Muslim99Muslim99
← Tafsir library

4. An-Nisaa

The Women · Medinan · 176 ayahs

سُورَةُ النِّسَاءِ

Reading Nazm al-Durar by Burhan al-Din al-Biqa'i

Ayahs 41–50 of 176

41

فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍۭ بِشَهِيدٍۢ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَٰٓؤُلَآءِ شَهِيدًۭا

So how [will it be] when We bring from every nation a witness and we bring you, [O Muhammad] against these [people] as a witness?

ولَمّا تَمَّ تَحْذِيرُهُ مِنَ اليَوْمِ الآخِرِ؛ وما ذَكَرَهُ مِن إظْهارِ العَدْلِ؛ واسْتِقْصائِهِ فِيهِ؛ كانَ سَبَبًا لِلسُّؤالِ عَنْ حالِ المُبَكَّتِينَ في هَذِهِ الآياتِ إذْ ذاكَ؛ فَقالَ: ﴿فَكَيْفَ﴾؛ أيْ: يَكُونُ حالُهُمْ؛ وقَدْ حَمَلُوا أمْثالَ الجِبالِ؛ مِن مُساوِي الأعْمالِ؛ ﴿إذا جِئْنا﴾؛ عَلى عَظَمَتِنا؛ ﴿مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ﴾؛ أيْ: يَشْهَدُ عَلَيْهِمْ؛ ﴿وجِئْنا بِكَ﴾؛ وأنْتَ أشْرَفُ خَلْقِنا؛ ﴿عَلى هَؤُلاءِ﴾؛ أيْ: الَّذِينَ أرْسَلْناكَ إلَيْهِمْ؛ وجَعَلْناكَ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ؛ ﴿شَهِيدًا﴾؛ وفي التَّفْسِيرِ مِنَ البُخارِيِّ؛ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ - رَضِيَ اللَّهُ (تَعالى) عَنْهُ - قالَ: «قالَ لِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: ”اقْرَأْ عَلَيَّ“؛ قُلْتُ: أقْرَأُ عَلَيْكَ وعَلَيْكَ أُنْزِلَ؟ قالَ: ”إنِّي أُحِبُّ أنْ أسْمَعَهُ مِن غَيْرِي“؛ فَقَرَأْتُ عَلَيْهِ سُورَةَ ”النِّساءِ“؛ حَتّى بَلَغْتُ: ﴿فَكَيْفَ إذا جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وجِئْنا بِكَ عَلى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾؛ قالَ: ”أمْسِكْ“؛ فَإذا عَيْناهُ تَذْرِفانِ».

42

يَوْمَئِذٍۢ يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَعَصَوُا۟ ٱلرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّىٰ بِهِمُ ٱلْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ ٱللَّهَ حَدِيثًۭا

That Day, those who disbelieved and disobeyed the Messenger will wish they could be covered by the earth. And they will not conceal from Allah a [single] statement.

ثُمَّ اسْتَأْنَفَ الجَوابَ عَنْ ذَلِكَ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَئِذٍ﴾؛ أيْ: تَقُومُ الأشْهادُ؛ ﴿يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾؛ أيْ: سَتَرُوا ما تَهْدِي إلَيْهِ العُقُولُ مِن آياتِهِ؛ وبَيَّنَ أنَّهم مُخاطَبُونَ بِالفُرُوعِ؛ في قَوْلِهِ: ﴿وعَصَوُا الرَّسُولَ﴾؛ بَعْدَ سَتْرِ ما أظْهَرَ مِن بَيِّناتِهِ؛ ﴿لَوْ تُسَوّى بِهِمُ الأرْضُ﴾؛ أيْ: تَكُونُ مُسْتَوِيَةً مُعْتَدِلَةً بِهِمْ؛ ولا تَكُونُ كَذَلِكَ إلّا وقَدْ غَيَّبَتْهم واسْتَوَتْ بِهِمْ؛ ولَمْ يَبْقَ فِيها شَيْءٌ مِن عِوَجٍ؛ ولا نُتُوٍّ؛ بِسَبَبِ أحَدٍ مِنهُمْ؛ ولا شَيْءٍ مِن أجْسامِهِمْ؛ وإنَّما ودُّوا ذَلِكَ خَوْفًا مِمّا يَسْتَقْبِلُهم مِنَ الفَضِيحَةِ بِعِتابِهِمْ؛ ثُمَّ الإهانَةِ بِعِقابِهِمْ.

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: ”فَلا تُسَوّى بِهِمْ“؛ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿ولا يَكْتُمُونَ اللَّهَ﴾؛ أيْ: المَلِكَ الأعْظَمَ؛ ﴿حَدِيثًا﴾؛ أيْ: شَيْئًا أحْدَثُوهُ؛ بَلْ يُفْتَضَحُونَ بِسَيِّئِ أخْبارِهِمْ؛ ويَحْمِلُونَ جَمِيعَ أوْزارِهِمْ؛ جَزاءً لِما كانُوا يَكْتُمُونَ مِن آياتِهِ؛ وما نُصِبَ لِلنّاسِ مِن بَيِّناتِهِ.

43

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَقْرَبُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَأَنتُمْ سُكَٰرَىٰ حَتَّىٰ تَعْلَمُوا۟ مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِى سَبِيلٍ حَتَّىٰ تَغْتَسِلُوا۟ ۚ وَإِن كُنتُم مَّرْضَىٰٓ أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوْ جَآءَ أَحَدٌۭ مِّنكُم مِّنَ ٱلْغَآئِطِ أَوْ لَٰمَسْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَلَمْ تَجِدُوا۟ مَآءًۭ فَتَيَمَّمُوا۟ صَعِيدًۭا طَيِّبًۭا فَٱمْسَحُوا۟ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا

O you who have believed, do not approach prayer while you are intoxicated until you know what you are saying or in a state of janabah, except those passing through [a place of prayer], until you have washed [your whole body]. And if you are ill or on a journey or one of you comes from the place of relieving himself or you have contacted women and find no water, then seek clean earth and wipe over your faces and your hands [with it]. Indeed, Allah is ever Pardoning and Forgiving.

