَ (إضْلالٍ)، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرَ المُطاوِعِ ﴿يُضِلَّهُمْ﴾؛ أيْ فَيَضِلُّونَ ضَلالًا بَعِيدًا. وقَرَأ الجُمْهُورُ: بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ، وما أُنْزِلُ مَبْنِيًّا …

63

أُو۟لَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ يَعْلَمُ ٱللَّهُ مَا فِى قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُل لَّهُمْ فِىٓ أَنفُسِهِمْ قَوْلًۢا بَلِيغًۭا

Those are the ones of whom Allah knows what is in their hearts, so turn away from them but admonish them and speak to them a far-reaching word.

﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أنَّهم آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ وما أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أنْ يَتَحاكَمُوا إلى الطّاغُوتِ وقَدْ أُمِرُوا أنْ يَكْفُرُوا بِهِ ويُرِيدُ الشَّيْطانُ أنْ يُضِلَّهم ضَلالًا بَعِيدًا﴾ ذُكِرَ في سَبَبِ نُزُولِها قَصَصٌ طَوِيلٌ مُلَخَّصُهُ: أنَّ أبا بُرْدَةَ الأسْلَمِيَّ كانَ كاهِنًا يَقْضِي بَيْنَ اليَهُودِ، فَتَنافَرَ إلَيْهِ نَفَرٌ مِن أسْلَمَ، أوْ أنَّ قَيْسًا الأنْصارِيَّ أحَدَ مَن يَدَّعِي الإسْلامَ، ورَجُلًا مِنَ اليَهُودِ تَداعَيا إلى الكاهِنِ، وتَرَكا الرَّسُولَ ﷺ بَعْدَما دَعا اليَهُودِيُّ إلى الرَّسُولِ والأنْصارِيُّ يَأْبى إلّا الكاهِنَ. أوْ أنَّ مُنافِقًا ويَهُودِيًّا اخْتَصَما؛ فاخْتارَ اليَهُودِيُّ الرَّسُولَ ﷺ، واخْتارَ المُنافِقُ كَعْبَ بْنَ الأشْرَفِ؛ فَأبى اليَهُودِيُّ، وتَحاكَما إلى الرَّسُولِ فَقَضى لِلْيَهُودِيِّ، فَخَرَجا ولَزِمَهُ المُنافِقُ، وقالَ: نَنْطَلِقُ إلى عُمَرَ، فانْطَلَقا إلَيْهِ فَقالَ اليَهُودِيُّ: قَدْ تَحاكَمْنا إلى الرَّسُولِ ﷺ، فَلَمْ يَرْضَ بِقَضائِهِ، فَأقَرَّ المُنافِقُ بِذَلِكَ عِنْدَ عُمَرَ، فَقَتَلَهُ عُمَرُ، وقالَ: هَكَذا أقْضِي فِيمَن لَمْ يَرْضَ بِقَضاءِ اللَّهِ، وقَضاءِ رَسُولِهِ.

ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها ظاهِرَةٌ؛ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ المُؤْمِنِينَ بِطاعَةِ اللَّهِ ورَسُولِهِ، وأُولِي الأمْرِ ذَكَرَ أنَّهُ يَعْجَبُ بَعْدَ وُرُودِ هَذا الأمْرِ مِن حالِ مَن يَدَّعِي الإيمانَ، ويُرِيدُ أنْ يَتَحاكَمَ إلى الطّاغُوتِ، ويَتْرُكَ الرَّسُولَ. وظاهِرُ الآيَةِ يَقْتَضِي أنْ تَكُونَ نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ؛ لِأنَّهُ قالَ: يَزْعُمُونَ أنَّهم آمَنُوا بِما أنْزِلُ إلَيْكَ، وما أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ؛ فَلَوْ كانَتْ في يَهُودٍ أوْ في مُؤْمِنٍ ويَهُودِيٍّ كانَ ذَلِكَ بَعِيدًا مِن لَفْظِ الآيَةِ، إلّا إنْ حُمِلَ عَلى التَّوْزِيعِ؛ فَيَجْعَلُ بِما أنْزِلُ إلَيْكَ في مُنافِقٍ، وما أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ في يَهُودِيٍّ، وشُمِلُوا في ضَمِيرِ ﴿يَزْعُمُونَ﴾ فَيُمْكِنُ. وقالَ السُّدِّيُّ: نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ مِن قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ، تَفاخَرُوا بِسَبَبِ تَكافُؤِ دِمائِهِمْ؛ إذْ كانَتِ النَّضِيرُ في الجاهِلِيَّةِ تَدِي مَن قَتَلَتْ، وتَسْتَقِيهِ إذا قَتَلَتْ قُرَيْظَةُ مِنهم، فَأبَتْ قُرَيْظَةُ لَمّا جاءَ الإسْلامُ، وطَلَبُوا المُنافَرَةَ، فَدَعا المُؤْمِنُونَ مِنهم إلى النَّبِيِّ ﷺ، ودَعا المُنافِقُونَ إلى بُرْدَةَ الكاهِنِ فَنَزَلَتْ. وقالَ الحَسَنُ: احْتَكَمَ المُنافِقُونَ بِالقِداحِ الَّتِي يُضْرَبُ بِها عِنْدَ الأوْثانِ فَنَزَلَتْ. أوْ لِسَبَبِ اخْتِلافِهِمْ في أسْبابِ النُّزُولِ اخْتَلَفُوا في الطّاغُوتِ. فَقِيلَ كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ. وقِيلَ الأوْثانُ، وقِيلَ ما عُبِدَ مِن دُونِ اللَّهِ، وقِيلَ الكُهّانُ.

* *

﴿وقَدْ أُمِرُوا أنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ مِن قَوْلِهِ: يُرِيدُونَ. و(يُرِيدُونَ) حالٌ؛ فَهي حالٌ مُتَداخِلَةٌ. وأعادَ الضَّمِيرُ هُنا مُذَكَّرًا، وأعادَهُ مُؤَنَّثًا في قَوْلِهِ: ﴿اجْتَنَبُوا الطّاغُوتَ أنْ يَعْبُدُوها﴾ [الزمر: ١٧] . وقَرَأ بِها هَنا عَبّاسُ بْنُ الفَضْلِ عَلى التَّأْنِيثِ، وأعادَ الضَّمِيرَ كَضَمِيرِ جَمْعِ العُقَلاءِ في قَوْلِهِ: ﴿أوْلِياؤُهُمُ الطّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ﴾ [البقرة: ٢٥٧] .

