Muslim99Muslim99
← Tafsir library

4. An-Nisaa

The Women · Medinan · 176 ayahs

سُورَةُ النِّسَاءِ

Reading Tafsir Ibn 'Uthaymin by Muhammad ibn Salih al-'Uthaymin

Ayahs 41–50 of 176

41

فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍۭ بِشَهِيدٍۢ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَٰٓؤُلَآءِ شَهِيدًۭا

So how [will it be] when We bring from every nation a witness and we bring you, [O Muhammad] against these [people] as a witness?

ثم قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ﴾ أصل الظلم يا إخواني أصل الظلم النقص، هذا أصله؛ لقوله تعالى: ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ [الكهف ٣٣] أي: لم تنقص منه شيئًا، فهذا أصل الظلم، فالله لا ينقص الناس شيئًا ولا ينقص الناس حقهم ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا﴾ [طه ١١٢] ظلمًا بعقوبته على شيء لم يفعله ﴿وَلَا هَضْمًا﴾. أي: نقصًا من ثواب حسناته.

وقوله: ﴿مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ أي: زنة ذرة، والذرة يضرب بها المثل في التحقير، وإلا فإن الله تعالى لا يظلم مثقال ذرة ولا دونه، وما جيء به على سبيل التحقير أو التكثير فإنه لا مفهوم له، كما قيل به في قوله تعالى: ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة ٨٠] قيل: إن المراد بذلك التكثير، وأن الرسول لو استغفر سبع مئة ألف ما غفر له، وحينئذٍ لا يكون له مفهوم، كذلك مثقال ذرة المقصود بها أيش؟ المبالغة في التحقير، وما كان المقصود به المبالغة في التحقير فإنه لا مفهوم له، وعلى هذا لو سألنا سائل هل يظلم الله دون مثقال ذرة؟

قلنا: لا. ﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً﴾ فيها قراءتان: ﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةٌ﴾ ﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً﴾ ويختلف الإعراب على الوجهين؛ ﴿إِنْ تَكُ حَسَنَةٌ﴾ تكون (كان) على هذه القراءة تامة أي: لا تحتاج إلى خبر، والمقصود بـ(كان) التامة مجرد الدلالة على الحدوث لا على صيرورة شيء إلى شيء آخر، وأما (كان) الناقصة فإنها تدل على صيرورة شيء إلى شيء آخر، كان الرجل قائمًا؛ يعني بعد أن لم يكن قائمًا، يقول هنا: ﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةٌ﴾ بالرفع على أن (تك) تامة، وبالنصب على أنها ناقصة، لكن أين اسمها إذا كانت ناقصة؟ مستتر تقديره: هي، ﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً﴾ أي: وإن تك الفعلة التي يفعلها الإنسان حسنة يضاعفها.

وفي ﴿يُضَاعِفْهَا﴾ أيضًا قراءتان: ﴿يُضَعِّفْهَا﴾ و﴿يُضَاعِفْهَا﴾ وهي على القراءتين ساكنة الفاء؛ لأنها جواب الشرط المذكور في قوله: ﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً﴾. ومعنى ﴿يُضَعِّفْهَا﴾ أو﴿يُضَاعِفْهَا﴾ أي: يجزي أكثر من الحسنة، وقد دلّت النصوص على أن الحسنة تكون بعشرة أمثالها إلى سبع مئة ضعف إلى أضعاف كثيرة، وأن السيئة بمثلها ﴿وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ هذا معنى قوله في الحديث: «إِلَى أَضْعَافٍ كَثِيرَةٍ»متفق عليه؛ البخاري (٦٤٩١)، ومسلم (١٣١ / ٢٠٧) من حديث ابن عباس..

﴿يُؤْتِ﴾ معطوفة على يضاعف، ولهذا جاءت مجزومة بحذف الياء.

﴿مِنْ لَدُنْهُ﴾ من عنده. ﴿أَجْرًا﴾ ثوابًا. ﴿عَظِيمًا﴾ ذا عظمة كثيرة لا يتصورها الإنسان.

﴿مِنْ لَدُنْهُ﴾ قلنا: من عنده، والفائدة من ذكر ﴿مِنْ لَدُنْهُ﴾ الإشارة إلى أن هذا الأجر عظيم جدًّا، وذلك لأن العطاء يعظم بعظم المعطِي، ونظير هذا ما علمه الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أبا بكر قال: «قُلِ اللَّهُمَّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا». » إلى قوله: «فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ وَارْحَمْنِي»متفق عليه؛ البخاري (٨٣٤)، ومسلم (٢٧٠٥ / ٤٨) من حديث أبي بكر الصديق..

* * *

* طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا (٤١) يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا (٤٢) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ …

42

يَوْمَئِذٍۢ يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَعَصَوُا۟ ٱلرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّىٰ بِهِمُ ٱلْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ ٱللَّهَ حَدِيثًۭا

That Day, those who disbelieved and disobeyed the Messenger will wish they could be covered by the earth. And they will not conceal from Allah a [single] statement.

ثم قال الله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ هذا موقع الاستفهام والتفخيم.

﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ﴾ ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ يعني يوم إذ نأتي من كل أمة بشهيد وبك شهيدًا على هؤلاء. ﴿يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ المودة هي التمني وأعلى المحبة، يعني يحبون محبة هي أعلى المحبة.

﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: جحدوا ما يجب الإيمان به والإقرار به.

﴿وَعَصَوُا الرَّسُولَ﴾ أي: خالفوا أمره فلم يمتثلوا الأمر، ولم يجتنبوا النهي؛ لأن المعصية هنا تشمل التفريط في الأوامر وكذلك فعل النواهي.

