Muslim99Muslim99
← Tafsir library

4. An-Nisaa

The Women · Medinan · 176 ayahs

سُورَةُ النِّسَاءِ

Reading Al-Bahr al-Muhit by Abu Hayyan al-Gharnati

Ayahs 51–60 of 176

51

أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ نَصِيبًۭا مِّنَ ٱلْكِتَٰبِ يُؤْمِنُونَ بِٱلْجِبْتِ وَٱلطَّٰغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا۟ هَٰٓؤُلَآءِ أَهْدَىٰ مِنَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ سَبِيلًا

Have you not seen those who were given a portion of the Scripture, who believe in superstition and false objects of worship and say about the disbelievers, "These are better guided than the believers as to the way"?

﴿ويَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾ الضَّمِيرُ في يَقُولُونَ عائِدٌ عَلى الَّذِينَ أُوتُوا. وفي سَبَبِ النُّزُولِ أنَّ كَعْبًا هو قائِلُ هَذِهِ المَقالَةِ. والجُمْلَةُ مِن يُؤْمِنُونَ حالٌ، ويَقُولُونَ مَعْطُوفٌ عَلى يُؤْمِنُونَ فَهي حالٌ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اسْتِئْنافَ أخْبارٍ تُبَيِّنُ التَّعَجُّبَ مِنهم كَأنَّهُ قالَ: ألا تَعْجَبُ إلى حالِ الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا؛ فَكَأنَّهُ قِيلَ، وما حالُهم، وهم قَدْ أُوتُوا نَصِيبًا مِن كِتابِ اللَّهِ ؟ فَقالَ: يُؤْمِنُونَ بِكَذا، ويَقُولُونَ كَذا؛ أيْ أنَّ أحْوالَهم مُتَنافِيَةٌ؛ فَكَوْنُهم أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ يَقْتَضِي لَهم أنْ لا يَقَعُوا فِيما وقَعُوا فِيهِ؛ ولَكِنَّ الحامِلَ لَهم عَلى ذَلِكَ هو الحَسَدُ. واللّامُ في لِلَّذِينِ كَفَرُوا لِلتَّبْلِيغِ مُتَعَلِّقَةٌ بِيَقُولُونَ. والَّذِينَ كَفَرُوا هم قُرَيْشٌ والإشارَةُ بِهَؤُلاءِ إلَيْهِمْ والَّذِينَ آمَنُوا هُمُ النَّبِيُّ وأُمَّتُهُ. والظّاهِرُ أنَّهم أطْلَقُوا أفْعَلَ التَّفْضِيلِ، ولَمْ يَلْحَظُوا مَعْنى التَّشْرِيكِ فِيهِ، أوْ قالُوا ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ لِكُفْرِهِمْ.

﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾ إشارَةٌ إلى مَن آمَنَ بِالجِبْتِ والطّاغُوتِ، وقالَ تِلْكَ المَقالَةَ، أبْعَدَهُمُ اللَّهُ تَعالى، ومَقَتَهم.

﴿ومَن يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا﴾؛ أيْ مَن يَنْصُرُهُ، ويَمْنَعُهُ مِن آثارِ اللَّعْنَةِ، وهو العَذابُ العَظِيمُ.

﴿أمْ لَهم نَصِيبٌ مِنَ المُلْكِ﴾ أمْ هُنا مُنْقَطِعَةُ التَّقْدِيرِ: بَلْ ألَهم نَصِيبٌ مِنَ المُلْكِ انْتَقَلَ مِنَ الكَلامِ إلى كَلامٍ تامٍّ، واسْتَفْهَمَ عَلى الإنْكارِ أنْ يَكُونَ لَهم نَصِيبٌ مِنَ المُلْكِ. وحَكى ابْنُ قُتَيْبَةَ أنَّ أمْ يُسْتَفْهَمُ بِها ابْتِداءً. وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ. أمْ هُنا بِمَعْنى بَلْ؛ وفَسَّرُوا عَلى سَبِيلِ الإخْبارِ أنَّهم مُلُوكُ أهْلِ الدُّنْيا، وعُتُوٌّ وتَنَعُّمٌ لا يَبْغُونَ غَيْرَ ذَلِكَ، فَهم بُخَلاءُ حَرِيصُونَ عَلى أنْ لا يَكُونَ ظُهُورٌ لِغَيْرِهِمْ. والمَعْنى عَلى القَوْلِ الأوَّلِ: بَلْ ألَهم نَصِيبٌ مِنَ المُلْكِ ؟ فَلَوْ كانَ لَهم نَصِيبٌ مِنَ المُلْكِ لَبَخِلُوا بِهِ. والمُلْكُ مُلْكُ أهْلِ الدُّنْيا؛ وهو الظّاهِرُ، أوْ مُلْكُ اللَّهِ لِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ لَوْ أنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إذًا لَأمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الإنْفاقِ﴾ [الإسراء: ١٠٠]، وقِيلَ المالُ؛ لِأنَّهُ بِهِ يُنالُ المُلْكُ، وهو أساسُهُ. وقِيلَ اسْتِحْقاقُ الطّاعَةِ. وقِيلَ النُّبُوَّةُ وقِيلَ صِدْقُ الفِراسَةِ ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ. والأفْصَحُ إلْغاءُ (إذًا) بَعْدَ حَرْفِ العَطْفِ الواوِ والفاءِ، وعَلَيْهِ أكْثَرُ القُرّاءِ.

وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبّاسٍ: (لا يُؤْتُوا) بِحَذْفِ النُّونِ عَلى إعْمالِ إذًا. والنّاسُ هُنا العَرَبُ، أوِ المُؤْمِنُونَ، أوِ النَّبِيُّ، أوْ مِنَ اليَهُودِ، وغَيْرِهِمْ أقْوالٌ. والنَّقِيرُ: النُّقْطَةُ في ظَهْرِ النَّواةِ رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ، وعَطاءٌ وقَتادَةُ والضِّحاكُ، وابْنُ زَيْدٍ والسُّدِّيُّ، ومُقاتِلٌ والفَرّاءُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ في آخَرِينَ. وقِيلَ القِشْرُ يَكُونُ في وسَطِ النَّواةِ. رَواهُ التَّمِيمِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. أوِ الخَيْطُ في وسَطِ النَّواةِ. رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ، أوْ نَقْرُ الرَّجُلِ الشَّيْءَ بِطَرَفِ إبْهامِهِ رَواهُ أبُو العالِيَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. أوْ حَبَّةُ النَّواةِ الَّتِي في وسَطِها رَواهُ ابْنُ أبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجاهِدٍ. وقالَ الأزْهَرِيُّ: …

52

أُو۟لَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ لَعَنَهُمُ ٱللَّهُ ۖ وَمَن يَلْعَنِ ٱللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُۥ نَصِيرًا

Those are the ones whom Allah has cursed; and he whom Allah curses - never will you find for him a helper.

﴿ويَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾ الضَّمِيرُ في يَقُولُونَ عائِدٌ عَلى الَّذِينَ أُوتُوا. وفي سَبَبِ النُّزُولِ أنَّ كَعْبًا هو قائِلُ هَذِهِ المَقالَةِ. والجُمْلَةُ مِن يُؤْمِنُونَ حالٌ، ويَقُولُونَ مَعْطُوفٌ عَلى يُؤْمِنُونَ فَهي حالٌ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اسْتِئْنافَ أخْبارٍ تُبَيِّنُ التَّعَجُّبَ مِنهم كَأنَّهُ قالَ: ألا تَعْجَبُ إلى حالِ الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا؛ فَكَأنَّهُ قِيلَ، وما حالُهم، وهم قَدْ أُوتُوا نَصِيبًا مِن كِتابِ اللَّهِ ؟ فَقالَ: يُؤْمِنُونَ بِكَذا، ويَقُولُونَ كَذا؛ أيْ أنَّ أحْوالَهم مُتَنافِيَةٌ؛ فَكَوْنُهم أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ يَقْتَضِي لَهم أنْ لا يَقَعُوا فِيما وقَعُوا فِيهِ؛ ولَكِنَّ الحامِلَ لَهم عَلى ذَلِكَ هو الحَسَدُ. واللّامُ في لِلَّذِينِ كَفَرُوا لِلتَّبْلِيغِ مُتَعَلِّقَةٌ بِيَقُولُونَ. والَّذِينَ كَفَرُوا هم قُرَيْشٌ والإشارَةُ بِهَؤُلاءِ إلَيْهِمْ والَّذِينَ آمَنُوا هُمُ النَّبِيُّ وأُمَّتُهُ. والظّاهِرُ أنَّهم أطْلَقُوا أفْعَلَ التَّفْضِيلِ، ولَمْ يَلْحَظُوا مَعْنى التَّشْرِيكِ فِيهِ، أوْ قالُوا ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ لِكُفْرِهِمْ.

﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾ إشارَةٌ إلى مَن آمَنَ بِالجِبْتِ والطّاغُوتِ، وقالَ تِلْكَ المَقالَةَ، أبْعَدَهُمُ اللَّهُ تَعالى، ومَقَتَهم.

﴿ومَن يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا﴾؛ أيْ مَن يَنْصُرُهُ، ويَمْنَعُهُ مِن آثارِ اللَّعْنَةِ، وهو العَذابُ العَظِيمُ.

﴿أمْ لَهم نَصِيبٌ مِنَ المُلْكِ﴾ أمْ هُنا مُنْقَطِعَةُ التَّقْدِيرِ: بَلْ ألَهم نَصِيبٌ مِنَ المُلْكِ انْتَقَلَ مِنَ الكَلامِ إلى كَلامٍ تامٍّ، واسْتَفْهَمَ عَلى الإنْكارِ أنْ يَكُونَ لَهم نَصِيبٌ مِنَ المُلْكِ. وحَكى ابْنُ قُتَيْبَةَ أنَّ أمْ يُسْتَفْهَمُ بِها ابْتِداءً. وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ. أمْ هُنا بِمَعْنى بَلْ؛ وفَسَّرُوا عَلى سَبِيلِ الإخْبارِ أنَّهم مُلُوكُ أهْلِ الدُّنْيا، وعُتُوٌّ وتَنَعُّمٌ لا يَبْغُونَ غَيْرَ ذَلِكَ، فَهم بُخَلاءُ حَرِيصُونَ عَلى أنْ لا يَكُونَ ظُهُورٌ لِغَيْرِهِمْ. والمَعْنى عَلى القَوْلِ الأوَّلِ: بَلْ ألَهم نَصِيبٌ مِنَ المُلْكِ ؟ فَلَوْ كانَ لَهم نَصِيبٌ مِنَ المُلْكِ لَبَخِلُوا بِهِ. والمُلْكُ مُلْكُ أهْلِ الدُّنْيا؛ وهو الظّاهِرُ، أوْ مُلْكُ اللَّهِ لِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ لَوْ أنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إذًا لَأمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الإنْفاقِ﴾ [الإسراء: ١٠٠]، وقِيلَ المالُ؛ لِأنَّهُ بِهِ يُنالُ المُلْكُ، وهو أساسُهُ. وقِيلَ اسْتِحْقاقُ الطّاعَةِ. وقِيلَ النُّبُوَّةُ وقِيلَ صِدْقُ الفِراسَةِ ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ. والأفْصَحُ إلْغاءُ (إذًا) بَعْدَ حَرْفِ العَطْفِ الواوِ والفاءِ، وعَلَيْهِ أكْثَرُ القُرّاءِ.

وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبّاسٍ: (لا يُؤْتُوا) بِحَذْفِ النُّونِ عَلى إعْمالِ إذًا. والنّاسُ هُنا العَرَبُ، أوِ المُؤْمِنُونَ، أوِ النَّبِيُّ، أوْ مِنَ اليَهُودِ، وغَيْرِهِمْ أقْوالٌ. والنَّقِيرُ: النُّقْطَةُ في ظَهْرِ النَّواةِ رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ، وعَطاءٌ وقَتادَةُ والضِّحاكُ، وابْنُ زَيْدٍ والسُّدِّيُّ، ومُقاتِلٌ والفَرّاءُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ في آخَرِينَ. وقِيلَ القِشْرُ يَكُونُ في وسَطِ النَّواةِ. رَواهُ التَّمِيمِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. أوِ الخَيْطُ في وسَطِ النَّواةِ. رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ، أوْ نَقْرُ الرَّجُلِ الشَّيْءَ بِطَرَفِ إبْهامِهِ رَواهُ أبُو العالِيَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. أوْ حَبَّةُ النَّواةِ الَّتِي في وسَطِها رَواهُ ابْنُ أبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجاهِدٍ. وقالَ الأزْهَرِيُّ: …

53

أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌۭ مِّنَ ٱلْمُلْكِ فَإِذًۭا لَّا يُؤْتُونَ ٱلنَّاسَ نَقِيرًا

Or have they a share of dominion? Then [if that were so], they would not give the people [even as much as] the speck on a date seed.

﴿ويَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾ الضَّمِيرُ في يَقُولُونَ عائِدٌ عَلى الَّذِينَ أُوتُوا. وفي سَبَبِ النُّزُولِ أنَّ كَعْبًا هو قائِلُ هَذِهِ المَقالَةِ. والجُمْلَةُ مِن يُؤْمِنُونَ حالٌ، ويَقُولُونَ مَعْطُوفٌ عَلى يُؤْمِنُونَ فَهي حالٌ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اسْتِئْنافَ أخْبارٍ تُبَيِّنُ التَّعَجُّبَ مِنهم كَأنَّهُ قالَ: ألا تَعْجَبُ إلى حالِ الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا؛ فَكَأنَّهُ قِيلَ، وما حالُهم، وهم قَدْ أُوتُوا نَصِيبًا مِن كِتابِ اللَّهِ ؟ فَقالَ: يُؤْمِنُونَ بِكَذا، ويَقُولُونَ كَذا؛ أيْ أنَّ أحْوالَهم مُتَنافِيَةٌ؛ فَكَوْنُهم أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ يَقْتَضِي لَهم أنْ لا يَقَعُوا فِيما وقَعُوا فِيهِ؛ ولَكِنَّ الحامِلَ لَهم عَلى ذَلِكَ هو الحَسَدُ. واللّامُ في لِلَّذِينِ كَفَرُوا لِلتَّبْلِيغِ مُتَعَلِّقَةٌ بِيَقُولُونَ. والَّذِينَ كَفَرُوا هم قُرَيْشٌ والإشارَةُ بِهَؤُلاءِ إلَيْهِمْ والَّذِينَ آمَنُوا هُمُ النَّبِيُّ وأُمَّتُهُ. والظّاهِرُ أنَّهم أطْلَقُوا أفْعَلَ التَّفْضِيلِ، ولَمْ يَلْحَظُوا مَعْنى التَّشْرِيكِ فِيهِ، أوْ قالُوا ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ لِكُفْرِهِمْ.

﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾ إشارَةٌ إلى مَن آمَنَ بِالجِبْتِ والطّاغُوتِ، وقالَ تِلْكَ المَقالَةَ، أبْعَدَهُمُ اللَّهُ تَعالى، ومَقَتَهم.

﴿ومَن يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا﴾؛ أيْ مَن يَنْصُرُهُ، ويَمْنَعُهُ مِن آثارِ اللَّعْنَةِ، وهو العَذابُ العَظِيمُ.

﴿أمْ لَهم نَصِيبٌ مِنَ المُلْكِ﴾ أمْ هُنا مُنْقَطِعَةُ التَّقْدِيرِ: بَلْ ألَهم نَصِيبٌ مِنَ المُلْكِ انْتَقَلَ مِنَ الكَلامِ إلى كَلامٍ تامٍّ، واسْتَفْهَمَ عَلى الإنْكارِ أنْ يَكُونَ لَهم نَصِيبٌ مِنَ المُلْكِ. وحَكى ابْنُ قُتَيْبَةَ أنَّ أمْ يُسْتَفْهَمُ بِها ابْتِداءً. وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ. أمْ هُنا بِمَعْنى بَلْ؛ وفَسَّرُوا عَلى سَبِيلِ الإخْبارِ أنَّهم مُلُوكُ أهْلِ الدُّنْيا، وعُتُوٌّ وتَنَعُّمٌ لا يَبْغُونَ غَيْرَ ذَلِكَ، فَهم بُخَلاءُ حَرِيصُونَ عَلى أنْ لا يَكُونَ ظُهُورٌ لِغَيْرِهِمْ. والمَعْنى عَلى القَوْلِ الأوَّلِ: بَلْ ألَهم نَصِيبٌ مِنَ المُلْكِ ؟ فَلَوْ كانَ لَهم نَصِيبٌ مِنَ المُلْكِ لَبَخِلُوا بِهِ. والمُلْكُ مُلْكُ أهْلِ الدُّنْيا؛ وهو الظّاهِرُ، أوْ مُلْكُ اللَّهِ لِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ لَوْ أنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إذًا لَأمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الإنْفاقِ﴾ [الإسراء: ١٠٠]، وقِيلَ المالُ؛ لِأنَّهُ بِهِ يُنالُ المُلْكُ، وهو أساسُهُ. وقِيلَ اسْتِحْقاقُ الطّاعَةِ. وقِيلَ النُّبُوَّةُ وقِيلَ صِدْقُ الفِراسَةِ ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ. والأفْصَحُ إلْغاءُ (إذًا) بَعْدَ حَرْفِ العَطْفِ الواوِ والفاءِ، وعَلَيْهِ أكْثَرُ القُرّاءِ.

وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبّاسٍ: (لا يُؤْتُوا) بِحَذْفِ النُّونِ عَلى إعْمالِ إذًا. والنّاسُ هُنا العَرَبُ، أوِ المُؤْمِنُونَ، أوِ النَّبِيُّ، أوْ مِنَ اليَهُودِ، وغَيْرِهِمْ أقْوالٌ. والنَّقِيرُ: النُّقْطَةُ في ظَهْرِ النَّواةِ رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ، وعَطاءٌ وقَتادَةُ والضِّحاكُ، وابْنُ زَيْدٍ والسُّدِّيُّ، ومُقاتِلٌ والفَرّاءُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ في آخَرِينَ. وقِيلَ القِشْرُ يَكُونُ في وسَطِ النَّواةِ. رَواهُ التَّمِيمِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. أوِ الخَيْطُ في وسَطِ النَّواةِ. رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ، أوْ نَقْرُ الرَّجُلِ الشَّيْءَ بِطَرَفِ إبْهامِهِ رَواهُ أبُو العالِيَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. أوْ حَبَّةُ النَّواةِ الَّتِي في وسَطِها رَواهُ ابْنُ أبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجاهِدٍ. وقالَ الأزْهَرِيُّ: …

54

أَمْ يَحْسُدُونَ ٱلنَّاسَ عَلَىٰ مَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِۦ ۖ فَقَدْ ءَاتَيْنَآ ءَالَ إِبْرَٰهِيمَ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ وَءَاتَيْنَٰهُم مُّلْكًا عَظِيمًۭا

Or do they envy people for what Allah has given them of His bounty? But we had already given the family of Abraham the Scripture and wisdom and conferred upon them a great kingdom.

﴿أمْ يَحْسُدُونَ النّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ (أمْ) أيْضًا مُنْقَطِعَةٌ فَتُقَدَّرُ بِـ (بَلْ) . والهَمْزَةُ قِيلَ: لِلِانْتِقالِ مِن كَلامٍ إلى كَلامٍ. والهَمْزَةُ لِلِاسْتِفْهامِ الَّذِي يَصْحَبُهُ الإنْكارُ. أنْكَرَ عَلَيْهِمْ أوَّلًا البُخْلَ، ثُمَّ ثانِيًا الحَسَدَ. فالبُخْلُ مَنعُ وُصُولِ خَيْرٍ مِنَ الإنْسانِ إلى غَيْرِهِ، والحَسَدُ تَمَنِّي زَوالِ ما أعْطى اللَّهُ الإنْسانَ مِنَ الخَيْرِ، وإيتاؤُهُ لَهُ. نَعى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ تَحَلِّيَهم بِهاتَيْنِ الخَصْلَتَيْنِ الذَّمِيمَتَيْنِ. ولَمّا كانَ الحَسَدُ شَرَّ الخَصْلَتَيْنِ تَرَقّى إلى ذِكْرِهِ بَعْدَ ذِكْرِ البُخْلِ. والنّاسُ هُنا: النَّبِيُّ ﷺ . والفَضْلُ: النُّبُوَّةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ وعِكْرِمَةُ والسُّدِّيُّ والضَّحّاكُ ومُقاتِلٌ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والسُّدِّيُّ أيْضًا: والفَضْلُ ما أُبِيحَ لَهُ مِنَ النِّساءِ. وسَبَبُ نُزُولِ الآيَةِ عِنْدَهم أنَّ اليَهُودَ قالَتْ لِكُفّارِ العَرَبِ: انْظُرُوا إلى هَذا الَّذِي يَقُولُ إنَّهُ بُعِثَ بِالتَّواضُعِ، وإنَّهُ لا يَمْلَأُ بَطْنَهُ طَعامًا، لَيْسَ هَمُّهُ إلّا في النِّساءِ، ونَحْوَ هَذا؛ فَنَزَلَتْ. والمَعْنى: لِمَ تَخُصُّونَهُ بِالحَسَدِ، ولا تَحْسُدُونَ آلَ إبْراهِيمَ - يَعْنِي -: سُلَيْمانَ وداوُدَ في أنَّهُما أُعْطِيا النُّبُوَّةَ والكِتابَ، وأُعْطِيا مَعَ ذَلِكَ مُلْكًا عَظِيمًا في أمْرِ النِّساءِ؛ وهو ما رُوِيَ أنَّهُ كانَ لِسُلَيْمانَ سَبْعُمِائَةِ امْرَأةٍ، وثَلاثُمِائَةِ سُرِّيَّةٍ، ولِداوُدَ مِائَةُ امْرَأةٍ. فالمُلْكُ في هَذا القَوْلِ إباحَةُ النِّساءِ، كَأنَّهُ المَقْصُودُ أوَّلًا بِالذِّكْرِ. وقالَ قَتادَةُ: النّاسُ هُنا العَرَبُ حَسَدَتْها بَنُو إسْرائِيلَ أنْ كانَ الرَّسُولُ ﷺ مِنها، والفَضْلُ هُنا الرَّسُولُ. والمَعْنى: لِمَ يَحْسُدُونَ العَرَبَ عَلى هَذا النَّبِيِّ، وقَدْ أُوتِيَ أسْلافُهم أنْبِياءً وكُتُبًا كالتَّوْراةِ والزَّبُورِ، وحِكْمَةً وهي الفَهْمُ في الدِّينِ مِمّا لَمْ يَنُصَّ عَلَيْهِ الكِتابُ ؟ ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: نَحْنُ النّاسُ يُرِيدُ قُرَيْشًا.

﴿فَقَدْ آتَيْنا آلَ إبْراهِيمَ الكِتابَ والحِكْمَةَ وآتَيْناهم مُلْكًا عَظِيمًا﴾ أيْ مُلْكَ سُلَيْمانَ؛ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وقالَ مُجاهِدٌ: هو النُّبُوَّةُ. وقالَ هَمّامُ بْنُ الحارِثِ، وأبُو مَسْلَمَةَ، وابْنُ زَيْدٍ: هو التَّأْيِيدُ بِالمَلائِكَةِ. وقِيلَ النّاسُ هُنا الرَّسُولُ وأبُو بَكْرٍ وعُمَرُ. والكِتابُ: التَّوْراةُ والإنْجِيلُ أوْ هُما والزَّبُورُ أقْوالٌ، والحِكْمَةُ: النُّبُوَّةُ، قالَهُ السُّدِّيُّ، ومُقاتِلٌ، أوِ الفِقْهُ في الدِّينِ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ. وقِيلَ المُلْكُ العَظِيمُ هو الجَمْعُ بَيْنَ سِياسَةِ الدُّنْيا وشَرْعِ الدِّينِ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أمْ يَحْسُدُونَهم عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ النُّصْرَةِ والغَلَبَةِ وازْدِيادِ العِزِّ والتَّقَدُّمِ كُلَّ يَوْمٍ. (فَقَدْ آتَيْنا) إلْزامٌ لَهم بِما عَرَفُوهُ مِن إيتاءِ اللَّهِ الكِتابِ والحِكْمَةِ آلَ إبْراهِيمَ الَّذِينَ هم أسْلافُ مُحَمَّدٍ ﷺ، وأنَّهُ لَيْسَ بِبِدْعٍ أنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ مِثْلَ ما أُوتِيَ أسْلافُهُ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: المُلْكُ في آلِ إبْراهِيمَ مُلْكُ يُوسُفَ وداوُدَ وسُلَيْمانَ. انْتَهى كَلامُهُ. وهو كَلامٌ حَسَنٌ.

