Muslim99Muslim99
← Tafsir library

4. An-Nisaa

The Women · Medinan · 176 ayahs

سُورَةُ النِّسَاءِ

Reading Tafsir Ibn 'Uthaymin by Muhammad ibn Salih al-'Uthaymin

Ayahs 51–60 of 176

51

أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ نَصِيبًۭا مِّنَ ٱلْكِتَٰبِ يُؤْمِنُونَ بِٱلْجِبْتِ وَٱلطَّٰغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا۟ هَٰٓؤُلَآءِ أَهْدَىٰ مِنَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ سَبِيلًا

Have you not seen those who were given a portion of the Scripture, who believe in superstition and false objects of worship and say about the disbelievers, "These are better guided than the believers as to the way"?

ثم قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ﴾ ويقال في ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ كما قيل في الآية التي قبلها: إن الاستفهام للإنكار والتعجيب، يعني يقول تعجب من حال هؤلاء، ﴿إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا﴾ أي: أعطوا نصيبًا، و(آتى) تنصب مفعولين وهنا نصبت مفعولين، الأول منهما نائب الفاعل وهو (الواو)، والثاني ﴿نَصِيبًا﴾.

وقوله: ﴿الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا﴾ أي: أعطوا نصيبًا، أي قسطًا، ﴿مِنَ الْكِتَابِ﴾ أي: الكتاب المنزل على الرسل عليهم الصلاة والسلام، ﴿نَصِيبًا﴾ يعني: قسطًا من الكتاب، الكتاب المنزل على الرسل، فمن المراد بهؤلاء؟ المراد بهؤلاء اليهود؛ لأن الله آتاهم نصيبًا من الكتاب وهو التوراة ولم يعطهم علم كل شيء.

﴿يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ هذا محل التعجب أنهم أعطوا نصيبًا من الكتاب وقامت عليهم الحجة ومع ذلك يؤمنون بالجبت ويؤمنون بالطاغوت، الجبت: كل ما لا فائدة فيه، كل ما لا فائدة فيه في الدين فإنه جبت، ومنه السحر والكهانة والطرق والعيافة وما أشبه ذلك، فإن هذه كلها من الجبت.

وأما الطاغوت فالطاغوت: كل ما طغى به الإنسان فهو طاغوت، ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ﴾ [البقرة ٢٥٧]، فأئمة الكفر ودعاة الكفر طواغيت، والشيطان طاغوت؛ ولهذا قال عمر رضي الله عنه: «الجبت: السحر، والطاغوت: الشيطان»أخرجه سعيد بن منصور (٦٤٩)، والطبري (٧ / ١٣٥).، يعني: أن السحر فرد من أفراد الجبت، والشيطان فرد من أفراد الطاغوت، وإلا فإن التعريف العام للطاغوت ما ذكره ابن القيم رحمه الله: كل ما تجاوز به العبد حده من معبودٍ أو متبوعٍ أو مطاعٍ.

﴿يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ ومعنى إيمانهم به إقرارهم إياه وعدم إنكاره.

﴿وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾ ﴿يَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قال بعض المفسرين: إن (اللام) هنا بمعنى (في)، أي يقولون في شأنهم ﴿هَؤُلَاءِ﴾ أي: الذين كفروا، ﴿أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾، وقيل: إن اللام كقولك: قلت لفلان، أي هي اللام المعدية للفعل، وأن قوله: ﴿هَؤُلَاءِ﴾ بمعنى (أنتم)، يعني يقول هؤلاء للذين كفروا: أنتم أهدى من الذين آمنوا سبيلًا، وعلى هذا تكون الإشارة في مقام ضمير المخاطب؛ لأنك إذا قلت: قلت لفلان كذا، صار فلانٌ مخاطبًا، فلا بد أن يؤتى بضمير المخاطب، و(هؤلاء) اسم إشارة ليس ضمير مخاطب لكن قالوا: إنها بمعنى (أنتم)، وهذا ما مشى عليه الجلالين.

﴿وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ والمراد بالذين كفروا أهل مكة؛ لأن طائفة من اليهود قابلوا أهل مكة فقالوا لهم أهل مكة: هذا محمد، فرق بيننا وبين أبنائنا، وبيننا وبين غلماننا، وبيننا وبين أزواجنا، وفرق بيننا وبين العرب، وسب آلهتنا، وسفه أحلامنا، أما نحن فإننا أهل البيت نسقي الحجيج، ونفعل كذا وكذا، وذكروا أشياء، فأينا أهدى أنحن أم محمد؟ فاليهود انتهزوا هذه الفرصة وقالوا: أنتم أهدى من محمد؛ لأنهم لا يريدون أن يقوم للنبي صلى الله عليه وآله وسلم قائمًا ويحسدونه، فانتهزوا هذه الفرصة أن يسألهم قوم هم شيعة محمد عليه الصلاة والسلام وقرابته فقالوا هذا الكلام.

﴿هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾ أي: طريقًا، و﴿سَبِيلًا﴾ هنا تمييز؛ لأنها وقعت بعد اسم التفضيل، والمنصوب بعد اسم التفضيل يكون تمييزًا، ﴿هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾.

قال الله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾ ﴿أُولَئِكَ﴾ المشار إليه هؤلاء الذين أوتوا نصيبًا وقالوا للكفار: أنتم أهدى من الذين آمنوا سبيلًا، ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾، وهذه الجملة تفيد الحصر لتعريف طرفيها؛ المبتدأ والخبر، فالمبتدأ (أولاء) وهو اسم إشارة معرفة، والخبر (الذين) وهو اسم موصول معرفة. ﴿أُولَئِكَ …

52

أُو۟لَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ لَعَنَهُمُ ٱللَّهُ ۖ وَمَن يَلْعَنِ ٱللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُۥ نَصِيرًا

Those are the ones whom Allah has cursed; and he whom Allah curses - never will you find for him a helper.

