Muslim99Muslim99
← Tafsir library

4. An-Nisaa

The Women · Medinan · 176 ayahs

سُورَةُ النِّسَاءِ

Reading Nazm al-Durar by Burhan al-Din al-Biqa'i

Ayahs 51–60 of 176

51

أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ نَصِيبًۭا مِّنَ ٱلْكِتَٰبِ يُؤْمِنُونَ بِٱلْجِبْتِ وَٱلطَّٰغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا۟ هَٰٓؤُلَآءِ أَهْدَىٰ مِنَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ سَبِيلًا

Have you not seen those who were given a portion of the Scripture, who believe in superstition and false objects of worship and say about the disbelievers, "These are better guided than the believers as to the way"?

ولَمّا عَجِبَ مِن كَذِبِهِمْ دَلَّ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ألَمْ تَرَ﴾ وكانَ الأصْلُ: إلَيْهِمْ؛ ولَكِنَّهُ قالَ - لِزِيادَةِ التَّقْرِيعِ؛ والتَّوْبِيخِ؛ والإعْلامِ بِأنَّ كُفْرَهم عِنادٌ؛ لِكَوْنِهِ عَنْ عِلْمٍ -: ﴿إلى الَّذِينَ﴾؛ وعَبَّرَ بِـ ”إلى“؛ دَلالَةً عَلى بُعْدِهِمْ عَنِ الحَضْراتِ الشَّرِيفَةِ؛ ﴿أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ﴾؛ أيْ: الَّذِي هو الكِتابُ في الحَقِيقَةِ؛ لِكَوْنِهِ مِنَ اللَّهِ؛ ﴿يُؤْمِنُونَ بِالجِبْتِ﴾؛ وهو الصَّنَمُ؛ والكاهِنُ؛ والسّاحِرُ؛ والَّذِي لا خَيْرَ فِيهِ؛ وكُلِّ ما عُبِدَ مِن دُونِ اللَّهِ؛ ﴿والطّاغُوتِ﴾؛ وهو اللّاتُ؛ والعُزّى؛ والكاهِنُ؛ والشَّيْطانُ؛ وكُلُّ رَأْسِ ضَلالٍ؛ والأصْنامُ؛ وكُلُّ ما عُبِدَ مِن دُونِ اللَّهِ؛ وكُلُّ هَذِهِ المَعانِي تَصِحُّ إرادَتُها هُنا؛ وهي مِمّا نُهِيَ عَنْهُ في كِتابِهِمْ - وأصْلُهُ ومَدارُهُ مُجاوَزَةُ الحَدِّ عُدْوانًا؛ وهو واحِدٌ؛ وقَدْ يَكُونُ جَمْعًا؛ قالَ - سُبْحانَهُ وتَعالى -: ﴿أوْلِياؤُهُمُ الطّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ﴾ [البقرة: ٢٥٧] -؛ والحالُ أنَّ أقَلَّ نَصِيبٍ مِنَ الكِتابِ كافٍ في النَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ؛ وتَكْفِيرِ فاعِلِهِ. ولَمّا دَلَّ عَلى ضَلالِهِمْ؛ دَلَّ عَلى إضْلالِهِمْ؛ بِقَوْلِهِ - مُعَبِّرًا بِصِيغَةِ المُضارِعِ؛ دَلالَةً عَلى عَدَمِ تَوْبَتِهِمْ -: ﴿ويَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾؛ ودَلَّ بِالتَّعْبِيرِ بِالإشارَةِ؛ دُونَ الخِطابِ؛ عَلى أنَّهم يَقُولُونَ ذَلِكَ فِيهِمْ؛ حَتّى في غَيْبَتِهِمْ؛ حَيْثُ لا حامِلَ لَهم عَلى القَوْلِ إلّا مَحْضُ الكُفْرِ؛ فَقالَ: ﴿هَؤُلاءِ﴾؛ أيْ: الكَفَرَةُ العابِدُونَ لِلْأصْنامِ؛ ﴿أهْدى﴾؛ أيْ: أقْوَمُ في الهِدايَةِ؛ ﴿مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾؛ أيْ: أوْقَعُوا هَذِهِ الحَقِيقَةِ؛ فَيُفْهَمُ ذَمُّهم بِالتَّفْضِيلِ عَلى الَّذِينَ يُؤَمِّنُونَ؛ ومَن فَوْقَهم مِن بابِ الأوْلى؛ ﴿سَبِيلا﴾؛ مَعَ أنَّ في كِتابِهِمْ - مِن إبْطالِ الشِّرْكِ؛ وهَدْمِهِ؛ وعَيْبِ مُدانِيهِ؛ وذَمِّهِ؛ في غَيْرِ مَوْضِعٍ - تَأْكِيدًا أكِيدًا؛ وأمْرًا عَظِيمًا شَدِيدًا.

52

أُو۟لَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ لَعَنَهُمُ ٱللَّهُ ۖ وَمَن يَلْعَنِ ٱللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُۥ نَصِيرًا

Those are the ones whom Allah has cursed; and he whom Allah curses - never will you find for him a helper.