﴿فَمِنهم مَن آمَنَ بِهِ ومِنهم مَن صَدَّ عَنْهُ﴾ أيْ مِن آلِ إبْراهِيمَ مَن آمَنَ بِإبْراهِيمَ، ومِنهم مَن كَفَرَ كَقَوْلِهِ: ﴿فَمِنهم مُهْتَدٍ وكَثِيرٌ مِنهم فاسِقُونَ﴾ [الحديد: ٢٦]؛ قالَهُ السُّدِّيُّ: أوْ فَمِن آلِ إبْراهِيمَ مَن آمَنَ …

55

فَمِنْهُم مَّنْ ءَامَنَ بِهِۦ وَمِنْهُم مَّن صَدَّ عَنْهُ ۚ وَكَفَىٰ بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا

And some among them believed in it, and some among them were averse to it. And sufficient is Hell as a blaze.

﴿أمْ يَحْسُدُونَ النّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ (أمْ) أيْضًا مُنْقَطِعَةٌ فَتُقَدَّرُ بِـ (بَلْ) . والهَمْزَةُ قِيلَ: لِلِانْتِقالِ مِن كَلامٍ إلى كَلامٍ. والهَمْزَةُ لِلِاسْتِفْهامِ الَّذِي يَصْحَبُهُ الإنْكارُ. أنْكَرَ عَلَيْهِمْ أوَّلًا البُخْلَ، ثُمَّ ثانِيًا الحَسَدَ. فالبُخْلُ مَنعُ وُصُولِ خَيْرٍ مِنَ الإنْسانِ إلى غَيْرِهِ، والحَسَدُ تَمَنِّي زَوالِ ما أعْطى اللَّهُ الإنْسانَ مِنَ الخَيْرِ، وإيتاؤُهُ لَهُ. نَعى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ تَحَلِّيَهم بِهاتَيْنِ الخَصْلَتَيْنِ الذَّمِيمَتَيْنِ. ولَمّا كانَ الحَسَدُ شَرَّ الخَصْلَتَيْنِ تَرَقّى إلى ذِكْرِهِ بَعْدَ ذِكْرِ البُخْلِ. والنّاسُ هُنا: النَّبِيُّ ﷺ . والفَضْلُ: النُّبُوَّةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ وعِكْرِمَةُ والسُّدِّيُّ والضَّحّاكُ ومُقاتِلٌ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والسُّدِّيُّ أيْضًا: والفَضْلُ ما أُبِيحَ لَهُ مِنَ النِّساءِ. وسَبَبُ نُزُولِ الآيَةِ عِنْدَهم أنَّ اليَهُودَ قالَتْ لِكُفّارِ العَرَبِ: انْظُرُوا إلى هَذا الَّذِي يَقُولُ إنَّهُ بُعِثَ بِالتَّواضُعِ، وإنَّهُ لا يَمْلَأُ بَطْنَهُ طَعامًا، لَيْسَ هَمُّهُ إلّا في النِّساءِ، ونَحْوَ هَذا؛ فَنَزَلَتْ. والمَعْنى: لِمَ تَخُصُّونَهُ بِالحَسَدِ، ولا تَحْسُدُونَ آلَ إبْراهِيمَ - يَعْنِي -: سُلَيْمانَ وداوُدَ في أنَّهُما أُعْطِيا النُّبُوَّةَ والكِتابَ، وأُعْطِيا مَعَ ذَلِكَ مُلْكًا عَظِيمًا في أمْرِ النِّساءِ؛ وهو ما رُوِيَ أنَّهُ كانَ لِسُلَيْمانَ سَبْعُمِائَةِ امْرَأةٍ، وثَلاثُمِائَةِ سُرِّيَّةٍ، ولِداوُدَ مِائَةُ امْرَأةٍ. فالمُلْكُ في هَذا القَوْلِ إباحَةُ النِّساءِ، كَأنَّهُ المَقْصُودُ أوَّلًا بِالذِّكْرِ. وقالَ قَتادَةُ: النّاسُ هُنا العَرَبُ حَسَدَتْها بَنُو إسْرائِيلَ أنْ كانَ الرَّسُولُ ﷺ مِنها، والفَضْلُ هُنا الرَّسُولُ. والمَعْنى: لِمَ يَحْسُدُونَ العَرَبَ عَلى هَذا النَّبِيِّ، وقَدْ أُوتِيَ أسْلافُهم أنْبِياءً وكُتُبًا كالتَّوْراةِ والزَّبُورِ، وحِكْمَةً وهي الفَهْمُ في الدِّينِ مِمّا لَمْ يَنُصَّ عَلَيْهِ الكِتابُ ؟ ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: نَحْنُ النّاسُ يُرِيدُ قُرَيْشًا.

﴿فَقَدْ آتَيْنا آلَ إبْراهِيمَ الكِتابَ والحِكْمَةَ وآتَيْناهم مُلْكًا عَظِيمًا﴾ أيْ مُلْكَ سُلَيْمانَ؛ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وقالَ مُجاهِدٌ: هو النُّبُوَّةُ. وقالَ هَمّامُ بْنُ الحارِثِ، وأبُو مَسْلَمَةَ، وابْنُ زَيْدٍ: هو التَّأْيِيدُ بِالمَلائِكَةِ. وقِيلَ النّاسُ هُنا الرَّسُولُ وأبُو بَكْرٍ وعُمَرُ. والكِتابُ: التَّوْراةُ والإنْجِيلُ أوْ هُما والزَّبُورُ أقْوالٌ، والحِكْمَةُ: النُّبُوَّةُ، قالَهُ السُّدِّيُّ، ومُقاتِلٌ، أوِ الفِقْهُ في الدِّينِ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ. وقِيلَ المُلْكُ العَظِيمُ هو الجَمْعُ بَيْنَ سِياسَةِ الدُّنْيا وشَرْعِ الدِّينِ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أمْ يَحْسُدُونَهم عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ النُّصْرَةِ والغَلَبَةِ وازْدِيادِ العِزِّ والتَّقَدُّمِ كُلَّ يَوْمٍ. (فَقَدْ آتَيْنا) إلْزامٌ لَهم بِما عَرَفُوهُ مِن إيتاءِ اللَّهِ الكِتابِ والحِكْمَةِ آلَ إبْراهِيمَ الَّذِينَ هم أسْلافُ مُحَمَّدٍ ﷺ، وأنَّهُ لَيْسَ بِبِدْعٍ أنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ مِثْلَ ما أُوتِيَ أسْلافُهُ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: المُلْكُ في آلِ إبْراهِيمَ مُلْكُ يُوسُفَ وداوُدَ وسُلَيْمانَ. انْتَهى كَلامُهُ. وهو كَلامٌ حَسَنٌ.

﴿فَمِنهم مَن آمَنَ بِهِ ومِنهم مَن صَدَّ عَنْهُ﴾ أيْ مِن آلِ إبْراهِيمَ مَن آمَنَ بِإبْراهِيمَ، ومِنهم مَن كَفَرَ كَقَوْلِهِ: ﴿فَمِنهم مُهْتَدٍ وكَثِيرٌ مِنهم فاسِقُونَ﴾ [الحديد: ٢٦]؛ قالَهُ السُّدِّيُّ: أوْ فَمِن آلِ إبْراهِيمَ مَن آمَنَ …

56

إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِـَٔايَٰتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًۭا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُم بَدَّلْنَٰهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا۟ ٱلْعَذَابَ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًۭا

Indeed, those who disbelieve in Our verses - We will drive them into a Fire. Every time their skins are roasted through We will replace them with other skins so they may taste the punishment. Indeed, Allah is ever Exalted in Might and Wise.