﴿ويُرِيدُ الشَّيْطانُ أنْ يُضِلَّهم ضَلالًا بَعِيدًا﴾ ضَلالًا لَيْسَ جارِيًا عَلى ﴿يُضِلَّهُمْ﴾؛ فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ جُعِلَ مَكانَ (إضْلالٍ)، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرَ المُطاوِعِ ﴿يُضِلَّهُمْ﴾؛ أيْ فَيَضِلُّونَ ضَلالًا بَعِيدًا. وقَرَأ الجُمْهُورُ: بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ، وما أُنْزِلُ مَبْنِيًّا …

64

وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ ٱللَّهِ ۚ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ جَآءُوكَ فَٱسْتَغْفَرُوا۟ ٱللَّهَ وَٱسْتَغْفَرَ لَهُمُ ٱلرَّسُولُ لَوَجَدُوا۟ ٱللَّهَ تَوَّابًۭا رَّحِيمًۭا

And We did not send any messenger except to be obeyed by permission of Allah. And if, when they wronged themselves, they had come to you, [O Muhammad], and asked forgiveness of Allah and the Messenger had asked forgiveness for them, they would have found Allah Accepting of repentance and Merciful.

﴿وما أرْسَلْنا مِن رَسُولٍ إلّا لِيُطاعَ بِإذْنِ اللَّهِ ولَوْ أنَّهم إذْ ظَلَمُوا أنْفُسَهم جاءُوكَ فاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ واسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوّابًا رَحِيمًا﴾ ﴿فَلا ورَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهم ثُمَّ لا يَجِدُوا في أنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمّا قَضَيْتَ ويُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥] ﴿ولَوْ أنّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أنِ اقْتُلُوا أنْفُسَكم أوِ اخْرُجُوا مِن دِيارِكم ما فَعَلُوهُ إلّا قَلِيلٌ مِنهم ولَوْ أنَّهم فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ لَكانَ خَيْرًا لَهم وأشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ [النساء: ٦٦] ﴿وإذًا لَآتَيْناهم مِن لَدُنّا أجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٦٧] ﴿ولَهَدَيْناهم صِراطًا مُسْتَقِيمًا﴾ [النساء: ٦٨] ﴿ومَن يُطِعِ اللَّهَ والرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ والصِّدِّيقِينَ والشُّهَداءِ والصّالِحِينَ وحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: ٦٩] ﴿ذَلِكَ الفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وكَفى بِاللَّهِ عَلِيمًا﴾ [النساء: ٧٠] ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكم فانْفِرُوا ثُباتٍ أوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ [النساء: ٧١] ﴿وإنَّ مِنكم لَمَن لَيُبَطِّئَنَّ فَإنْ أصابَتْكم مُصِيبَةٌ قالَ قَدْ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إذْ لَمْ أكُنْ مَعَهم شَهِيدًا﴾ [النساء: ٧٢]

شَجَرَ الأمْرُ: التَبَسَ يَشْجُرُ شُجُورًا، وشَجَرًا، وشاجَرَ الرَّجُلُ غَيْرَهُ في الأمْرِ نازَعَهُ فِيهِ، وتَشاجَرُوا. وخَشَباتُ الهَوْدَجِ يُقالُ لَها شِجارٌ؛ لِتَداخُلِ بَعْضِها بِبَعْضٍ. ورُمْحٌ شاجِرٌ والشَّجِيرُ الَّذِي امْتَزَجَتْ مَوَدَّتُهُ بِمَوَدَّةِ غَيْرِهِ، وهو مِنَ الشَّجَرِ شُبِّهَ بِالتِفافِ الأغْصانِ. وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ هَذِهِ المادَّةِ في البَقَرَةِ، وأُعِيدَتْ لِمَزِيدِ الفائِدَةِ.

نَفَرَ الرَّجُلُ يَنْفِرُ نَفِيرًا، خَرَجَ مُجِدًّا بِكَسْرِ الفاءِ في المُضارِعِ وضَمِّها، وأصْلُهُ الفَزَعُ. يُقالُ: نَفَرَ إلَيْهِ إذا فَزِعَ إلَيْهِ؛ أيْ طَلَبَ إزالَةَ الفَزَعِ. والنَّفِيرُ النّافُورُ والنَّفَرُ الجَماعَةُ. ونَفَرَتِ الدّابَّةُ تَنْفِرُ بِضَمِّ الفاءِ نُفُورًا؛ أيْ هَرَبَتْ بِاسْتِعْجالٍ.

الثِّبَةُ: الجَماعَةُ الِاثْنانِ والثَّلاثَةُ في كَلامِ العَرَبِ قالَهُ الماتُرِيدِيُّ. وقِيلَ هي فَوْقَ العَشْرَةِ مِنَ الرِّجالِ، وزْنُها فِعْلَةٌ. ولامُها قِيلَ واوٌ، وقِيلَ ياءٌ؛ مُشْتَقَّةٌ مِن: تَثَبَّيْتُ عَلى الرَّجُلِ إذا أثْنَيْتَ عَلَيْهِ، كَأنَّكَ جَمَعْتَ مَحاسِنَهُ. ومَن قالَ: إنَّ لامَها واوٌ، جَعَلَها مِن (ثَبا) يَثْبُو مِثْلَ حَلا يَحْلُو. وتُجْمَعُ بِالألِفِ والتّاءِ وبِالواوِ والنُّونِ فَتُضَمُّ في هَذا الجَمْعِ تاؤُهْا، أوْ تُكْسَرُ، وثِبَةُ الحَوْضِ وسَطُهُ الَّذِي يَثُوبُ الماءُ إلَيْهِ، المَحْذُوفُ مِنهُ عَيْنُهُ؛ لِأنَّهُ مِن ثابَ يَثُوبُ؛ وتَصْغِيرُهُ ثُوَيْبَةٌ كَما تَقُولُ في سَهٍّ سُيَيْهَةٌ، وتَصْغِيرُ تِلْكَ ثُبَيَّةٌ. البُطْءُ: التَّثَبُّطُ عَنِ الشَّيْءِ. يُقالُ: أبْطَأ، وبَطُؤَ مِثْلَ أسْرَعَ، وسَرُعَ مُقابِلَهُ، وبُطْآنِ اسْمُ فِعْلٍ بِمَعْنى بَطُؤَ.

﴿وما أرْسَلْنا مِن رَسُولٍ إلّا لِيُطاعَ بِإذْنِ اللَّهِ﴾ نَبَّهَ تَعالى عَلى جَلالَةِ الرُّسُلِ، وأنَّ العالَمَ يَلْزَمُهم طاعَتُهم والرَّسُولُ مِنهم تَجِبُ طاعَتُهُ. ولامُ ﴿لِيُطاعَ﴾ لامُ كَيْ، وهو اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مِنَ المَفْعُولِ مِن أجْلِهِ؛ أيْ: وما أرْسَلْنا مِن رَسُولٍ بِشَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ إلّا لِأجْلِ الطّاعَةِ. وبِإذْنِ اللَّهِ؛ أيْ بِأمْرِهِ؛ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. أوْ بِعِلْمِهِ وتَوْفِيقِهِ وإرْشادِهِ. وحَقِيقَةُ الإذْنِ التَّمْكِينُ مَعَ العِلْمِ بِقَدْرِ ما مُكِّنَ فِيهِ. …

65

فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا۟ فِىٓ أَنفُسِهِمْ حَرَجًۭا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا۟ تَسْلِيمًۭا

But no, by your Lord, they will not [truly] believe until they make you, [O Muhammad], judge concerning that over which they dispute among themselves and then find within themselves no discomfort from what you have judged and submit in [full, willing] submission.