ولَمّا أنْتَجَ ذَلِكَ خِزْيَهُمْ؛ قالَ: ﴿أُولَئِكَ﴾؛ أيْ: البُعَداءُ عَنِ الحَضْراتِ الرَّبّانِيَّةِ؛ ﴿الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾؛ أيْ: طَرَدَهم بِجَمِيعِ ما لَهُ مِن صِفاتِ الكَمالِ؛ طَرْدًا هم جَدِيرُونَ بِأنْ يُخْتَصُّوا بِهِ؛ ولَمّا كانَ قَصْدُهم بِهَذا القَوْلِ مُناصَرَةَ المُشْرِكِينَ لَهُمْ؛ وكانَ التَّقْدِيرُ: ”فَنالُوا بِذَلِكَ اللَّعْنِ الذُّلَّ والصَّغارَ“؛ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿ومَن يَلْعَنِ اللَّهُ﴾؛ أيْ: المَلِكُ الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ؛ مِنهم ومِن غَيْرِهِمْ؛ ﴿فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا﴾؛ أيْ: في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ أصْلًا؛ وكَرَّرَ التَّعْبِيرَ بِالِاسْمِ الأعْظَمِ؛ لِأنَّ المَقامَ يَقْتَضِيهِ؛ إشْعارًا لِتَناهِي الكُفْرِ؛ الَّذِي هو أعْظَمُ المَعاصِي؛ بِتَناهِي الغَضَبِ.

53

أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌۭ مِّنَ ٱلْمُلْكِ فَإِذًۭا لَّا يُؤْتُونَ ٱلنَّاسَ نَقِيرًا

Or have they a share of dominion? Then [if that were so], they would not give the people [even as much as] the speck on a date seed.

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: ”كَذَلِكَ كانَ مِن إلْزامِهِمُ الذُّلَّ؛ والصَّغارَ“؛ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿أمْ﴾؛ أيْ: لَيْسَ؛ ﴿لَهم نَصِيبٌ﴾؛ أيْ: واحِدٌ مِنَ الأنْصِباءِ؛ ﴿مِنَ المُلْكِ فَإذًا﴾؛ أيْ: فَيَتَسَبَّبُ عَنْ ذَلِكَ أنَّهم إذا كانَ لَهم أدْنى نَصِيبٍ مِنهُ؛ ﴿لا يُؤْتُونَ النّاسَ﴾؛ أيْ: الَّذِينَ آمَنُوا؛ ﴿نَقِيرًا﴾؛ أيْ: شَيْئًا مِنَ الدُّنْيا؛ ولا الآخِرَةِ؛ مِن هُدًى ولا مِن غَيْرِهِ؛ و”النَّقِيرُ“: النَّقْرَةُ في ظَهْرِ النَّواةِ؛ قِيلَ: غايَةٌ في القِلَّةِ؛ فَهو كِنايَةٌ عَنِ العَدَمِ؛ فَهو بَيانٌ لِأنَّهم لِإفْراطِ بُخْلِهِمْ لا يَصْلُحُونَ إلّا لِما هم فِيهِ مِنَ الذُّلِّ؛ فَكَيْفَ بِدَرَجَةِ المُلْكِ؟ لِأنَّ المُلْكَ والبُخْلَ لا يَجْتَمِعانِ؛

54

أَمْ يَحْسُدُونَ ٱلنَّاسَ عَلَىٰ مَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِۦ ۖ فَقَدْ ءَاتَيْنَآ ءَالَ إِبْرَٰهِيمَ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ وَءَاتَيْنَٰهُم مُّلْكًا عَظِيمًۭا

Or do they envy people for what Allah has given them of His bounty? But we had already given the family of Abraham the Scripture and wisdom and conferred upon them a great kingdom.

﴿أمْ﴾؛ أيْ: لَيْسَ لَهم نَصِيبٌ ما مِنَ المُلْكِ؛ بَلْ ذُلُّهم لازِمٌ؛ وصَغارُهم أبَدًا كائِنٌ؛ دائِمٌ؛ فَهم ﴿يَحْسُدُونَ النّاسَ﴾؛ أيْ: مُحَمَّدًا ﷺ الَّذِي جَمَعَ فَضائِلَ النّاسِ كُلِّهِمْ؛ مِنَ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ؛ وزادَ عَلَيْهِمْ ما شاءَ اللَّهُ؛ أوِ العَرَبَ الَّذِينَ لا ناسَ الآنَ غَيْرُهُمْ؛ لِأنّا فَضَّلْناهم عَلى العالَمِينَ - بِأنْ يَتَمَنَّوْا دَوامَ ذُلِّهِمْ؛ كَما دامَ لَهم هُمْ؛ ودَلَّ عَلى نِهايَةِ حَسَدِهِمْ بِأداةِ الِاسْتِعْلاءِ؛ في قَوْلِهِ: ﴿عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ﴾؛ أيْ: بِما لَهُ مِن صِفاتِ الكَمالِ؛ ﴿مِن فَضْلِهِ﴾؛ حَسَدُوهم لِما رَأوْا مِن إقْبالِ جَدِّهِمْ؛ وظُهُورِ سَعْدِهِمْ؛ وأنَّهم سادَةُ النّاسِ؛ وقادَةُ أهْلِ النَّدى والبَأْسِ:

؎إنَّ العَرانِينَ تَلْقاها مُحَسَّدَةً ∗∗∗ ولَنْ تَرى لِلِئامِ النّاسِ حُسّادا

وقَدْ آتاهُمُ اللَّهُ - سُبْحانَهُ وتَعالى - جَمِيعَ أنْواعِ المُلْكِ؛ فَإنَّهُ عَلى ثَلاثَةِ أقْسامٍ: مُلْكٌ عَلى الظَّواهِرِ والبَواطِنِ مَعًا؛ وهو لِلْأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بِما لَهم مِن غايَةِ الجُودِ؛ والكَرَمِ؛ والرَّحْمَةِ؛ والشَّفَقَةِ؛ والشَّفاعَةِ؛ والبِرِّ؛ واللُّطْفِ؛ الَّتِي كُلٌّ مِنها سَبَبٌ لِلِانْقِيادِ؛ وذَلِكَ مَعَ ما لَهم بِاللَّهِ - سُبْحانَهُ وتَعالى - مِن تَمامِ الوَصْلَةِ؛ ومُلْكٌ عَلى الظَّواهِرِ فَقَطْ؛ وهو مُلْكُ المُلُوكِ؛ ومُلْكٌ عَلى البَواطِنِ فَقَطْ؛ وهو مُلْكُ العُلَماءِ.