ولَمّا وصَفَ الوُقُوفَ بَيْنَ يَدَيْهِ في يَوْمِ العَرْضِ؛ والأهْوالِ؛ الَّذِي أدَّتْ فِيهِ سَطْوَةُ الكِبْرِياءِ والجَلالِ؛ إلى تَمَنِّي العَدَمِ؛ ومَنَعَتْ قُوَّةُ يَدِ القَهْرِ والجَبْرِ أنْ يَكْتُمَ حَدِيثًا؛ وتَضَمَّنَ وصْفُهُ أنَّهُ لا يَنْجُو فِيهِ إلّا مَن كانَ طاهِرَ القَلْبِ؛ والجَوارِحِ؛ بِالإيمانِ بِهِ؛ والطّاعَةِ لِرَسُولِهِ ﷺ؛ وصْفَ الوُقُوفِ بَيْنَ يَدَيْهِ في الدُّنْيا في مَقامِ الأُنْسِ وحَضْرَةِ القُدْسِ المُنَجِّي مِن هَوْلِ الوُقُوفِ في ذَلِكَ اليَوْمِ؛ والَّذِي خَطَرَتْ مَعانِي اللُّطْفِ والجِمالِ فِيهِ الِالتِفاتَ إلى غَيْرِهِ؛ وأمَرَ بِالطَّهارَةِ في حالِ التَّزَيُّنِ بِهِ عَنِ الخَبائِثِ؛ فَقالَ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾؛ أيْ: أقَرُّوا بِالتَّصْدِيقِ بِالرُّسُلِ؛ وما أتَوْا بِهِ عَنِ اللَّهِ؛ وأوَّلُهُ؛ وأوْلاهُ: ألّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا مِنَ الإشْراكِ؛ ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ﴾؛ أيْ: بِألّا تَكُونُوا في مَوْضِعِها؛ فَضْلًا عَنْ أنْ تَفْعَلُوها؛ ﴿وأنْتُمْ﴾؛ أيْ: والحالُ أنَّكم ﴿سُكارى﴾؛ أيْ: غائِبُو العَقْلِ؛ مِنَ الخَمْرِ؛ أوْ نَحْوِها؛ فَإنَّهُ يُوشِكُ أنْ يَسْبِقَ اللِّسانُ - بِتَمَكُّنِ الشَّيْطانِ بِزَوالِ العَقْلِ - إلى شَيْءٍ مِنَ الإشْراكِ؛ فَيَكُونَ شِرْكًا لِسانِيًّا؛ وإنْ كانَ القَلْبُ مُطِمَئِنًّا بِالإيمانِ؛ فَيُوشِكَ أنْ يُعْرَضَ ذَلِكَ عَلَيْهِ يَوْمَ الوُقُوفِ الأكْبَرِ؛ فَإنَّ مَن أنْتُمْ بَيْنَ يَدَيْهِ لا يُكْتَمُ حَدِيثًا؛ فَيَوَدَّ مَن نَطَقَ لِسانُهُ بِذَلِكَ - لِما يَحْصُلُ لَهُ مِنَ الألَمِ - لَوْ كانَ مِن أهْلِ العَدَمِ؛ وأصْلُ ”السُّكْرُ“؛ في اللُّغَةِ: سَدُّ الطَّرِيقِ؛ وسَبَبُ نُزُولِها ما رَواهُ مُسَدَّدٌ؛ بِإسْنادٍ - قالَ شَيْخُنا البُوصِيرِيُّ: رِجالُهُ ثِقاتٌ - عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ (تَعالى) عَنْهُ - أنَّ رَجُلًا مِنَ الأنْصارِ دَعاهُ؛ وعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ - رَضِيَ اللَّهُ (تَعالى) عَنْهُ - فَسَقاهُما؛ قَبْلَ أنْ تُحَرَّمَ الخَمْرُ؛ فَأمَّهم عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ (تَعالى) عَنْهُ - في المَغْرِبِ؛ وقَرَأ: ﴿قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ﴾ [الكافرون: ١]؛ فَنَزَلَتْ؛ هَكَذا رَواهُ؛ وقَدْ رَواهُ أصْحابُ السُّنَنِ - الثَّلاثَةِ - وأحْمَدُ؛ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ؛ والبَزّارُ؛ والحاكِمُ؛ والطَّبَرِيُّ؛ فَبَيَّنُوا المُرادَ؛ وهو أنَّ الَّذِي صَلّى بِهِمْ قَرَأ: ”أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ“؛ وفي رِوايَةِ التِّرْمِذِيَّ ”ونَحْنُ نَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ“. ولَمّا أفْهَمَ النَّهْيُ عَنْ قُرْبانِها في هَذا الحالِ زَوالَهُ بِانْقِضائِهِ؛ صَرَّحَ بِهِ في قَوْلِهِ: ﴿حَتّى﴾؛ أيْ: ولا يَزالُ هَذا النَّهْيُ قائِمًا حَتّى ﴿تَعْلَمُوا﴾؛ بِزَوالِ السُّكَّرِ؛ ﴿ما تَقُولُونَ﴾؛ فَلا يَقَعَ مِنكم حِينَئِذٍ تَبْدِيلٌ؛ وعِنْدَ الشّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ (تَعالى) عَنْهُ - أنَّ المُرادَ بِالصَّلاةِ نَفْسُها؛ ومَوْضِعُها؛ وهو المَسْجِدُ؛ وذَلِكَ مِن أدِلَّتِهِ عَلى اسْتِعْمالِ الشَّيْءِ في حَقِيقَتِهِ؛ ومَجازِهِ؛ نَهى السَّكْرانَ أنْ يُصَلِّيَ إلى أنْ يَفْهَمَ؛ أيْ: يَصْحُوَ؛ ونَهى كُلَّ واحِدٍ أنْ يَكُونَ في المَسْجِدِ وهو جُنُبٌ؛ بِقَوْلِهِ - عَطْفًا عَلى مَحَلِّ ”وأنْتُمْ سُكارى“ -: ﴿ولا﴾؛ أيْ: ولا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ بِالكَوْنِ في مَحالِّها؛ فَضْلًا عَنْها؛ ﴿جُنُبًا﴾؛ أيْ: مُمْنِينَ؛ بِالفِعْلِ؛ أوِ القُوَّةِ القَرِيبَةِ مِنهُ؛ بِالتِقاءِ الخِتانَيْنِ؛ لِأنَّ الجَنابَةَ المَنِيُّ؛ سَواءٌ كانَ عَنْ جِماعٍ؛ أوْ لا؛ في حالٍ مِن أحْوالِ الجَنابَةِ؛ ﴿إلا عابِرِي سَبِيلٍ﴾؛ أيْ: مارِّينَ مُرُورًا مِن غَيْرِ مُكْثٍ؛ ولا صَلاةٍ؛ ولَمّا غَيّا مَنعَ الجَنابَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿حَتّى تَغْتَسِلُوا﴾؛ أيْ: …

44

أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ نَصِيبًۭا مِّنَ ٱلْكِتَٰبِ يَشْتَرُونَ ٱلضَّلَٰلَةَ وَيُرِيدُونَ أَن تَضِلُّوا۟ ٱلسَّبِيلَ

Have you not seen those who were given a portion of the Scripture, purchasing error [in exchange for it] and wishing you would lose the way?