ثم قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ﴾ ويقال في ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ كما قيل في الآية التي قبلها: إن الاستفهام للإنكار والتعجيب، يعني يقول تعجب من حال هؤلاء، ﴿إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا﴾ أي: أعطوا نصيبًا، و(آتى) تنصب مفعولين وهنا نصبت مفعولين، الأول منهما نائب الفاعل وهو (الواو)، والثاني ﴿نَصِيبًا﴾.

وقوله: ﴿الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا﴾ أي: أعطوا نصيبًا، أي قسطًا، ﴿مِنَ الْكِتَابِ﴾ أي: الكتاب المنزل على الرسل عليهم الصلاة والسلام، ﴿نَصِيبًا﴾ يعني: قسطًا من الكتاب، الكتاب المنزل على الرسل، فمن المراد بهؤلاء؟ المراد بهؤلاء اليهود؛ لأن الله آتاهم نصيبًا من الكتاب وهو التوراة ولم يعطهم علم كل شيء.

﴿يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ هذا محل التعجب أنهم أعطوا نصيبًا من الكتاب وقامت عليهم الحجة ومع ذلك يؤمنون بالجبت ويؤمنون بالطاغوت، الجبت: كل ما لا فائدة فيه، كل ما لا فائدة فيه في الدين فإنه جبت، ومنه السحر والكهانة والطرق والعيافة وما أشبه ذلك، فإن هذه كلها من الجبت.

وأما الطاغوت فالطاغوت: كل ما طغى به الإنسان فهو طاغوت، ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ﴾ [البقرة ٢٥٧]، فأئمة الكفر ودعاة الكفر طواغيت، والشيطان طاغوت؛ ولهذا قال عمر رضي الله عنه: «الجبت: السحر، والطاغوت: الشيطان»أخرجه سعيد بن منصور (٦٤٩)، والطبري (٧ / ١٣٥).، يعني: أن السحر فرد من أفراد الجبت، والشيطان فرد من أفراد الطاغوت، وإلا فإن التعريف العام للطاغوت ما ذكره ابن القيم رحمه الله: كل ما تجاوز به العبد حده من معبودٍ أو متبوعٍ أو مطاعٍ.

﴿يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ ومعنى إيمانهم به إقرارهم إياه وعدم إنكاره.

﴿وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾ ﴿يَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قال بعض المفسرين: إن (اللام) هنا بمعنى (في)، أي يقولون في شأنهم ﴿هَؤُلَاءِ﴾ أي: الذين كفروا، ﴿أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾، وقيل: إن اللام كقولك: قلت لفلان، أي هي اللام المعدية للفعل، وأن قوله: ﴿هَؤُلَاءِ﴾ بمعنى (أنتم)، يعني يقول هؤلاء للذين كفروا: أنتم أهدى من الذين آمنوا سبيلًا، وعلى هذا تكون الإشارة في مقام ضمير المخاطب؛ لأنك إذا قلت: قلت لفلان كذا، صار فلانٌ مخاطبًا، فلا بد أن يؤتى بضمير المخاطب، و(هؤلاء) اسم إشارة ليس ضمير مخاطب لكن قالوا: إنها بمعنى (أنتم)، وهذا ما مشى عليه الجلالين.

﴿وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ والمراد بالذين كفروا أهل مكة؛ لأن طائفة من اليهود قابلوا أهل مكة فقالوا لهم أهل مكة: هذا محمد، فرق بيننا وبين أبنائنا، وبيننا وبين غلماننا، وبيننا وبين أزواجنا، وفرق بيننا وبين العرب، وسب آلهتنا، وسفه أحلامنا، أما نحن فإننا أهل البيت نسقي الحجيج، ونفعل كذا وكذا، وذكروا أشياء، فأينا أهدى أنحن أم محمد؟ فاليهود انتهزوا هذه الفرصة وقالوا: أنتم أهدى من محمد؛ لأنهم لا يريدون أن يقوم للنبي صلى الله عليه وآله وسلم قائمًا ويحسدونه، فانتهزوا هذه الفرصة أن يسألهم قوم هم شيعة محمد عليه الصلاة والسلام وقرابته فقالوا هذا الكلام.

﴿هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾ أي: طريقًا، و﴿سَبِيلًا﴾ هنا تمييز؛ لأنها وقعت بعد اسم التفضيل، والمنصوب بعد اسم التفضيل يكون تمييزًا، ﴿هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾.

قال الله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾ ﴿أُولَئِكَ﴾ المشار إليه هؤلاء الذين أوتوا نصيبًا وقالوا للكفار: أنتم أهدى من الذين آمنوا سبيلًا، ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾، وهذه الجملة تفيد الحصر لتعريف طرفيها؛ المبتدأ والخبر، فالمبتدأ (أولاء) وهو اسم إشارة معرفة، والخبر (الذين) وهو اسم موصول معرفة. ﴿أُولَئِكَ …

53

أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌۭ مِّنَ ٱلْمُلْكِ فَإِذًۭا لَّا يُؤْتُونَ ٱلنَّاسَ نَقِيرًا

Or have they a share of dominion? Then [if that were so], they would not give the people [even as much as] the speck on a date seed.

ثم قال تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا﴾ ﴿أَمْ لَهُمْ﴾ كيف نعربها هنا؟

* طالب: ﴿أَمْ﴾ عاطفة؟

* الشيخ: لا.

* طالب: تكون بمعنى (بل) وهمزة الاستفهام.

* الشيخ: نعم، هنا بمعنى (بل) وهمزة الاستفهام، ففيها إضراب عما سبق، وقيل: إنها للاستفهام فقط، لكنه خلاف مشهور عند النحويين، ﴿أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ﴾ يعني: بل ألهم نصيب من الملك؛ حيث يريدون أن يحولوا بين النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وبين ما أعطاه الله من النبوة التي يكون بها ملك مشارق الأرض ومغاربها، يعني: هؤلاء الذين قالوا هذا الكلام وفضلوا طريق الكفار على طريق المؤمنين هل لهم نصيب من الملك بحيث يمنعون فضل الله سبحانه وتعالى على نبيه ويجعلون الفضل لهؤلاء الكفار؟!