وقوله: ﴿وَعَصَوُا الرَّسُولَ﴾ ﴿الرَّسُولَ﴾ هنا المراد به الجنس، وليس المراد به العهد؛ لأنه يشمل كل رسول.

﴿لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ﴾ ﴿تُسَوَّى﴾ فيها قراءتان: ﴿تَسَوَّى﴾ و﴿تُسَوَّى﴾ فعلى قراءة الضم ﴿تُسَوَّى﴾ تكون ﴿الْأَرْضُ﴾ نائب فاعل، وعلى قراءة الفتح تكون الأرض فاعلًا، ومعنى ﴿تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ﴾ أي: يُدفنون فيها، ولا يظهرون فيها؛ يكونون كأنهم جزء من الأرض ولا يُحاسبون.

وقوله: ﴿وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ الواو حرف عطف، وجملة ﴿لَا يَكْتُمُونَ﴾ معطوفة على قوله: ﴿يَوَدُّ﴾ وليست على قوله: ﴿تُسَوَّى﴾. وذلك لأنها لو كانت عطفًا على ﴿تُسَوَّى﴾ لفسد المعنى؛ إذ يكون المعنى: يودون لو تسوى بهم الأرض، ولو لا يكتمون الله حديثًا، فيكون على هذا التقدير يكونون قد أقرّوا بما هم عليه، والحال أنهم لم يقرّوا، بالعكس ﴿يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ يدل على أنهم كتموا الحديث لو جعلناها معطوفة على ﴿تُسَوَّى﴾ والواقع أنهم لم يكتموا الله شيئًا، ولهذا يودون لو تسوّى بهم الأرض، والحال أنهم لا يكتمون الله حديثًا أي: يُقرّون بالكفر والشرك. وقوله: ﴿وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ أي: ما يحدّثون به عن أنفسهم، بل يقرّون إقرارًا كاملًا بأنهم كفروا وعصوا الرسول.

* فمن فوائد هذه الآية الكريمة: بيان ما تؤول إليه حال الكفرة العاصين للرسول يتمنون أنهم لم يخلقوا، وأن الأرض سُويّت بهم.

* ومن فوائدها: الحذر من معصية الرسول صلى الله عليه وآله وسلم؛ لقوله: ﴿وَعَصَوُا الرَّسُولَ﴾.

* ومن فوائدها: وجوب العمل بما في السنة وإن لم يكن في القرآن، من أين تؤخذ؟ ﴿وَعَصَوُا الرَّسُولَ﴾؛ لأن هناك أوامر صدرت من الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، ولم تكن في القرآن فيجب العمل بها.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: شدة حسرة أولئك الكفار يوم القيامة، أنهم يتمنون أنهم لم يخلقوا، وأن تسوّى بهم الأرض ويدفنون فيها، ولكن هذا لا ينفعهم.

* ومن فوائد الآية الكريمة: أن هؤلاء الكافرين العاصين يقرّون بما هم عليه فلا يكتمون الله حديثًا.

* ومن فوائد الآية الكريمة: أنهم لا يكتمون أيّ حديث كان؛ لأن ﴿حَدِيثًا﴾ نكرة في سياق النفي فتعم كل شيء، فهم يقرّون بكل ما عملوا، ولهذا كلما ألقي في النار فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير؟ فيقولون: ﴿بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ (٩) وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك ٩، ١٠].

فإن قال قائل: كيف تجمعون بين هذه الآية وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام ٢٣] فإن هذا صريح في أنهم ينفون أن يكونوا مشركين، وهذه الآية صريحة في أنهم لا يكتمون؟

فالجواب: أن القيامة ليست ساعة أو ساعتين حتى تتصادم الأحوال فيها، القيامة يوم مقداره خمسون ألف سنة، فالأحوال تتغير وتتبدّل، فهم أحيانًا يقولون: كذا، وأحيانًا يقولون: كذا؛ لأنهم يريدون …

43

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَقْرَبُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَأَنتُمْ سُكَٰرَىٰ حَتَّىٰ تَعْلَمُوا۟ مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِى سَبِيلٍ حَتَّىٰ تَغْتَسِلُوا۟ ۚ وَإِن كُنتُم مَّرْضَىٰٓ أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوْ جَآءَ أَحَدٌۭ مِّنكُم مِّنَ ٱلْغَآئِطِ أَوْ لَٰمَسْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَلَمْ تَجِدُوا۟ مَآءًۭ فَتَيَمَّمُوا۟ صَعِيدًۭا طَيِّبًۭا فَٱمْسَحُوا۟ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا

O you who have believed, do not approach prayer while you are intoxicated until you know what you are saying or in a state of janabah, except those passing through [a place of prayer], until you have washed [your whole body]. And if you are ill or on a journey or one of you comes from the place of relieving himself or you have contacted women and find no water, then seek clean earth and wipe over your faces and your hands [with it]. Indeed, Allah is ever Pardoning and Forgiving.

ثم قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ إذا صدّر الله الآية بـ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ دل ذلك على اهتمام الموضوع؛ لأن النداء يسترعي أيش؟ الانتباه، فإذا خاطبك أحد وناداك: يا فلان، فإنه يريد منك أن تنتبه، ولهذا قال ابن مسعود رضي الله عنه:« إذا سمعت الله يقول: » ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ «فأرْعِها سمعَك؛ فإما خير تُؤمر به، وإما شرٌّ تُنهى عنه»أخرجه سعيد بن منصور في التفسير (٥٠) من حديث عبد الله بن مسعود..