ولَمّا أفْهَمَ خِتامُ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ التَّشْدِيدَ في الأحْكامِ يَكُونُ سَبَبًا لِلْإجْرامِ؛ فَيَكُونُ سَبَبًا في الِانْتِقامِ؛ قَرَّرَ ذَلِكَ بِحالِ اليَهُودِ الَّذِينَ أوْجَبَتْ لَهُمُ الآصارُ عَذابَ النّارِ؛ فَقالَ - لِيَكُونَ ذَلِكَ مُرَغِّبًا في تَقَبُّلِ ما مَرَّ مِنَ التَّكالِيفِ؛ لِيُسْرِهِ؛ ولِرَجاءِ الثَّوابِ؛ مُرَهِّبًا مِن تَرْكِها؛ خَوْفًا مِنَ العِقابِ؛ ولِيَصِيرَ الكَلامُ حُلْوًا؛ رائِقًا؛ بَهِجًا؛ بِتَفْصِيلِ نَظْمِهِ تارَةً بِأحْكامٍ؛ وتارَةً بِأقاصِيصَ عِظامٍ؛ فَيَنْشَطَ الخاطِرُ؛ وتَقْوى القَرِيحَةُ -: ﴿ألَمْ تَرَ﴾؛ أوْ يُقالُ: إنَّهُ لَمّا حَذَّرَ - سُبْحانَهُ وتَعالى - فِيما مَضى مِن أهْلِ الكِتابِ؛ بِقَوْلِهِ - سُبْحانَهُ وتَعالى -: ﴿ويُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ أنْ تَمِيلُوا مَيْلا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٢٧]؛ ومَرَّ إلى أنْ أنْزَلَ هَذِهِ فِيمَن حَرَّفَ في الصَّلاةِ لِسانُهُ فَقَطْ - لا عَنْ عَمْدٍ - الكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ؛ أتْبَعَها التَّصْرِيحَ بِالتَّعْجِيبِ مِن حالِ المُحَرِّفِينَ بِالقَلْبِ؛ واللِّسانِ؛ عَمْدًا وعُدْوانًا؛ اجْتِراءً عَلى اللَّهِ - سُبْحانَهُ وتَعالى -؛ المُلَوَّحِ إلَيْهِمْ بِالآيَةِ السّابِقَةِ أنَّهم يُرِيدُونَ لَنا الضَّلالَ عَمّا هُدِينا إلَيْهِ مِن سُنَنِهِمْ؛ فَقالَ: ﴿ألَمْ تَرَ﴾

ولَمّا كانُوا بِمَحَلِّ البُعْدِ - بِما لَهم مِنَ اللَّعْنِ - عَنْ حَضْرَتِهِ الشَّرِيفَةِ؛ عَبَّرَ بِأداةِ الِانْتِهاءِ؛ بَصَرِيَّةً كانَتِ الرُّؤْيَةُ أوْ قَلْبِيَّةً؛ فَقالَ: ﴿إلى الَّذِينَ أُوتُوا﴾؛ وحَقَّرَ أمْرَهم بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ؛ وبِقَوْلِهِ: ﴿نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ﴾؛ أيْ: كَشَأْسِ بْنِ قَيْسٍ؛ الَّذِي أرادَ الخُلْفَ بَيْنَ الأنْصارِ؛ وفي ذَلِكَ أنَّ أقَلَّ شَيْءٍ مِنَ الكِتابِ يَكْفِي في ذَمِّ الضَّلالِ؛ لِأنَّهُ كافٍ في الهِدايَةِ ﴿يَشْتَرُونَ﴾؛ أيْ: يَتَكَلَّفُونَ؛ ويُلِحُّونَ - بِما هم فِيهِ مِن رِئاسَةِ الدُّنْيا مِنَ المالِ والجاهِ - أنْ يَأْخُذُوا ﴿الضَّلالَةَ﴾؛ مُعْرِضِينَ عَنِ الهُدى؛ غَيْرَ ذاكِرِيهِ بِوَجْهٍ؛ وسَبَبُ كَثِيرٍ مِن ذَلِكَ ما في دِينِهِمْ مِنَ الآصارِ؛ والأثْقالِ؛ كَما أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ - سُبْحانَهُ وتَعالى -: ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أضاعُوا الصَّلاةَ﴾ [مريم: ٥٩]؛ أيْ: بِسَبَبِ ما شُدِّدَ عَلَيْهِمْ فِيها؛ بِأنَّها لا تُفْعَلُ إلّا في المَوْضِعِ المَبْنِيِّ لَها؛ وبِغَيْرِ ذَلِكَ مِن أنْواعِ الشِّدَّةِ؛ وكَذا غَيْرُها المُشارُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ - سُبْحانَهُ وتَعالى - ﴿فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ﴾ [المائدة: ١٣]؛ وغَيْرُ ذَلِكَ؛ ومِن أعْظَمِهِ ما يُخْفُونَ مِن صِفَةِ النَّبِيِّ ﷺ؛ لِيَتَقَرَّبُوا بِذَلِكَ إلى أهْلِ دِينِهِمْ؛ ويَأْخُذُوا مِنهُمُ الرُّشى عَلى ذَلِكَ؛ ويَجْعَلُوهم عَلَيْهِمْ رُؤَساءَ.