﴿أمْ يَحْسُدُونَ النّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ (أمْ) أيْضًا مُنْقَطِعَةٌ فَتُقَدَّرُ بِـ (بَلْ) . والهَمْزَةُ قِيلَ: لِلِانْتِقالِ مِن كَلامٍ إلى كَلامٍ. والهَمْزَةُ لِلِاسْتِفْهامِ الَّذِي يَصْحَبُهُ الإنْكارُ. أنْكَرَ عَلَيْهِمْ أوَّلًا البُخْلَ، ثُمَّ ثانِيًا الحَسَدَ. فالبُخْلُ مَنعُ وُصُولِ خَيْرٍ مِنَ الإنْسانِ إلى غَيْرِهِ، والحَسَدُ تَمَنِّي زَوالِ ما أعْطى اللَّهُ الإنْسانَ مِنَ الخَيْرِ، وإيتاؤُهُ لَهُ. نَعى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ تَحَلِّيَهم بِهاتَيْنِ الخَصْلَتَيْنِ الذَّمِيمَتَيْنِ. ولَمّا كانَ الحَسَدُ شَرَّ الخَصْلَتَيْنِ تَرَقّى إلى ذِكْرِهِ بَعْدَ ذِكْرِ البُخْلِ. والنّاسُ هُنا: النَّبِيُّ ﷺ . والفَضْلُ: النُّبُوَّةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ وعِكْرِمَةُ والسُّدِّيُّ والضَّحّاكُ ومُقاتِلٌ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والسُّدِّيُّ أيْضًا: والفَضْلُ ما أُبِيحَ لَهُ مِنَ النِّساءِ. وسَبَبُ نُزُولِ الآيَةِ عِنْدَهم أنَّ اليَهُودَ قالَتْ لِكُفّارِ العَرَبِ: انْظُرُوا إلى هَذا الَّذِي يَقُولُ إنَّهُ بُعِثَ بِالتَّواضُعِ، وإنَّهُ لا يَمْلَأُ بَطْنَهُ طَعامًا، لَيْسَ هَمُّهُ إلّا في النِّساءِ، ونَحْوَ هَذا؛ فَنَزَلَتْ. والمَعْنى: لِمَ تَخُصُّونَهُ بِالحَسَدِ، ولا تَحْسُدُونَ آلَ إبْراهِيمَ - يَعْنِي -: سُلَيْمانَ وداوُدَ في أنَّهُما أُعْطِيا النُّبُوَّةَ والكِتابَ، وأُعْطِيا مَعَ ذَلِكَ مُلْكًا عَظِيمًا في أمْرِ النِّساءِ؛ وهو ما رُوِيَ أنَّهُ كانَ لِسُلَيْمانَ سَبْعُمِائَةِ امْرَأةٍ، وثَلاثُمِائَةِ سُرِّيَّةٍ، ولِداوُدَ مِائَةُ امْرَأةٍ. فالمُلْكُ في هَذا القَوْلِ إباحَةُ النِّساءِ، كَأنَّهُ المَقْصُودُ أوَّلًا بِالذِّكْرِ. وقالَ قَتادَةُ: النّاسُ هُنا العَرَبُ حَسَدَتْها بَنُو إسْرائِيلَ أنْ كانَ الرَّسُولُ ﷺ مِنها، والفَضْلُ هُنا الرَّسُولُ. والمَعْنى: لِمَ يَحْسُدُونَ العَرَبَ عَلى هَذا النَّبِيِّ، وقَدْ أُوتِيَ أسْلافُهم أنْبِياءً وكُتُبًا كالتَّوْراةِ والزَّبُورِ، وحِكْمَةً وهي الفَهْمُ في الدِّينِ مِمّا لَمْ يَنُصَّ عَلَيْهِ الكِتابُ ؟ ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: نَحْنُ النّاسُ يُرِيدُ قُرَيْشًا.

﴿فَقَدْ آتَيْنا آلَ إبْراهِيمَ الكِتابَ والحِكْمَةَ وآتَيْناهم مُلْكًا عَظِيمًا﴾ أيْ مُلْكَ سُلَيْمانَ؛ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وقالَ مُجاهِدٌ: هو النُّبُوَّةُ. وقالَ هَمّامُ بْنُ الحارِثِ، وأبُو مَسْلَمَةَ، وابْنُ زَيْدٍ: هو التَّأْيِيدُ بِالمَلائِكَةِ. وقِيلَ النّاسُ هُنا الرَّسُولُ وأبُو بَكْرٍ وعُمَرُ. والكِتابُ: التَّوْراةُ والإنْجِيلُ أوْ هُما والزَّبُورُ أقْوالٌ، والحِكْمَةُ: النُّبُوَّةُ، قالَهُ السُّدِّيُّ، ومُقاتِلٌ، أوِ الفِقْهُ في الدِّينِ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ. وقِيلَ المُلْكُ العَظِيمُ هو الجَمْعُ بَيْنَ سِياسَةِ الدُّنْيا وشَرْعِ الدِّينِ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أمْ يَحْسُدُونَهم عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ النُّصْرَةِ والغَلَبَةِ وازْدِيادِ العِزِّ والتَّقَدُّمِ كُلَّ يَوْمٍ. (فَقَدْ آتَيْنا) إلْزامٌ لَهم بِما عَرَفُوهُ مِن إيتاءِ اللَّهِ الكِتابِ والحِكْمَةِ آلَ إبْراهِيمَ الَّذِينَ هم أسْلافُ مُحَمَّدٍ ﷺ، وأنَّهُ لَيْسَ بِبِدْعٍ أنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ مِثْلَ ما أُوتِيَ أسْلافُهُ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: المُلْكُ في آلِ إبْراهِيمَ مُلْكُ يُوسُفَ وداوُدَ وسُلَيْمانَ. انْتَهى كَلامُهُ. وهو كَلامٌ حَسَنٌ.

﴿فَمِنهم مَن آمَنَ بِهِ ومِنهم مَن صَدَّ عَنْهُ﴾ أيْ مِن آلِ إبْراهِيمَ مَن آمَنَ بِإبْراهِيمَ، ومِنهم مَن كَفَرَ كَقَوْلِهِ: ﴿فَمِنهم مُهْتَدٍ وكَثِيرٌ مِنهم فاسِقُونَ﴾ [الحديد: ٢٦]؛ قالَهُ السُّدِّيُّ: أوْ فَمِن آلِ إبْراهِيمَ مَن آمَنَ …

57

وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّٰتٍۢ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدًۭا ۖ لَّهُمْ فِيهَآ أَزْوَٰجٌۭ مُّطَهَّرَةٌۭ ۖ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّۭا ظَلِيلًا

But those who believe and do righteous deeds - We will admit them to gardens beneath which rivers flow, wherein they abide forever. For them therein are purified spouses, and We will admit them to deepening shade.

﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ سَنُدْخِلُهم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيهِ أبَدًا﴾ لَمّا ذَكَرَ تَعالى وعِيدَ الكُفّارِ أعْقَبَ بِوَعْدِ المُؤْمِنِينَ، وجاءَتْ جُمْلَةُ الكُفّارِ مُؤَكَّدَةً بِأنَّ عَلى سَبِيلِ تَحْقِيقِ الوَعِيدِ المُؤَكَّدِ. ولَمْ يَحْتَجْ إلى ذَلِكَ في جُمْلَةِ المُؤْمِنِينَ، وأتى فِيها بِالسِّينِ المُشْعِرَةِ بِقِصَرِ مُدَّةِ التَّنْفِيسِ عَلى سَبِيلِ تَقْرِيبِ الخَيْرِ مِنَ المُؤْمِنِ، وتَبْشِيرِهِ بِهِ.

﴿لَهم فِيها أزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلِ هَذا.