﴿فَلا ورَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ قالَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ: نَزَلَتْ فِيمَن أرادَ التَّحاكُمَ إلى الطّاغُوتِ. ورَجَّحَهُ الطَّبَرِيُّ؛ لِأنَّهُ أشْبَهُ بِنَسَقِ الآياتِ. وقِيلَ في شَأْنِ الرَّجُلِ الَّذِي خاصَمَ الزُّبَيْرَ في السَّقْيِ بِماءِ الحَرَّةِ، وأنَّ الرَّسُولَ ﷺ قالَ: «اسْقِ يا زُبَيْرُ ثُمَّ أرْسِلِ الماءَ إلى جارِكَ فَغَضِبَ، وقالَ: " أنْ كانَ ابْنَ عَمَّتِكَ، فَغَضِبَ الرَّسُولُ ﷺ، واسْتَوْعَبَ لِلزُّبَيْرِ حَقَّهُ؛ فَقالَ: احْبِسْ يا زُبَيْرُ الماءَ حَتّى يَبْلُغَ الجَدْرَ، ثُمَّ أرْسِلِ الماءَ» . والرَّجُلُ هو مِنَ الأنْصارِ بَدْرِيٌّ، وقِيلَ هُ وحاطِبُ بْنُ أبِي بَلْتَعَةَ. وقِيلَ نَزَلَتْ نافِيَةً لِإيمانِ الرَّجُلِ الَّذِي قَتَلَهُ عُمَرُ؛ لِكَوْنِهِ رَدَّ حُكْمَ النَّبِيِّ ﷺ، ومُقِيمَةً عُذْرَ عُمَرَ في قَتْلِهِ، إذْ قالَ النَّبِيُّ: «ما كُنْتُ أظُنُّ أنَّ عُمَرَ يَجْتَرِئُ عَلى قَتْلِ رَجُلٍ مُؤْمِنٍ» . وأقْسَمَ بِإضافَةِ الرَّبِّ إلى كافِ الخِطابِ تَعْظِيمًا لِلنَّبِيِّ ﷺ، وهو التِفاتٌ راجِعٌ إلى قَوْلِهِ: (جاءُوكَ)

ولا في قَوْلِهِ: فَلا. قالَ الطَّبَرِيُّ: هي رَدٌّ عَلى ما تَقَدَّمَ تَقْدِيرَهُ: فَلَيْسَ الأمْرُ كَما يَزْعُمُونَ أنَّهم آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ القَسَمَ بِقَوْلِهِ: ﴿ورَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ . وقالَ غَيْرُهُ: قَدَّمَ لا عَلى القَسَمِ اهْتِمامًا بِالنَّفْيِ، ثُمَّ كَرَّرَها بَعْدُ تَوْكِيدًا لِلِاهْتِمامِ بِالنَّفْيِ، وكانَ يَصِحُّ إسْقاطُ (لا) الثّانِيَةِ، ويَبْقى أكْثَرُ الِاهْتِمامِ بِتَقْدِيمِ الأُولى وكانَ يَصِحُّ إسْقاطُ الأُولى ويَبْقى مَعْنى النَّفْيِ ويَذْهَبُ مَعْنى الِاهْتِمامِ. وقِيلَ الثّانِيَةُ زائِدَةٌ والقَسَمُ مُعْتَرِضٌ بَيْنَ حَرْفِ النَّفْيِ والمَنفِيِّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لا مَزِيدَةٌ؛ لِتَأْكِيدِ مَعْنى القَسَمِ، كَما زِيدَتْ في ﴿لِئَلّا يَعْلَمَ﴾ [الحديد: ٢٩]؛ لِتَأْكِيدِ وُجُوبِ العِلْمِ. ولا يُؤْمِنُونَ جَوابُ القَسَمِ. (فَإنْ قُلْتَ): هَلّا زَعَمْتَ أنَّها زِيدَتْ؛ لِتُظاهِرَ (لا) في لا يُؤْمِنُونَ. (قُلْتُ): يَأْبى ذَلِكَ اسْتِواءُ النَّفْيِ والإثْباتِ فِيهِ؛ وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ وما لا تُبْصِرُونَ إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ [الحاقة: ٣٨] . انْتَهى كَلامُهُ. ومِثْلُ الآيَةِ قَوْلُ الشّاعِرِ:

؎ولا واللَّهِ لا يُلْفى لِما بِي ولا لِلِما بِهِمْ أبَدًا دَواءُ

وحَتّى هُنا غايَةٌ؛ أيْ يَنْتَفِي عَنْهُمُ الإيمانُ إلى هَذِهِ الغايَةِ؛ فَإذا وجَدَ ما بَعْدَ الغايَةِ كانُوا مُؤْمِنِينَ. وفِيما شَجَرَ بَيْنَهم عامٌّ في كُلِّ أمْرٍ وقَعَ بَيْنَهم فِيهِ نِزاعٌ وتَجاذُبٌ. ومَعْنى يُحَكِّمُوكَ، يَجْعَلُوكَ حَكَمًا. وفي الكَلامِ حَذْفُ التَّقْدِيرِ: فَتَقْضِي بَيْنَهم.

﴿ثُمَّ لا يَجِدُوا في أنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمّا قَضَيْتَ ويُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾؛ أيْ ضِيقًا مِن حُكْمِكَ. وقالَ مُجاهِدٌ: شَكًّا؛ لِأنَّ الشّاكَّ في ضِيقٍ مِن أمْرِهِ حَتّى يَلُوحَ لَهُ البَيانُ. وقالَ الضَّحّاكُ: إثْمًا؛ أيْ سَبَبُ إثْمٍ. والمَعْنى: لا يَخْطُرُ بِبالِهِمْ ما يَأْثَمُونَ بِهِ مِن عَدَمِ الرِّضا. وقِيلَ هَمًّا وحُزْنًا، ويُسَلِّمُوا؛ أيْ يَنْقادُوا، ويُذْعِنُوا لِقَضائِكَ، لا يُعارِضُونَ فِيهِ بِشَيْءٍ؛ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والجُمْهُورُ. وقِيلَ مَعْناهُ ويُسَلِّمُوا ما تَنازَعُوا فِيهِ لِحُكْمِكَ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ؛ وأكَّدَ الفِعْلَ بِالمَصْدَرِ عَلى سَبِيلِ صُدُورِ التَّسْلِيمِ حَقِيقَةً؛ وحَسَّنَهُ كَوْنُهُ فاصِلَةً. وقَرَأ أبُو السَّمّالِ: فِيما شَجْرَ بِسُكُونِ الجِيمِ، وكَأنَّهُ فَرَّ مِن تَوالِي …

66

وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ ٱقْتُلُوٓا۟ أَنفُسَكُمْ أَوِ ٱخْرُجُوا۟ مِن دِيَٰرِكُم مَّا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌۭ مِّنْهُمْ ۖ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا۟ مَا يُوعَظُونَ بِهِۦ لَكَانَ خَيْرًۭا لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًۭا

And if We had decreed upon them, "Kill yourselves" or "Leave your homes," they would not have done it, except for a few of them. But if they had done what they were instructed, it would have been better for them and a firmer position [for them in faith].