ولَمّا ذَكَرَ ضَلالَهُمُ المُتَضَمِّنَ لِإضْلالِهِمْ؛ أتْبَعَهُ ما يَدُلُّ عَلى إعْراقِهِمْ فِيهِ؛ فَقالَ - مُخاطِبًا لِمَن يُمْكِنُ تَوْجِيهُ هِمَمِهِمْ بِإضْلالٍ إلَيْهِ: ﴿ويُرِيدُونَ أنْ تَضِلُّوا﴾؛ أيْ: يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا؛ ﴿السَّبِيلَ﴾؛ حَتّى تُساوُوهُمْ؛ فَلِذَلِكَ يُذَكِّرُونَكم بِالأحْقادِ؛ والأضْغانِ؛ والأنْكادِ - كَما فَعَلَ شَأْسٌ - لا مَحَبَّةً فِيكُمْ؛ ويُلْقُونَ إلَيْكُمُ الشُّبْهَةَ؛ فاللَّهُ - سُبْحانَهُ وتَعالى - أعْلَمُ بِهِمْ؛ حَيْثُ حَذَّرَكم مِنهُ؛ بِقَوْلِهِ ﴿لا يَأْلُونَكم خَبالا﴾ [آل عمران: ١١٨]؛ وما بَعْدَهُ؛ إلى هُنا؛

45

وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَآئِكُمْ ۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَلِيًّۭا وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ نَصِيرًۭا

And Allah is most knowing of your enemies; and sufficient is Allah as an ally, and sufficient is Allah as a helper.

﴿واللَّهُ﴾؛ أيْ: المُحِيطُ عِلْمُهُ وقُدْرَتُهُ؛ ﴿أعْلَمُ﴾؛ أيْ: مِن كُلِّ أحَدٍ؛ ﴿بِأعْدائِكُمْ﴾؛ أيْ: كُلِّهِمْ؛ هَؤُلاءِ وغَيْرِهِمْ؛ بِما يَعْلَمُ مِنَ البَواطِنِ؛ فَمَن حَذَّرَكم مِنهُ - كائِنًا مَن كانَ - فاحْذَرُوهُ.

ولَمّا كانَ كُلٌّ مِن قَبِيلَتَيِ الأنْصارِ قَدْ والَوْا ناسًا مِنَ اليَهُودِ؛ لِيَعْتَزُّوا بِهِمْ؛ ولِيَسْتَنْصِرُوهُمْ؛ قالَ (تَعالى) - فاطِمًا لَهم عَنْ مُوالاتِهِمْ -: ﴿وكَفى﴾؛ أيْ: والحالُ أنَّهُ كَفى بِهِ - هَكَذا كانَ الأصْلُ -؛ ولَكِنَّهُ أظْهَرَ الِاسْمَ الأعْظَمَ لِتُسْتَحْضَرَ عَظَمَتُهُ؛ فَيُسْتَهانَ أمْرُ الأعْداءِ؛ فَقالَ: ﴿بِاللَّهِ ولِيًّا﴾؛ أيْ: قَرِيبًا؛ بِعَمَلِ جَمِيعِ ما يَفْعَلُهُ القَرِيبُ الشَّفِيقُ.

ولَمّا كانَ الوَلِيُّ قَدْ تَكُونُ فِيهِ قُوَّةُ النُّصْرَةِ؛ والنَّصِيرُ قَدْ لا يَكُونُ لَهُ شَفَقَةُ الوَلِيِّ؛ وكانَتِ النُّصْرَةُ أعْظَمَ ما يُحْتاجُ إلى الوَلِيِّ فِيهِ؛ أفْرَدَها بِالذِّكْرِ؛ إعْلامًا بِاجْتِماعِ الوَصْفَيْنِ؛ مُكَرِّرًا الفِعْلَ؛ والِاسْمَ الأعْظَمَ؛ اهْتِمامًا بِأمْرِها؛ فَقالَ: ﴿وكَفى بِاللَّهِ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ العَظَمَةُ كُلُّها؛ ﴿نَصِيرًا﴾؛ أيْ: لِمَن والاهُ؛ فَلا يَضُرُّهُ عَداوَةُ أحَدٍ؛ فَثِقُوا بِوِلايَتِهِ؛ ونُصْرَتِهِ دُونَهُمْ؛ ولا تُبالُوا بِأحَدٍ مِنهُمْ؛ ولا مِن غَيْرِهِمْ؛ فَهو يَكْفِيكُمُ الجَمِيعَ.

46

مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُوا۟ يُحَرِّفُونَ ٱلْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِۦ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَٱسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍۢ وَرَٰعِنَا لَيًّۢا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًۭا فِى ٱلدِّينِ ۚ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا۟ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَٱسْمَعْ وَٱنظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًۭا لَّهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَٰكِن لَّعَنَهُمُ ٱللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًۭا

Among the Jews are those who distort words from their [proper] usages and say, "We hear and disobey" and "Hear but be not heard" and "Ra'ina," twisting their tongues and defaming the religion. And if they had said [instead], "We hear and obey" and "Wait for us [to understand]," it would have been better for them and more suitable. But Allah has cursed them for their disbelief, so they believe not, except for a few.

ولَمّا وفَّرَتْ هَذِهِ الآياتُ الدَّواعِيَ عَلى تَعْيِينِ هَؤُلاءِ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الإضْلالَ؛ قالَ بَعْدَ الِاعْتِراضِ بِما بَيْنَ المُبَيِّنِ؛ والمُبَيَّنِ مِنَ الجُمَلِ؛ لِمَزِيدِ الِاهْتِمامِ بِهِ: ﴿مِنَ الَّذِينَ هادُوا﴾؛ ثُمَّ بَيَّنَ ما يَضِلُّونَ بِهِ ويُضِلُّونَ؛ بِقَوْلِهِ - ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْتِئْنافًا؛ بِمَعْنى: بَعْضُهُمْ؛ أوْ مِنهم مَن -: ﴿يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ﴾؛ أيْ: الَّذِي أتى بِهِ شَرْعُهُمْ؛ مِن صِفَةِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ ﷺ وصِفَةِ دِينِهِ وأُمَّتِهِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يُرِيدُونَ تَحْرِيفَهُ لِغَرَضٍ؛ فَيَتَألَّفُونَ في إمالَتِهِ؛ وتَغْيِيرِهِ عَنْ حَدِّهِ وطَرَفِهِ؛ إلى حَدٍّ آخَرَ؛ مُجاوِزِينَ بِهِ؛ ﴿عَنْ﴾ ولَمّا كانَتِ الكَلِمَةُ إذا غُيِّرَتْ تَبِعَها الكَلامُ؛ وهو المَقْصُودُ بِالذّاتِ؛ نَبَّهَ عَلى ذَلِكَ بِتَذْكِيرِ الضَّمِيرِ؛ فَقالَ: ﴿مَواضِعِهِ﴾؛ أيْ: الَّتِي هي بِهِ ألْيَقُ؛ فَيَتِمُّ ضَلالُهُمْ؛ وإضْلالُهُمْ؛ وهو يَشْمَلُ ما إذا كانَ المَعْنى المُغَيَّرُ إلَيْهِ بَعِيدًا عَنِ المُغَيَّرِ؛ أوْ قَرِيبًا؛ فالَّذِي في ”المائِدَةِ“ أخَصُّ.