ولَمّا ذَمَّهم - سُبْحانَهُ وتَعالى - أوَّلًا بِالجَهْلِ؛ ومَدْحِ النَّفْسِ؛ تَشَبُّعًا بِما لَمْ يُعْطُوا؛ وذَلِكَ سَبَبٌ لِجَمِيعِ النَّقائِصِ؛ وثانِيًا بِأعْظَمَ مِنهُ: مَنعِ الحَقِّ مِن أهْلِهِ بُخْلًا؛ وثالِثًا بِأعْظَمَ مِنهُما: تَمَنِّي ألّا يَصِلَ إلى أحَدٍ نِعْمَةٌ؛ وإنْ كانَتْ لا تَنْقُصُهُمْ؛ فَحازُوا بِذَلِكَ أعْلى خِلالِ الذَّمِّ؛ وكانَتِ المَساوِي تَضَعُ؛ والمَحاسِنُ تَرْفَعُ؛ تَسَبَّبَ عَنْ هَذا تَوَقُّعُ السّامِعِ لِإعْلاءِ العَرَبِ؛ وإدامَةِ ذُلِّ اليَهُودِ؛ ومَوْتِهِمْ بِحَسَدِهِمْ؛ فَقالَ: ﴿فَقَدْ﴾؛ أيْ: فَتَسَبَّبَ عَنْ هَذا؛ وتَعَقَّبَهُ أنّا آتَيْناهم - هَكَذا كانَ الأصْلُ -؛ ولَكِنَّهُ أظْهَرَ لِلتَّنْبِيهِ عَلى التَّوْصِيفِ الَّذِي شارَكُوهم بِهِ في اسْتِحْقاقِ الفَضائِلِ؛ فَقالَ: ﴿آتَيْنا﴾؛ أيْ: بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ؛ ﴿آلَ إبْراهِيمَ﴾؛ أيْ: الَّذِي أعْلَمْناكم في كِتابِكم أنّا أقْسَمْنا لَهُ أنّا نُعِزُّ ذُرِّيَّتَهُ؛ ونَهْدِيهِمْ؛ ونَجْعَلُ ابْنَهُ إسْماعِيلَ حالًّا عَلى جَمِيعِ حُدُودِ إخْوَتِهِ؛ ويَدَهُ في جَمِيعِ النّاسِ؛ ويَدَهُ عَلى كُلِّ أحَدٍ؛ ويَدَ كُلٍّ بِهِ؛ ﴿الكِتابَ﴾؛ أيْ: الَّذِي لا كِتابَ إلّا هُوَ؛ لِما لَهُ مِنَ الحِفْظِ والفَضْلِ؛ بِالإعْجازِ والفَصْلِ؛ ﴿والحِكْمَةَ﴾؛ أيْ: النُّبُوَّةَ الَّتِي ثَمَرَتُها العَمَلُ المُتْقَنُ بِالعِلْمِ المُحَرَّرِ المُحْكَمِ؛ ﴿وآتَيْناهُمْ﴾؛ مَعَ ذَلِكَ؛ ﴿مُلْكًا عَظِيمًا﴾؛ أيْ: ضَخْمًا؛ واسِعًا؛ باقِيًا إلى أنْ تَقُومَ السّاعَةُ؛

55

فَمِنْهُم مَّنْ ءَامَنَ بِهِۦ وَمِنْهُم مَّن صَدَّ عَنْهُ ۚ وَكَفَىٰ بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا

And some among them believed in it, and some among them were averse to it. And sufficient is Hell as a blaze.

﴿فَمِنهُمْ﴾؛ أيْ: مِنَ آلِ إبْراهِيمَ؛ ﴿مَن آمَنَ بِهِ﴾؛ وهم أغْلَبُ العَرَبِ؛ ﴿ومِنهم مَن صَدَّ عَنْهُ﴾؛ أيْ: أعْرَضَ بِنَفْسِهِ؛ وصَدَّ غَيْرَهُ؛ كَبَنِي إسْرائِيلَ؛ وبَعْضِ العَرَبِ.