﴿فَلا ورَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ قالَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ: نَزَلَتْ فِيمَن أرادَ التَّحاكُمَ إلى الطّاغُوتِ. ورَجَّحَهُ الطَّبَرِيُّ؛ لِأنَّهُ أشْبَهُ بِنَسَقِ الآياتِ. وقِيلَ في شَأْنِ الرَّجُلِ الَّذِي خاصَمَ الزُّبَيْرَ في السَّقْيِ بِماءِ الحَرَّةِ، وأنَّ الرَّسُولَ ﷺ قالَ: «اسْقِ يا زُبَيْرُ ثُمَّ أرْسِلِ الماءَ إلى جارِكَ فَغَضِبَ، وقالَ: " أنْ كانَ ابْنَ عَمَّتِكَ، فَغَضِبَ الرَّسُولُ ﷺ، واسْتَوْعَبَ لِلزُّبَيْرِ حَقَّهُ؛ فَقالَ: احْبِسْ يا زُبَيْرُ الماءَ حَتّى يَبْلُغَ الجَدْرَ، ثُمَّ أرْسِلِ الماءَ» . والرَّجُلُ هو مِنَ الأنْصارِ بَدْرِيٌّ، وقِيلَ هُ وحاطِبُ بْنُ أبِي بَلْتَعَةَ. وقِيلَ نَزَلَتْ نافِيَةً لِإيمانِ الرَّجُلِ الَّذِي قَتَلَهُ عُمَرُ؛ لِكَوْنِهِ رَدَّ حُكْمَ النَّبِيِّ ﷺ، ومُقِيمَةً عُذْرَ عُمَرَ في قَتْلِهِ، إذْ قالَ النَّبِيُّ: «ما كُنْتُ أظُنُّ أنَّ عُمَرَ يَجْتَرِئُ عَلى قَتْلِ رَجُلٍ مُؤْمِنٍ» . وأقْسَمَ بِإضافَةِ الرَّبِّ إلى كافِ الخِطابِ تَعْظِيمًا لِلنَّبِيِّ ﷺ، وهو التِفاتٌ راجِعٌ إلى قَوْلِهِ: (جاءُوكَ)

ولا في قَوْلِهِ: فَلا. قالَ الطَّبَرِيُّ: هي رَدٌّ عَلى ما تَقَدَّمَ تَقْدِيرَهُ: فَلَيْسَ الأمْرُ كَما يَزْعُمُونَ أنَّهم آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ القَسَمَ بِقَوْلِهِ: ﴿ورَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ . وقالَ غَيْرُهُ: قَدَّمَ لا عَلى القَسَمِ اهْتِمامًا بِالنَّفْيِ، ثُمَّ كَرَّرَها بَعْدُ تَوْكِيدًا لِلِاهْتِمامِ بِالنَّفْيِ، وكانَ يَصِحُّ إسْقاطُ (لا) الثّانِيَةِ، ويَبْقى أكْثَرُ الِاهْتِمامِ بِتَقْدِيمِ الأُولى وكانَ يَصِحُّ إسْقاطُ الأُولى ويَبْقى مَعْنى النَّفْيِ ويَذْهَبُ مَعْنى الِاهْتِمامِ. وقِيلَ الثّانِيَةُ زائِدَةٌ والقَسَمُ مُعْتَرِضٌ بَيْنَ حَرْفِ النَّفْيِ والمَنفِيِّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لا مَزِيدَةٌ؛ لِتَأْكِيدِ مَعْنى القَسَمِ، كَما زِيدَتْ في ﴿لِئَلّا يَعْلَمَ﴾ [الحديد: ٢٩]؛ لِتَأْكِيدِ وُجُوبِ العِلْمِ. ولا يُؤْمِنُونَ جَوابُ القَسَمِ. (فَإنْ قُلْتَ): هَلّا زَعَمْتَ أنَّها زِيدَتْ؛ لِتُظاهِرَ (لا) في لا يُؤْمِنُونَ. (قُلْتُ): يَأْبى ذَلِكَ اسْتِواءُ النَّفْيِ والإثْباتِ فِيهِ؛ وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ وما لا تُبْصِرُونَ إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ [الحاقة: ٣٨] . انْتَهى كَلامُهُ. ومِثْلُ الآيَةِ قَوْلُ الشّاعِرِ:

؎ولا واللَّهِ لا يُلْفى لِما بِي ولا لِلِما بِهِمْ أبَدًا دَواءُ

وحَتّى هُنا غايَةٌ؛ أيْ يَنْتَفِي عَنْهُمُ الإيمانُ إلى هَذِهِ الغايَةِ؛ فَإذا وجَدَ ما بَعْدَ الغايَةِ كانُوا مُؤْمِنِينَ. وفِيما شَجَرَ بَيْنَهم عامٌّ في كُلِّ أمْرٍ وقَعَ بَيْنَهم فِيهِ نِزاعٌ وتَجاذُبٌ. ومَعْنى يُحَكِّمُوكَ، يَجْعَلُوكَ حَكَمًا. وفي الكَلامِ حَذْفُ التَّقْدِيرِ: فَتَقْضِي بَيْنَهم.

﴿ثُمَّ لا يَجِدُوا في أنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمّا قَضَيْتَ ويُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾؛ أيْ ضِيقًا مِن حُكْمِكَ. وقالَ مُجاهِدٌ: شَكًّا؛ لِأنَّ الشّاكَّ في ضِيقٍ مِن أمْرِهِ حَتّى يَلُوحَ لَهُ البَيانُ. وقالَ الضَّحّاكُ: إثْمًا؛ أيْ سَبَبُ إثْمٍ. والمَعْنى: لا يَخْطُرُ بِبالِهِمْ ما يَأْثَمُونَ بِهِ مِن عَدَمِ الرِّضا. وقِيلَ هَمًّا وحُزْنًا، ويُسَلِّمُوا؛ أيْ يَنْقادُوا، ويُذْعِنُوا لِقَضائِكَ، لا يُعارِضُونَ فِيهِ بِشَيْءٍ؛ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والجُمْهُورُ. وقِيلَ مَعْناهُ ويُسَلِّمُوا ما تَنازَعُوا فِيهِ لِحُكْمِكَ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ؛ وأكَّدَ الفِعْلَ بِالمَصْدَرِ عَلى سَبِيلِ صُدُورِ التَّسْلِيمِ حَقِيقَةً؛ وحَسَّنَهُ كَوْنُهُ فاصِلَةً. وقَرَأ أبُو السَّمّالِ: فِيما شَجْرَ بِسُكُونِ الجِيمِ، وكَأنَّهُ فَرَّ مِن تَوالِي …

67

وَإِذًۭا لَّءَاتَيْنَٰهُم مِّن لَّدُنَّآ أَجْرًا عَظِيمًۭا

And then We would have given them from Us a great reward.