ولَمّا كانَ - سُبْحانَهُ وتَعالى - عالِمًا بِجَمِيعِ تَحْرِيفِهِمْ؛ أشارَ إلَيْهِ بِالعَطْفِ عَلى ما تَقْدِيرُهُ: ”فَيَقُولُونَ كَذا؛ ويَقُولُونَ كَذا“؛ ﴿ويَقُولُونَ سَمِعْنا﴾؛ أيْ: ما تَقُولُ؛ ﴿وعَصَيْنا﴾؛ مُوهِمِينَ أنَّهم يُرِيدُونَ أنَّ ذَلِكَ حِكايَةُ ما وقَعَ لِأسْلافِهِمْ قَدِيمًا؛ وإنَّما يُرِيدُونَ أنَّهم هم سَمِعُوا ما تَقُولُ؛ وخالَفُوهُ عَمْدًا؛ لِيَظُنَّ مَن سَمِعَ ذَلِكَ أنَّهم عَلى بَصِيرَةٍ في المُخالَفَةِ بِسَبَبِ ما عِنْدَهم مِنَ العِلْمِ الرَّبّانِيِّ؛ لِيُورِثَهُ ذَلِكَ شَكًّا في أمْرِهِ؛ وحَيْرَةً في شَأْنِهِ؛ ﴿واسْمَعْ﴾؛ حالَ كَوْنِكَ؛ ﴿غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾؛ مُوهِمِينَ عَدَمَ إسْماعِهِ ما يَكْرَهُ؛ مِن قَوْلِهِمْ: ”فُلانٌ أسْمَعَ فُلانًا الكَلامَ“؛ وإنَّما يُرِيدُونَ الدُّعاءَ؛ كَما يُقالُ: ”اسْمَعْ لا سَمِعْتَ“؛ ﴿وراعِنا﴾؛ مُوهِمِينَ إرادَةَ المُراعاةِ؛ والإقْبالِ عَلَيْهِمْ؛ وإنَّما يُرِيدُونَ الشَّتْمَ بِالرُّعُونَةِ؛ وقالَ الأصْفَهانِيُّ: ويُحْتَمَلُ شِبْهُ كَلِمَةٍ عِبْرانِيَّةٍ؛ كانُوا يَتَسابُّونَ بِها؛ وهِيَ: ”راعِينا“؛ فَكانُوا - سُخْرِيَةً بِالدِّينِ؛ وهَزْءًا بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُكَلِّمُونَهُ بِكَلامٍ مُحْتَمَلٍ؛ يَنْوُونَ بِهِ الشَّتِيمَةَ؛ والإهانَةَ؛ ويُظْهِرُونَ التَّوْقِيرَ؛ والإكْرامَ؛ ولِذَلِكَ قالَ: ﴿لَيًّا بِألْسِنَتِهِمْ﴾؛ أيْ: صَرْفًا لَها عَنْ مَخارِجِ الحُرُوفِ الَّتِي تَحِقُّ لَها في العَرَبِيَّةِ؛ إلى ما يَفْعَلُهُ العِبْرانِيُّونَ مِن تَغْلِيظِ بَعْضِ الحُرُوفِ؛ وشَوْبِ بَعْضِها بِغَيْرِهِ؛ لِإرادَةِ مَعانٍ عِنْدَهم قَبِيحَةٍ؛ مَعَ احْتِمالِها لِإرادَةِ مَعانٍ غَيْرِ تِلْكَ؛ يَقْصِدُها العَرَبُ؛ مَلِيحَةٍ؛ ﴿وطَعْنًا في الدِّينِ﴾؛ أيْ: بِما يُفَسِّرُونَهُ بِهِ لِمَن يَطْمَعُونَ فِيهِ مِن تِلْكَ المَعانِي الخَبِيثَةِ.

ولَمّا ذَكَرَ هَذِهِ الكَلِماتِ المُوَجَّهَةَ؛ بَيَّنَ ما كانَ عَلَيْهِمْ لَوْ وقَفُوا؛ فَقالَ - قاطِعًا جِدالَهم -: ﴿ولَوْ أنَّهم قالُوا﴾؛ أيْ: في الجَوابِ لَهُ ﷺ ﴿سَمِعْنا وأطَعْنا﴾؛ أيْ: بَدَلَ الكَلِمَةِ الأُولى؛ ﴿واسْمَعْ وانْظُرْنا﴾؛ بَدَلَ ما بَعْدَها؛ ﴿لَكانَ﴾؛ أيْ: هَذا القَوْلُ؛ ﴿خَيْرًا لَهُمْ﴾؛ أيْ: مِن ذَلِكَ؛ لِعَدَمِ اسْتِيجابِهِمُ الإثْمَ؛ ﴿وأقْوَمَ﴾؛ أيْ: لِعَدَمِ احْتِمالِ الذَّمِّ؛ ﴿ولَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾؛ أيْ: طَرَدَهُمُ الَّذِي لَهُ جَمِيعُ صِفاتِ العَظَمَةِ؛ والكَمالِ؛ وأبْعَدَهم عَنِ الخَيْرِ؛ ﴿بِكُفْرِهِمْ﴾؛ أيْ: بِدَناءَتِهِمْ بِما يُغَطُّونَ مِن أنْوارِ الحَقِّ؛ ودَلائِلِ …

47

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَٰبَ ءَامِنُوا۟ بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًۭا لِّمَا مَعَكُم مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهًۭا فَنَرُدَّهَا عَلَىٰٓ أَدْبَارِهَآ أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّآ أَصْحَٰبَ ٱلسَّبْتِ ۚ وَكَانَ أَمْرُ ٱللَّهِ مَفْعُولًا

O you who were given the Scripture, believe in what We have sent down [to Muhammad], confirming that which is with you, before We obliterate faces and turn them toward their backs or curse them as We cursed the sabbath-breakers. And ever is the decree of Allah accomplished.