ثم إن الله تعالى إذا صدّر هذا النداء لوصف الإيمان دلّ ذلك على أن امتثاله إن كان أمرًا وتصديقه إن كان خبرًا من مقتضيات الإيمان؛ لأنك لا تنادي شخصًا بوصف، ثم توجه إليه الأمر أو الخبر إلا لأنه أهل لقبول هذا الأمر وتصديق هذا الخبر بما معه من هذا الوصف، ويفيد أيضًا أن مخالفة هذا نقص في الإيمان، فإذا كان أمرًا فخُولف أو خبرًا فكُذّب، فإن هذا ينافي الإيمان، ويفيد أيضًا معنًى ثالثًا؛ وهو ما يُعرف عندهم بالإغراء؛ يعني تحبيب الشيء إلى الإنسان؛ لأنه إذا قيل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ كأنه قيل: إن كنت مؤمنًا فافعل كما تقول للرجل: يا أيها الكريم، قد نزل بك ضيف؛ يعني فأكرمه.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ﴾ أي: لا تصلّوا، ولا تتهيؤوا للصلاة، والحال أنكم سكارى، ولهذا نعرب الواو في قوله: ﴿وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ حالية، والجملة: ﴿وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ الجملة في محل نصب على الحال من الواو في قوله: ﴿لَا تَقْرَبُوا﴾.

وقوله: ﴿وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ جمع (سكران)، والسكران من زال عقله على سبيل الطرب والنشوة، وبهذا يظهر الفرق بين السكران والمغمى عليه والمبنّج وما أشبهه، السكران يتغطّى عقله، لكن يجد طربًا ولذة ونشوة حتى يتخيل أنه ملك من الملوك كما قال شاعر الجاهلية:

وَنَشْرَبُهَــــــــــــــــــــافَتَتْرُكُنَــــــــــــــــــــا مُلُوكًـا ∗∗∗ ...........................

وكما وقع لحمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه حين شرب فثمل؛ سكر قبل أن تحرم الخمر، فمر به بعيران ناضحان لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه، ناضح يعني تسقي بالسواني، وكان عنده مغنية تغنيه فقالت:

أَلَا يَا حَمْــــــزُ لِلشُّـــــرُفِالنِّــــــــوَاءِ ∗∗∗ ........................

فهيّجته، فأخذ السيف، وجبّ أسنمة البعيرين، وبقر بطونها، وأخرج أكبادها، نشوة طرب، فجاء عليّ إلى النبي ﷺ يشتكي فقام النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى حمزة، فلما جاء إليه وجده لم يفق بعد، فكلّمه، فقال له حمزة: وهل أنتم إلا عبيد أبي؟! إذن تصوّر أنه أيش؟ أنه ملك وأن دول عبيد أبيه، فرجع النبي عليه الصلاة والسلام وعرف أن الرجل لا يدري ما يقول وتركهمتفق عليه؛ البخاري (٤٠٠٣)، ومسلم (١ / ١٩٧٩) من حديث علي بن أبي طالب..

فهنا يقول: ﴿سُكَارَى﴾ من السكارى؟ قلنا: جمع (سكران)، وهو من تغطَّى عقله على وجه اللذة والطرب، وذلك بشرب المسكر، أما البنج فليس بسكر، والإغماء ليس بسكر، وإن تغطى العقل.

وقوله: ﴿وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ ﴿حَتَّى﴾ هل هي للغاية أو للتعليل؟

* طلبة: للغاية.

* الشيخ: هي ﴿حَتَّى﴾ تأتي للتعليل، وتأتي للغاية، ففي قوله تعالى: ﴿لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى﴾ [طه ٩١]. هذه لا شك أنها للغاية؛ لأن بقاءهم عاكفين على العجل لا يستلزم مجيء موسى.

وفي قوله تعالى: ﴿لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا﴾ [المنافقون ٧] هذه للتعليل أو للغاية؟

* طلبة: للتعليل..

* طلبة آخرون: للغاية.

* الشيخ: أمهلوا بارك الله فيكم، تأملوا ﴿لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ …

44

أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ نَصِيبًۭا مِّنَ ٱلْكِتَٰبِ يَشْتَرُونَ ٱلضَّلَٰلَةَ وَيُرِيدُونَ أَن تَضِلُّوا۟ ٱلسَّبِيلَ

Have you not seen those who were given a portion of the Scripture, purchasing error [in exchange for it] and wishing you would lose the way?

طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ (٤٤) وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا﴾ [النساء ٤٤- ٤٥].

* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ﴾ الاستفهام هنا للتقرير؛ يعني: يقرر الله سبحانه وتعالى ذلك على وجه مشاهد مرئي يراه الرائي.

والخطاب في قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ يحتمل أن يكون للرسول صلى الله عليه وآله وسلم، ويحتمل أن يكون لكل من يتوجه الخطاب إليه؛ أي: ألم تر أيها المخاطب ﴿إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا﴾؟ أي: أعطوا نصيبًا، فـ ﴿أُوتُوا﴾ هنا تنصب مفعولين: المفعول الأول في هذا السياق هو الواو الذي هو نائب الفاعل، والمفعول الثاني هو قوله: ﴿نَصِيبًا﴾ والذي آتاهم نصيبًا من الكتاب هو الله عز وجل، وهذا النصيب من الكتاب هو التوراة والإنجيل، وعلى هذا فيشمل اليهود والنصارى لكن في اليهود أعظم؛ لأنهم هم الذين كانوا في المدينة في عهد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم.

﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ﴾ ﴿يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ﴾ أي: يطلبونها شراءً، ومن المعلوم أن المشتري طالب للسلعة جاد في طلبها حتى حصلها بالشراء، وهذا أبلغ مما لو قال: يسلكون الضلالة؛ لأن الشراء يُنْبِئ عن رغبة وطلب حتى يصل الإنسان إلى ما أراد، يشترون الضلالة بماذا؟ بالهدى كما قال الله تعالى في آية أخرى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى﴾ [البقرة ١٦].