يقول الله عز وجل: ﴿فَإِذًا﴾ يعني: لو كان لهم نصيب من الملك، ﴿لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا﴾ أي: لا يعطون الناس، و﴿النَّاسَ﴾ مفعول أول ﴿يُؤْتُونَ﴾، و﴿نَقِيرًا﴾ مفعول ثانٍ، والنقير هو: النقرة التي على ظهر النواة، وهو يضرب به المثلة للقلة، يعني: لو كان عند هؤلاء ملك ولهم نصيب من الملك، فإنهم لبخلهم لا يؤتون الناس نقيرًا؛ لأن اليهود من أشد الناس بخلًا، وأشدهم طمعًا وحرصًا على المال.

إذن معنى الآية: هل لهؤلاء نصيب من الملك حتى يحاولوا أن يمنعوا فضل الله على رسوله وأن يجعلوا هذا الفضل لهؤلاء الكفار؟ لا، ولو قدر أن لهم نصيبًا من الملك فإنهم لن يعطوا أحدًا منهم شيئًا؛ ولهذا قال: ﴿فَإِذًا﴾ يعني: لو أعطوا نصيبًا من الملك لا يؤتون الناس نقيرًا، وما فوقه؟

* الطلبة: من باب أولى.

* الشيخ: من باب أولى.

* من فوائد هذه الآية الكريمة: أن هؤلاء اليهود الذين أرادوا أن يحول بين فضل الله على رسوله وبين رسوله وأن يرحلوا هذا الفضل إلى هؤلاء الكفار ليس لهم نصيب من الملك، الملك لمن؟ لله وحده.

* ومن فوائدها: الإشارة إلى أن اليهود من أبخل الناس؛ لقوله: ﴿فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا﴾.

54

أَمْ يَحْسُدُونَ ٱلنَّاسَ عَلَىٰ مَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِۦ ۖ فَقَدْ ءَاتَيْنَآ ءَالَ إِبْرَٰهِيمَ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ وَءَاتَيْنَٰهُم مُّلْكًا عَظِيمًۭا

Or do they envy people for what Allah has given them of His bounty? But we had already given the family of Abraham the Scripture and wisdom and conferred upon them a great kingdom.

ثم قال تعالى: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ ﴿أَمْ﴾ نقول فيها كما قلنا في سابقتها: إنها بمعنى (بل) وهمزة الاستفهام، ﴿يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ والمراد بالناس محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأصحابه، ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ والحسد في تعريف أكثر العلماء: تمني زوال نعمة الله على الغير، سواء أردت أن تكون لك أو أن تزول إلى غير أحد.

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: الحسد كراهة ما أنعم الله به على غيره. أن يكره ما أنعم الله به على غيره، بحيث إذا قيل له: فلان حصل له كذا، اضطرب قلبه من كراهة ما حصل لهذا الرجل، وعلى هذا فيكون ما قاله الشيخ أعم مما قاله جمهور العلماء؛ لأن ما قاله جمهور العلماء لا بد أن يتمنى أن يزيل الله هذه النعمة، أما هذا فيكون مجرد كراهته لها يعتبر حسدًا، ومن المعلوم أن من كره شيئًا فسوف يتمنى أن يزول.

وقوله: ﴿عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ أي: أعطاهم من فضله، وما هو الفضل الذي أعطيه الرسول؟

* طالب: القرآن.

* الشيخ: القرآن أو ما هو أعم؟

* الطالب: الإسلام.

* الشيخ: نعم، الإسلام كله، والشريعة كلها، هذا من أعظم ما آتاها الله الرسول هو النبوة والرسالة.

﴿عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا﴾ يعني: فإن فضلنا لم يزل موجودًا، ليس هذا أول فضل تفضلنا به على عباد الله، بل إن الفضل لم يزل موجودًا، ﴿آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾، والمراد بـ﴿آلَ إِبْرَاهِيمَ﴾ هنا المراد به كل من تبعه على دينه، وهو أولهم عليه الصلاة والسلام، آتاهم الله الكتاب، وآتاهم الحكمة، وجعل في ذريته النبوة والكتاب، وأكثر الأنبياء الذين قصهم الله علينا من ذرية إبراهيم، أكثرهم من بني إسرائيل وهو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، والواحد الوحيد في آل إبراهيم محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم وهو من ذرية إسماعيل؛ ولهذا كان أكثر الأنبياء الذين قص الله علينا من بني إسرائيل.

لكن هذا الواحد محمد عليه الصلاة والسلام كان عن الجميع، دينه مهيمن على جميع الأديان، ورسالته خاتمة للرسالات، وأمته باقية إلى يوم القيامة.

﴿الْكِتَابَ﴾ بمعنى المكتوب، والكتب المنزلة على الأنبياء كلها تكتب باليد، ﴿وَالْحِكْمَةَ﴾ هي الصواب، الحكمة هي الصواب، فالقرآن صواب، والتوراة صواب، والإنجيل صواب، وكل ما جاءت به الرسل فهو صواب، وإلى هذا قيل: إن الحكمة هي وضع أشياء في مواضعها.

﴿وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا﴾ (آتينا) أي: آل إبراهيم ملكًا عظيمًا، وأبلغ مثل في ذلك ما أعطاه الله تعالى سليمان فقد آتاه الله ملكًا عظيمًا، حتى قال: ﴿هَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ [ص ٣٥]، حتى إن الشياطين المردة ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَات﴾ [سبأ ١٣]، وحتى إنهم ﴿الشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ (٣٧) وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ﴾ [ص ٣٧، ٣٨]، بنَّاء يبني على ظاهر البر، غواص يغوص في البحر ليأتي بالجواهر والدراري، كل ما يكون في البحر، والقسم الثالث مقرنون في الأصفاد؛ لأنهم عصوا أمره فقرنهم في الأصفاد وحبسهم، هذا ملك عظيم.