ولَمّا بَكَّتَهم عَلى فِعْلِهِمْ؛ وقَوْلِهِمْ؛ وصَرَّحَ بِلَعْنِهِمْ؛ خَوَّفَهم إظْهارَ ذَلِكَ في الصُّوَرِ المَحْسُوسَةِ؛ فَقالَ - مُقْبِلًا عَلَيْهِمْ إقْبالَ الغَضَبِ -: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ﴾؛ مُنادِيًا لَهم مِن مَحَلِّ البُعْدِ؛ ﴿أُوتُوا الكِتابَ﴾؛ ولَمْ يُسْنِدِ الإيتاءَ إلَيْهِ؛ تَحْقِيرًا لَهُمْ؛ ولَمْ يَكْتَفِ بِنَصِيبٍ مِنهُ؛ لِأنَّهُ لا يَكْفِي في العِلْمِ بِالمُصادَقَةِ إلّا الجَمِيعُ؛ ﴿آمِنُوا بِما نَـزَّلْنا﴾؛ أيْ: تَدْرِيجًا؛ كَما نَزَّلْنا التَّوْراةَ كَذَلِكَ؛ عَلى ما لَنا مِنَ العَظَمَةِ الَّتِي ظَهَرَتْ في إعْجازِهِ؛ وإخْبارِهِ بِالمُغَيَّباتِ؛ ودَقائِقِ العُلُومِ؛ مِمّا عِنْدَكُمْ؛ وغَيْرِهِ؛ عَلى رَشاقَتِهِ وإيجازِهِ؛ وأعْلَمَ بِعِنادِهِمْ؛ وحَسَدِهِمْ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿مُصَدِّقًا لِما مَعَكُمْ﴾؛ مِن حَيْثُ أنَّهم لَهُ مُسْتَحْضِرُونَ؛ وبِهِ في حَدِّ ذاتِهِ مُقِرُّونَ.

ولَمّا أمَرَهُمْ؛ وقَطَعَ حُجَّتَهُمْ؛ حَذَّرَهُمْ؛ فَقالَ - مُخَفِّفًا عَنْهم بِالإشارَةِ بِحَرْفِ الجَرِّ إلى أنَّهُ مَتى وقَعَ مِنهم إيمانٌ؛ في زَمَنٍ مِمّا قَبْلَ الطَّمْسِ؛ أخَّرَهُ عَنْهم -: ﴿مِن قَبْلِ أنْ نَطْمِسَ﴾؛ أيْ: نَمْحُوَ؛ ﴿وُجُوهًا﴾؛ فَإنَّ الطَّمْسَ في اللُّغَةِ: المَحْوُ؛ وهو يَصْدُقُ بِتَغْيِيرِ بَعْضِ الكَيْفِيّاتِ؛ ثُمَّ سَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ قَوْلَهُ: ﴿فَنَرُدَّها﴾؛ فالتَّقْدِيرُ: ”مِن قَبْلِ أنْ نَمْحُوَ أثَرَ وُجُوهٍ؛ بِأنْ نَرُدَّها“؛ ﴿عَلى أدْبارِها﴾؛ أيْ: بِأنْ نَجْعَلَ ما إلى جِهَةِ القُبُلِ مِنَ الرَّأْسِ؛ إلى جِهَةِ الدُّبُرِ؛ وما إلى الدُّبُرِ إلى جِهَةِ القُبُلِ؛ مَعَ إبْقاءِ صُورَةِ الوَجْهِ عَلى ما هي عَلَيْهِ؛ أوْ يَكُونَ المُرادُ بِالرَّدِّ عَلى الدُّبُرِ النَّقْلُ مِن حالٍ إلى ما دُونَها مِن ضِدِّها؛ بِجَعْلِها عَلى حالِ القَفا؛ لَيْسَ فِيها مَعْلَمٌ؛ مِن فَمٍ ولا غَيْرِهِ؛ لِيَكُونَ المَعْنِيُّ بِالطَّمْسِ مَسْحَ ما في الوَجْهِ مِنَ المَعانِي؛ قالَ ابْنُ هِشامٍ: ”نَطْمِسُ“: نَمْسَحُها؛ فَنُسَوِّيها؛ فَلا يُرى فِيها عَيْنٌ؛ ولا أنْفٌ؛ ولا فَمٌ؛ ولا شَيْءٌ مِمّا يُرى في الوَجْهِ؛ وكَذَلِكَ: ﴿فَطَمَسْنا أعْيُنَهُمْ﴾ [القمر: ٣٧]؛ المَطْمُوسُ العَيْنِ: الَّذِي لَيْسَ بَيْنَ جَفْنَيْهِ شَقٌّ؛ ويُقالُ: ”طَمَسْتُ الكِتابَ؛ والأثَرَ“؛ فَلا يُرى مِنهُ شَيْءٌ؛ ويَكُونُ الوَجْهُ في هَذا التَّقْدِيرِ عَلى حَقِيقَتِهِ؛ ثُمَّ خَوَّفَهم نَوْعًا آخَرَ مِنَ الطَّمْسِ؛ فَقالَ - عاطِفًا عَلى ”نَرُدَّها“ -: ﴿أوْ نَلْعَنَهُمْ﴾؛ أيْ: نُبْعِدَهم جِدًّا عَنْ صُورَةِ البَشَرِ؛ بِأنْ نُقَلِّبَ وُجُوهَهُمْ؛ أوْ جَمِيعَ ذَواتِهِمْ؛ عَلى صُورَةِ القِرَدَةِ؛ ﴿كَما لَعَنّا أصْحابَ السَّبْتِ﴾؛ إذْ قُلْنا لَهُمْ: ”كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ“؛ ويَكُونُ الوَجْهُ في هَذا التَّقْدِيرِ الأخِيرِ عِبارَةً عَنِ الجُمْلَةِ؛ فَهو إذَنْ مِمّا اسْتُعْمِلَ في حَقِيقَتِهِ؛ ومَجازِهِ؛ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ واحِدَ الوُجَهاءِ؛ فَيَكُونَ عَوْدُ الضَّمِيرِ إلَيْهِ اسْتِخْدامًا؛ ويَكُونَ المُرادُ بِالرَّدِّ عَلى الأدْبارِ جَعَلَهم أدْنِياءَ صَغَرَةً؛ مِنَ الأسافِلِ؛ واللَّهُ - سُبْحانَهُ وتَعالى - أعْلَمُ.