ولَمّا كانَ قَدْ عُلِمَ مِنَ السِّياقِ أنَّ الطّاعِنَ فِيهِ مَيِّتٌ بِحَسَدِهِ؛ مِن غَيْرِ أنْ يَضُرَّهُ بِأمْرٍ دُنْيَوِيٍّ؛ وكانَ التَّقْدِيرُ لِبَيانِ أمْرِهِمْ في الآخِرَةِ: ”فَحَكَمْنا أنْ تُسَعَّرَ بِهِمُ النّارُ؛ بَعْدَ الذُّلِّ في هَذِهِ الدّارِ؛ والهَوانِ والصَّغارِ“؛ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وكَفى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا﴾؛ أيْ: تَوَقُّدًا؛ والتِهابًا في غايَةِ الإحْراقِ؛ والعُسْرِ؛ والإسْراعِ إلى الأذى؛ وفي آيَةِ الطّاغُوتِ أنَّهم سَمَحُوا بِبَدَلِ الدِّينِ - وهو لا أعَزَّ مِنهُ عِنْدَ الإنْسانِ - في شَهادَتِهِمْ لِلْكَفَرَةِ بِالهِدايَةِ؛ وفي آيَةِ المُلْكِ الإيماءُ إلى أنَّهم في الحَضِيضِ مِنَ الشُّحِّ بِالخَسِيسِ الفانِي؛ وفي آيَةِ الحَسَدِ أنَّهُ لَمْ يَكْفِهِمُ التَّوَطُّنُ في حَضِيضِ الشُّحِّ بِما أُوتُوا؛ مَعَ الغِنى؛ حَتّى سَفَلُوا عَنْهُ إلى أدْنى مِن ذَلِكَ بِالحَسَدِ لِمَن آتاهُ اللَّهُ ما لا يَنْقُصُهم.

56

إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِـَٔايَٰتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًۭا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُم بَدَّلْنَٰهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا۟ ٱلْعَذَابَ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًۭا

Indeed, those who disbelieve in Our verses - We will drive them into a Fire. Every time their skins are roasted through We will replace them with other skins so they may taste the punishment. Indeed, Allah is ever Exalted in Might and Wise.

ولَمّا أثْبَتَ لِمَن صَدَّ عَنْهُ النّارَ؛ عَلَّلَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا﴾؛ أيْ: سَتَرُوا ما أظْهَرَتْهُ عُقُولُهم بِسَبَبِها؛ ﴿سَوْفَ نُصْلِيهِمْ﴾؛ أيْ: بِوَعِيدٍ ثابِتٍ؛ وإنْ طالَ مَعَهُ الإمْهالُ؛ ﴿نارًا﴾؛ ولَمّا كانَتِ النّارُ - عَلى ما نَعْهَدُهُ - مُفْنِيَةً؛ ماحِقَةً؛ اسْتَأْنَفَ قَوْلَهُ - رَدًّا لِذَلِكَ -: ﴿كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ﴾؛ أيْ: صارَتْ بِحَرِّها إلى حالَةِ اللَّحْمِ النَّضِيجِ؛ الَّذِي أدْرَكَ أنْ يُؤْكَلَ؛ فَصارَتْ كاللَّحْمِ المَيِّتِ الَّذِي يَكُونُ في الجُرْحِ؛ فَلا يُحِسُّ بِالألَمِ؛ ﴿بَدَّلْناهُمْ﴾؛ أيْ: جَعَلْنا لَهُمْ؛ ﴿جُلُودًا غَيْرَها﴾؛ أيْ: غَيْرَ النَّضِيجَةِ؛ بَدَلًا مِنها؛ بِأنْ أعَدْناها إلى ما كانَتْ عَلَيْهِ قَبْلَ تَسْلِيطِ النّارِ عَلَيْها؛ كَما إذا صُغْتَ مِن خاتَمٍ خاتَمًا عَلى غَيْرِ هَيْئَتِهِ؛ فَإنَّهُ هو الأوَّلُ؛ لِأنَّ الفِضَّةَ واحِدَةٌ؛ وهو غَيْرُهُ لِأنَّ الهَيْئَةَ مُتَغايِرَةٌ؛ وهَكَذا الجِلْدُ الثّانِي؛ مُغايِرٌ لِلنَّضِيجِ في الهَيْئَةِ؛ ﴿لِيَذُوقُوا﴾؛ أيْ: أصْحابُ الجُلُودِ المَقْصُودُونَ بِالعَذابِ؛ ﴿العَذابَ﴾؛ أيْ: لِيَدُومَ لَهم تَجَدُّدُ ذَوْقِهِ؛ فَتُجَدَّدُ لَهم مَشاهَدَةُ الإعادَةِ بَعْدَ البِلى كُلَّ وقْتٍ؛ كَما كانُوا يُجَدِّدُونَ التَّكْذِيبَ بِذَلِكَ كُلَّ وقْتٍ؛ لِيَكُونَ الجَزاءُ مِن جِنْسِ العَمَلِ؛ فَإنَّهُ لَوْ لَمْ يُعِدْ مِنهم ما وهي لَأدّاهُ وهْيُهُ إلى البِلى؛ ولَوْ بَلِيَ مِنهم شَيْءٌ لَبَلُوا كُلُّهُمْ؛ فانْقَطَعَ عَذابُهم.

ولَمّا كانَ هَذا أمْرًا لَمْ يُعْهَدْ مِثْلُهُ؛ دَلَّ عَلى قُدْرَتِهِ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾؛ أيْ: المَلِكَ الأعْظَمَ؛ ﴿كانَ﴾؛ ولَمْ يَزَلْ؛ ﴿عَزِيزًا﴾؛ أيْ: يَغْلِبُ كُلَّ شَيْءٍ؛ ولا يَغْلِبُهُ شَيْءٌ؛ ﴿حَكِيمًا﴾؛ أيْ: يُتْقِنُ صُنْعَهُ؛ فَجُعِلَ عَذابُهم عَلى قَدْرِ ذُنُوبِهِمْ؛ لِأنَّ عَزائِمَهم كانَتْ عَلى دَوامِهِمْ عَلى ما اسْتَحَقُّوا بِهِ ذَلِكَ ما بَقُوا.