﴿وإذًا لَآتَيْناهم مِن لَدُنّا أجْرًا عَظِيمًا ولَهَدَيْناهم صِراطًا مُسْتَقِيمًا﴾ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وإذًا جَوابٌ لِسُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ، وماذا يَكُونُ لَهم أيْضًا بَعْدَ التَّثْبِيتِ ؟ فَقِيلَ، وإذًا لَوْ ثَبَتُوا لَأتَيْناهم؛ لِأنَّ (إذًا) جَوابٌ، وجَزاءٌ، انْتَهى. وظاهِرُ قَوْلِ الزَّمَخْشَرِيِّ:؛ لِأنَّ (إذًا) جَوابٌ، وجَزاءٌ يُفْهَمُ مِنهُ أنَّها تَكُونُ لِلْمَعْنَيَيْنِ في حالٍ واحِدٍ عَلى كُلِّ حالٍ، وهَذِهِ مَسْألَةُ خِلافٍ. ذَهَبَ الفارِسِيُّ إلى أنَّها قَدْ تَكُونُ جَوابًا فَقَطْ في مَوْضِعٍ، وجَوابًا، وجَزاءً في مَوْضِعِ نَفْيٍ، مِثْلَ: إذًا أظُنُّكَ صادِقًا لِمَن قالَ: أزُورُكَ، هي جَوابُ خاصَّةٍ. وفي مِثْلِ: إذًا أُكْرِمَكَ لِمَن قالَ: أزُورُكَ، هي جَوابٌ، وجَزاءٌ. وذَهَبَ الأُسْتاذُ أبُو عَلِيٍّ إلى أنَّها تَتَقَدَّرُ بِالجَوابِ والجَزاءِ في كُلِّ مَوْضِعٍ وُقُوفًا مَعَ ظاهِرِ كَلامِ سِيبَوَيْهِ. والصَّحِيحُ قَوْلُ الفارِسِيِّ، وهي مَسْألَةٌ يُبْحَثُ عَنْها في عِلْمِ النَّحْوِ.

والأجْرُ كِنايَةٌ عَنِ الثَّوابِ عَلى الطّاعَةِ، ووَصْفُهُ بِالعِظَمِ بِاعْتِبارِ الكَثْرَةِ، أوْ بِاعْتِبارِ الشَّرَفِ. والصِّراطُ المُسْتَقِيمُ هو الإيمانُ المُؤَدِّي إلى الجَنَّةِ؛ قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ. وقِيلَ هو الطَّرِيقُ إلى الجَنَّةِ. وقِيلَ الأعْمالُ الصّالِحَةُ. ولَمّا فَسَّرَ ابْنُ عَطِيَّةَ الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ بِالإيمانِ قالَ: وجاءَ تَرْتِيبُ هَذِهِ الآيَةِ كَذا. ومَعْلُومٌ أنَّ الهِدايَةَ قَبْلَ إعْطاءِ الأجْرِ؛ لِأنَّ المَقْصِدَ إنَّما هو تَعْدِيدُ ما كانَ اللَّهُ يُنْعِمُ بِهِ عَلَيْهِمْ دُونَ تَرْتِيبٍ؛ فالمَعْنى: وكَهَدَيْناهم قَبْلُ حَتّى يَكُونُوا مِمَّنْ يُؤْتى الأجْرَ، انْتَهى. وأمّا إذا فُسِّرَتِ الهِدايَةُ إلى الصِّراطِ هُنا بِأنَّهُ طَرِيقُ الجَنَّةِ، أوِ الأعْمالُ الصّالِحَةُ، فَإنَّهُ يُظْهِرُ التَّرْتِيبَ.

﴿ومَن يُطِعِ اللَّهَ والرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ والصِّدِّيقِينَ والشُّهَداءِ والصّالِحِينَ﴾ قالَ الكَلْبِيُّ: «نَزَلَتْ في ثَوْبانِ مَوْلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وكانَ شَدِيدَ الحُبِّ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَأتى ذاتَ يَوْمٍ، وقَدْ تَغَيَّرَ لَوْنُهُ، ونَحَلَ جِسْمُهُ فَقالَ: يا ثَوْبانُ ما غَيَّرَ لَوْنَكَ ؟ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ ما بِي مَرَضٌ، ولا وجَعٌ، غَيْرَ أنِّي إذا لَمْ أرَكَ اشْتَقْتُ إلَيْكَ، واسْتَوْحَشْتُ، وحْشَةً شَدِيدَةً حَتّى ألْقاكَ ثُمَّ ذَكَرْتُ الآخِرَةَ فَأخافُ أنْ لا أراكَ هُناكَ لِأنِّي أعْرِفُ أنَّكَ تُرْفَعُ مَعَ النَّبِيِّينَ، وإنِّي وإنْ كُنْتُ أدْخُلُ الجَنَّةَ كُنْتُ في مَنزِلٍ أدْنى مِن مَنزِلِكَ، وإنْ لَمْ أدْخُلِ الجَنَّةَ فَذَلِكَ حِينَ لا أراكَ أبَدًا» . انْتَهى قَوْلُ الكَلْبِيِّ. وحُكِيَ مِثْلُ قَوْلِ ثَوْبانِ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ الصَّحابَةِ مِنهم: «عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ رَبِّهِ الأنْصارِيُّ، وهو الَّذِي أُرِيَ الأذانَ قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إذا مُتَّ ومُتْنا، كُنْتَ في عِلِّيِّينَ فَلا نَراكَ ولا نَجْتَمِعُ بِكَ، وذَكَرَ حُزْنَهُ عَلى ذَلِكَ؛ فَنَزَلَتْ» . وحَكى مَكِّيٌّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ هَذا أنَّهُ لَمّا ماتَ النَّبِيُّ ﷺ قالَ: اللَّهُمَّ أعْمِنِي حَتّى لا أرى شَيْئًا بَعْدَهُ، فَعَمِيَ. والمَعْنى في مَعَ النَّبِيِّينَ: إنَّهُ مَعَهم في دارٍ واحِدَةٍ، وكُلُّ مَن فِيها رُزِقَ الرِّضا بِحالِهِ، وهم بِحَيْثُ يَتَمَكَّنُ كُلُّ واحِدٍ مِنهم مِن رُؤْيَةِ الآخَرِ، وإنْ بَعُدَ مَكانُهُ.

