Muslim99Muslim99
← Tafsir library

4. An-Nisaa

The Women · Medinan · 176 ayahs

سُورَةُ النِّسَاءِ

Reading Irshad al-'Aql al-Salim by Abu al-Su'ud

Ayahs 51–60 of 176

51

أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ نَصِيبًۭا مِّنَ ٱلْكِتَٰبِ يُؤْمِنُونَ بِٱلْجِبْتِ وَٱلطَّٰغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا۟ هَٰٓؤُلَآءِ أَهْدَىٰ مِنَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ سَبِيلًا

Have you not seen those who were given a portion of the Scripture, who believe in superstition and false objects of worship and say about the disbelievers, "These are better guided than the believers as to the way"?

﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ﴾ تَعْجِيبٌ مِن حالٍ أُخْرى لَهم ووَصْفُهم بِما ذَكَرَ مِن إيتاءِ النَّصِيبِ لِما مَرَّ مِن مُنافاتِهِ لِما صَدَرَ عَنْهم مِنَ القَبائِحِ. وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿يُؤْمِنُونَ بِالجِبْتِ والطّاغُوتِ﴾ اسْتِئْنافٌ مُبَيِّنٌ لِمادَّةِ التَّعَجُّبِ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ يَنْساقُ إلَيْهِ الكَلامُ كَأنَّهُ قِيلَ: ماذا يَفْعَلُونَ حِينَ يُنْظَرُ إلَيْهِمْ؟ فَقِيلَ: يُؤْمِنُونَ إلَخْ، والجِبْتُ: الأصْنامُ وكُلُّ ما عُبِدَ مِن دُونِ اللَّهِ تَعالى، فَقِيلَ: أصْلُهُ الجِبْسُ وهو الَّذِي لا خَيْرَ عِنْدَهُ فَأُبْدِلَ السِّينُ تاءً. وقِيلَ: الجِبْتُ: السّاحِرُ بِلُغَةِ الحَبَشَةِ والطّاغُوتُ: الشَّيْطانُ. قِيلَ: هو في الأصْلِ كُلُّ ما يُطْغِي الإنْسانَ. رُوِيَ أنَّ حُيَيَّ بْنَ أخْطَبَ وكَعْبَ بْنَ الأشْرَفِ اليَهُودِيَّيْنِ خَرَجا إلى مَكَّةَ في سَبْعِينَ راكِبًَا مِنَ اليَهُودِ لِيُحالِفُوا قُرَيْشًَا عَلى مُحارَبَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ويَنْقُضُوُا العَهْدَ الَّذِي كانَ بَيْنَهم وبَيْنَهُ ﷺ فَقالُوا: أنْتُمْ أهْلُ الكِتابِ وأنْتُمْ أقْرَبُ إلى مُحَمَّدٍ مِنكم إلَيْنا فَلا نَأْمَنُ مَكْرَكم فاسْجُدُوا لِآلِهَتِنا نَطْمَئِنَّ إلَيْكم فَفَعَلُوا فَهَذا إيمانُهم بِالجِبْتِ والطّاغُوتِ لِأنَّهم سَجَدُوا لِلْأصْنامِ وأطاعُوا إبْلِيسَ فِيما فَعَلُوا. وقالَ أبُو سُفْيانَ لِكَعْبٍ: إنَّكَ امْرُؤٌ تَقْرَأُ الكِتابَ وتَعْلَمُ ونَحْنُ أُمِّيُّونَ لا نَعْلَمُ فَأيُّنا أهْدى طَرِيقًَا نَحْنُ أمْ مُحَمَّدٌ؟ فَقالَ: ماذا يَقُولُ مُحَمَّدٌ؟ قالَ: يَأْمُرُ بِعِبادَةِ اللَّهِ وحْدَهُ ويَنْهى عَنِ الشِّرْكِ، قالَ: وما دِينُكُمْ؟ قالُوا: نَحْنُ وُلاةُ البَيْتِ نَسْقِي الحاجَّ ونَقْرِي الضَّيْفَ ونَفُكُّ العانِيَ وذَكَرُوا أفْعالَهم فَقالَ: أنْتُمْ أهْدى سَبِيلًَا وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ: لِأجْلِهِمْ وفي حَقِّهِمْ.

﴿هَؤُلاءِ﴾ يَعْنُونَهم.

﴿أهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلا﴾ أيْ: أقْوَمُ دِينًَا وأرْشَدُ طَرِيقَةً، وإيرادُهم بِعُنْوانِ الإيمانِ لَيْسَ مِن قِبَلِ القائِلِينَ بَلْ مِن جِهَةِ اللَّهِ تَعالى تَعْرِيفًَا لَهم بِالوَصْفِ الجَمِيلِ وتَخْطِئَةً لِمَن رُجِّحَ عَلَيْهِمُ المُتَّصِفِينَ بِأقْبَحِ القَبائِحِ.

52

أُو۟لَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ لَعَنَهُمُ ٱللَّهُ ۖ وَمَن يَلْعَنِ ٱللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُۥ نَصِيرًا

Those are the ones whom Allah has cursed; and he whom Allah curses - never will you find for him a helper.

﴿أُولَئِكَ﴾ إشارَةٌ إلى القائِلِينَ وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ مَعَ قُرْبِهِمْ في الذِّكْرِ لِلْإشْعارِ بِبُعْدِ مَنزِلَتِهِمْ في الضَّلالِ، وهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾ أيْ: أبْعَدَهم عَنْ رَحْمَتِهِ وطَرَدَهُمْ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنِفَةٌ لِبَيانِ حالِهِمْ وإظْهارِ مَصِيرِهِمْ ومَآلِهِمْ.

﴿وَمَن يَلْعَنِ اللَّهُ﴾ أيْ: يُبْعِدُهُ عَنْ رَحْمَتِهِ.