57

وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّٰتٍۢ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدًۭا ۖ لَّهُمْ فِيهَآ أَزْوَٰجٌۭ مُّطَهَّرَةٌۭ ۖ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّۭا ظَلِيلًا

But those who believe and do righteous deeds - We will admit them to gardens beneath which rivers flow, wherein they abide forever. For them therein are purified spouses, and We will admit them to deepening shade.

ولَمّا ذَكَرَ التَّرْهِيبَ بِعِقابِ الكافِرِينَ؛ أتْبَعَهُ التَّرْغِيبَ بِثَوابِ المُؤْمِنِينَ؛ فَقالَ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا﴾؛ أيْ: أقَرُّوا بِالإيمانِ؛ ﴿وعَمِلُوا﴾؛ بَيانًا لِصِدْقِهِمْ فِيهِ؛ ﴿الصّالِحاتِ سَنُدْخِلُهُمْ﴾؛ أيْ: بِوَعْدٍ لا خُلْفَ فِيهِ؛ ورُبَّما أفْهَمَ التَّنْفِيسُ لَهم بِالسِّينِ؛ دُونَ ”سَوْفَ“ - كَما في الكافِرِينَ -؛ أنَّهم أقْصَرُ الأُمَمِ مُدَّةً؛ أوْ أنَّهم أقْصَرُهم أعْمارًا؛ إراحَةً لَهم مِن دارِ الكَدَرِ؛ إلى مَحَلِّ الصَّفاءِ؛ وأنَّهم يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ قَبْلَ جَمِيعِ الفِرَقِ النّاجِيَةِ مِن أهْلِ المَوْقِفِ؛ ﴿جَنّاتٍ﴾؛ أيْ: بَساتِينَ؛ ووَصَفَها بِما يُدِيمُ بَهْجَتَها؛ ويُعَظِّمُ نَضْرَتَها؛ وزَهْرَتَها؛ فَقالَ: ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾؛ أيْ: إنَّ أرْضَها في غايَةِ الرِّيِّ؛ كُلُّ مَوْضِعٍ مِنها صالِحٌ لِأنْ يَجْرِيَ مِنهُ نَهْرٌ.

ولَمّا ذَكَرَ قِيامَها؛ وما بِهِ دَوامُها؛ أتْبَعَهُ ما تَهْواهُ النُّفُوسُ مِنَ اسْتِمْرارِ الإقامَةِ بِها؛ فَقالَ: ﴿خالِدِينَ فِيها أبَدًا﴾ [النساء: ١٢٢]؛ ولَمّا وصَفَ حُسْنَ الدّارِ؛ ذَكَرَ حُسْنَ الجارِ؛ فَقالَ: ﴿لَهم فِيها أزْواجٌ﴾؛ والمُطَّرِدُ في وصْفِ جَمْعِ القِلَّةِ لِمَن يَعْقِلُ الألِفُ والتّاءُ؛ فَعَدَلَ هُنا عَنْ ذَلِكَ إلى الوَحْدَةِ لِإفْهامِ أنَّهُنَّ لِشِدَّةِ المُوافَقَةِ في الطُّهْرِ كَذاتٍ واحِدَةٍ؛ فَقِيلَ: ﴿مُطَهَّرَةٌ﴾؛ أيْ: مُتَكَرِّرٌ طُهْرُها؛ لا تُوجَدُ وقْتًا ما عَلى غَيْرِ ذَلِكَ؛ ولَمّا كانَتِ الجِنانُ في الدُّنْيا لا تَحْسُنُ إلّا بِتَمَكُّنِ الشَّمْسِ مِنها؛ وكانَتِ الشَّمْسُ تَنْسَخُ الظِّلَّ فَتَخْرُجُ إلى التَّحَوُّلِ إلى مَكانٍ آخَرَ؛ ورُبَّما آذى حَرُّها؛ أمَّنَ مِن ذَلِكَ فِيها؛ بِقَوْلِهِ: ﴿ونُدْخِلُهُمْ﴾؛ أيْ: فِيها؛ ﴿ظِلا﴾؛ أيْ: عَظِيمًا؛ وأكَّدَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ظَلِيلا﴾ ؛ أيْ: مُتَّصِلًا؛ لا فُرَجَ فِيهِ؛ مُنْبَسِطًا لا ضِيقَ مَعَهُ دائِمًا؛ لا تُصِيبُهُ الشَّمْسُ يَوْمًا ما؛ ولا حَرَّ فِيهِ؛ ولا بَرْدَ؛ بَلْ هو في غايَةِ الِاعْتِدالِ.

58

۞ إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا۟ ٱلْأَمَٰنَٰتِ إِلَىٰٓ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ ٱلنَّاسِ أَن تَحْكُمُوا۟ بِٱلْعَدْلِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِۦٓ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ سَمِيعًۢا بَصِيرًۭا

Indeed, Allah commands you to render trusts to whom they are due and when you judge between people to judge with justice. Excellent is that which Allah instructs you. Indeed, Allah is ever Hearing and Seeing.