وقِيلَ المَعِيَّةُ هُنا كَوْنُهم يُرْفَعُونَ إلى مَنازِلِ الأنْبِياءِ مَتى شاءُوا تَكْرِمَةً لَهم، ثُمَّ …

68

وَلَهَدَيْنَٰهُمْ صِرَٰطًۭا مُّسْتَقِيمًۭا

And We would have guided them to a straight path.

﴿وإذًا لَآتَيْناهم مِن لَدُنّا أجْرًا عَظِيمًا ولَهَدَيْناهم صِراطًا مُسْتَقِيمًا﴾ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وإذًا جَوابٌ لِسُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ، وماذا يَكُونُ لَهم أيْضًا بَعْدَ التَّثْبِيتِ ؟ فَقِيلَ، وإذًا لَوْ ثَبَتُوا لَأتَيْناهم؛ لِأنَّ (إذًا) جَوابٌ، وجَزاءٌ، انْتَهى. وظاهِرُ قَوْلِ الزَّمَخْشَرِيِّ:؛ لِأنَّ (إذًا) جَوابٌ، وجَزاءٌ يُفْهَمُ مِنهُ أنَّها تَكُونُ لِلْمَعْنَيَيْنِ في حالٍ واحِدٍ عَلى كُلِّ حالٍ، وهَذِهِ مَسْألَةُ خِلافٍ. ذَهَبَ الفارِسِيُّ إلى أنَّها قَدْ تَكُونُ جَوابًا فَقَطْ في مَوْضِعٍ، وجَوابًا، وجَزاءً في مَوْضِعِ نَفْيٍ، مِثْلَ: إذًا أظُنُّكَ صادِقًا لِمَن قالَ: أزُورُكَ، هي جَوابُ خاصَّةٍ. وفي مِثْلِ: إذًا أُكْرِمَكَ لِمَن قالَ: أزُورُكَ، هي جَوابٌ، وجَزاءٌ. وذَهَبَ الأُسْتاذُ أبُو عَلِيٍّ إلى أنَّها تَتَقَدَّرُ بِالجَوابِ والجَزاءِ في كُلِّ مَوْضِعٍ وُقُوفًا مَعَ ظاهِرِ كَلامِ سِيبَوَيْهِ. والصَّحِيحُ قَوْلُ الفارِسِيِّ، وهي مَسْألَةٌ يُبْحَثُ عَنْها في عِلْمِ النَّحْوِ.

والأجْرُ كِنايَةٌ عَنِ الثَّوابِ عَلى الطّاعَةِ، ووَصْفُهُ بِالعِظَمِ بِاعْتِبارِ الكَثْرَةِ، أوْ بِاعْتِبارِ الشَّرَفِ. والصِّراطُ المُسْتَقِيمُ هو الإيمانُ المُؤَدِّي إلى الجَنَّةِ؛ قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ. وقِيلَ هو الطَّرِيقُ إلى الجَنَّةِ. وقِيلَ الأعْمالُ الصّالِحَةُ. ولَمّا فَسَّرَ ابْنُ عَطِيَّةَ الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ بِالإيمانِ قالَ: وجاءَ تَرْتِيبُ هَذِهِ الآيَةِ كَذا. ومَعْلُومٌ أنَّ الهِدايَةَ قَبْلَ إعْطاءِ الأجْرِ؛ لِأنَّ المَقْصِدَ إنَّما هو تَعْدِيدُ ما كانَ اللَّهُ يُنْعِمُ بِهِ عَلَيْهِمْ دُونَ تَرْتِيبٍ؛ فالمَعْنى: وكَهَدَيْناهم قَبْلُ حَتّى يَكُونُوا مِمَّنْ يُؤْتى الأجْرَ، انْتَهى. وأمّا إذا فُسِّرَتِ الهِدايَةُ إلى الصِّراطِ هُنا بِأنَّهُ طَرِيقُ الجَنَّةِ، أوِ الأعْمالُ الصّالِحَةُ، فَإنَّهُ يُظْهِرُ التَّرْتِيبَ.

﴿ومَن يُطِعِ اللَّهَ والرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ والصِّدِّيقِينَ والشُّهَداءِ والصّالِحِينَ﴾ قالَ الكَلْبِيُّ: «نَزَلَتْ في ثَوْبانِ مَوْلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وكانَ شَدِيدَ الحُبِّ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَأتى ذاتَ يَوْمٍ، وقَدْ تَغَيَّرَ لَوْنُهُ، ونَحَلَ جِسْمُهُ فَقالَ: يا ثَوْبانُ ما غَيَّرَ لَوْنَكَ ؟ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ ما بِي مَرَضٌ، ولا وجَعٌ، غَيْرَ أنِّي إذا لَمْ أرَكَ اشْتَقْتُ إلَيْكَ، واسْتَوْحَشْتُ، وحْشَةً شَدِيدَةً حَتّى ألْقاكَ ثُمَّ ذَكَرْتُ الآخِرَةَ فَأخافُ أنْ لا أراكَ هُناكَ لِأنِّي أعْرِفُ أنَّكَ تُرْفَعُ مَعَ النَّبِيِّينَ، وإنِّي وإنْ كُنْتُ أدْخُلُ الجَنَّةَ كُنْتُ في مَنزِلٍ أدْنى مِن مَنزِلِكَ، وإنْ لَمْ أدْخُلِ الجَنَّةَ فَذَلِكَ حِينَ لا أراكَ أبَدًا» . انْتَهى قَوْلُ الكَلْبِيِّ. وحُكِيَ مِثْلُ قَوْلِ ثَوْبانِ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ الصَّحابَةِ مِنهم: «عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ رَبِّهِ الأنْصارِيُّ، وهو الَّذِي أُرِيَ الأذانَ قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إذا مُتَّ ومُتْنا، كُنْتَ في عِلِّيِّينَ فَلا نَراكَ ولا نَجْتَمِعُ بِكَ، وذَكَرَ حُزْنَهُ عَلى ذَلِكَ؛ فَنَزَلَتْ» . وحَكى مَكِّيٌّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ هَذا أنَّهُ لَمّا ماتَ النَّبِيُّ ﷺ قالَ: اللَّهُمَّ أعْمِنِي حَتّى لا أرى شَيْئًا بَعْدَهُ، فَعَمِيَ. والمَعْنى في مَعَ النَّبِيِّينَ: إنَّهُ مَعَهم في دارٍ واحِدَةٍ، وكُلُّ مَن فِيها رُزِقَ الرِّضا بِحالِهِ، وهم بِحَيْثُ يَتَمَكَّنُ كُلُّ واحِدٍ مِنهم مِن رُؤْيَةِ الآخَرِ، وإنْ بَعُدَ مَكانُهُ.