﴿فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا﴾ يَدْفَعُ عَنْهُ العَذابَ دُنْيَوِيًَّا كانَ أوْ أُخْرَوِيًَّا لا بِشَفاعَةٍ ولا بِغَيْرِها، وفِيهِ تَنْصِيصٌ عَلى حِرْمانِهِمْ مِمّا طَلَبُوا مِنقُرَيْشٍ وفي كَلِمَةِ "لَنْ" وتَوْجِيهِ الخِطابِ إلى كُلِّ أحَدٍ مِمَّنْ يَتَسَنّى لَهُ الخِطابُ وتَوْحِيدِ النَّصْرِ مُنَكَّرًَا والتَّعْبِيرِ عَنْ عَدَمِهِ بِعَدَمِ الوِجْدانِ المُنْبِئِ عَنْ سَبْقِ الطَّلَبِ مُسْنَدًَا إلى المُخاطَبِ العامِ مِنَ الدِّلالَةِ عَلى حِرْمانِهِمِ الأبَدِيِّ بِالكُلِّيَّةِ ما لا يَخْفى.

53

أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌۭ مِّنَ ٱلْمُلْكِ فَإِذًۭا لَّا يُؤْتُونَ ٱلنَّاسَ نَقِيرًا

Or have they a share of dominion? Then [if that were so], they would not give the people [even as much as] the speck on a date seed.

﴿أمْ لَهم نَصِيبٌ مِنَ المُلْكِ﴾ شُرُوعٌ في تَفْصِيلِ بَعْضٍ آخَرَ مِن قَبائِحِهِمْ و"أمْ" مُنْقَطِعَةٌ وما فِيها مِن بَلْ لِلْإضْرابِ والِانْتِقالِ مِن ذَمِّهِمْ بِتَزْكِيَتِهِمْ أنْفُسَهم وغَيْرِها مِمّا حُكِيَ عَنْهم إلى ذَمِّهِمْ بِادِّعائِهِمْ نَصِيبًَا مِنَ المُلْكِ وبُخْلِهِمِ المُفْرِطِ وشُحِّهِمِ البالِغِ والهَمْزَةُ لِإنْكارِ أنْ يَكُونَ لَهم ما يَدَّعُونَهُ وإبْطالِ ما زَعَمُوا أنَّ المُلْكَ سَيَصِيرُ إلَيْهِمْ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإذًا لا يُؤْتُونَ النّاسَ نَقِيرًا﴾ بَيانٌ لِعَدَمِ اسْتِحْقاقِهِمْ لَهُ بَلْ لِاسْتِحْقاقِهِمُ الحِرْمانَ مِنهُ بِسَبَبِ أنَّهم مِنَ البُخْلِ والدَّناءَةِ بِحَيْثُ لَوْ أُوتُوا شَيْئًَا مِن ذَلِكَ لَما أعْطَوُا النّاسَ مِنهُ أقَلَّ قَلِيلٍ ومِن حَقِّ مَن أُوتِيَ المُلْكَ أنْ يُؤْثِرَ الغَيْرَ بِشَيْءٍ مِنهُ، فالفاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ الجَزائِيَّةِ لِشَرْطٍ مَحْذُوفٍ أيْ: إنْ جُعِلَ لَهم نَصِيبٌ مِنهُ فَإذَنْ لا يُؤْتُونَ النّاسَ مِقْدارَ نَقِيرٍ وهو ما في ظَهْرِ النَّواةِ مِنَ النَّقْرَةِ ويُضْرَبُ بِهِ المَثَلُ في القِلَّةِ والحَقارَةِ وهَذا هو البَيانُ الكاشِفُ عَنْ كُنْهِ حالِهِمْ، وإذا كانَ شَأْنُهم كَذَلِكَ وهم مُلُوكٌ فَما ظَنُّكَ بِهِمْ وهم أذِلّاءُ مُتَفاقِرُونَ، ويَجُوزُ أنْ لا تَكُونَ الهَمْزَةُ لِإنْكارِ الوُقُوعِ بَلْ لِإنْكارِ الواقِعِ والتَّوْبِيخِ عَلَيْهِ أيْ: لِعَدِّهِ مُنْكَرًَا غَيْرَ لائِقٍ بِالوُقُوعِ عَلى أنَّ الفاءَ لِلْعَطْفِ والإنْكارَ مُتَوَجِّهٌ إلى مَجْمُوعِ المَعْطُوفَيْنِ عَلى مَعْنى: ألَهم نَصِيبٌ وافِرٌ مِنَ المُلْكِ حَيْثُ كانُوا أصْحابَ أمْوالٍ وبَساتِينَ وقُصُورٍ مَشِيدَةٍ كالمُلُوكِ فَلا يُؤْتُونَ النّاسَ مَعَ ذَلِكَ نَقِيرًَا كَما تَقُولُ لِغَنِيٍّ لا يُراعِي أباهُ: ألَكَ هَذا القَدْرُ مِنَ المالِ فَلا تُنْفِقُ عَلى أبِيكَ شَيْئًَا؟! وفائِدَةُ إذَنْ تَأْكِيدُ الإنْكارِ والتَّوْبِيخِ حَيْثُ يَجْعَلُونَ ثُبُوتَ النَّصِيبِ سَبَبًَا لِلْمَنعِ مَعَ كَوْنِهِ سَبَبًَا لِلْإعْطاءِ وهي مُلْغاةٌ عَنِ العَمَلِ كَأنَّهُ قِيلَ: فَلا يُؤْتُونَ النّاسَ إذَنْ، وقُرِئَ "فَإذَنْ لا يُؤْتُوا" بِالنَّصْبِ عَلى إعْمالِها.

54

أَمْ يَحْسُدُونَ ٱلنَّاسَ عَلَىٰ مَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِۦ ۖ فَقَدْ ءَاتَيْنَآ ءَالَ إِبْرَٰهِيمَ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ وَءَاتَيْنَٰهُم مُّلْكًا عَظِيمًۭا

Or do they envy people for what Allah has given them of His bounty? But we had already given the family of Abraham the Scripture and wisdom and conferred upon them a great kingdom.