وهل هذا الشراء شراء رابح؟ لا، هذا الشراء أخسر أنواع الشراء؛ ولهذا قال تعالى في سورة البقرة: ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ [البقرة ١٦].

﴿يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ﴾ هذا باعتبار ما يختارونه لأنفسهم، وهل شرهم قاصر؟ استمع ﴿وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ﴾ مع شرائهم للضلالة واختيارهم إياها وحرصهم عليها، يريدون أن ينقلوها أيضًا إلى غيرهم ﴿يُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ﴾ أي: الطريق إلى الله عز وجل وهو دين الإسلام، وإذا كانت هذه إرادتَهم فسوف يسعون إلى حصول مرادهم بكل وسيلة؛ ولهذا نجد أن الكفار أعداء المسلمين يسعون إلى إضلال المسلمين بكل وسيلة، تارة بالانحلال الخلقي، وتارة بالدمار العسكري، وتارة بالأفكار السيئة الرديئة، هم يَرَوْنَ السلاح الذي هو أنكى فيستعملونه، ولا يبالون؛ يعني: لو أن الأمر أفضى إلى العدوان المسلح لفعلوا؛ لأنهم يريدون أن نضل السبيل.

فإن قال قائل: لماذا يريدون أن نضل السبيل؟ نقول: لأنهم ضلال، وكل إنسان يريد أن يكون الناس على شاكلته، هذا من وجه، من وجه آخر أنهم أولياء للشيطان، والشيطان قال لله عز وجل يخاطب الله: ﴿قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (١٦) ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ [الأعراف ١٦، ١٧] وتأمل قوله: ﴿لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ﴾ ولم يقل: على صراطك، ولا في صراطك، حذف حرف الجر؛ ليشمل قعوده على الصراط حتى لا ندخل، وقعوده في الصراط حتى لا نتم السير، وهو كذلك هو يقعد لنا الصراط على الصراط خارجه حتى لا ندخل وفي الصراط داخله حتى لا نتم المسير، وهؤلاء هم أولياء الشيطان كما قال تعالى: ﴿فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ﴾ [النساء ٧٦]، وإذا كانوا أوليائه فسوف يناصرونه على ما يريد من إضلال عباد الله.

﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ﴾ الله أعلم بأعدائكم منكم؛ لأننا نحن قد يخفى علينا العدو، وقد تخفى علينا …

45

وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَآئِكُمْ ۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَلِيًّۭا وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ نَصِيرًۭا

And Allah is most knowing of your enemies; and sufficient is Allah as an ally, and sufficient is Allah as a helper.

طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ (٤٤) وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا﴾ [النساء ٤٤- ٤٥].

* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ﴾ الاستفهام هنا للتقرير؛ يعني: يقرر الله سبحانه وتعالى ذلك على وجه مشاهد مرئي يراه الرائي.

والخطاب في قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ يحتمل أن يكون للرسول صلى الله عليه وآله وسلم، ويحتمل أن يكون لكل من يتوجه الخطاب إليه؛ أي: ألم تر أيها المخاطب ﴿إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا﴾؟ أي: أعطوا نصيبًا، فـ ﴿أُوتُوا﴾ هنا تنصب مفعولين: المفعول الأول في هذا السياق هو الواو الذي هو نائب الفاعل، والمفعول الثاني هو قوله: ﴿نَصِيبًا﴾ والذي آتاهم نصيبًا من الكتاب هو الله عز وجل، وهذا النصيب من الكتاب هو التوراة والإنجيل، وعلى هذا فيشمل اليهود والنصارى لكن في اليهود أعظم؛ لأنهم هم الذين كانوا في المدينة في عهد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم.

﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ﴾ ﴿يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ﴾ أي: يطلبونها شراءً، ومن المعلوم أن المشتري طالب للسلعة جاد في طلبها حتى حصلها بالشراء، وهذا أبلغ مما لو قال: يسلكون الضلالة؛ لأن الشراء يُنْبِئ عن رغبة وطلب حتى يصل الإنسان إلى ما أراد، يشترون الضلالة بماذا؟ بالهدى كما قال الله تعالى في آية أخرى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى﴾ [البقرة ١٦].

وهل هذا الشراء شراء رابح؟ لا، هذا الشراء أخسر أنواع الشراء؛ ولهذا قال تعالى في سورة البقرة: ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ [البقرة ١٦].

﴿يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ﴾ هذا باعتبار ما يختارونه لأنفسهم، وهل شرهم قاصر؟ استمع ﴿وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ﴾ مع شرائهم للضلالة واختيارهم إياها وحرصهم عليها، يريدون أن ينقلوها أيضًا إلى غيرهم ﴿يُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ﴾ أي: الطريق إلى الله عز وجل وهو دين الإسلام، وإذا كانت هذه إرادتَهم فسوف يسعون إلى حصول مرادهم بكل وسيلة؛ ولهذا نجد أن الكفار أعداء المسلمين يسعون إلى إضلال المسلمين بكل وسيلة، تارة بالانحلال الخلقي، وتارة بالدمار العسكري، وتارة بالأفكار السيئة الرديئة، هم يَرَوْنَ السلاح الذي هو أنكى فيستعملونه، ولا يبالون؛ يعني: لو أن الأمر أفضى إلى العدوان المسلح لفعلوا؛ لأنهم يريدون أن نضل السبيل.