وقِيلَ المَعِيَّةُ هُنا كَوْنُهم يُرْفَعُونَ إلى مَنازِلِ الأنْبِياءِ مَتى شاءُوا تَكْرِمَةً لَهم، ثُمَّ …

69

وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ فَأُو۟لَٰٓئِكَ مَعَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّۦنَ وَٱلصِّدِّيقِينَ وَٱلشُّهَدَآءِ وَٱلصَّٰلِحِينَ ۚ وَحَسُنَ أُو۟لَٰٓئِكَ رَفِيقًۭا

And whoever obeys Allah and the Messenger - those will be with the ones upon whom Allah has bestowed favor of the prophets, the steadfast affirmers of truth, the martyrs and the righteous. And excellent are those as companions.

﴿وإذًا لَآتَيْناهم مِن لَدُنّا أجْرًا عَظِيمًا ولَهَدَيْناهم صِراطًا مُسْتَقِيمًا﴾ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وإذًا جَوابٌ لِسُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ، وماذا يَكُونُ لَهم أيْضًا بَعْدَ التَّثْبِيتِ ؟ فَقِيلَ، وإذًا لَوْ ثَبَتُوا لَأتَيْناهم؛ لِأنَّ (إذًا) جَوابٌ، وجَزاءٌ، انْتَهى. وظاهِرُ قَوْلِ الزَّمَخْشَرِيِّ:؛ لِأنَّ (إذًا) جَوابٌ، وجَزاءٌ يُفْهَمُ مِنهُ أنَّها تَكُونُ لِلْمَعْنَيَيْنِ في حالٍ واحِدٍ عَلى كُلِّ حالٍ، وهَذِهِ مَسْألَةُ خِلافٍ. ذَهَبَ الفارِسِيُّ إلى أنَّها قَدْ تَكُونُ جَوابًا فَقَطْ في مَوْضِعٍ، وجَوابًا، وجَزاءً في مَوْضِعِ نَفْيٍ، مِثْلَ: إذًا أظُنُّكَ صادِقًا لِمَن قالَ: أزُورُكَ، هي جَوابُ خاصَّةٍ. وفي مِثْلِ: إذًا أُكْرِمَكَ لِمَن قالَ: أزُورُكَ، هي جَوابٌ، وجَزاءٌ. وذَهَبَ الأُسْتاذُ أبُو عَلِيٍّ إلى أنَّها تَتَقَدَّرُ بِالجَوابِ والجَزاءِ في كُلِّ مَوْضِعٍ وُقُوفًا مَعَ ظاهِرِ كَلامِ سِيبَوَيْهِ. والصَّحِيحُ قَوْلُ الفارِسِيِّ، وهي مَسْألَةٌ يُبْحَثُ عَنْها في عِلْمِ النَّحْوِ.

والأجْرُ كِنايَةٌ عَنِ الثَّوابِ عَلى الطّاعَةِ، ووَصْفُهُ بِالعِظَمِ بِاعْتِبارِ الكَثْرَةِ، أوْ بِاعْتِبارِ الشَّرَفِ. والصِّراطُ المُسْتَقِيمُ هو الإيمانُ المُؤَدِّي إلى الجَنَّةِ؛ قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ. وقِيلَ هو الطَّرِيقُ إلى الجَنَّةِ. وقِيلَ الأعْمالُ الصّالِحَةُ. ولَمّا فَسَّرَ ابْنُ عَطِيَّةَ الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ بِالإيمانِ قالَ: وجاءَ تَرْتِيبُ هَذِهِ الآيَةِ كَذا. ومَعْلُومٌ أنَّ الهِدايَةَ قَبْلَ إعْطاءِ الأجْرِ؛ لِأنَّ المَقْصِدَ إنَّما هو تَعْدِيدُ ما كانَ اللَّهُ يُنْعِمُ بِهِ عَلَيْهِمْ دُونَ تَرْتِيبٍ؛ فالمَعْنى: وكَهَدَيْناهم قَبْلُ حَتّى يَكُونُوا مِمَّنْ يُؤْتى الأجْرَ، انْتَهى. وأمّا إذا فُسِّرَتِ الهِدايَةُ إلى الصِّراطِ هُنا بِأنَّهُ طَرِيقُ الجَنَّةِ، أوِ الأعْمالُ الصّالِحَةُ، فَإنَّهُ يُظْهِرُ التَّرْتِيبَ.

﴿ومَن يُطِعِ اللَّهَ والرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ والصِّدِّيقِينَ والشُّهَداءِ والصّالِحِينَ﴾ قالَ الكَلْبِيُّ: «نَزَلَتْ في ثَوْبانِ مَوْلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وكانَ شَدِيدَ الحُبِّ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَأتى ذاتَ يَوْمٍ، وقَدْ تَغَيَّرَ لَوْنُهُ، ونَحَلَ جِسْمُهُ فَقالَ: يا ثَوْبانُ ما غَيَّرَ لَوْنَكَ ؟ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ ما بِي مَرَضٌ، ولا وجَعٌ، غَيْرَ أنِّي إذا لَمْ أرَكَ اشْتَقْتُ إلَيْكَ، واسْتَوْحَشْتُ، وحْشَةً شَدِيدَةً حَتّى ألْقاكَ ثُمَّ ذَكَرْتُ الآخِرَةَ فَأخافُ أنْ لا أراكَ هُناكَ لِأنِّي أعْرِفُ أنَّكَ تُرْفَعُ مَعَ النَّبِيِّينَ، وإنِّي وإنْ كُنْتُ أدْخُلُ الجَنَّةَ كُنْتُ في مَنزِلٍ أدْنى مِن مَنزِلِكَ، وإنْ لَمْ أدْخُلِ الجَنَّةَ فَذَلِكَ حِينَ لا أراكَ أبَدًا» . انْتَهى قَوْلُ الكَلْبِيِّ. وحُكِيَ مِثْلُ قَوْلِ ثَوْبانِ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ الصَّحابَةِ مِنهم: «عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ رَبِّهِ الأنْصارِيُّ، وهو الَّذِي أُرِيَ الأذانَ قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إذا مُتَّ ومُتْنا، كُنْتَ في عِلِّيِّينَ فَلا نَراكَ ولا نَجْتَمِعُ بِكَ، وذَكَرَ حُزْنَهُ عَلى ذَلِكَ؛ فَنَزَلَتْ» . وحَكى مَكِّيٌّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ هَذا أنَّهُ لَمّا ماتَ النَّبِيُّ ﷺ قالَ: اللَّهُمَّ أعْمِنِي حَتّى لا أرى شَيْئًا بَعْدَهُ، فَعَمِيَ. والمَعْنى في مَعَ النَّبِيِّينَ: إنَّهُ مَعَهم في دارٍ واحِدَةٍ، وكُلُّ مَن فِيها رُزِقَ الرِّضا بِحالِهِ، وهم بِحَيْثُ يَتَمَكَّنُ كُلُّ واحِدٍ مِنهم مِن رُؤْيَةِ الآخَرِ، وإنْ بَعُدَ مَكانُهُ.