﴿أمْ يَحْسُدُونَ النّاسَ﴾ مُنْقَطِعَةٌ أيْضًَا مُفِيدَةٌ لِلِانْتِقالِ مِن تَوْبِيخِهِمْ بِما سَبَقَ إلى تَوْبِيخِهِمْ بِالحَسَدِ الَّذِي هو شَرُّ الرَّذائِلِ وأقْبَحُها لاسِيَّما عَلى ما هم بِمَعْزِلٍ مِنِ اسْتِحْقاقِهِ واللّامُ في ﴿النّاسَ﴾ لِلْعَهْدِ والإشارَةِ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ والمُؤْمِنِينَ وحَمْلُهُ عَلى الجِنْسِ إيذانًَا بِحِيازَتِهِمُ الكَمالاتِ البَشَرِيَّةِ قاطِبَةً فَكَأنَّهم هُمُ النّاسُ لا غَيْرُهُ لا يُلائِمُهُ ذِكْرُ حَدِيثِ آلِ إبْراهِيمَ فَإنَّ ذَلِكَ لِتَذْكِيرِ ما بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ مِنَ العَلاقَةِ المُوجِبَةِ لِاشْتِراكِهِما في اسْتِحْقاقِ الفَضْلِ والهَمْزَةُ لِإنْكارِ الواقِعِ واسْتِقْباحِهِ فَإنَّهم كانُوا يَطْمَعُونَ أنْ يَكُونَ النَّبِيُّ المَوْعُودُ مِنهم فَلَمّا خَصَّ اللَّهُ تَعالى بِتِلْكَ الكَرامَةِ غَيْرَهم حَسَدُوهُمْ، أيْ: بَلْ أيَحْسُدُونَهم.

﴿عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ يَعْنِي النُّبُوَّةَ والكِتابَ وازْدِيادَ العِزِّ والنَّصْرِ يَوْمًَا فَيَوْمًَا. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقَدْ آتَيْنا﴾ تَعْلِيلٌ لِلْإنْكارِ والِاسْتِقْباحِ وإلْزامٌ لَهم بِما هو مُسَلَّمٌ عِنْدَهم وحَسْمٌ لِمادَّةِ حَسَدِهِمْ واسْتِبْعادِهِمُ المَبْنِيَّيْنِ عَلى تَوَهُّمِ عَدَمِ اسْتِحْقاقِ المَحْسُودِ لِما أُوتِيَ مِنَ الفَضْلِ بِبَيانِ اسْتِحْقاقِهِ لَهُ بِطَرِيقِ الوِراثَةِ كابِرًَا عَنْ كابِرٍ وإجْراءُ الكَلامِ عَلى سَنَنِ الكِبْرِياءِ بِطَرِيقِ الِالتِفاتِ لِإظْهارِ كَمالِ العِنايَةِ بِالأمْرِ والمَعْنى: أنَّ حَسَدَهُمُ المَذْكُورَ في غايَةِ القُبْحِ والبُطْلانِ فَإنّا قَدْ آتَيْنا مِن قَبْلِ هَذا.

﴿آلَ إبْراهِيمَ﴾ الَّذِينَ هم أسْلافُ مُحَمَّدٍ ﷺ أوْ أبْناءُ أعْمامِهِ.

﴿الكِتابَ والحِكْمَةَ﴾ أىِ النُّبُوَّةَ.

﴿وَآتَيْناهُمْ﴾ مَعَ ذَلِكَ.

﴿مُلْكًا عَظِيمًا﴾ لا يُقادَرُ قَدْرُهُ فَكَيْفَ يَسْتَبْعِدُونَ نُبُوَّتَهُ ﷺ ويَحْسُدُونَهُ عَلى إيتائِها وتَكْرِيرُ الإيتاءِ لِما يَقْتَضِيهِ مَقامُ التَّفْضِيلِ مَعَ الإشْعارِ بِما بَيْنَ النُّبُوَّةِ والمُلْكِ مِنَ المُغايَرَةِ فَإنْ أُرِيدَ بِهِ الإيتاءُ بِالذّاتِ فالمُرادُ بِآلِ إبْراهِيمَ أنْبِياؤُهم خاصَّةً، والضَّمِيرُ المَنصُوبُ في الفِعْلِ الثّانِي لِبَعْضِهِمْ إمّا بِحَذْفِ المُضافِ أوْ بِطَرِيقِ الِاسْتِخْدامِ لِما أنَّ المُلْكَ لَمْ يُؤْتَ كُلَّهم. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: المُلْكُ في آلِ إبْراهِيمَ مُلْكُ يُوسُفَ وداوُدَ وسُلَيْمانَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وإنْ أُرِيدَ بِهِ ما يَعُمُّهُ وغَيْرَهُ مِنَ الإيتاءِ بِالواسِطَةِ وهو اللّائِقُ بِالمَقامِ والأوْفَقُ لِما قَبْلَهُ مِن نِسْبَةِ إيتاءِ الفَضْلِ إلى النّاسِ فالمُرادُ بِآلِ إبْراهِيمَ كُلُّهم فَإنَّ تَشْرِيفَ البَعْضِ بِما ذُكِرَ مِن إيتاءِ النُّبُوَّةِ والمُلْكِ تَشْرِيفٌ لِلْكُلِّ لِاعْتِنائِهِمْ بِآثارِهِ واقْتِباسِهِمْ مِن أنْوارِهِ، وفي تَفْصِيلِ ما أُوتُوهُ وتَكْرِيرِ الفِعْلِ ووَصْفِ المُلْكِ بِالعِظَمِ وتَنْكِيرِهِ التَّفْخِيمِيِّ مِن تَأْكِيدِ الإلْزامِ وتَشْدِيدِ الإنْكارِ ما لا يَخْفى. هَذا هو المُتَبادِرُ مِنَ النَّظْمِ الكَرِيمِ وإلَيْهِ جَنَحَ جُمْهُورُ أئِمَّةِ التَّفْسِيرِ لَكِنَّ الظّاهِرَ حِينَئِذٍ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ تَعالى: *

55

فَمِنْهُم مَّنْ ءَامَنَ بِهِۦ وَمِنْهُم مَّن صَدَّ عَنْهُ ۚ وَكَفَىٰ بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا

And some among them believed in it, and some among them were averse to it. And sufficient is Hell as a blaze.