ولَمّا تَقَدَّمَ في هَذِهِ السُّورَةِ الأمْرُ بِالإحْسانِ والعَدْلِ في النِّساءِ؛ واليَتامى؛ في الإرْثِ وغَيْرِهِ؛ وفي غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الدِّماءِ؛ والأمْوالِ؛ والأقْوالِ؛ والأفْعالِ؛ وذِكْرُ خِيانَةِ أهْلِ الكِتابِ؛ وما أحَلَّ بِهِمْ لِذَلِكَ مِنَ العِقابِ؛ وذِكْرُ أنَّهُ آتى هَذِهِ الأُمَّةَ المُلْكَ المُقْتَضِيَ لِلْحُكْمِ؛ وآتاهُمُ الحِكْمَةَ بَعْدَ جَهْلِهِمْ؛ وضَعْفِهِمْ؛ أقْبَلَ عَلَيْهِمْ بِلَذِيذِ خِطابِهِ؛ بَعْدَما وعَدَهم عَلى امْتِثالِ أمْرِهِ مِن كَرِيمِ ثَوابِهِ؛ بِما خَتَمَهُ بِالظِّلِّ المَوْعُودِ عَلى العَدْلِ؛ في حَدِيثِ: «”سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ في ظِلِّهِ“؛» فَقالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ صِفاتُ الكَمالِ؛ ﴿يَأْمُرُكُمْ﴾؛ أيْ: أيَّتُها الأُمَّةُ؛ ﴿أنْ تُؤَدُّوا الأماناتِ إلى أهْلِها﴾؛ أيْ: مِن غَيْرِ خِيانَةٍ ما؛ كَما فَعَلَ أهْلُ الكِتابِ في كِتْمانِ ما عِنْدَهُمْ؛ والإخْبارِ بِغَيْرِهِ؛ و”الأمانَةُ“: كُلُّ ما وجَبَ لِغَيْرِكَ عَلَيْكَ.

ولَمّا أمَرَ بِما يَحِقُّ لِلْإنْسانِ في نَفْسِهِ؛ أمَرَ بِما يَحِقُّ لَهُ في مُعامَلَةِ غَيْرِهِ؛ وحَقَّقَ لَهم ما لَمْ يَكُونُوا يَرُومُونَهُ مِن أمْرِ المُلْكِ؛ بِقَوْلِهِ - بِأداةِ القَطْعِ؛ عاطِفًا شَيْئَيْنِ عَلى شَيْئَيْنِ -: ﴿وإذا حَكَمْتُمْ﴾؛ وبَيَّنَ عُمُومَ مُلْكِهِمْ لِسائِرِ الأُمَمِ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿بَيْنَ النّاسِ﴾؛ وبَيَّنَ المَأْمُورَ بِهِ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿أنْ تَحْكُمُوا بِالعَدْلِ﴾؛ أيْ: السَّواءِ؛ بِأنْ تَأْمُرُوا مَن وجَبَ عَلَيْهِ حَقٌّ بِأدائِهِ إلى مَن هو لَهُ؛ فَإنَّ ذَلِكَ مِن أعْظَمِ الصّالِحاتِ المُوجِبَةِ لِحُسْنِ المَقِيلِ في الظِّلِّ الظَّلِيلِ؛ أخَرَجَ الشَّيْخانِ وغَيْرُهُما عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «”سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ في ظِلِّهِ يَوْمَ لا ظِلَّ إلّا ظَلُّهُ: إمامٌ عادِلٌ...“؛» الحَدِيثَ.

ولَمّا أخْبَرَهم بِأمْرِهِ زادَهم رَغْبَةً بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾؛ مُعَبِّرًا أيْضًا بِالِاسْمِ الأعْظَمِ؛ ﴿نِعِمّا﴾؛ أيْ: نِعْمَ شَيْئًا عَظِيمًا؛ ﴿يَعِظُكم بِهِ﴾؛ وحَثَّهم عَلى المُبادَرَةِ إلى حُسْنِ الِامْتِثالِ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾؛ مُكَرِّرًا لِهَذا الِاسْمِ الشَّرِيفِ؛ لِيَجْتَهِدُوا في التَّرَقِّي في طَهارَةِ الأخْلاقِ إلى حَدٍّ لَمْ يَبْلُغْهُ غَيْرُهُمْ؛ ولَمّا كانَ الرَّقِيبُ في الأماناتِ لا بُدَّ لَهُ مِن أنْ يَكُونَ لَهُ مِن يَدِ سَمْعٍ وعِلْمٍ؛ قالَ: ﴿كانَ﴾؛ أيْ: ولَمْ يَزَلْ؛ ولا يَزالُ؛ ﴿سَمِيعًا﴾؛ أيْ: بالِغَ السَّمْعِ لِكُلِّ ما يَقُولُونَهُ؛ جَوابًا لِأمْرِهِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ؛ ﴿بَصِيرًا﴾؛ أيْ: بالِغَ البَصَرِ؛ والعِلْمِ بِكُلِّ ما يَفْعَلُونَهُ في ذَلِكَ؛ وغَيْرِهِ؛ مِنَ امْتِثالٍ وغَيْرِهِ.

59

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَأَطِيعُوا۟ ٱلرَّسُولَ وَأُو۟لِى ٱلْأَمْرِ مِنكُمْ ۖ فَإِن تَنَٰزَعْتُمْ فِى شَىْءٍۢ فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ ۚ ذَٰلِكَ خَيْرٌۭ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا

O you who have believed, obey Allah and obey the Messenger and those in authority among you. And if you disagree over anything, refer it to Allah and the Messenger, if you should believe in Allah and the Last Day. That is the best [way] and best in result.