وقِيلَ المَعِيَّةُ هُنا كَوْنُهم يُرْفَعُونَ إلى مَنازِلِ الأنْبِياءِ مَتى شاءُوا تَكْرِمَةً لَهم، ثُمَّ …

70

ذَٰلِكَ ٱلْفَضْلُ مِنَ ٱللَّهِ ۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ عَلِيمًۭا

That is the bounty from Allah, and sufficient is Allah as Knower.

﴿وإذًا لَآتَيْناهم مِن لَدُنّا أجْرًا عَظِيمًا ولَهَدَيْناهم صِراطًا مُسْتَقِيمًا﴾ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وإذًا جَوابٌ لِسُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ، وماذا يَكُونُ لَهم أيْضًا بَعْدَ التَّثْبِيتِ ؟ فَقِيلَ، وإذًا لَوْ ثَبَتُوا لَأتَيْناهم؛ لِأنَّ (إذًا) جَوابٌ، وجَزاءٌ، انْتَهى. وظاهِرُ قَوْلِ الزَّمَخْشَرِيِّ:؛ لِأنَّ (إذًا) جَوابٌ، وجَزاءٌ يُفْهَمُ مِنهُ أنَّها تَكُونُ لِلْمَعْنَيَيْنِ في حالٍ واحِدٍ عَلى كُلِّ حالٍ، وهَذِهِ مَسْألَةُ خِلافٍ. ذَهَبَ الفارِسِيُّ إلى أنَّها قَدْ تَكُونُ جَوابًا فَقَطْ في مَوْضِعٍ، وجَوابًا، وجَزاءً في مَوْضِعِ نَفْيٍ، مِثْلَ: إذًا أظُنُّكَ صادِقًا لِمَن قالَ: أزُورُكَ، هي جَوابُ خاصَّةٍ. وفي مِثْلِ: إذًا أُكْرِمَكَ لِمَن قالَ: أزُورُكَ، هي جَوابٌ، وجَزاءٌ. وذَهَبَ الأُسْتاذُ أبُو عَلِيٍّ إلى أنَّها تَتَقَدَّرُ بِالجَوابِ والجَزاءِ في كُلِّ مَوْضِعٍ وُقُوفًا مَعَ ظاهِرِ كَلامِ سِيبَوَيْهِ. والصَّحِيحُ قَوْلُ الفارِسِيِّ، وهي مَسْألَةٌ يُبْحَثُ عَنْها في عِلْمِ النَّحْوِ.

والأجْرُ كِنايَةٌ عَنِ الثَّوابِ عَلى الطّاعَةِ، ووَصْفُهُ بِالعِظَمِ بِاعْتِبارِ الكَثْرَةِ، أوْ بِاعْتِبارِ الشَّرَفِ. والصِّراطُ المُسْتَقِيمُ هو الإيمانُ المُؤَدِّي إلى الجَنَّةِ؛ قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ. وقِيلَ هو الطَّرِيقُ إلى الجَنَّةِ. وقِيلَ الأعْمالُ الصّالِحَةُ. ولَمّا فَسَّرَ ابْنُ عَطِيَّةَ الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ بِالإيمانِ قالَ: وجاءَ تَرْتِيبُ هَذِهِ الآيَةِ كَذا. ومَعْلُومٌ أنَّ الهِدايَةَ قَبْلَ إعْطاءِ الأجْرِ؛ لِأنَّ المَقْصِدَ إنَّما هو تَعْدِيدُ ما كانَ اللَّهُ يُنْعِمُ بِهِ عَلَيْهِمْ دُونَ تَرْتِيبٍ؛ فالمَعْنى: وكَهَدَيْناهم قَبْلُ حَتّى يَكُونُوا مِمَّنْ يُؤْتى الأجْرَ، انْتَهى. وأمّا إذا فُسِّرَتِ الهِدايَةُ إلى الصِّراطِ هُنا بِأنَّهُ طَرِيقُ الجَنَّةِ، أوِ الأعْمالُ الصّالِحَةُ، فَإنَّهُ يُظْهِرُ التَّرْتِيبَ.

﴿ومَن يُطِعِ اللَّهَ والرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ والصِّدِّيقِينَ والشُّهَداءِ والصّالِحِينَ﴾ قالَ الكَلْبِيُّ: «نَزَلَتْ في ثَوْبانِ مَوْلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وكانَ شَدِيدَ الحُبِّ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَأتى ذاتَ يَوْمٍ، وقَدْ تَغَيَّرَ لَوْنُهُ، ونَحَلَ جِسْمُهُ فَقالَ: يا ثَوْبانُ ما غَيَّرَ لَوْنَكَ ؟ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ ما بِي مَرَضٌ، ولا وجَعٌ، غَيْرَ أنِّي إذا لَمْ أرَكَ اشْتَقْتُ إلَيْكَ، واسْتَوْحَشْتُ، وحْشَةً شَدِيدَةً حَتّى ألْقاكَ ثُمَّ ذَكَرْتُ الآخِرَةَ فَأخافُ أنْ لا أراكَ هُناكَ لِأنِّي أعْرِفُ أنَّكَ تُرْفَعُ مَعَ النَّبِيِّينَ، وإنِّي وإنْ كُنْتُ أدْخُلُ الجَنَّةَ كُنْتُ في مَنزِلٍ أدْنى مِن مَنزِلِكَ، وإنْ لَمْ أدْخُلِ الجَنَّةَ فَذَلِكَ حِينَ لا أراكَ أبَدًا» . انْتَهى قَوْلُ الكَلْبِيِّ. وحُكِيَ مِثْلُ قَوْلِ ثَوْبانِ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ الصَّحابَةِ مِنهم: «عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ رَبِّهِ الأنْصارِيُّ، وهو الَّذِي أُرِيَ الأذانَ قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إذا مُتَّ ومُتْنا، كُنْتَ في عِلِّيِّينَ فَلا نَراكَ ولا نَجْتَمِعُ بِكَ، وذَكَرَ حُزْنَهُ عَلى ذَلِكَ؛ فَنَزَلَتْ» . وحَكى مَكِّيٌّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ هَذا أنَّهُ لَمّا ماتَ النَّبِيُّ ﷺ قالَ: اللَّهُمَّ أعْمِنِي حَتّى لا أرى شَيْئًا بَعْدَهُ، فَعَمِيَ. والمَعْنى في مَعَ النَّبِيِّينَ: إنَّهُ مَعَهم في دارٍ واحِدَةٍ، وكُلُّ مَن فِيها رُزِقَ الرِّضا بِحالِهِ، وهم بِحَيْثُ يَتَمَكَّنُ كُلُّ واحِدٍ مِنهم مِن رُؤْيَةِ الآخَرِ، وإنْ بَعُدَ مَكانُهُ.

وقِيلَ المَعِيَّةُ هُنا كَوْنُهم يُرْفَعُونَ إلى مَنازِلِ الأنْبِياءِ مَتى شاءُوا تَكْرِمَةً لَهم، ثُمَّ …

Commentary: Al-Bahr al-Muhit by Abu Hayyan al-Gharnati. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.