﴿فَمِنهم مَن آمَنَ بِهِ ومِنهم مَن صَدَّ عَنْهُ﴾ حِكايَةً لِما صَدَرَ عَنْ أسْلافِهِمْ عَقِيبَ وقَعَ المَحْكِيُّ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لَهُ دَخْلٌ في الإلْزامِ الَّذِي سِيقَ لَهُ الكَلامُ، أيْ: فَمِن جِنْسِ هَؤُلاءِ الحاسِدِينَ وآبائِهِمْ مَن آمَنَ بِما أُوتِيَ آلُ إبْراهِيمَ ومِنهم مَن أعْرَضَ عَنْهُ، وأمّا جَعْلُ الضَّمِيرَيْنِ لِما ذُكِرَ مِن حَدِيثِ آلِ إبْراهِيمَ فَيَسْتَدْعِي تَراخِيَ الآيَةِ الكَرِيمَةِ عَمّا قَبْلَها نُزُولًَا. كَيْفَ لا؟ وحِكايَةُ إيمانِهِمْ بِالحَدِيثِ المَذْكُورِ وإعْراضِهِمْ عَنْهُ بِصِيغَةِ الماضِي إنَّما يُتَصَوَّرُ بَعْدَ وُقُوعِ الإيمانِ والإعْراضِ المُتَأخِّرَيْنِ عَنْ سَماعِ الحَدِيثِ المُتَأخِّرِ عَنْ نُزُولِهِ وكَذا جَعْلُهُما رَسُولَ اللَّهِ ﷺ؛ إذِ الظّاهِرُ بَيانُ حالِهِمْ بَعْدَ هَذا الإلْزامِ وحَمْلُهُ عَلى حِكايَةِ حالِهِمُ السّابِقَةِ تُساعِدُهُ الفاءُ المُرَتِّبَةُ لِما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها ولا يَبْعُدُ كُلَّ البُعْدِ أنْ تَكُونَ الهَمْزَةُ لِتَقْرِيرِ حَسَدِهِمْ وتَوْبِيخِهِمْ بِذَلِكَ. ويَكُونَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقَدْ آتَيْنا﴾ الآيَةُ تَعْلِيلًَا لَهُ بِدِلالَتِهِ عَلى إعْراضِهِمْ عَمّا أُوتِيَ آلُ إبْراهِيمَ وإنْ لَمْ يُذْكَرْ كَوْنُهُ بِطَرِيقِ الحَسَدِ كَأنَّهُ قِيلَ: بَلْ أيَحْسُدُونَ النّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ولا يُؤْمِنُونَ بِهِ وذَلِكَ دَيْدَنُهُمُ المُسْتَمِرُّ فَإنّا قَدْ آتَيْنا آلَ إبْراهِيمَ ما آتَيْنا فَمِنهم أيْ: مِن جِنْسِهِمْ مَن آمَنَ بِما آتَيْناهم ومِنهم مَن أعْرَضَ عَنْهُ ولَمْ يُؤْمِن بِهِ واللَّهُ سُبْحانَهُ أعْلَمُ وفِيهِ تَسْلِيَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ.

﴿وَكَفى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا﴾ نارًَا مُسَعَّرَةً يُعَذَّبُونَ بِها والجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ لِما قَبْلَها.

56

إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِـَٔايَٰتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًۭا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُم بَدَّلْنَٰهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا۟ ٱلْعَذَابَ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًۭا

Indeed, those who disbelieve in Our verses - We will drive them into a Fire. Every time their skins are roasted through We will replace them with other skins so they may taste the punishment. Indeed, Allah is ever Exalted in Might and Wise.

﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا﴾ إنْ أُرِيدَ بِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فالمُرادُ بِالآياتِ: إمّا القرآن أوْ ما يَعُمُّ كُلَّهُ وبَعْضَهُ أوْ ما يَعُمُّ سائِرَ مُعْجِزاتِهِ أيْضًَا وإنْ أُرِيدَ بِهِمُ الجِنْسُ المُتَناوِلُ لَهم تَناوُلًَا أوَّلِيًَّا فالمُرادُ بِالآياتِ ما يَعُمُّ المَذْكُوراتِ وسائِرَ الشَّواهِدِ الَّتِي أُوتِيَها الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ.

﴿سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نارًا﴾ قالَ سِيبَوَيْهِ: "سَوْفَ" كَلِمَةٌ تُذْكَرُ لِلتَّهْدِيدِ والوَعِيدِ ويَنُوبُ عَنْها السِّينُ وقَدْ يُذْكَرانِ في الوَعْدِ فَيُفِيدانِ التَّأْكِيدَ، أيْ: نُدْخِلُهم نارًَا عَظِيمَةً هائِلَةً.