ولَمّا كانَ ذَلِكَ أمْرًا غَرِيبًا ومَقْدُورًا عَجِيبًا؛ وكانَ التَّقْدِيرُ: ”فَقَدْ كانَ أمْرُ اللَّهِ فِيهِمْ بِذَلِكَ - كَما عَلِمْتُمْ - نافِذًا“؛ أتْبَعَهُ الإعْلامَ بِأنَّ قُدْرَتَهُ شامِلَةٌ؛ وأنَّ وُجُوهَ مَقْدُوراتِهِ لا تَنْحَصِرُ؛ فَقالَ - عاطِفًا عَلى ما قَدَّرْتَهُ -: ﴿وكانَ أمْرُ اللَّهِ﴾؛ أيْ: حُكْمُهُ؛ وقَضاؤُهُ؛ ومُرادُهُ في كُلِّ شَيْءٍ شاءَ مِنهُمْ؛ ومِن غَيْرِهِ؛ بِذَلِكَ وبِغَيْرِهِ؛ لِأنَّ لَهُ العَظَمَةَ الَّتِي لا حَدَّ لَها؛ والكِبْرِياءَ الَّتِي …

48

إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِۦ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَآءُ ۚ وَمَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَقَدِ ٱفْتَرَىٰٓ إِثْمًا عَظِيمًا

Indeed, Allah does not forgive association with Him, but He forgives what is less than that for whom He wills. And he who associates others with Allah has certainly fabricated a tremendous sin.

ولَمّا كانُوا مَعَ ارْتِكابِهِمُ العَظائِمَ يَقُولُونَ: ”سَيُغْفَرُ لَنا“؛ وكانَ امْتِثالُهم لِتَحْرِيفِ أحْبارِهِمْ؛ ورُهْبانِهِمْ؛ شِرْكًا بِاللَّهِ - كَما قالَ - سُبْحانَهُ وتَعالى -: ﴿اتَّخَذُوا أحْبارَهم ورُهْبانَهم أرْبابًا مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣١]؛ قالَ - مُعَلِّلًا لِتَحْقِيقِ وعِيدِهِمْ؛ مُعْلِمًا أنَّ ما أُشِيرَ إلَيْهِ مِن تَحْرِيفِهِمْ أدّاهم إلى الشِّرْكِ -: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾؛ أيْ: الجامِعَ لِصِفاتِ العَظَمَةِ؛ ﴿لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾؛ أيْ: عَلى سَبِيلِ التَّجْدِيدِ المُسْتَمِرِّ؛ إلى المَوْتِ؛ سَواءٌ كانَ المُشْرِكُ مِن أهْلِ الكِتابِ أمْ لا؛ وزادَ ذَلِكَ حُسْنًا أنَّهُ في سِياقِ: ﴿واعْبُدُوا اللَّهَ ولا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء: ٣٦]

ولَمّا أخْبَرَ بِعَدْلِهِ؛ أخْبَرَ بِفَضْلِهِ؛ فَقالَ: ﴿ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ﴾؛ الأمْرِ الكَبِيرِ العَظِيمِ؛ مِن كُلِّ مَعْصِيَةٍ؛ سَواءٌ كانَتْ صَغِيرَةً؛ أوْ كَبِيرَةً؛ سَواءٌ تابَ فاعِلُها؛ أوْ لا؛ ورَهَّبَ بِقَوْلِهِ - إعْلامًا بِأنَّهُ مُخْتارٌ؛ لا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ -: ﴿لِمَن يَشاءُ﴾

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: ”فَإنَّ مَن أشْرَكَ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيدًا“؛ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿ومَن يُشْرِكْ﴾؛ أيْ: يُوجَدْ مِنهُ شِرْكٌ في الحالِ؛ أوِ المَآلِ؛ وأمّا الماضِي فَجَبَّتْهُ التَّوْبَةُ؛ ﴿بِاللَّهِ﴾؛ أيْ: الَّذِي كُلُّ شَيْءٍ دُونَهُ؛ ﴿فَقَدِ افْتَرى﴾؛ أيْ: تَعَمَّدَ كَذِبًا؛ ﴿إثْمًا عَظِيمًا﴾؛ أيْ: ظاهِرًا في نَفْسِهِ؛ مِن جِهَةِ عِظَمِهِ أنَّهُ قَدْ مَلَأ أقْطارَ نَفْسِهِ؛ وقَلْبِهِ؛ ورُوحِهِ؛ وبَدَنِهِ؛ مُظْهِرًا لِلْغَيْرِ أنَّهُ إثْمٌ؛ فَهو في نَفْسِهِ مُنادٍ بِأنَّهُ باطِلٌ مُصِرٌّ؛ فَلَمْ يَدَعْ لِلصُّلْحِ مَوْضِعًا؛ فَلَمْ تَقْتَضِ الحِكْمَةُ العَفْوَ عَنْهُ؛ لِأنَّهُ قادِحٌ في المَلِكِ؛ وإنَّما طَوى مُقَدِّمَةَ الضَّلالِ؛ وذَكَرَ مُقَدِّمَةَ الِافْتِراءِ - لِكَوْنِ السِّياقِ لِأهْلِ الكِتابِ الَّذِينَ ضَلالُهم عَلى عِلْمٍ مِنهُمْ؛ وتَعَمُّدٍ وعِنادٍ؛ بِخِلافِ ما يَأْتِي عَنِ العَرَبِ -؛ وفي التَّعْبِيرِ بِالمُضارِعِ اسْتِكْفافٌ؛ مَعَ اسْتِعْطافٍ؛ واسْتِجْلابٍ؛ في اسْتِرْهابٍ.