﴿ونُدْخِلُهم ظِلًّا ظَلِيلًا﴾ قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ؛ أيْ يَقِي مِنَ الحَرِّ والبَرْدِ. ويَصِحُّ أنْ يُرِيدَ أنَّهُ ظِلٌّ لا يَنْتَقِلُ؛ كَما يَفْعَلُ ظِلُّ الدُّنْيا؛ فَأكَّدَهُ بِقَوْلِهِ: ظَلِيلًا لِذَلِكَ. ويَصِحُّ أنْ يَصِفَهُ بِظَلِيلٍ لِامْتِدادِهِ؛ فَقَدْ قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: «إنَّ في الجَنَّةِ شَجَرَةً يُسَيِّرُ الرّاكِبُ الجَوادَ المُضْمَرَ في ظِلِّها مِائَةَ سَنَةٍ ما يَقْطَعُها» . انْتَهى كَلامُهُ. وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: الظَّلِيلُ هو القَوِيُّ المُتَمَكِّنُ. قالَ: ونَعْتُ الشَّيْءِ بِمِثْلِ ما اشْتُقَّ مِن لَفْظِهِ يَكُونُ مُبالَغَةً كَقَوْلِهِمْ: لَيْلٌ ألْيَلُ، وداهِيَةٌ دَهْياءُ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: وإنَّما قالَ ظِلًّا ظَلِيلًا؛ لِأنَّ بِلادَ العَرَبِ في غايَةِ الحَرارَةِ؛ فَكانَ الظِّلُّ عِنْدَهم مِن أعْظَمِ أسْبابِ الرّاحَةِ؛ ولِهَذا المَعْنى جُعِلَ كِنايَةً عَنِ الرّاحَةِ، ووَصْفُهُ بِالظَّلِيلِ مُبالَغَةٌ في الرّاحَةِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ظَلِيلٌ صِفَةٌ مُشْتَقَّةٌ مِن لَفْظِ الظِّلِّ؛ لِتَأْكِيدِ مَعْناهُ، كَما يُقالُ: لَيْلٌ ألْيَلُ، ويَوْمٌ أيْوَمُ، وما أشْبَهَ ذَلِكَ؛ وهو ما كانَ فَيْنانًا لا جَوْبَ فِيهِ، ودائِمًا لا تَنْسَخُهُ الشَّمْسُ. وسَجْسَجًا لا حَرَّ فِيهِ، ولا بَرْدَ، ولَيْسَ ذَلِكَ إلّا ظَلُّ الجَنَّةِ رَزَقَنا اللَّهُ بِتَوْفِيقِهِ ما يُزْلِفُ إلَيْهِ التَّقَيُّؤَ تَحْتَ ذَلِكَ الظِّلِّ. وفي قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ: (سَيُدْخِلُهم) بِالياءِ انْتَهى. وقالَ الحَسَنُ: قَدْ يَكُونُ ظِلًّا لَيْسَ بِظَلِيلٍ يَدْخُلُهُ الحَرُّ والشَّمْسُ؛ فَلِذَلِكَ وصَفَ ظَلَّ الجَنَّةِ بِأنَّهُ ظَلِيلٌ. وعَنِ الحَسَنِ: ظِلُّ أهْلِ الجَنَّةِ يَقِي الحَرَّ والسَّمُومِ، وظِلُّ أهْلِ النّارِ مِن يَحْمُومٍ لا بارِدٍ ولا كَرِيمٍ. ويُقالُ: إنَّ أوْقاتِ الجَنَّةِ كُلُّها سَواءٌ؛ اعْتِدالٌ لا حَرَّ فِيها ولا بَرْدَ. وقَرَأ النَّخَعِيُّ وابْنُ وثّابٍ: (سَيُدْخِلُهم) بِالياءِ، وكَذا (ويُدْخِلُهم ظِلًّا)؛ فَمَن قَرَأ بِالنُّونِ، وهُمُ الجُمْهُورُ فَلاحَظَ قَوْلَهُ في وعِيدِ الكُفّارِ: ﴿سَوْفَ نُصْلِيهِمْ﴾ [النساء: ٥٦]، ومَن قَرَأ بِالياءِ لاحَظَ قَوْلَهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ٥٦] فَأجْراهُ عَلى الغَيْبَةِ.

وقَدْ تَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآياتُ الكَرِيمَةُ أنْواعًا مِنَ الفَصاحَةِ والبَيانِ والبَدِيعِ: الِاسْتِفْهامُ الَّذِي يُرادُ بِهِ التَّعَجُّبُ في: ألَمْ تَرَ في المَوْضِعَيْنِ، والخِطابُ العامُّ ويُرادُ بِهِ الخاصُّ في: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ آمِنُوا بِما نَزَّلْنا﴾ [النساء: ٤٧]، وهو دُعاءُ الرَّسُولِ ﷺ ابْنَ صُورِيّا، وكَعْبًا، وغَيْرَهُما مِنَ الأحْبارِ إلى الإيمانِ حَسَبَ ما في سَبَبِ النُّزُولِ، والِاسْتِعارَةُ في قَوْلِهِ: مِن قَبْلِ أنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا، في قَوْلِ مَن قالَ: هو الصَّرْفُ عَنِ الحَقِّ، وفي: لِيَذُوقُوا العَذابَ، أُطْلِقَ اسْمُ الذَّوْقِ الَّذِي هو مُخْتَصٌّ بِحاسَّةِ اللِّسانِ، وسَقْفِ الحَلْقِ عَلى وُصُولِ الألَمِ لِلْقَلْبِ. …

58

۞ إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا۟ ٱلْأَمَٰنَٰتِ إِلَىٰٓ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ ٱلنَّاسِ أَن تَحْكُمُوا۟ بِٱلْعَدْلِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِۦٓ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ سَمِيعًۢا بَصِيرًۭا

Indeed, Allah commands you to render trusts to whom they are due and when you judge between people to judge with justice. Excellent is that which Allah instructs you. Indeed, Allah is ever Hearing and Seeing.

﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكم أنْ تُؤَدُّوا الأماناتِ إلى أهْلِها وإذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النّاسِ أنْ تَحْكُمُوا بِالعَدْلِ إنَّ اللَّهَ نِعِمّا يَعِظُكم بِهِ إنَّ اللَّهَ كانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ وأُولِي الأمْرِ مِنكم فَإنْ تَنازَعْتُمْ في شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلى اللَّهِ والرَّسُولِ إنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وأحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩] ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أنَّهم آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ وما أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أنْ يَتَحاكَمُوا إلى الطّاغُوتِ وقَدْ أُمِرُوا أنْ يَكْفُرُوا بِهِ ويُرِيدُ الشَّيْطانُ أنْ يُضِلَّهم ضَلالًا بَعِيدًا﴾ [النساء: ٦٠] ﴿وإذا قِيلَ لَهم تَعالَوْا إلى ما أنْزَلَ اللَّهُ وإلى الرَّسُولِ رَأيْتَ المُنافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾ [النساء: ٦١] ﴿فَكَيْفَ إذا أصابَتْهم مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ ثُمَّ جاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إنْ أرَدْنا إلّا إحْسانًا وتَوْفِيقًا﴾ [النساء: ٦٢] ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ ما في قُلُوبِهِمْ فَأعْرِضْ عَنْهم وعِظْهم وقُلْ لَهم في أنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾ [النساء: ٦٣]

الزَّعْمُ: قَوْلٌ يَقْتَرِنُ بِهِ الِاعْتِقادُ الظَّنِّيُّ. وهو بِضَمِّ الزّايِ وفَتْحِها وكَسْرِها. قالَ الشّاعِرُ، وهو أبُو ذُؤَيْبٍ الهُذَلِيُّ:

؎فَإنْ تَزْعُمِينِي كُنْتُ أجْهَلَ فِيكم فَإنِّي شَرَيْتُ الحِلْمَ بَعْدَكِ بِالجَهْلِ

وقالَ ابْنُ دُرَيْدٍ: أكْثَرُ ما يَقَعُ عَلى الباطِلِ. وقالَ النَّبِيُّ ﷺ: ”مَطِيَّةُ الرَّجُلِ زَعَمُوا“ . وقالَ الأعْشى:

؎ونُبِّئْتُ قَيْسًا ولَمْ أبْلُهُ

؎كَما زَعَمُوا خَيْرَ أهْلِ اليَمَن ∗∗∗

فَقالَ المَمْدُوحُ، وما هو إلّا الزَّعْمُ، وحَرَمَهُ. وإذا قالَ سِيبَوَيْهِ: زَعَمَ الخَلِيلُ؛ فَإنَّما يَسْتَعْمِلُها فِيما انْفَرَدَ الخَلِيلُ بِهِ، وكانَ أقْوى. وذَكَرَ صاحِبُ العَيْنِ: أنَّ الأحْسَنَ في زَعْمِ أنْ تُوقَعَ عَلى أنْ قالَ، قالَ: وقَدْ تُوقَعُ في الشِّعْرِ عَلى الِاسْمِ. وأنْشَدَ بَيْتَ أبِي ذُؤَيْبٍ هَذا، وقَوْلَ الآخَرِ:

؎زَعَمَتْنِي شَيْخًا ولَسْتُ بِشَيْخِ ∗∗∗ إنَّما الشَّيْخُ مَن يَدِبُّ دَبِيبًا

ويُقالُ: زَعَمَ بِمَعْنى كَفَلَ، وبِمَعْنى رَأسَ؛ فَيَتَعَدّى إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ مَرَّةً، وبِحَرْفِ جَرٍّ أُخْرى. ويُقالُ: زَعَمَتِ الشّاةُ؛ أيْ سَمِنَتْ، وبِمَعْنى هَزَلَتْ، ولا يَتَعَدّى. التَّوْفِيقُ: مَصْدَرُ وفَقَ والوِفاقُ والوَفْقُ ضِدَّ المُخالَفَةِ.

﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكم أنْ تُؤَدُّوا الأماناتِ إلى أهْلِها وإذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النّاسِ أنْ تَحْكُمُوا بِالعَدْلِ﴾ سَبَبُ نُزُولِها فِيما رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقالَهُ مُجاهِدٌ والزُّهْرِيُّ، وابْنُ جُرَيْجٍ ومُقاتِلٌ: ما ذَكَرُوا في قِصَّةٍ مُطَوَّلَةٍ مَضْمُونُها: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أخَذَ مِفْتاحَ الكَعْبَةِ مِن سادِنِيها عُثْمانَ بْنِ طَلْحَةَ، وابْنِ عَمِّهِ شَيْبَةَ بْنِ عُثْمانَ بَعْدَ تَأبٍّ مِن عُثْمانَ، ولَمْ يَكُنْ أسْلَمَ، فَسَألَ العَبّاسُ الرَّسُولَ ﷺ أنْ يَجْمَعَ لَهُ بَيْنَ السِّقايَةِ والسِّدانَةِ؛ فَنَزَلَتْ فَرَدَّ المِفْتاحَ إلَيْهِما، وأسْلَمَ عُثْمانُ. وقالَ الرَّسُولُ ﷺ: «خُذُوها يا بَنِي طَلْحَةَ خالِدَةً تالِدَةً لا يَأْخُذُها مِنكم إلّا ظالِمٌ» . ورَوى ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ، ومَكْحُولٌ، واخْتارَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: نَزَلَتْ في الأُمَراءِ أنْ يُؤَدُّوا الأمانَةَ فِيما ائْتَمَنَهُمُ اللَّهُ مِن أمْرِ رَعِيَّتِهِ. وقِيلَ نَزَلَتْ عامَّةً، وهو مَرْوِيٌّ …

59

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَأَطِيعُوا۟ ٱلرَّسُولَ وَأُو۟لِى ٱلْأَمْرِ مِنكُمْ ۖ فَإِن تَنَٰزَعْتُمْ فِى شَىْءٍۢ فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ ۚ ذَٰلِكَ خَيْرٌۭ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا

O you who have believed, obey Allah and obey the Messenger and those in authority among you. And if you disagree over anything, refer it to Allah and the Messenger, if you should believe in Allah and the Last Day. That is the best [way] and best in result.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ وأُولِي الأمْرِ مِنكُمْ﴾ قِيلَ نَزَلَتْ في أُمَراءِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وذَكَرُوا قِصَّةً طَوِيلَةً مَضْمُونُها: أنَّ عَمّارًا أجارَ رَجُلًا قَدْ أسْلَمَ، وفَرَّ أصْحابُهُ حِينَ أُنْذِرُوا بِالسَّرِيَّةِ فَهَرَبُوا، وأقامَ الرَّجُلُ، وإنَّ أمِيرَها خالِدًا أخَذَ الرَّجُلَ، ومالَهُ، فَأخْبَرَهُ عَمّارٌ بِإسْلامِهِ، وإجارَتِهِ إيّاهُ فَقالَ خالِدٌ: وأنْتَ تُجِيرُ ؟ فاسْتَبّا، وارْتَفَعا إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَأجازَ أمانَ عَمّارٍ، ونَهاهُ أنْ يُجِيرَ عَلى أمِيرٍ.

ومُناسَبَتُها لِما قَبْلَها أنَّهُ لَمّا أمَرَ الوُلاةَ أنْ يَحْكُمُوا بِالعَدْلِ أمَرَ الرَّعِيَّةَ بِطاعَتِهِمْ. قالَ عَطاءٌ: أطِيعُوا اللَّهَ في فَرِيضَتِهِ والرَّسُولَ ﷺ في سُنَّتِهِ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: في أوامِرِهِ ونَواهِيهِ، والرَّسُولَ ما دامَ حَيًّا، وسُنَّتَهُ بَعْدَ وفاتِهِ. وقِيلَ فِيما شَرَعَ والرَّسُولَ ﷺ فِيما شَرَحَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو هُرَيْرَةَ، والسُّدِّيُّ، وابْنُ زَيْدٍ: أُولُو الأمْرِ هُمُ الأُمَراءُ. وقالَ مُجاهِدٌ: أصْحابُ الرَّسُولِ ﷺ . وقالَ التَّبْرِيزِيُّ: المُهاجِرُونَ والأنْصارُ. وقِيلَ الصَّحابَةُ والتّابِعُونَ. وقِيلَ الخُلَفاءُ الأرْبَعُ. وقالَ عِكْرِمَةُ: أبُو بَكْرٍ وعُمَرُ. وقالَ جابِرٌ والحَسَنُ وعَطاءٌ وأبُو العالِيَةِ ومُجاهِدٌ أيْضًا: العُلَماءُ، واخْتارَهُ مالِكٌ. وقالَ مَيْمُونٌ، ومُقاتِلٌ، والكَلْبِيُّ أُمَراءُ السَّرايا، أوِ الأئِمَّةُ مِن أهْلِ البَيْتِ قالَهُ الشِّيعَةُ. أوْ عَلِيٌّ وحْدَهُ قالُوهُ أيْضًا. والظّاهِرُ أنَّهُ كُلُّ مَن ولِيَ أمْرَ شَيْءٍ وِلايَةً صَحِيحَةً. قالُوا: حَتّى المَرْأةُ يَجِبُ عَلَيْها طاعَةُ زَوْجِها، والعَبْدُ مَعَ سَيِّدِهِ والوَلَدُ مَعَ والِدَيْهِ واليَتِيمُ مَعَ وصِيِّهِ فِيما يُرْضِي اللَّهَ، ولَهُ فِيهِ مَصْلَحَةٌ.

وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والمُرادُ بِـ أُولِي الأمْرِ مِنكم أُمَراءُ الحَقِّ؛ لِأنَّ أُمَراءَ الجَوْرِ اللَّهُ ورَسُولُهُ بَرِيئانِ مِنهم؛ فَلا يُعْطَفُونَ عَلى اللَّهِ ورَسُولِهِ. وكانَ أوَّلُ الخُلَفاءُ يَقُولُ: أطِيعُونِي ما عَدَلْتُ فِيكم، فَإنْ خالَفْتُ فَلا طاعَةَ لِي عَلَيْكم. وعَنْ أبِي حازِمٍ: أنَّ مَسْلَمَةَ بْنَ عَبْدِ المَلِكِ قالَ لَهُ: ألَسْتُمْ أُمِرْتُمْ بِطاعَتِنا في قَوْلِهِ: ﴿وأُولِي الأمْرِ مِنكُمْ﴾ ؟ قالَ: ألَيْسَ قَدْ نُزِعَتْ مِنكم إذْ خالَفْتُمُ الحَقَّ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإنْ تَنازَعْتُمْ في شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلى اللَّهِ والرَّسُولِ﴾ . وقِيلَ هم أُمَراءُ السَّرايا.

وعَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «مَن أطاعَنِي فَقَدْ أطاعَ اللَّهَ، ومَن عَصانِي فَقَدْ عَصى اللَّهَ ومَن يُطِعْ أمِيرِي فَقَدْ أطاعَنِي، ومَن يَعْصِ أمِيرِي فَقَدْ عَصانِي»، وقِيلَ هُمُ العُلَماءُ الدَّيِّنُونَ الَّذِينَ يُعَلِّمُونَ النّاسَ الدِّينَ؛ يَأْمُرُونَهم بِالمَعْرُوفِ، ويَنْهَوْنَهم عَنِ المُنْكَرِ انْتَهى. وقالَ سَهْلٌ التُّسْتَرِيُّ: أطِيعُوا السُّلْطانَ في سَبْعَةٍ: ضَرْبِ الدَّنانِيرِ والدَّراهِمِ والمَكايِيلِ والأوْزانِ والأحْكامِ والحَجِّ والجُمْعَةِ والعِيدَيْنِ والجِهادِ. وإذا نَهى السُّلْطانُ العالِمَ أنْ يُفْتِيَ فَلَيْسَ لَهُ أنْ يُفْتِيَ؛ فَإنْ أفْتى فَهو عاصٍ، وإنْ كانَ أمِيرًا جائِرًا. قِيلَ، ويُحْمَلُ قَوْلُ سَهْلٍ عَلى أنَّهُ يَتْرُكُ الفُتْيا إذا خافَ مِنهُ عَلى نَفْسِهِ. وقالَ ابْنُ خُوَيْزِمِندادَ: وأمّا طاعَةُ السُّلْطانِ فَتَجِبُ فِيما كانَ فِيهِ طاعَةٌ، ولا تَجِبُ فِيما كانَ فِيهِ مَعْصِيَةٌ. قالَ: ولِذَلِكَ قُلْنا: إنَّ أُمَراءَ زَمانِنا لا تَجُوزُ طاعَتُهم ولا مُعاوَنَتُهم ولا تَعْظِيمُهم، ويَجِبُ الغَزْوُ مَعَهم …

60

أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ ءَامَنُوا۟ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوٓا۟ إِلَى ٱلطَّٰغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوٓا۟ أَن يَكْفُرُوا۟ بِهِۦ وَيُرِيدُ ٱلشَّيْطَٰنُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلَٰلًۢا بَعِيدًۭا

Have you not seen those who claim to have believed in what was revealed to you, [O Muhammad], and what was revealed before you? They wish to refer legislation to Taghut, while they were commanded to reject it; and Satan wishes to lead them far astray.

﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أنَّهم آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ وما أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أنْ يَتَحاكَمُوا إلى الطّاغُوتِ وقَدْ أُمِرُوا أنْ يَكْفُرُوا بِهِ ويُرِيدُ الشَّيْطانُ أنْ يُضِلَّهم ضَلالًا بَعِيدًا﴾ ذُكِرَ في سَبَبِ نُزُولِها قَصَصٌ طَوِيلٌ مُلَخَّصُهُ: أنَّ أبا بُرْدَةَ الأسْلَمِيَّ كانَ كاهِنًا يَقْضِي بَيْنَ اليَهُودِ، فَتَنافَرَ إلَيْهِ نَفَرٌ مِن أسْلَمَ، أوْ أنَّ قَيْسًا الأنْصارِيَّ أحَدَ مَن يَدَّعِي الإسْلامَ، ورَجُلًا مِنَ اليَهُودِ تَداعَيا إلى الكاهِنِ، وتَرَكا الرَّسُولَ ﷺ بَعْدَما دَعا اليَهُودِيُّ إلى الرَّسُولِ والأنْصارِيُّ يَأْبى إلّا الكاهِنَ. أوْ أنَّ مُنافِقًا ويَهُودِيًّا اخْتَصَما؛ فاخْتارَ اليَهُودِيُّ الرَّسُولَ ﷺ، واخْتارَ المُنافِقُ كَعْبَ بْنَ الأشْرَفِ؛ فَأبى اليَهُودِيُّ، وتَحاكَما إلى الرَّسُولِ فَقَضى لِلْيَهُودِيِّ، فَخَرَجا ولَزِمَهُ المُنافِقُ، وقالَ: نَنْطَلِقُ إلى عُمَرَ، فانْطَلَقا إلَيْهِ فَقالَ اليَهُودِيُّ: قَدْ تَحاكَمْنا إلى الرَّسُولِ ﷺ، فَلَمْ يَرْضَ بِقَضائِهِ، فَأقَرَّ المُنافِقُ بِذَلِكَ عِنْدَ عُمَرَ، فَقَتَلَهُ عُمَرُ، وقالَ: هَكَذا أقْضِي فِيمَن لَمْ يَرْضَ بِقَضاءِ اللَّهِ، وقَضاءِ رَسُولِهِ.

ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها ظاهِرَةٌ؛ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ المُؤْمِنِينَ بِطاعَةِ اللَّهِ ورَسُولِهِ، وأُولِي الأمْرِ ذَكَرَ أنَّهُ يَعْجَبُ بَعْدَ وُرُودِ هَذا الأمْرِ مِن حالِ مَن يَدَّعِي الإيمانَ، ويُرِيدُ أنْ يَتَحاكَمَ إلى الطّاغُوتِ، ويَتْرُكَ الرَّسُولَ. وظاهِرُ الآيَةِ يَقْتَضِي أنْ تَكُونَ نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ؛ لِأنَّهُ قالَ: يَزْعُمُونَ أنَّهم آمَنُوا بِما أنْزِلُ إلَيْكَ، وما أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ؛ فَلَوْ كانَتْ في يَهُودٍ أوْ في مُؤْمِنٍ ويَهُودِيٍّ كانَ ذَلِكَ بَعِيدًا مِن لَفْظِ الآيَةِ، إلّا إنْ حُمِلَ عَلى التَّوْزِيعِ؛ فَيَجْعَلُ بِما أنْزِلُ إلَيْكَ في مُنافِقٍ، وما أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ في يَهُودِيٍّ، وشُمِلُوا في ضَمِيرِ ﴿يَزْعُمُونَ﴾ فَيُمْكِنُ. وقالَ السُّدِّيُّ: نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ مِن قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ، تَفاخَرُوا بِسَبَبِ تَكافُؤِ دِمائِهِمْ؛ إذْ كانَتِ النَّضِيرُ في الجاهِلِيَّةِ تَدِي مَن قَتَلَتْ، وتَسْتَقِيهِ إذا قَتَلَتْ قُرَيْظَةُ مِنهم، فَأبَتْ قُرَيْظَةُ لَمّا جاءَ الإسْلامُ، وطَلَبُوا المُنافَرَةَ، فَدَعا المُؤْمِنُونَ مِنهم إلى النَّبِيِّ ﷺ، ودَعا المُنافِقُونَ إلى بُرْدَةَ الكاهِنِ فَنَزَلَتْ. وقالَ الحَسَنُ: احْتَكَمَ المُنافِقُونَ بِالقِداحِ الَّتِي يُضْرَبُ بِها عِنْدَ الأوْثانِ فَنَزَلَتْ. أوْ لِسَبَبِ اخْتِلافِهِمْ في أسْبابِ النُّزُولِ اخْتَلَفُوا في الطّاغُوتِ. فَقِيلَ كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ. وقِيلَ الأوْثانُ، وقِيلَ ما عُبِدَ مِن دُونِ اللَّهِ، وقِيلَ الكُهّانُ.

* *

﴿وقَدْ أُمِرُوا أنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ مِن قَوْلِهِ: يُرِيدُونَ. و(يُرِيدُونَ) حالٌ؛ فَهي حالٌ مُتَداخِلَةٌ. وأعادَ الضَّمِيرُ هُنا مُذَكَّرًا، وأعادَهُ مُؤَنَّثًا في قَوْلِهِ: ﴿اجْتَنَبُوا الطّاغُوتَ أنْ يَعْبُدُوها﴾ [الزمر: ١٧] . وقَرَأ بِها هَنا عَبّاسُ بْنُ الفَضْلِ عَلى التَّأْنِيثِ، وأعادَ الضَّمِيرَ كَضَمِيرِ جَمْعِ العُقَلاءِ في قَوْلِهِ: ﴿أوْلِياؤُهُمُ الطّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ﴾ [البقرة: ٢٥٧] .

﴿ويُرِيدُ الشَّيْطانُ أنْ يُضِلَّهم ضَلالًا بَعِيدًا﴾ ضَلالًا لَيْسَ جارِيًا عَلى ﴿يُضِلَّهُمْ﴾؛ فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ جُعِلَ مَكانَ (إضْلالٍ)، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرَ المُطاوِعِ ﴿يُضِلَّهُمْ﴾؛ أيْ فَيَضِلُّونَ ضَلالًا بَعِيدًا. وقَرَأ الجُمْهُورُ: بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ، وما أُنْزِلُ مَبْنِيًّا …

Commentary: Al-Bahr al-Muhit by Abu Hayyan al-Gharnati. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.