كذلك أيضًا سخر الله له الريح ﴿تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ﴾ [ص ٣٦] يعني: حيث أراد، ﴿رُخَاءً﴾ يعني: بدون اضطراب وبدون مشقة، والمعروف أن الريح يكون فيها قلق ومشقة وإن لم تحمل الإنسان، فضلًا عن إذا لو قدر أن هناك ريحًا تحمله لكان فيها القلق والاضطراب، لكن الله تعالى جعلها رخاءً مع أنها عاصفة، ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ﴾ …

55

فَمِنْهُم مَّنْ ءَامَنَ بِهِۦ وَمِنْهُم مَّن صَدَّ عَنْهُ ۚ وَكَفَىٰ بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا

And some among them believed in it, and some among them were averse to it. And sufficient is Hell as a blaze.

ثم قال الله تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ﴾ [النساء ٥٥] ﴿مِنْهُمْ﴾ الضمير يعود على آل إبراهيم؛ يعني ليس كل آل إبراهيم تقبّلوا هذا الكتاب وهذه الحكمة وهذا الملك ﴿مِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ﴾ و(مِن) هنا للتبعيض، والدليل على ذلك قوله: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ﴾ فقسمهم الله تعالى إلى قسمين، والتبعيض قد يأتي بالحرف الدال عليه في كلا القسمين، وقد يأتي في أحدهما، ويحذف من القسم الثاني مثل قوله تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾ [هود ١٠٥] المعنى: فمنهم شقي ومنهم سعيد؛ لأنه لا يمكن أن يكون شقيًّا وسعيدًا في آنٍ واحد، ولكنها حذفت من القسم أو القسيم الثاني، ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ﴾ وقبله، وآمن بالكتاب والحكمة، وشكر النعمة على الملك ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ﴾ صدّ عنه فلم يؤمن به، ولم يشكر الله على هذه النعمة والملك العظيم.

وقوله: ﴿مَنْ صَدَّ عَنْهُ﴾ ﴿صَدَّ﴾ هذه تستعمل لازمة ومتعدية، فاللازمة بمعنى أنه صد عنه بنفسه، والمتعدية أنه صد غيره عنه، وكلا الوصفين ثابتان لهؤلاء، فهم صادون عنه بأنفسهم، وهم صادون غيرهم عنه، حتى إن بني إسرائيل يدعون أن سليمان بن داود عليه الصلاة والسلام ليس نبيًّا، ولكنه ملك واسع الملك قويّ الملك قوي السلطان، وليس بنبي وكذلك داود، يرون أنه ليس بنبي، ولكنه ملك، والصواب أنهم من الرسل والأنبياء، ولكن الله تعالى أعطى سليمان ذلك الملك العظيم.

ثم قال: ﴿وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا﴾ يعني ما أعظم السعير الذي يحصل لهؤلاء بجهنم!

و﴿كَفَى﴾ سبق لنا أنها تتعدى بالباء، ولكنهم يقولون: إن الباء زائدة لفظًا؛ يعني من حيث الإعراب، وأما من جهة المعنى فلها فائدة وهي تعدية (كفى) إلى المعمول، ويقولون: إن الباء حرف جر زائد، وأن جهنم في هذه الآية هي الفاعل؛ أي: كفت، وأن ﴿سَعِيرًا﴾ أيش؟

* طلبة: تمييز.

* الشيخ: تمييز، والسعير بمعنى (المسعَّر) أو بمعنى (الساعِر)، وكلاهما يدل على الإحراق العظيم.

* في هذه الآية الكريمة من الفوائد: أن الناس ينقسمون فيما يعطيهم الله تعالى من نعم الدين والدنيا إلى قسمين: قسم يؤمن، وقسم يكفر، وهذا هو سنة الله كما قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾ [التغابن ٢]، ولو شاء الله تعالى لجعل الناس أمة واحدة، ولكن من رحمته أن جعلهم يتفرّقون حتى يعلم الله الصادق من الكاذب، وحتى يقوم عَلَم الجهاد، وحتى يقوم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وحتى يعرف المؤمن قدر نعمة الله عليه بالإيمان، وحتى يجتهد المؤمن أن يثبته الله عز وجل حتى لا يكون مثل هؤلاء، والحاصل أن الله سبحانه وتعالى جعل الناس إلى قسمين لحِكم عظيمة.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الذين لم يؤمنوا به أعرضوا عنه وصدوا الناس عنه أيضًا؛ لقوله: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ﴾ وقد ذكرنا أنها تستعمل لازمة ومتعدية، وأنها في هذه الآية صالحة على الوجهين.

* ومن فوائد الآية الكريمة: تعظيم إحراق النار؛ لقوله: ﴿وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا﴾.

* ومن فوائدها: أن من صد عن ما آتاه الله من الكتاب والحكمة فإنه يكون من حطب جهنم والعياذ بالله.

56

إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِـَٔايَٰتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًۭا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُم بَدَّلْنَٰهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا۟ ٱلْعَذَابَ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًۭا

Indeed, those who disbelieve in Our verses - We will drive them into a Fire. Every time their skins are roasted through We will replace them with other skins so they may taste the punishment. Indeed, Allah is ever Exalted in Might and Wise.

ثم قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا﴾ وقال بعدها: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ وهكذا طريقة القرآن مثاني؛ يعني إذا جاء ذكر أهل النار جاء ذكر أهل الجنة، إذا جاء ذكر المتقين جاء ذكر المجرمين وهكذا حتى يكون الإنسان سائرًا إلى الله بين الخوف والرجاء، وحتى لا يمل لو كان الكلام على نسق واحد.

قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ﴾ كفروا بها أي: جحدوها وأنكروها، وأصل المادة (كفر) من الستر والتغطية، ومنه سمي (الكُفُرَّى) الذي هو غلاف طلع النخل.