فإن قال قائل: لماذا يريدون أن نضل السبيل؟ نقول: لأنهم ضلال، وكل إنسان يريد أن يكون الناس على شاكلته، هذا من وجه، من وجه آخر أنهم أولياء للشيطان، والشيطان قال لله عز وجل يخاطب الله: ﴿قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (١٦) ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ [الأعراف ١٦، ١٧] وتأمل قوله: ﴿لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ﴾ ولم يقل: على صراطك، ولا في صراطك، حذف حرف الجر؛ ليشمل قعوده على الصراط حتى لا ندخل، وقعوده في الصراط حتى لا نتم السير، وهو كذلك هو يقعد لنا الصراط على الصراط خارجه حتى لا ندخل وفي الصراط داخله حتى لا نتم المسير، وهؤلاء هم أولياء الشيطان كما قال تعالى: ﴿فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ﴾ [النساء ٧٦]، وإذا كانوا أوليائه فسوف يناصرونه على ما يريد من إضلال عباد الله.

﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ﴾ الله أعلم بأعدائكم منكم؛ لأننا نحن قد يخفى علينا العدو، وقد تخفى علينا …

46

مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُوا۟ يُحَرِّفُونَ ٱلْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِۦ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَٱسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍۢ وَرَٰعِنَا لَيًّۢا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًۭا فِى ٱلدِّينِ ۚ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا۟ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَٱسْمَعْ وَٱنظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًۭا لَّهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَٰكِن لَّعَنَهُمُ ٱللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًۭا

Among the Jews are those who distort words from their [proper] usages and say, "We hear and disobey" and "Hear but be not heard" and "Ra'ina," twisting their tongues and defaming the religion. And if they had said [instead], "We hear and obey" and "Wait for us [to understand]," it would have been better for them and more suitable. But Allah has cursed them for their disbelief, so they believe not, except for a few.

طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا (٤٦) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ [النساء ٤٦، ٤٧].

* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، سبق لنا الكلام على قول الله تبارك تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ﴾ إلى آخره. مَن المراد بهؤلاء (الذين أوتوا نصيبًا من الكتاب)؟

* طالب: اليهود والنصارى.

* الشيخ: اليهود والنصارى. طيب. لماذا عبر بقوله: ﴿يَشْتَرُونَ﴾ عن قوله: يضلون؟

* طالب: للدلالة على رغبتهم في الضلالة.

* الشيخ: للدلالة على رغبتهم في الضلالة، وكأنها سلعة يطلبونها ويحرصون عليها. طيب. هل ذكر الله لهذه الآية نظيرًا مما سبق؟

* طالب: (...).

* الشيخ: كيف؟

* طالب: الآية التي بعدها.

* الشيخ: لا، ﴿رِئَاءَ النَّاسِ﴾ أناس اشتروا الضلالة بالهدى؟

* طالب: لكن (...).

* الشيخ: ذكر الله ذلك في صفات المنافقين، وعلى هذا فالكفار والمنافقون كل منهم سواء. هل للآية شاهد في أنهم يحبون أن نضل؟ هنا يقول: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ﴾ فهل لهذه الآية نظير؟

* طالب: نعم ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة ١٢٠]، ومنه قوله تعالى: ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ﴾ [النساء ٨٩].

* الشيخ: ومنه قوله تعالى: ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا﴾، هل وافقوا الشيطان في هذه الإرادة؟

* طالب: نعم، وافقوا الشيطان، والدليل قوله تعالى: ﴿وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ [النساء ٦٠].

* الشيخ: فهم يريدون إضلال الخلق، والشيطان أيضًا يريد إضلال الخلق.

ما الفائدة من قوله: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ﴾؟

* طالب: قد كان (...) علم الله (...).

* الشيخ: وغيره، ويش الفائدة؟ ليش قال: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ﴾؟

* طالب: فيها ترغيب وترهيب.

* الشيخ: صحيح، كيف ذلك؟

* طالب: أما الترغيب، فلأنه أعلم من المؤمنين بأعدائهم فهم (...) ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ [النساء ٦]، أما الترهيب فهو أعلم بحال الكفار فهو يكيد لهم كيدًا أعظم من كيدهم.

* الشيخ: سمعتم ما قال؟ يقول: فيها تهديد وتأييد، تأييد للمؤمنين بأن الله أعلم بأعدائهم وسيكفيهم إياهم كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحج ٣٨]، وتهديد للكفار بأنه سوف يرد كيدهم في نحورهم وينصر أولياءه عليهم، ولهذا قال: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرً﴾. طيب. هل من أسماء الله (الولي) و(النصير)؟

* طالب: (الولي) من أسماء الله.

* الشيخ: ما الدليل؟

* الطالب: قول الله سبحانه وتعالى: ﴿هُوَ الْوَلِيُّ﴾ في سورة الشورى.

* الشيخ: إي نعم

* الطالب: أخر الآية ﴿هُوَ الْوَلِيُّ﴾ (...).

* طالب آخر: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ﴾ [الشورى ٩].

* الشيخ: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ﴾، وكذلك أيضا: ﴿وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [الشورى ٢٨]. هل من أسماء الله (النصير)؟

* طالب: إن الله ينصر الذين آمنوا.

* الشيخ: أقول هل من أسماء الله (النصير)؟

* …

47

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَٰبَ ءَامِنُوا۟ بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًۭا لِّمَا مَعَكُم مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهًۭا فَنَرُدَّهَا عَلَىٰٓ أَدْبَارِهَآ أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّآ أَصْحَٰبَ ٱلسَّبْتِ ۚ وَكَانَ أَمْرُ ٱللَّهِ مَفْعُولًا

O you who were given the Scripture, believe in what We have sent down [to Muhammad], confirming that which is with you, before We obliterate faces and turn them toward their backs or curse them as We cursed the sabbath-breakers. And ever is the decree of Allah accomplished.

طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا (٤٧) إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾ [النساء ٤٧، ٤٨].

* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ﴾، النداء في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾، يراد به اليهود إرادة أولوية، وكذلك النصارى؛ لأنهم أوتوا الكتاب، والكتاب الذي أوتيه اليهود هو التوراة التي أنزلها الله على موسى، كتبها بيده سبحانه وتعالى، وأنزلها على موسى صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أما الكتاب الذي نزل على عيسى فهو الإنجيل.

﴿آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ﴾ وهو القرآن، وقال: ﴿نَزَّلْنَا﴾؛ لأنه نزل شيئًا فشيئًا حسب ما تقتضيه حكمة الله عز وجل، قال العلماء: والفرق بين (نزلنا) و(أنزلنا) أن (نزلنا) إذا اجتمعت مع (أنزلنا) صار المراد بها التفريق، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ﴾ [النساء ١٣٦] وقال تعالى: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾ [الإسراء ١٠٦] فالقرآن منزل تنزيلًا على حسب ما تقتضيه حكمة الله؛ إما أن تكون واقعة يتحدث الله عنها أو مشكلة يفتي الله تعالى بها، أو غير ذلك.

وقوله: ﴿مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ﴾ أي للذي معكم، والذي معهم هو التوراة بالنسبة لمن؟

* طلبة: لليهود.

* الشيخ: والإنجيل بالنسبة للنصارى، وكيف هذا التصديق؟

التصديق له وجهان: الوجه الأول أنه مصدق لها، أي شاهد بما جاءت به، شاهد بما جاءت به وأنها حق، والقرآن مملوء من ذلك، من أن الكتب السابقة المنزلة على الرسل كلها حق، والثاني من الوجهين أنه مصدق لها، حيث جاء على وفق ما أخبرت به؛ لأن هذا القرآن الكريم والنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قد ذكرا في التوراة والإنجيل، كما قال تعالى: ﴿الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ﴾ [الأعراف ١٥٧] إذن التصديق له وجهان: الوجه الأول؟

* طالب: الوجه الأول أن في القرآن آيات تدل وتثبت صحة الكتب السابقة من التوراة والإنجيل.

* الشيخ: فهو مصدق لها، أي شاهد لها بالصحة، والوجه الثاني؟

* طالب: أنه شاهد لما جاءت به.

* الشيخ: هذا الأول.

* طالب: أنه مصدق لها، في حين أنه جاء بما أخبرت به.

* الشيخ: أنه جاء موافقًا لما أخبرت به هي، جاء هذا القرآن موافقًا لما أخبرت به، فهذا الوجه غير وجه الأول.

﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ﴾ هذا تحذير وتهديد، إذا تأخروا عن الإيمان يحصل لهم هذا ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا﴾، وهذا الطمس اختلف العلماء فيه: هل هو طمس معنوي أو طمس حسي، فقيل: إنه طمس معنوي، بحيث لا ترى الحق ولا تسمعه ولا تنتفع به، ويردها الله على أعقابها فتهوي في الكفر.

وقيل: بل هو طمس حسي، وذلك بأن تطمس الوجوه حتى تكون كخف البعير، ليس فيها عين ولا أنف ولا شفة ولا حاجب، بل هي كالقفا تمامًا، فكما أن قفا الرأس ليس فيه شيء من ذلك، فهذه أيضًا تطمس حتى تكون وجوههم كأقفائهم، ثم بعد ذلك ترد على الأدبار.

وقيل: المراد بالطمس طمس حسي، ولكن هو أن تلوى الأعناق، وتكون …

48

إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِۦ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَآءُ ۚ وَمَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَقَدِ ٱفْتَرَىٰٓ إِثْمًا عَظِيمًا

Indeed, Allah does not forgive association with Him, but He forgives what is less than that for whom He wills. And he who associates others with Allah has certainly fabricated a tremendous sin.

طالب: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا (٤٨) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ﴾ [النساء ٤٨، ٤٩].

* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾، ما المراد بقوله: ﴿بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ﴾؟ أصحاب السبت معروفون لنا، الذين اعتدوا في السبت، فتحيلوا على صيد الحيتان حين حرم عليهم يوم السبت، وكانت تأتيهم شرعًا ﴿وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ﴾ [الأعراف ١٦٣]، فتحيلوا بنصب الشبك يوم الجمعة وأخذ الحيتان يوم الأحد؛ فقُلبوا قردة خاسئين.

ثم قال الله عز وجل: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ﴾ تحدث سبحانه وتعالى عن نفسه بصيغة الغائب تعظيمًا له، كما يقول الملك، إن الملك يقول لجنوده: إن الملك يأمركم أن تتجهوا إلى المكان الفلاني، فيكون هذا من باب التعظيم، يعني تحديث المتحدث عن نفسه بصيغة الغائب يعتبر تعظيمًا.

وقوله: ﴿لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ المغفرة هي الستر مع التجاوز، ويدل لذلك -أي لكون المعنى مركبًا من الستر والتجاوز- يدل على ذلك الاشتقاق؛ لأن المغفرة مأخوذة من المغفر، وهو الذي يوضع على الرأس ويسمى البيضة يتقى به السهام، وإذا وضع على الرأس ويتقى به السهام صار فيه ستر أيش؟ ووقاية.

إذن ﴿لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ أي لا يتجاوز ولا يستر الإشراك به، وقوله: ﴿أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾، (أن) هذه مصدرية، و(أن) المصدرية من الحروف أيش؟ الموصولة، فتسبك وما بعدها بمصدر، ويكون التقدير على هذا: إن الله لا يغفر شركًا به، أو إشراكًا به، عرفتم؟ لا يغفر إشراكًا به، وإذا حولنا هذا الفعل مع (أن) إلى مصدر صار نكرة في سياق النفي، والنكرة في سياق النفي للعموم.