49

أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُم ۚ بَلِ ٱللَّهُ يُزَكِّى مَن يَشَآءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا

Have you not seen those who claim themselves to be pure? Rather, Allah purifies whom He wills, and injustice is not done to them, [even] as much as a thread [inside a date seed].

ولَمّا كانَ في ذَلِكَ إشارَةٌ إلى أنَّ المُرادِينَ بِهَذِهِ الآياتِ مِن أهْلِ الكِتابِ أضَلُّ النّاسِ؛ وكانُوا يَقُولُونَ: إنَّهم أهْدى النّاسِ؛ عَجِبَ مِنهُمْ؛ مُنْكِرًا عَلَيْهِمْ بَعْدَ افْتِرائِهِمْ تَزْكِيَةَ أنْفُسِهِمْ؛ فَقالَ: ﴿ألَمْ تَرَ﴾؛ وأبْعَدَهُمْ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿إلى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أنْفُسَهُمْ﴾؛ أيْ: بِما لَيْسَ لَهُمْ؛ مِن قَوْلِهِمْ: ﴿لَنْ تَمَسَّنا النّارُ إلا أيّامًا مَعْدُودَةً﴾ [البقرة: ٨٠]؛ وقَوْلِهِمْ: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلا مَن كانَ هُودًا أوْ نَصارى﴾ [البقرة: ١١١]؛ وقَوْلِهِ: ﴿ويُحِبُّونَ أنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا﴾ [آل عمران: ١٨٨] ﴿ويُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ أنْ تَمِيلُوا مَيْلا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٢٧]؛ فَإنَّ إبْعادَ غَيْرِهِمْ فِي المَيْلِ مُصَحِّحٌ لِتَزْكِيَتِهِمْ أنْفُسَهم بِالباطِلِ؛ ونَحْوِ ذَلِكَ؛ مِمّا تَقَدَّمَ وغَيْرِهِ.

ولَمّا كانَ مَعْنى الإنْكارِ: ”لَيْسَ لَهم ذَلِكَ؛ لِأنَّهم كَذَبُوا فِيهِ؛ وظَلَمُوا“؛ أشارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿بَلِ اللَّهُ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ صِفاتُ الكَمالِ؛ ﴿يُزَكِّي مَن يَشاءُ﴾؛ أيْ: بِما لَهُ مِنَ العِلْمِ التّامِّ؛ والقُدْرَةِ الشّامِلَةِ؛ والحِكْمَةِ البالِغَةِ؛ والعَدْلِ السَّوِيِّ؛ بِالثَّناءِ عَلَيْهِ؛ وبِخَلْقِ مَعانِي الخَيْرِ الظّاهِرَةِ فِيهِ؛ لِتَنْشَأ عَنْها الأعْمالُ الصّالِحَةُ؛ فَإذا زَكّى أحَدًا مِن أصْفِيائِهِ بِشَيْءٍ؛ كالنُّبُوَّةِ؛ كانَ لَهُ أنْ يُزَكِّيَ نَفْسَهُ بِذَلِكَ؛ حَمْلًا عَلى ما يَنْفَعُ النّاسَ بِهِ عَنِ اللَّهِ؛ ﴿ولا﴾؛ أيْ: والحالُ أنَّ الَّذِينَ يُزَكِّيهِمْ؛ أوْ يُدَسِّيهِمْ؛ لا ﴿يُظْلَمُونَ فَتِيلا﴾؛ أيْ: مِقْدارَ ما في شِقِّ النَّواةِ مِن ذَلِكَ الشَّيْءِ المَفْتُولِ؛ أيْ: قَلِيلًا؛ ولا كَثِيرًا؛ لِأنَّهُ عالِمٌ بِما يَسْتَحِقُّونَ؛ وهو الحَكَمُ العَدْلُ؛ الغَنِيُّ عَنِ الظُّلْمِ؛ لِأنَّ لَهُ صِفاتِ الكَمالِ.

50

ٱنظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ ۖ وَكَفَىٰ بِهِۦٓ إِثْمًۭا مُّبِينًا

Look how they invent about Allah untruth, and sufficient is that as a manifest sin.

ولَمّا أخْبَرَ (تَعالى) أنَّ التَّزْكِيَةَ إنَّما هي إلَيْهِ بِما لَهُ مِنَ العَظَمَةِ؛ والعِلْمِ الشّامِلِ؛ وكانَ ذَلِكَ أمْرًا لا نِزاعَ فِيهِ؛ وشَهِدَ عَلَيْهِمْ بِالضَّلالِ؛ وثَبَتَ أنَّ ذَلِكَ كَلامُهُ؛ بِما لَهُ مِنَ الإعْجازِ في حالَتَيِ الإطْنابِ؛ والإيجازِ؛ ثَبَتَ كَذِبُهُمْ؛ فَزادَ في تَوْبِيخِهِمْ؛ فَقالَ - مُعَجِّبًا لِرَسُولِهِ ﷺ مِن وقاحَتِهِمْ؛ واجْتِرائِهِمْ عَلى مَن يَعْلَمُ كَذِبَهُمْ؛ ويَقْدِرُ عَلى مُعاجَلَتِهِمْ بِالعَذابِ؛ مُبَيِّنًا أنَّهُ ﷺ في الحَضْرَةِ؛ بَعْدَ بَيانِ بُعْدِهِمْ -: ﴿انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ﴾؛ أيْ: يَتَعَمَّدُونَ؛ ﴿عَلى اللَّهِ﴾؛ أيْ: الَّذِي لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ؛ ولا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ؛ ﴿الكَذِبَ﴾؛ أيْ: مِن غَيْرِ خَوْفٍ مِنهم لِذَلِكَ عاقِبَةً؛ ﴿وكَفى﴾؛ أيْ: والحالُ أنَّهُ كَفى؛ ﴿بِهِ﴾؛ أيْ: بِهَذا الكَذِبِ؛ ﴿إثْمًا مُبِينًا﴾؛ أيْ: واضِحًا في نَفْسِهِ؛ ومُنادِيًا عَلَيْها بِالبُطْلانِ.

Commentary: Nazm al-Durar by Burhan al-Din al-Biqa'i. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.