وقوله: ﴿بِآيَاتِنَا﴾ يشمل الآيات الكونية والآيات الشرعية، فمن الكفر بالآيات الشرعية تكذيب الرسل وعدم الالتزام بما جاءت به الرسل من الشرائع، ومن الكفر بالآيات الكونية أن ينسب هذا الكون إلى غير الله أو يقول: إن أحدًا أعان الله فيه، أو يقول: إن أحدًا له فيه شرك، كل هذا من التكذيب بالآيات، ومن ذلك إنكار الكسوف أن يكون وقع إنذارًا من الله عز وجل وتخويفًا؛ لأن بعض الناس يقولون: إن الكسوف سببه أمر عادي، وليس من أجل أن يخوّف الله به العباد، وهذا يعتبر نوعًا من الكفر، وليس كفرًا مخرجًا عن الملة، لكنه نوع من الكفر.

﴿سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا﴾ سوف يقول المعربون: إنها حرف أيش؟

* طالب: تسويف.

* الشيخ: تسويف؛ يعني تدل على تحقّق وقوع الشيء، لكن بعد زمن؛ لأن التسويف بمعنى التأخير، ومنه قولهم: سوّف في التوبة، سوف بالتوبة؛ يعني أخّرها؛ فمعنى (سوف) يعني أنهم سوف يصلون، لكن بعد زمن.

وقوله: ﴿نُصْلِيهِمْ نَارًا﴾ أي: نجعلهم يصلونها حتى تحرقهم ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ﴾ النّضج معناه بلوغ الغاية في الكمال؛ يعني أنها إذا نضجت من الاحتراق واحترقت فإنها تبدّل جلودًا غيرها غير الأولى؛ لأن الأولى احترقت وزالت، لماذا؟ ﴿لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ أي: الألم؛ لأن الجلد إذا احترق صار حائلًا دون بقية الجسم فلا يحسون بالنار، لكن إذا بُدّل بجلد آخر جديد حينئذٍ أحسّوا بحرّ النار أعاذنا الله وإياكم منها، فهم كلما نضجت بدلناهم.

و﴿كُلَّمَا﴾ حرف شرط يدل على التكرار؛ يعني أنهم دائمًا وأبدًا كلما نضجت الجلود بُدِّلوا جلودًا غيرها لهذه الحكمة ﴿لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ العذاب يعني الألم الذي يعذبون به.

﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ ﴿كَانَ﴾ فعل ماضٍ، لكنه لا يراد بها الزمن، فهي تدل على تحقق الاتصاف بما دل عليه خبرها بدون التقيد بزمن، ولهذا يقولون: إنها مسلوبة الزمان في هذا، لماذا؟ لأننا لو قلنا: إنها دالة على الزمان لكانت العزة والحكمة قد انتهت وذهبتا.

وقوله: ﴿عَزِيزًا﴾ العزيز قال العلماء: إنه له ثلاثة معانٍ: الأول: عزة القدر، والثاني: عزة القهر، والثالث: عزة الامتناع، أما عزة القدر؛ فمعناه أنه ذو قدر عظيم، لا يماثله شيء، وأما عزة القهر فمعناه أنه الغالب القاهر لكل ذي جبروت، وأما عزة الامتناع فمعناه الممتنع عن كل عيب ونقص وسوء، ومنه قولهم: أرض عزاز؛ يعني صلبة، صلبة ممتنعة عن الرخاوة، وكل هذه المعاني، وربما يحتمل معاني أخرى أيضًا كلها ثابتة لله ﴿فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾ [فاطر ١٠]، وأما الحكيم فإنه مشتق من الحكمة وهي الإحكام والإتقان، ومن الحُكم وهو القضاء والفصل، والله سبحانه وتعالى حكيم ذو حكمة بالغة، وحكيم بمعنى حاكم فاصل بين عباده، ترجع الأمور كلها إليه كما قال الله تعالى: ﴿أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾ [الأنعام ٦٢].

وليعلم أن حكم الله سبحانه وتعالى ينقسم: إلى حكم كوني قدري، وحكم شرعي ديني، أما الحكم الكوني القدري: فمثّلوا له بقوله تعالى عن أحد إخوة يوسف: ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ …

57

وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّٰتٍۢ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدًۭا ۖ لَّهُمْ فِيهَآ أَزْوَٰجٌۭ مُّطَهَّرَةٌۭ ۖ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّۭا ظَلِيلًا

But those who believe and do righteous deeds - We will admit them to gardens beneath which rivers flow, wherein they abide forever. For them therein are purified spouses, and We will admit them to deepening shade.

ولما ذكر الله سبحانه وتعالى حال أهل النار -أعاذني الله وإياكم منهم- قال: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ والقرآن مثاني تثنّى فيه المعاني، إذا ذكر فيه أهل النار ذكر فيه أهل الجنة، وإذا ذكرت النار ذكرت الجنة، وإذا ذكر الحق ذكر الباطل، وهكذا، وهذا هو أحد المعاني في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ﴾ [الزمر ٢٣].

يقول عز وجل: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ ومثل هذا التركيب موجود في القرآن بكثرة، يقدّم الله الإيمان على العمل الصالح؛ لأن العمل الصالح مبنيّ على الإيمان، فعمل بلا إيمان لا فائدة منه، فالمنافقون يعملون، يذكرون الله، ويصلون، ويتصدقون، لكن ليس عندهم إيمان فلا ينفعهم، ولهذا يقدم الله عز وجل الإيمان على العمل الصالح؛ لأن العمل الصالح أيش؟ مبنيّ عليه.

فما هو الإيمان الذي يكثر ذكره في القرآن؟ الإيمان فسره النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بقوله: «أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ، وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ»أخرجه مسلم (٨ / ١) بهذا اللفظ من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه. . فالذين آمنوا بهذه الأصول ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ عملوا الصالحات، قال بعض المعربين، بل بعض النحويين أيضًا: إن ﴿الصَّالِحَاتِ﴾ صفة لموصوف، والتقدير: الأعمال الصالحات، لماذا؟

قال: لأن الصالح وصف، والوصف لا يُفعل، وإنما الذي يُفعل هو الموصوف، هكذا قالوا، وعندي أنه لا حاجة لذلك ﴿عَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ ما دام الأمر معلومًا فلا حاجة أن نُقدّر ونقول: إن ﴿عَمِلُوا﴾ مُسلّط على ﴿الصَّالِحَاتِ﴾.