ولَمّا أمَرَ - سُبْحانَهُ - بِالعَدْلِ؛ ورَغَّبَ فِيهِ؛ ورَهَّبَ مِن تَرْكِهِ؛ أمَرَ بِطاعَةِ المُتَنَصِّبِينَ لِذَلِكَ؛ الحامِلَةِ لَهم عَلى الرِّفْقِ بِهِمْ؛ والشَّفَقَةِ عَلَيْهِمْ؛ فَقالَ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾؛ أيْ: أقَرُّوا بِالإيمانِ؛ وبَدَأ بِما هو العُمْدَةُ في الحَمْلِ عَلى ذَلِكَ؛ فَقالَ: ﴿أطِيعُوا﴾؛ أيْ: بِمُوافَقَةِ الأمْرِ تَصْدِيقًا لِدَعْواكُمُ الإيمانَ؛ ﴿اللَّهَ﴾؛ أيْ: فِيما أمَرَكم بِهِ في كِتابِهِ؛ مُسْتَحْضِرِينَ ما لَهُ مِنَ الأسْماءِ الحُسْنى؛ وعِظَمِ رُتْبَةِ نَبِيِّهِ ﷺ بِإعادَةِ العامِلِ؛ فَقالَ: ﴿وأطِيعُوا الرَّسُولَ﴾؛ فِيما حَدَّهُ لَكم في سُنَّتِهِ عَنِ اللَّهِ؛ وبَيَّنَهُ مِن كِتابِهِ؛ لِأنَّ مَنصِبَ الرِّسالَةِ مُقْتَضٍ لِذَلِكَ؛ ولِهَذا عَبَّرَ بِهِ؛ دُونَ النَّبِيِّ؛ ﴿وأُولِي الأمْرِ مِنكُمْ﴾؛ أيْ: الحُكّامَ؛ فَإنَّ طاعَتَهم - فِيما لَمْ يَكُنْ مَعْصِيَةً - كَما أُشِيرَ إلى ذَلِكَ بِعَدَمِ إعادَةِ العامِلِ - مِن طاعَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؛ وطاعَتَهُ مِن طاعَةِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -؛ والعُلَماءُ مِن أُولِي الأمْرِ أيْضًا؛ وهُمُ العامِلُونَ؛ فَإنَّهم يَأْمُرُونَ بِأمْرِ اللَّهِ ورَسُولِهِ ﷺ.

ولَمّا أبانَ هَذا الحُكْمُ الأُصُولَ الثَّلاثَةَ؛ أتْبَعَها القِياسَ؛ فَسَبَّبَ عَمّا تَقْدِيرُهُ: ”هَذا في الأُمُورِ البَيِّنَةِ مِنَ الكِتابِ والسُّنَّةِ؛ والَّتِي وقَعَ الإجْماعُ عَلَيْها“؛ قَوْلَهُ: ﴿فَإنْ تَنازَعْتُمْ في شَيْءٍ﴾؛ أيْ: لِإلْباسِهِ؛ فاخْتَلَفَتْ فِيهِ آراؤُكُمْ؛ ﴿فَرُدُّوهُ إلى اللَّهِ﴾؛ أيْ: المُحِيطِ عِلْمًا؛ وقُدْرَةً؛ بِالتَّضَرُّعِ بَيْنَ يَدَيْهِ؛ بِما شَرَعَهُ لَكم مِنَ الدُّعاءِ والعِبادَةِ؛ لِيَفْتَحَ لَكم ما أُغْلِقَ مِنهُ؛ ويَهْدِيَكم إلى الحَقِّ مِنهُ؛ ﴿والرَّسُولَ﴾ [النساء: ٦٩]؛ أيْ: الكامِلِ الرِّسالَةِ؛ بِالبَحْثِ عَنْ آثارِ رِسالَتِهِ؛ مِن نَصٍّ في ذَلِكَ بِعَيْنِهِ؛ أوْ أُولِي قِياسٍ؛ ودَلَّتِ الآيَةُ عَلى تَرْتِيبِ الأُصُولِ الأرْبَعَةِ؛ عَلى ما هو فِيها؛ وعَلى إبْطالِ ما سِواها؛ وعُلِمَ مِن إفْرادِهِ (تَعالى)؛ وجَمْعِ النَّبِيِّ ﷺ مَعَ أعْلامِ أُمَّتِهِ؛ أنَّ الأدَبَ تَوْحِيدُ اللَّهِ؛ حَتّى في مُجَرَّدِ ذِكْرِهِ؛ وأكَّدَ البَيانَ لِدَعْوى الطّاعَةِ بِقَوْلِهِ:﴿إنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ﴾؛ أيْ: دائِمِينَ عَلى الإيمانِ؛ بِتَجْدِيدِهِ في كُلِّ أوانٍ؛ ﴿بِاللَّهِ﴾؛ أيْ: المَلِكِ الأعْظَمِ؛ الَّذِي لا كُفُؤَ لَهُ؛ ﴿واليَوْمِ الآخِرِ﴾؛ الحامِلِ عَلى الطّاعَةِ؛ الحاجِزِ عَنِ المَعْصِيَةِ؛ ثُمَّ دَلَّ عَلى عَظَمَةِ هَذا الأمْرِ؛ وعَمِيمِ نَفْعِهِ؛ بِقَوْلِهِ - مُخَصِّصًا رَسُولَهُ ﷺ: ﴿ذَلِكَ﴾؛ أيْ: الأمْرُ العالِي الرُّتْبَةِ؛ ﴿خَيْرٌ﴾؛ أيْ: وغَيْرُهُ شَرٌّ؛ ﴿وأحْسَنُ تَأْوِيلا﴾؛ أيْ: عاقِبَةً؛ أوْ تَرْجِيعًا؛ ورَدًّا مِن رَدِّكم إلى ما يَقْتَضِيهِ قَوِيمُ العَقْلِ مِن غَيْرِ مُلاحَظَةٍ لِآثارِ الرِّسالَةِ مِنَ الكِتابِ والسُّنَّةِ؛ فَإنَّ في الأحْكامِ ما لا يَسْتَقِلُّ العَقْلُ بِإدْراكِهِ؛ إلّا بِمَعُونَةِ الشَّرْعِ؛ رَوى البُخارِيُّ؛ في التَّفْسِيرِ؛ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -؛ قالَ: ”نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ:“ أطِيعُوا اللَّهَ "؛ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُذافَةَ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَدِيٍّ؛ إذْ بَعَثَهُ النَّبِيُّ ﷺ في سَرِيَّةٍ؛ يَعْنِي فَأمَرَهم أنْ يَدْخُلُوا في النّارِ.