﴿كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ﴾ أيِ: احْتَرَقَتْ و"كُلَّما" ظَرْفُ زَمانٍ والعامِلُ فِيهِ ﴿بَدَّلْناهم جُلُودًا غَيْرَها﴾ مِن قَبِيلِ بَدَّلَهُ بِخَوْفِهِ أمْنًَا لا مِن قَبِيلِ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ، أيْ: أعْطَيْناهم مَكانَ كُلِّ جِلْدٍ مُحْتَرِقٍ عِنْدَ احْتِراقِهِ جِلْدًَا جَدِيدًَا مُغايِرًَا لِلْمُحْتَرِقِ صُورَةً وإنْ كانَ عَيْنَهُ مادَّةً بِأنْ يُزالَ عَنْهُ الِاحْتِراقُ لِيَعُودَ إحْساسُهُ لِلْعَذابِ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى أنَّها حالٌ مِن ضَمِيرِ "نُصْلِيهِمْ" وقَدْ جُوِّزَ كَوْنُها لِـ"نارًَا" عَلى حَذْفِ العائِدِ أيْ: كُلَّما نَضِجَتْ فِيها جُلُودُهُمْ، فَمَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِيَذُوقُوُا العَذابَ﴾ لِيَدُومَ ذَوْقُهُ ولا يَنْقَطِعَ كَقَوْلِكَ لِلْعَزِيزِ: "أعَزَّكَ اللَّهُ"، وقِيلَ: يَخْلُقُ مَكانَهُ جِلْدًَا آخَرَ والعَذابُ لِلنَّفْسِ العاصِيَةِ لا لِآلَةِ إدْراكِها. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: يُبَدَّلُونَ جُلُودًَا بَيْضاءَ كَأمْثالِ القَراطِيسِ. ورُوِيَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ قُرِئَتْ عِنْدَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فَقالَ لِلْقارِئِ: أعِدْها فَأعادَها وكانَ عِنْدَهُ مُعاذُ بْنُ جَبَلٍ فَقالَ مُعاذٌ: عِنْدِي تَفْسِيرُها يُبَدَّلُ في ساعَةٍ مِائَةَ مَرَّةٍ فَقالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: هَكَذا سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ. وقالَ الحَسَنُ تَأْكُلُهُمُ النّارُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعِينَ ألْفَ مَرَّةٍ كُلَّما أكَلَتْهم. قِيلَ لَهُمْ: عُودُوا فَيَعُودُونَ كَما كانُوا. ورَوى أبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّ بَيْنَ مَنكِبَيِ الكافِرِ مَسِيرَةَ ثَلاثَةِ أيّامٍ لِلرّاكِبِ المُسْرِعِ. وعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ﴿ضِرْسُ الكافِرِ أوْ نابُ الكافِرِ مِثْلُ أُحُدٍ وغِلَظُ جِلْدِهِ مَسِيرَةُ ثَلاثَةِ أيّامٍ﴾ والتَّعْبِيرُ عَنْ إدْراكِ العَذابِ بِالذَّوْقِ لَيْسَ لِبَيانِ قِلَّتِهِ بَلْ لِبَيانِ أنَّ إحْساسَهم بِالعَذابِ في كُلِّ مَرَّةٍ كَإحْساسِ الذّائِقِ بِالمَذُوقِ مِن حَيْثُ إنَّهُ لا يَدْخُلُهُ نُقْصانٌ لِدَوامِ المُلابَسَةِ أوْ لِلْإشْعارِ بِمَرارَةِ العَذابِ مَعَ إيلامِهِ أوْ لِلتَّنْبِيهِ عَلى شِدَّةِ تَأْثِيرِهِ مِن حَيْثُ إنَّ القُوَّةَ الذّائِقَةَ أشَدُّ الحَواسِّ تَأثُّرًَا أوْ عَلى سِرايَتِهِ لِلْباطِنِ، ولَعَلَّ السِّرَّ في تَبْدِيلِ الجُلُودِ مَعَ قدرته تعالى عَلى إبْقاءِ إدْراكِ العَذابِ وذَوْقِهِ بِحالِهِ مَعَ الِاحْتِراقِ ومَعَ إبْقاءِ أبْدانِهِمْ عَلى حالِها مَصُونَةً عَنِ الاحْتِراقِ أنَّ النَّفْسَ رُبَّما تَتَوَهَّمُ زَوالَ الإدْراكِ بِالِاحْتِراقِ، ولا تَسْتَبْعِدُ كُلَّ الِاسْتِبْعادِ أنْ تَكُونَ مَصُونَةً عَنِ التَّألُّمِ والعَذابِ بِصِيانَةِ بَدَنِها عَنِ الاحْتِراقِ.

﴿إنَّ اللَّهَ كانَ عَزِيزًا﴾ لا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ ما يُرِيدُهُ ولا يُمانِعُهُ أحَدٌ.

﴿حَكِيمًا﴾ يُعاقِبُ مَن يُعاقِبُهُ عَلى وفْقِ …

57

وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّٰتٍۢ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدًۭا ۖ لَّهُمْ فِيهَآ أَزْوَٰجٌۭ مُّطَهَّرَةٌۭ ۖ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّۭا ظَلِيلًا

But those who believe and do righteous deeds - We will admit them to gardens beneath which rivers flow, wherein they abide forever. For them therein are purified spouses, and We will admit them to deepening shade.

﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ عُقِّبَ بَيانُ سُوءِ حالِ الكَفَرَةِ بِبَيانِ حُسْنِ حالِ المُؤْمِنِينَ تَكْمِيلًَا لِمَساءَةِ الأوَّلِينَ ومَسَرَّةِ الآخِرِينَ، أيِ: الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنا وعَمِلُوا بِمُقْتَضَياتِها، وهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَنُدْخِلُهم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾، وقُرِئَ "سَيُدْخِلُهُمْ" بِالياءِ رَدًَّا عَلى الِاسْمِ الجَلِيلِ وفي السِّينِ تَأْكِيدٌ لِلْوَعْدِ.

﴿خالِدِينَ فِيها أبَدًا﴾ حالٌ مُقَدَّرَةٌ مِنَ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ في "سَنُدْخِلُهُمْ". وقَوْلُهُ عَزَّ وعَلا: ﴿لَهم فِيها أزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ أيْ: مِمّا في نِساءِ الدُّنْيا مِنَ الأحْوالِ المُسْتَقْذَرَةِ البَدَنِيَّةِ والأدْناسِ الطَّبِيعِيَّةِ، في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى أنَّهُ حالٌ مِن "جَنّاتٍ" أوْ حالٌ ثانِيَةٌ مِنَ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ أوْ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِـ"جَنّاتٍ" بَعْدَ صِفَةٍ أوْ في مَحَلِّ الرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِلْمَوْصُولِ بَعْدَ خَبَرٍ.

﴿وَنُدْخِلُهم ظِلا ظَلِيلا﴾ أيْ: فَيْنانًَا لا جَوْبَ فِيهِ دائِمًَا لا تَنْسَخُهُ شَمْسٌ اللَّهُمَّ ارْزُقْنا ذَلِكَ بِفَضْلِكَ وكَرَمِكَ يا أرْحَمَ الرّاحِمِينَ، والظَّلِيلُ: صِفَةٌ مُشْتَقَّةٌ مِن لَفْظِ الظِّلِّ لِلتَّأْكِيدِ كَما في لَيْلٍ ألْيَلَ ويَوْمٍ أيْوَمَ، وقُرِئَ "يُدْخِلُهُمْ" بِالياءِ وهو عَطْفٌ عَلى "سَيُدْخِلُهُمْ" لا عَلى أنَّهُ غَيْرُ الإدْخالِ الأوَّلِ بِالذّاتِ بَلْ بِالعُنْوانِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَمّا جاءَ أمْرُنا نَجَّيْنا هُودًا والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا ونَجَّيْناهم مِن عَذابٍ غَلِيظٍ﴾ .

58

۞ إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا۟ ٱلْأَمَٰنَٰتِ إِلَىٰٓ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ ٱلنَّاسِ أَن تَحْكُمُوا۟ بِٱلْعَدْلِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِۦٓ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ سَمِيعًۢا بَصِيرًۭا

Indeed, Allah commands you to render trusts to whom they are due and when you judge between people to judge with justice. Excellent is that which Allah instructs you. Indeed, Allah is ever Hearing and Seeing.

﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكم أنْ تُؤَدُّوُا الأماناتِ إلى أهْلِها﴾ في تَصْدِيرِ الكَلامِ بِكَلِمَةِ التَّحْقِيقِ وإظْهارِ الِاسْمِ الجَلِيلِ وإيرادِ الأمْرِ عَلى صُورَةِ الإخْبارِ مِنَ الفَخامَةِ وتَأْكِيدِ وُجُوبِ الِامْتِثالِ بِهِ والدِّلالَةِ عَلى الِاعْتِناءِ بِشَأْنِهِ ما لا مَزِيدَ عَلَيْهِ، وهو خِطابٌ يَعُمُّ حُكْمُهُ المُكَلَّفِينَ قاطِبَةً كَما أنَّ الأماناتِ تَعُمُّ جَمِيعَ الحُقُوقِ المُتَعَلِّقَةِ بِذِمَمِهِمْ مِن حُقُوقِ اللَّهِ تَعالى وحُقُوقِ العِبادِ سَواءً كانَتْ فِعْلِيَّةً أوْ قَوْلِيَّةً أوِ اعْتِقادِيَّةً، وإنَّهُ ورَدَ في شَأْنِ عُثْمانَ بْنِ طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ الدّارِ سادِنِ الكَعْبَةِ المُعَظَّمَةِ وذَلِكَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حِينَ دَخَلَ مَكَّةَ يَوْمَ الفَتْحِ أغْلَقَ عُثْمانُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بابَ الكَعْبَةِ وصَعِدَ السَّطْحَ وأبى أنْ يَدْفَعَ المِفْتاحَ إلَيْهِ وقالَ: لَوْ عَلِمْتُ أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ لَمْ أمْنَعْهُ فَلَوى عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ يَدَهُ وأخَذَهُ مِنهُ وفَتَحَ ودَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ وصَلّى رَكْعَتَيْنِ فَلَمّا خَرَجَ سَألَهُ العَبّاسُ أنْ يُعْطِيَهُ المِفْتاحَ ويَجْمَعَ لَهُ السِّقايَةَ والسِّدانَةَ فَنَزَلَتْ فَأمَرَ عَلِيًَّا أنْ يَرُدَّهُ إلى عُثْمانَ ويَعْتَذِرَ إلَيْهِ فَقالَ عُثْمانُ لِعَلِيٍّ: أكْرَهْتَ وآذَيْتَ ثُمَّ جِئْتَ تَرْفُو فَقالَ: لَقَدْ أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى في شَأْنِكَ قُرْآنًَا فَقَرَأ عَلَيْهِ الآيَةَ فَقالَ عُثْمانُ: أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وأشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًَا رَسُولُ اللَّهِ فَهَبَطَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وأخْبَرَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أنَّ السِّدانَةَ في أوْلادِ عُثْمانَ أبَدًَا، وقُرِئَ الأمانَةَ عَلى التَّوْحِيدِ والمُرادُ الجِنْسُ لا المَعْهُودُ. وقِيلَ: هو أمْرٌ لِلْوُلاةِ بِأداءِ الحُقُوقِ المُتَعَلِّقَةِ بِذِمَمِهِمْ مِنَ المَناصِبِ وغَيْرِها إلى مُسْتَحِقِّها كَما أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وَإذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النّاسِ أنْ تَحْكُمُوا بِالعَدْلِ﴾ أمْرٌ لَهم بِإيصالِ الحُقُوقِ المُتَعَلِّقَةِ بِذِمَمِهِمْ مِنَ المَناصِبِ وغَيْرِها إلى مُسْتَحِقِّها كَما أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وَإذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النّاسِ أنْ تَحْكُمُوا بِالعَدْلِ﴾ أمْرٌ لَهم بِإيصالِ الحُقُوقِ المُتَعَلِّقَةِ بِذِمَمِ الغَيْرِ إلى أصْحابِها وحَيْثُ كانَ المَأْمُورُ بِهِ هَهُنا مُخْتَصًَّا بِوَقْتِ المُرافَعَةِ قُيِّدَ بِهِ بِخِلافِ المَأْمُورِ بِهِ أوَّلًَا فَإنَّهُ لَمّا لَمْ يَتَعَلَّقْ بِوَقْتٍ دُونَ وقْتٍ أُطْلِقَ إطْلاقًَا فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْ تَحْكُمُوا﴾ عَطْفٌ عَلى "أنْ تُؤَدُّوا"، قَدْ فُصِلَ بَيْنَ العاطِفِ والمَعْطُوفِ بِالظَّرْفِ المَعْمُولِ لَهُ عِنْدَ الكُوفِيِّينَ والمُقَدَّرُ يَدُلُّ هو عَلَيْهِ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ لِأنَّ ما بَعْدَ إنَّ لا يَعْمَلُ فِيما قَبْلَها عِنْدَهُمْ، أيْ: وأنْ تَحْكُمُوا إذا حَكَمْتُمْ إلَخْ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِالعَدْلِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ"تَحْكُمُوا" أوْ بِمُقَدَّرٍ وقَعَ حالًَا مِن فاعِلِهِ أيْ: مُلْتَبِسِينَ بِالعَدْلِ والإنْصافِ.

﴿إنَّ اللَّهَ نِعِمّا يَعِظُكم بِهِ﴾ "ما" إمّا مَنصُوبَةٌ مَوْصُوفَةٌ بِـ"يَعِظُكم بِهِ" أوْ مَرْفُوعَةٌ مَوْصُولَةٌ بِهِ كَأنَّهُ قِيلَ: نِعْمَ شَيْئًَا يَعِظُكم بِهِ أوْ نِعْمَ الشَّيْءُ الَّذِي يَعِظُكم بِهِ والمَخْصُوصُ بِالمَدْحِ مَحْذُوفٌ أيْ: نِعِمّا يَعِظُكم بِهِ ذَلِكَ وهو المَأْمُورُ بِهِ مِن أداءِ الأماناتِ والعَدْلِ في الحُكُوماتِ، وقُرِئَ "نَعِمّا" بِفَتْحِ النُّونِ والجُمْلَةُ مُسْتَأْنِفَةٌ مُقَرِّرَةٌ لِما قَبْلَها مُتَضَمِّنَةٌ لِمَزِيدِ لُطْفٍ بِالمُخاطَبِينَ وحُسْنِ …