فما هي الأعمال الصالحة؟ الأعمال الصالحة ما كانت خالصة لله صوابًا في شريعة الله؛ يعني ما كان خالصًا صوابًا كما قاله الفضيل بن عياضانظر جامع المسائل لابن تيمية (٤ / ٢٢٩). ما كان خالصًا صوابًا؛ يعني ما جمع بين الإخلاص لله والمتابعة لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فمن عمل عملًا أشرك به مع الله غيره ولو يسير رياء كان عمله غير صالح، ومن أخلص لله، لكن على غير شريعة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان عمله غير صالح.

يقول: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ السين هنا للتنفيس، وأنتم ترون الآن أن أصحاب النار قيل فيهم: ﴿سَوْفَ نُصْلِيهِمْ﴾، وأن أصحاب الجنة قيل فيهم: ﴿سَنُدْخِلُهُمْ﴾، فهل هذا من باب اختلاف التعبير وأن معنى الحرفين واحد؟ قال ابن هشام: كذلك معنى الحرفين واحد.

وقيل: بل معناهما مختلف، وأن السين تدل على القرب، وسوف تدل على المهلة، وهذا هو المعروف وهو الأصح، فإذا قيل: كذلك، فلماذا جاء الوعيد بالنسبة لأهل النار بـ(سوف)، ولأهل الجنة بالسين؟

الجواب على ذلك: أن أهل النار يفسح لهم لعلهم يتوبون، يتوبون إلى الله فيرجعون وحينئذٍ لا يكونون من أهل النار، أما أهل الجنة فإنهم يدخلون الجنة، ولكن ما هي جنة الآخرة؛ جنة الدنيا قبل جنة الآخرة ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ [الزمر ٢٢].

﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [النحل ٩٧] ولا أحد أطيب حياة من حياة المؤمنين أبدًا؛ قال بعض السلف: لو يعلم الملوك وأبناء الملوك الذين تمت لهم الدنيا على ما يريدون، لو يعلم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه لجالدونا عليه بالسيوف. قاتلونا مقاتلة، يريدون أن ينالوه ولكن لا يحصل لهم.

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: ما يصنع أعدائي بي -لما حُبس- إن جنتي في صدري، إن جنتي في صدري؟

وربما يدل على أن أهل الجنة منعّمون أتم نعيم، قوله تعالى: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ …

58

۞ إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا۟ ٱلْأَمَٰنَٰتِ إِلَىٰٓ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ ٱلنَّاسِ أَن تَحْكُمُوا۟ بِٱلْعَدْلِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِۦٓ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ سَمِيعًۢا بَصِيرًۭا

Indeed, Allah commands you to render trusts to whom they are due and when you judge between people to judge with justice. Excellent is that which Allah instructs you. Indeed, Allah is ever Hearing and Seeing.

ثم قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ﴾ أبلغ في التعظيم من قول: إني آمركم؛ لأنها تدل على العظمة يعني كأنه قال: إن الله الذي له الألوهية عليكم وله الحكم عليكم يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها.

والأمر: طلب الكفّ على وجه الاستعلاء بصيغة (افعل)، أو ما ينوب منابه، هذا هو الأمر.

فقولنا: طلب الكفّ، كلمة طلب خرج به الخبر، وكلمة كفّ خرج به النهي، طلب الفعل، الفعل خرج به النهي؛ لأن النهي طلب الكف، وعلى وجه الاستعلاء خرج به الالتماس والدعاء.

وقولنا: على وجه الاستعلاء يشمل ما إذا كان الآمر عاليًا حقيقة أو مستعلٍ ادعاءً، انتبهوا!

فالآن عندنا قيود: طلب خرج به أيش؟ الخبر؛ لأنه ليس بطلب، الفعل خرج به النهي؛ لأنه طلب الترك، على وجه الاستعلاء خرج به الالتماس والدعاء.

رابعًا: كلمة الاستعلاء، ولم نقل: على وجه العلوّ ليشمل من ادعى العلو، وإن لم يكن عاليًا في الواقع، مثال ذلك: عبد مملوك أسر حُرًّا كريمًا فجعل يأمره: افعل كذا، افعل كذا، قرّب لي كذا، ابعد عني كذا، أيهما أعلى؟ الحُرّ لا شك، لكن هذا ادعى العلو لنفسه فاستعلى عليه واضح؟

هذا هو الأمر، وكل أمر موجّه من الله للعباد فالأصل فيه أنه لطلب الفعل، وأنه للوجوب، لكن قد تخرج الأوامر عن غير ذلك للقرائن.

﴿أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ ﴿الْأَمَانَاتِ﴾ جمع (أمانة)، وهي كل ما ائتمن الإنسان عليه من أمتعة ونقود وأقوال وأفعال وغير ذلك، تؤدّيها إلى أهلها، ومَنْ أهلها؟

أهلها الضابط في ذلك هم الذين أُمرت بأدائها إليهم، فمثلًا: إذا قال لك شخص: خذ هذه الدراهم أدّها إلى فلان، من المؤتمِن؟ صاحب الدراهم، وأهلها الذي أمرت أن أؤدها إليه؛ يعني فلا أؤدها إلى أحد غيره، تكون الأمانة بالقول فأقول لك مثلًا: بلِّغ سلامي فلانًا، فإذا قلت: نعم، فقد تحمّلت فلا بد أن تؤديه، تؤدي إليه السلام، أما إن قلت: إن ذكرت، أو لا أتحمل، فأنت بالخيار، لكن إذا قال: بلّغ سلامي فلانًا، فقلت: نعم، أبلّغه، فلا بد أن تبلغه؛ لأن هذه أمانة، وقد أمرك الله أن تؤديها إلى أهلها.

﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ ﴿إِذَا حَكَمْتُمْ﴾ والحكم هنا الفصل؛ يعني إذا أردتم أن تفصلوا بين الناس في مشاجراتهم فاحكموا بالعدل.