وقوله تعالى: ﴿أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ يشمل الإشراك في الربوبية والإشراك في الألوهية الذي هو الإشراك في العبادة، والثالث: الإشراك في الأسماء والصفات، فالله لا يغفره؛ لأن جانب التوحيد أعظم الجوانب حقًّا أن ينفى به، فإذا أخل به الإنسان فإن الله سبحانه وتعالى لا يغفره، بخلاف المعاصي الأخرى التي دونه، أو التي سوى الشرك، فإن الله تعالى يغفرها، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾، فمن اعتقد أن مع الله خالقًا أو معينًا فهو مشرك، أو أن لأحد من الناس من الخلق شيئًا ينفرد به دون الله فهو مشرك، يعني من قال: السماء لله والأرض لغير الله فهو مشرك، ومن قال: السماء والأرض مشتركة بين الله وغيره فهو مشرك، ومن قال: إن الله له معين في خلق السماوات والأرض فهو مشرك، وكل هذا لا يغفره الله؛ في العبادة: من سجد لغير الله أو نذر لغير الله أو ذبح لغير الله فهو مشرك، من أشرك بالله بالعبادة رياء فهو مشرك، فالرياء شرك بنص الحديثأخرجه ابن ماجه (٣٩٨٩) من حديث معاذ بن جبل قال: سمعت رسول الله ﷺ، يقول: «إن يسير الرياء شرك»، وأخرج أحمد (١١٢٥٢)، وابن ماجه (٤٢٠٤) من حديث أبي سعيد الخدري قال: «... الشرك الخفي، أن يقوم الرجل يصلي، فيزين صلاته، لما يرى من نظر رجل». وغير ذلك من الأحاديث..

إذن الرياء لا يغفر، كذلك من زعم أن لله مثيلًا في صفاته، وأن استواء الله على العرش كاستواء الانسان على السرير، وأن نزول الله إلى السماء الدنيا كنزول الإنسان من السطح إلى أسفل الدرجة، وما أشبه ذلك فهو مشرك، كل هذا لا يغفره الله.

﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾، ﴿مَا دُونَ ذَلِكَ﴾ المراد بقوله: ﴿مَا دُونَ ذَلِكَ﴾ أي ما سوى ذلك، أو ما هو أصغر من ذلك؟ هل هو من الدون الذي هو الأصغر؟ أو من الدون الذي هو السوى؟

* طلبة: (...).

* الشيخ: نشوف، إذا قلنا: ما سوى ذلك لزم أن يغفر الله كفر الجحود؛ …

49

أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُم ۚ بَلِ ٱللَّهُ يُزَكِّى مَن يَشَآءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا

Have you not seen those who claim themselves to be pure? Rather, Allah purifies whom He wills, and injustice is not done to them, [even] as much as a thread [inside a date seed].

ثم قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ﴾ [النساء ٤٩] الاستفهام هنا للتعجب والتقرير؛ أي: ألا تتعجب من حال هؤلاء القوم؟

والخطاب في قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ إما لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، والخطاب الموجه إليه موجه للأمة عن طريق الفرع؛ لأن الأمة فرع، وقيل: إن الخطاب موجه لكل من يتأتى خطابه، أي لكل من يصح توجيه الخطاب إليه، وأيهما أعم؟ الثاني أعم.

لكن القولين لا يتنافيان؛ لأن حتى لو قلنا: إن أصل الخطاب للرسول عليه الصلاة والسلام، فخطاب الزعيم خطاب له ولمن تبعه.

وقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ﴾ يعني جواب الاستفهام محذوف: أتحصل لهم التزكية؟ هذا المعنى؛ لأنه إذا جاء مثل هذا الكلام فلا بد أن يكون هناك جملة استفهامية؛ إما مذكورة وإما محذوفة.

وقوله: ﴿يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ﴾ أي: ينسبونها للزكاء، وهو ضد الشقاء، فمن المراد بهؤلاء؟ المراد بهم كل من زكى نفسه، وأول من يدخل في ذلك اليهود والنصارى؛ لأن اليهود والنصارى قالوا: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [المائدة ١٨]، وهذه تزكية، ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ [البقرة ١١١]، و﴿قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ [آل عمران ٢٤] فزكوا أنفسهم في العمل والجزاء عليه؛ زكوا أنفسهم في العمل حيث قالوا: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾، وزكوا أنفسهم بالثواب عليه حيث قالوا: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾، وزكوا أنفسهم أيضًا من وجه آخر بالجزاء، قالوا: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾.

ومن كان مثلهم -يعني من زكى نفسه- فإنه آخذ بنصيب من مشابهتهم، من قال: أنا ولي، أو: أنا تقي، أو ما أشبه ذلك، فقد زكى نفسه، ولاسيما ما يحصل من بعض مشايخ الصوفية الذين يغرون الناس؛ يقولون: نحن أولياء، نحن أصفياء، وما أشبه ذلك، فهم يزكون أنفسهم من أجل أن يغتر الناس بهم.

وقوله: ﴿بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ﴾، (بل) هنا للإضراب الإبطالي أو الانتقالي؟

* طلبة: الانتقالي.

* طلبة آخرون: الإبطالي.

* الشيخ: الإبطالي؛ لأن التقدير: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ﴾ أتحصل لهم التزكية؟

الجواب: لا، لا تحصل لهم التزكية، ولو كان كل من زكى نفسه حصلت له التزكية لكان أخبث الناس يزكي نفسه. الآن الذين يعبدون الأصنام، يعبدون البقر، يعبدون الأشجار، يعبدون أي ما يعبدون؛ يقولون: نحن الذين على حق، فيزكون أنفسهم، لكن إلى أي يرجع في التزكية؟ إلى الله.