59

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَأَطِيعُوا۟ ٱلرَّسُولَ وَأُو۟لِى ٱلْأَمْرِ مِنكُمْ ۖ فَإِن تَنَٰزَعْتُمْ فِى شَىْءٍۢ فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ ۚ ذَٰلِكَ خَيْرٌۭ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا

O you who have believed, obey Allah and obey the Messenger and those in authority among you. And if you disagree over anything, refer it to Allah and the Messenger, if you should believe in Allah and the Last Day. That is the best [way] and best in result.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بَعْدَ ما أمَرَ الوُلاةَ بِطَرِيقِ العُمُومِ أوْ بِطَرِيقِ الخُصُوصِ بِأداءِ الأماناتِ والعَدْلِ في الحُكُوماتِ أمَرَ سائِرَ النّاسِ بِطاعَتِهِمْ لَكِنْ لا مُطْلَقًَا بَلْ في ضِمْنِ طاعَةِ اللَّهِ تَعالى وطاعَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَيْثُ قِيلَ: ﴿أطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ وأُولِي الأمْرِ مِنكُمْ﴾ وهم أُمَراءُ الحَقِّ ووُلاةُ العَدْلِ كالخُلَفاءِ الرّاشِدِينَ ومَن يَقْتَدِي بِهِمْ مِنَ المُهْتَدِينَ، وأمّا أُمَراءُ الجَوْرِ فَبِمَعْزِلٍ مِنِ اسْتِحْقاقِ العَطْفِ عَلى اللَّهِ تَعالى والرَّسُولِ ﷺ في وُجُوبِ الطّاعَةِ لَهم وقِيلَ: هم عُلَماءُ الشَّرْعِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إلى الرَّسُولِ وإلى أُولِي الأمْرِ مِنهم لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنهُمْ﴾ ويَأْباهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنْ تَنازَعْتُمْ في شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلى اللَّهِ﴾ إذْ لَيْسَ لِلْمُقَلِّدِ أنْ يُنازِعَ المُجْتَهِدَ في حُكْمِهِ إلّا أنْ يُجْعَلَ الخِطابُ لِأُولِي الأمْرِ بِطَرِيقِ الِالتِفاتِ وفِيهِ بُعْدٌ، وتَصْدِيرُ الشَّرْطِيَّةِ بِالفاءِ لِتَرَتُّبِها عَلى ما قَبْلَها فَإنَّ بَيانَ حُكْمِ طاعَةِ أُولِي الأمْرِ عِنْدَ مُوافَقَتِها لِطاعَةِ اللَّهِ تَعالى وطاعَةِ الرَّسُولِ ﷺ يَسْتَدْعِي بَيانَ حُكْمِها عِنْدَ المُخالَفَةِ، أيْ: إنِ اخْتَلَفْتُمْ أنْتُمْ وأُولُوُا الأمْرِ مِنكم في أمْرٍ مِن أُمُورِ الدِّينِ فَراجِعُوا فِيهِ إلى كِتابِ اللَّهِ.

﴿والرَّسُولِ﴾ أيْ: إلى سُنَّتِهِ وقَدِ اسْتَدَلَّ بِهِ مُنْكِرُو القِياسِ (وَهُوَ في الحَقِيقَةِ دَلِيلٌ عَلى حُجِّيَّتِهِ كَيْفَ لا؟ ورَدُّ المُخْتَلَفِ فِيهِ إلى المَنصُوصِ عَلَيْهِ إنَّما يَكُونُ بِالتَّمْثِيلِ والبِناءِ عَلَيْهِ وهو المَعْنِيُّ بِالقِياسِ، ويُؤَيِّدُهُ الأمْرُ بِهِ بَعْدَ الأمْرِ بِطاعَةِ اللَّهِ تَعالى وبِطاعَةِ رَسُولِهِ ﷺ فَإنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّ الأحْكامَ ثَلاثَةٌ ثابِتٌ بِالكِتابِ وثابِتٌ بِالسُّنَّةِ وثابِتٌ بِالرَّدِّ إلَيْهِما بِالقِياسِ.

﴿إنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِالأمْرِ الأخِيرِ الوارِدِ في مَحَلِّ النِّزاعِ إذْ هو المُحْتاجُ إلى التَّحْذِيرِ مِنَ المُخالَفَةِ، وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ عِنْدَ جُمْهُورِ البَصْرِيِّينَ ثِقَةً بِدِلالَةِ المَذْكُورِ عَلَيْهِ أيْ: إنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ فَرُدُّوهُ إلَخْ، فَإنَّ الإيمانَ بِهِما يُوجِبُ ذَلِكَ أمّا الإيمان باللَّهِ تَعالى فَظاهِرٌ وأمّا الإيمان باليَوْمِ الآخِرِ فَلِما فِيهِ مِنَ العِقابِ عَلى المُخالَفَةِ.

﴿ذَلِكَ﴾ أيِ: الرَّدُّ المَأْمُورُ بِهِ.

﴿خَيْرٌ﴾ لَكم وأصْلَحُ.

﴿وَأحْسَنُ﴾ في نَفْسِهِ.

﴿تَأْوِيلا﴾ أيْ: عاقِبَةً ومَآلًَا، وتَقْدِيمُ خَيْرِيَّتِهِ لَهم عَلى أحْسَنِيَّتِهِ في نَفْسِهِ لِما مَرَّ مِن تَعَلُّقِ أنْظارِهِمْ بِما يَنْفَعُهم والمُرادُ: بَيانُ اتِّصافِهِ في نَفْسِهِ بِالخَيْرِيَّةِ الكامِلَةِ في حَدِّ ذاتِهِ مِن غَيْرِ اعْتِبارِ فَضْلِهِ عَلى شَيْءٍ يُشارِكُهُ في أصْلِ الخَيْرِيَّةِ والحُسْنِ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ التَّحْذِيرُ السّابِقُ.