و﴿بَيْنَ النَّاسِ﴾ لم يقيد أناسًا دون أناس فيكون عامًّا حتى لو أراد الإنسان أن يحكم بين أبيه وبين رجل أجنبي فهو داخل في الآية، بين مسلم وكافر هو داخل في الآية؛ لأن الآية عامة ﴿بَيْنَ النَّاسِ﴾.

﴿أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ فما هو العدل؟ العدل في الأصل الاستقامة، ومنه العصا المستقيمة التي ليس فيها ميل، ولا حكم أعدل من حكم الله، وعلى هذا فالحكم بالعدل أن تحكم بينهم بشريعة الله، هذا هو الحكم العدل؛ لأننا نعلم أنه لا أحد أحسن من الله حكمًا، ولا أحد أعدل من الله فصلًا، فإذن ﴿أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ أي: في أيش؟ أي: بشريعة الله.

فإن قال قائل: ما وجه الارتباط بين قوله: ﴿أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ وقوله: ﴿إِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ﴾؟

نقول: لأن الأمانات كالمقدمة بين يدي الأحكام، فمنها مثلًا الشهادة، الشهادة وهي تحمّل الإنسان أن يخبِر بحق غيره على غيره، هذه تكون مؤدّاة عند من؟

عند الحكام، فكان تأدية الأمانات كالمقدّمة بين يدي الحكم بين الناس، ثم أثنى الله على هذا الأمر فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ﴾. وفي ﴿نِعِمَّا﴾ قراءتان: ﴿نَعِمَّا﴾ و﴿نِعِمَّا﴾ وأصلها: (نِعْمَ ما)، لكن حصل فيها إدغام: إن الله نعم مَا يعظكم به.

والموعظة قال العلماء: هي ذكر الأحكام مقرونة بترغيب أو ترهيب، ذكر الأحكام؛ يعني تذكر حكم الله عز وجل مقرونًا بترغيب أو ترهيب، إن كان طلبًا فهو مقرون بالترغيب، وإن كان نهيًا …

59

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَأَطِيعُوا۟ ٱلرَّسُولَ وَأُو۟لِى ٱلْأَمْرِ مِنكُمْ ۖ فَإِن تَنَٰزَعْتُمْ فِى شَىْءٍۢ فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ ۚ ذَٰلِكَ خَيْرٌۭ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا

O you who have believed, obey Allah and obey the Messenger and those in authority among you. And if you disagree over anything, refer it to Allah and the Messenger, if you should believe in Allah and the Last Day. That is the best [way] and best in result.

ثم قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ إلى آخره، صدّر الله هذه الآية بالنداء، وقد سبق أن تصدير الحكم بالنداء يدل على العناية به؛ لأن النداء يُطلب منه انتباه المنادى لما يلقَى إليه، أعرفتم ذلك؟

وفي النداء بوصف الإيمان إشارة إلى أن ما يذكَر من مقتضيات الإيمان، يعني أن ما يذكر وامتثاله من مقتضيات الإيمان.

وفيه أيضًا أن عدم القيام به نقص في الإيمان؛ لأنك إذا قلت للمؤمن: يا مؤمن افعل كذا، ولم يفعل؛ فإنه لا بد أن ينقص إيمانه؛ لأنه وجه إليه الخطاب باسم الإيمان أو بوصف الإيمان، فإذا لم يمتثل هذا الخطاب نقص إيمانه.

وقد روي عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال: «إِذَا سَمِعْتَ اللهَ يَقُولُ: » ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ «، فَأَرْعِهَا سَمْعَكَ؛ فَإِمَّا خَيْرٌ تُؤْمَرُ بِهِ، وَإِمَّا شَرٌّ تُنْهَى عَنْهُ»أخرجه ابن المبارك في الزهد (٣٦)، وأبو نعيم في الحلية (١ / ١٣٠) من حديث مسعر، عن معن بن عبد الرحمن، وسعيد بن منصور في التفسير (٨٤٨) من حديث سفيان، عن مسعر بن كدام.. والذي في هذه الآية خير نؤمر به.

قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ آمنوا بمن؟ آمنوا بالله وبما يجب الإيمان به. وأركان الإيمان كما عرفتم سابقًا كما هو معروف، أركان الإيمان ستة، يعني آمنوا بما يجب الإيمان به وهي ستة أشياء: الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره.

﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ الطاعة موافقة الأمر، وذلك بفعل المأمور وترك المحظور. ولهذا أُخذت من المطاوعة، وهي الانقياد، فالطاعة هي الانقياد وموافقة الأمر بفعل المأمور وترك المحظور.

﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ الرسول هو محمد عليه الصلاة والسلام، و(أل) فيه للعهد الذهني.

﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ الواو حرف عطف. ﴿أُولِي﴾ معطوفة على ﴿الرَّسُولَ﴾، وهي بمعنى: أصحاب، والأمر بمعنى: الشأن، يعني: أصحاب الشأن فيكم. فمن هم أصحاب الشأن؟

قيل: هم العلماء، وقيل: هم الأمراء، والآية صالحة للمعنيين جميعًا. وعلى هذا فتكون شاملة للأمراء والعلماء؛ أما كون العلماء أولي أمر فلأنهم يوكل إليهم الكلام في شرع الله، وهم الذين يوجهون الناس ويبينون لهم أحكام الله الشرعية، وأما كون الأمراء أولي أمر فلأنهم هم الذين يحملون الناس على شريعة الله. والشريعة تحتاج إلى أمرين: أمر سابق، وأمر لاحق، فالأمر السابق من شأن من؟ من شأن العلماء يبينونه ويوضحونه، كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران ١٨٧]. وأمر اللاحق وهو من شأن الأمراء، يلزمون الناس بشريعة الله ويقيمون حدود الله على من خالف، فالكل عليه مسؤولية.