60

أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ ءَامَنُوا۟ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوٓا۟ إِلَى ٱلطَّٰغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوٓا۟ أَن يَكْفُرُوا۟ بِهِۦ وَيُرِيدُ ٱلشَّيْطَٰنُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلَٰلًۢا بَعِيدًۭا

Have you not seen those who claim to have believed in what was revealed to you, [O Muhammad], and what was revealed before you? They wish to refer legislation to Taghut, while they were commanded to reject it; and Satan wishes to lead them far astray.

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ - كَما أفْهَمَهُ آخِرُ الآيَةِ؛ وأشْعَرَ بِهِ أوَّلُها؛ بَعْدَ أنْ جَمَعَ الخَلْقَ عَلى طاعَتِهِ؛ بِالطَّرِيقِ الَّذِي ذَكَرَهُ -: ”فَمَن أبى ذَلِكَ؛ فَلَيْسَ بِمُؤْمِنٍ“؛ دَلَّ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ - مُعَجِّبًا؛ مُخاطِبًا لِأكْمَلِ الخَلْقِ؛ الَّذِي عَرَّفَهُ اللَّهُ المُنافِقِينَ في لَحْنِ القَوْلِ -: ﴿ألَمْ تَرَ﴾؛ وأشارَ إلى بُعْدِهِمْ عَنْ عَلِيِّ حَضْرَتِهِ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿إلى الَّذِينَ﴾؛ وإلى كَذِبِهِمْ؛ ودَوامِ نِفاقِهِمْ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿يَزْعُمُونَ أنَّهم آمَنُوا﴾؛ أيْ: أوْجَدُوا هَذِهِ الحَقِيقَةَ وأوْقَعُوها في أنْفُسِهِمْ؛ ﴿بِما أُنْـزِلَ إلَيْكَ﴾؛ ودَلَّ عَلى أنَّ هَذا الزّاعِمَ المُنافِقَ كانَ مِن أهْلِ الكِتابِ؛ قَبْلَ ادِّعاءِ الإسْلامِ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿وما﴾؛ أيْ: ويَزْعُمُونَ أنَّهم آمَنُوا بِما ﴿أُنْـزِلَ مِن قَبْلِكَ﴾؛ أيْ: مِنَ التَّوْراةِ؛ والإنْجِيلِ؛ قالَ الأصْبَهانِيُّ: ولا يُسْتَعْمَلُ -؛ أيْ: الزَّعْمُ - في الأكْثَرِ - إلّا في القَوْلِ الَّذِي لا يَتَحَقَّقُ؛ يُقالُ: ”زَعَمَ فُلانٌ“؛ إذا شُكَّ فِيهِ؛ فَلَمْ يُعْرَفْ كَذِبُهُ أوْ صِدْقُهُ؛ والمُرادُ أنَّ هَؤُلاءِ قالُوا قَوْلًا هو عِنْدَ مَن لا يَعْلَمُ البَواطِنَ أهْلٌ لِأنْ يُشَكَّ فِيهِ؛ بِدَلِيلِ أنَّهُمْ؛ ﴿يُرِيدُونَ أنْ يَتَحاكَمُوا﴾؛ أيْ: هم وغُرَماؤُكُمْ؛ ﴿إلى الطّاغُوتِ﴾؛ أيْ: إلى الباطِلِ المُعَرَّقِ في البُطْلانِ؛ ﴿وقَدْ﴾؛ أيْ: والحالُ أنَّهم قَدْ ﴿أُمِرُوا﴾؛ مِمَّنْ لَهُ الأمْرُ؛ ﴿أنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾؛ في كُلِّ ما أُنْزِلَ مِن كِتابِكَ؛ وما قَبْلَهُ؛ ومَتى تَحاكَمُوا إلَيْهِ كانُوا مُؤْمِنِينَ بِهِ؛ كافِرِينَ بِاللَّهِ؛ وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ويُرِيدُ الشَّيْطانُ﴾؛ بِإرادَتِهِمْ ذَلِكَ التَّحاكُمَ؛ ﴿أنْ يُضِلَّهُمْ﴾؛ أيْ: بِالتَّحاكُمِ إلَيْهِ؛ ﴿ضَلالا بَعِيدًا﴾؛ بِحَيْثُ لا يُمْكِنُهم مَعَهُ الرُّجُوعُ إلى الهُدى؛ وهَذِهِ الآيَةُ سَبَبُ تَسْمِيَةِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بِـ ”الفارُوقُ“؛ لِضَرْبِهِ عُنُقَ مُنافِقٍ لَمْ يَرْضَ بِحُكْمِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؛ في قِصَّةٍ ذَكَرَها الثَّعْلَبِيُّ؛ مِن رِوايَةِ الكَلْبِيِّ؛ عَنْ أبِي صالِحٍ؛ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما.

Commentary: Nazm al-Durar by Burhan al-Din al-Biqa'i. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.