ولهذا أبطل الله سبحانه وتعالى هذه التزكيات كلها وقال: ﴿بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ﴾، فـ(بل) هنا للإضراب أيش؟ الإبطالي، و(بل) تأتي للإضراب الإبطالي وتأتي للإضراب الانتقالي، انظروا إلى قوله تعالى: ﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ﴾ [النمل ٦٦] هل هذا إضراب انتقالي أو إبطالي؟

* طلبة: انتقالي.

* الشيخ: انتقالي، ينتقل من شيء إلى آخر، والشيء الأول باقٍ، لكن انتقال، تتنقل بهم الأحوال إلى أن يصلوا إلى هذا الحد.

فالحاصل أن الإضراب يكون إبطاليًّا ويكون انتقاليًّا.

﴿بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ﴾ هو الذي يزكي عز وجل، هو الذي يثني، قال الله تبارك وتعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [الحديد ١٠] فأعطى الله تعالى التزكية لهؤلاء كل بحسب حاله، ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ …

50

ٱنظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ ۖ وَكَفَىٰ بِهِۦٓ إِثْمًۭا مُّبِينًا

Look how they invent about Allah untruth, and sufficient is that as a manifest sin.

ثم قال الله تعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ [النساء ٥٠] ﴿انْظُرْ﴾ الخطاب لمن؟

* طالب: قولان.

* الشيخ: إما للرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم أو لكل من يصح توجه الخطاب إليه، وبالمناسبة نستعيد ما سبق أن الخطاب الموجه للرسول عليه الصلاة والسلام ينقسم إلى ثلاثة أقسام:

القسم الأول: ما دل الدليل على أنه خاص به، فهذا خاص به مثل ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح ١، ٢] ﴿لَكَ﴾ الخطاب للرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، هل يشمل الأمة؟

* الطلبة: لا.

* الشيخ: نعم؟ لا، ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح ١] يشمل الأمة؟

* الطلبة: لا.

* الشيخ: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى﴾ [الضحى ٦]؟

* الطلبة: لا يشمل.

* الشيخ: لا يشمل، ﴿وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا﴾ [النساء ٧٩] لا يشمل، هذا واضح، هذا خاص بالرسول عليه الصلاة والسلام بلا نزاع ولا إشكال.

القسم الثاني: ما دل الدليل على أنه عام مثل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ إلى آخره [الطلاق: ١]، فهنا دل الدليل على أن الخطاب ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ﴾ ليس خاصًّا به، وجه الدلالة؟

* الطلبة: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ﴾.

* الشيخ: قال: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ﴾ ولم يقل: إذا طلقتَ، ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ إلى آخره.

القسم الثالث: ما لا دليل عليه، أي على الخصوصية أو على العموم، فالعلماء اختلفوا فيه على قولين:

القول الأول: أنه عام موجه لكل من يصح توجه الخطاب إليه.

والقول الثاني: أنه خاص بالرسول، ويكون شموله للأمة من باب العموم المعنوي لا العموم اللفظي؛ وذلك لأن الحكم الثابت في حق الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم حكم له وللأمة؛ لقول الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ﴾ [الأحزاب ٢١].

﴿انْظُرْ﴾ من أي الأقسام؟

* طلبة: الثالث.

* الشيخ: الثالث الذي ما فيه الدليل لا على هذا ولا على هذا، والمراد بالنظر هنا ﴿انْظُرْ كَيْفَ﴾ النظر العقلي لا النظر البصري؛ لأن افتراء الكذب على الله عز وجل ليس مما ينظر بالعين ولكنه مما ينظر بأيش؟ بالعقل وعين البصيرة، ﴿انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ بقولهم: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ [آل عمران ٢٤]، وبقولهم: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [المائدة ١٨]، وبقولهم: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ [البقرة ١١١]، فانظر كيف يفترون على الله الكذب، وكيف جرأتهم على الله! نعوذ بالله.

﴿وَكَفَى بِهِ﴾ أي: بالافتراء، ﴿إِثْمًا مُبِينًا﴾ هذه الجملة معناها معنى التعجب، يعني ما أكبر هذا الإثم وهو الافتراء على الله؛ لأن الافتراء على الله أعظم افتراء على مفترى عليه، وإذا كان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: «مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ»متفق عليه؛ البخاري (١٠٧)، ومسلم (٣ / ٣) من حديث أبي هريرة.، فالكذب على الله أشد وأعظم.

وقوله: ﴿كَفَى بِهِ إِثْمًا مُبِينًا﴾ ﴿مُبِينًا﴾ هنا بمعنى بيِّنًا، وقد ذكرنا فيما سبق ونعيده الآن: أن (أبان) الرباعي يأتي لازمًا ويأتي متعديًا، فإن كان متعديًا فمعناه الإظهار، (أبان) أي: أظهر، وإن كان لازمًا فمعناه الوضوح، تقول: أبان الفجر، هذا لازم أو متعدٍّ؟

* طالب: لازم.

* الشيخ: لازم، معناه: وضح وتبين.

وتقول: أبان القرآن أن الكذب حرام، بمعنى بيّن وأوضح.

قوله تعالى: ﴿وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ [الزخرف ٢] من أي النوعين؟

* طالب: من النوعين.

* الشيخ: يشمل هذا وهذا، فهو بين في نفسه مبين لغيره.

* في هذه الآية الكريمة من الفوائد: دعوة …

Commentary: Tafsir Ibn 'Uthaymin by Muhammad ibn Salih al-'Uthaymin. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.