وبهذا التقسيم نعرف أن مسؤولية العلماء أشد من مسؤولية الأمراء؛ لأن العلماء لا يمكن أن يمشوا على شيء حتى يبينه مَن؟ العلماء، الأمراء لا يمكن أن يمشوا على شيء إلا بعد بيان العلماء؛ وعلى هذا فشأن العلماء في الأمة الإسلامية أعظم من شأن الأمراء، ويجب على الأمراء اتباع العلماء فيما يبينونه من شريعة الله.

وقوله: ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ قلنا: (الأمر) بمعنى أيش؟ بمعنى الشأن، يعني أصحاب الشأن، وهم العلماء والأمراء. ويَحتمل أن يكون المراد بالأمر طلب الفعل ممن هو دون الآمر، أو على وجه الاستعلاء، ويكون معنى أولي الأمر أي الذين لهم أن يأمروا الناس، والعلماء يأمرون الناس كما قال الله تعالى: ﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران ٢١] وهم العلماء، والأمراء كذلك يأمرون، فالأمر هنا صالح لمعنيين أيضًا: الشأن، والأمر الذي هو طلب الفعل على وجه الاستعلاء.

وهنا يقول: ﴿وَأُولِي …

60

أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ ءَامَنُوا۟ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوٓا۟ إِلَى ٱلطَّٰغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوٓا۟ أَن يَكْفُرُوا۟ بِهِۦ وَيُرِيدُ ٱلشَّيْطَٰنُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلَٰلًۢا بَعِيدًۭا

Have you not seen those who claim to have believed in what was revealed to you, [O Muhammad], and what was revealed before you? They wish to refer legislation to Taghut, while they were commanded to reject it; and Satan wishes to lead them far astray.

ثم قال الله تبارك وتعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [النساء ٦٠] الاستفهام هنا للتعجيب، يعني ألا تتعجب إلى هؤلاء؟ والخطاب في قوله: ﴿تَرَ﴾ يجوز أن يكون موجهًا إلى الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ويجوز أن يكون موجهًا لكل مخاطب بهذا الكتاب العزيز، وإذا دار الأمر بين هذا وهذا فالأولى الثاني أو الأول؟ الأولى الثاني؛ أن يكون محمولًا على العموم. وعلى الأول، وهو أن المخاطب بها الرسول ﷺ لا يعني أن الأمة لا تخاطب به؛ لأن ما خوطب به الرسول، فهو خطاب للأمة؛ إما عن طريق الأُسوة وإما لأنه القائد، والخطاب للقائد خطاب له ولمن يتّبعه في قيادته.

فهاهنا أمور ثلاثة:

أولًا: هل الخطاب عام للرسول وللأمة؟ قلنا: إذا لم يكن مانع فهذا هو الأصل، وهو الأصح.

ثانيًا: إذا قلنا: خاص بالرسول هل هو خاص به وغيره من الأمة يكون تبعًا له عن طريق الأسوة، أو أنه وجّه للرسول خطابًا لا حكمًا بمعنى أنه لما كان هو القائد الإمام لهذه الأمة وجّه إليها الخطاب والخطاب الموجه للقائد يكون خطابًا له ولمن وراءه؟

فيه احتمالان، وأيًّا كان فإن الخطاب واضح، نقول: للعموم، يعني: ألم تر أيها المخاطب إلى الذين يزعمون. الآن هذا التقدير كله سوف يهدمه قوله: ﴿يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ مما يجعلنا نقول: إن الصحيح أنه خطاب للرسول ﷺ، لكن كلامنا الأول باق على القاعدة أنه إذا لم يوجد مانع فالأصل حمله على العموم، هنا وجد مانع وهو قوله: ﴿إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ ومعلوم أنه لم يُنزل إلى كل واحد منا وحي، فيكون هذا خطاب للرسول عليه الصلاة والسلام، والأمة تبع له، إما عن طريق التأسي، أو لأنه القائد، والخطاب للقائد خطاب لمن تبعه ﴿إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا﴾، ﴿يَزْعُمُونَ﴾ أي يقولون، وهذه المقولة يُنظر هل تكون صحيحة أو لا، ﴿يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ كاليهود مثلًا يقولون: نحن نؤمن بما أنزل إليك يا محمد، ونؤمن بالتوراة، والنصارى يقولون: نؤمن بما أنزل إليك ونؤمن بالإنجيل والتوراة، ولكنهم ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ﴾ هذا محل التعجب، يزعمون وهم يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت، والطاغوت كل ما خالف الشرع، في هذه الآية كل ما خالف الشرع؛ لأن ما خالف الشرع فهو طغيان، فيريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت، ﴿وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾ أي يكفروا بالطاغوت، ومن الآمر لهم؟ الآمر هو الله عز وجل، لكنه أتى بصيغة الاسم المفعول ليكون هذا الأمر وإن كان أصله من الله فهو أيضًا صادر من الرسول ومن كل مؤمن، كلُّ مؤمن يأمر أن يكون التحاكم إلى الله ورسوله وأن يكفر الإنسان بالطاغوت، ﴿وَقَدْ أُمِرُوا﴾ أي من قبل الله ومن قبل أولياء الله ﴿أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾ أي بالطاغوت.

وإنما قلنا: إنه من قبل الله ومن قبل أوليائه؛ لأنه نظير قوله: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة ٧] يعني: ولم يقل: غير الذين غضبت عليهم؛ لأن طريقة هؤلاء تغضب الله وتغضب أولياء الله، ﴿وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾، إذن فهم تابعون للشيطان الذي يملي عليهم التحاكم إلى الطاغوت، فالشيطان يريد أن يضلهم ضلالًا بعيدًا، أي بعيدًا عن الحق؛ لأن التحاكم إلى الطاغوت يوجب للإنسان أن يبتعد عن الحق، وأن يعلق قلبه بهذا الطاغوت.

فإذا قال قائل: مثاله؟

نقول: المثال: دعي أحد من الناس إلى القرآن الكريم، ولكن قال: لا، نتحاكم إلى التوراة، نتحاكم إلى الإنجيل، نتحاكم إلى القانون الفلاني، نقول: كيف …

Commentary: Tafsir Ibn 'Uthaymin by Muhammad ibn Salih al-'Uthaymin. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.