60

أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ ءَامَنُوا۟ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوٓا۟ إِلَى ٱلطَّٰغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوٓا۟ أَن يَكْفُرُوا۟ بِهِۦ وَيُرِيدُ ٱلشَّيْطَٰنُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلَٰلًۢا بَعِيدًۭا

Have you not seen those who claim to have believed in what was revealed to you, [O Muhammad], and what was revealed before you? They wish to refer legislation to Taghut, while they were commanded to reject it; and Satan wishes to lead them far astray.

﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أنَّهم آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ وما أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ﴾ تَلْوِينٌ لِلْخِطابِ وتَوْجِيهٌ لَهُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَعْجِيبًَا لَهُ مِن حالِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ ما مَرَّ مِنَ الأمْرِ المَحْتُومِ ولا يُطِيعُونَ اللَّهَ ولا رَسُولَهُ، ووَصْفُهم بِادِّعاءِ الإيمان بالقرآن وبِما أُنْزِلَ مِن قَبْلِهِ - أعْنِي التَّوْراةَ - لِتَأْكِيدِ التَّعْجِيبِ وتَشْدِيدِ التَّوْبِيخِ والِاسْتِقْباحِ بِبَيانِ كَمالِ المُبايَنَةِ بَيْنَ دَعْواهم وبَيْنَ ما صَدَرَ عَنْهُمْ، وقُرِئَ الفِعْلانِ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿يُرِيدُونَ أنْ يَتَحاكَمُوا إلى الطّاغُوتِ﴾ اسْتِئْنافٌ سِيقَ لِبَيانِ مَحَلِّ التَّعْجِيبِ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ نَشَأ مِن صَدْرِ الكَلامِ كَأنَّهُ قِيلَ: ماذا يَفْعَلُونَ؟ فَقِيلَ: يُرِيدُونَ إلَخْ. رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّ مُنافِقًَا خاصَمَ يَهُودِيًَّا فَدَعاهُ اليَهُودِيُّ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ودَعاهُ المُنافِقُ إلى كَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ ثُمَّ إنَّهُما احْتَكَما إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَضى لِلْيَهُودِيِّ فَلَمْ يَرْضَ بِهِ المُنافِقُ فَدَعاهُ إلى عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقالَ اليَهُودِيُّ: قَضى لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَلَمْ يَرْضَ بِقَضائِهِ فَقالَ عُمَرُ لِلْمُنافِقِ: أهَكَذا؟ قالَ: نَعَمْ، فَقالَ عُمَرُ: مَكانَكُما حَتّى أخْرُجَ إلَيْكُما فَدَخَلَ فاشْتَمَلَ عَلى سَيْفِهِ ثُمَّ خَرَجَ فَضَرَبَ بِهِ عُنُقَ المُنافِقِ حَتّى بَرَدَ ثُمَّ قالَ هَكَذا أقْضِي لِمَن لَمْ يَرْضَ بِقَضاءِ اللَّهِ وقَضاءِ رَسُولِهِ فَنَزَلَتْ فَهَبَطَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وقالَ: إنَّ عُمَرَ فَرَّقَ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أنْتَ الفارُوقُ، فالطّاغُوتُ كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ سُمِّيَ بِهِ لِإفْراطِهِ في الطُّغْيانِ وعَداوَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أوْ عَلى التَّشْبِيهِ بِالشَّيْطانِ والتَّسْمِيَةِ بِاسْمِهِ أوْ جُعِلَ اخْتِيارُ التَّحاكُمِ إلى غَيْرِ النَّبِيِّ ﷺ عَلى التَّحاكُمِ إلَيْهِ تَحاكُمًَا إلى الشَّيْطانِ. وقالَ الضَّحّاكُ: المُرادُ بِالطّاغُوتِ: كَهَنَةُ اليَهُودِ وسَحَرَتُهم. وعَنِ الشَّعْبِيِّ أنَّ المُنافِقَ دَعا خَصْمَهُ إلى كاهِنٍ في جُهَيْنَةَ فَتَحاكَما إلَيْهِ. وعَنِ السُّدِّيِّ أنَّ الحادِثَةَ وقَعَتْ في قَتِيلٍ بَيْنَ بَنِي قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ فَتَحاكَمَ المُسْلِمُونَ مِنَ الفَرِيقَيْنِ إلى النَّبِيِّ ﷺ وأبى المُنافِقُونَ مِنهُما إلّا التَّحاكُمَ إلى أبِي بُرْدَةَ الكاهِنِ الأسْلَمِيِّ فَتَحاكَمُوا إلَيْهِ فَيَكُونُ الِاقْتِصارُ حِينَئِذٍ فِي مَعْرِضِ التَّعْجِيبِ والِاسْتِقْباحِ عَلى ذِكْرِ إرادَةِ التَّحاكُمِ دُونَ نَفْسِهِ مَعَ وُقُوعِهِ أيْضًَا لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ إرادَتَهُ مِمّا يَقْضِي مِنهُ العَجَبَ ولا يَنْبَغِي أنْ يَدْخُلَ تَحْتَ الوُقُوعِ فَما ظَنُّكَ بِنَفْسِهِ وهَذا أنْسَبُ بِوَصْفِ المُنافِقِينَ بِادِّعاءِ الإيمان بالتَّوْراةِ فَإنَّهُ كَما يَقْتَضِي كَوْنَهم مِن مُنافِقِي اليَهُودِ يَقْتَضِي كَوْنَ ما صَدَرَ عَنْهم مِنَ التَّحاكُمِ ظاهِرَ المُنافاةِ لِادِّعاءِ الإيمان بالتَّوْراةِ ولَيْسَ التَّحاكُمُ إلى كَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ بِهَذِهِ المَثابَةِ مِنَ الظُّهُورِ وأيْضًَا فالمُتَبادِرُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَقَدْ أُمِرُوا أنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾ كَوْنُهم مَأْمُورِينَ بِكُفْرِهِ في الكِتابَيْنِ وما ذاكَ إلّا الشَّيْطانُ وأوْلِياؤُهُ المَشْهُورُونَ بِوِلايَتِهِ كالكَهَنَةِ ونَظائِرِهِمْ لا مَن عَداهم مِمَّنْ لَمْ يُشْتَهَرْ بِذَلِكَ، وقُرِئَ أنْ يَكْفُرُوا بِها عَلى أنَّ …

Commentary: Irshad al-'Aql al-Salim by Abu al-Su'ud. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.