Muslim99Muslim99
← Tafsir library

4. An-Nisaa

The Women · Medinan · 176 ayahs

سُورَةُ النِّسَاءِ

Reading Al-Bahr al-Muhit by Abu Hayyan al-Gharnati

Ayahs 41–50 of 176

41

فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍۭ بِشَهِيدٍۢ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَٰٓؤُلَآءِ شَهِيدًۭا

So how [will it be] when We bring from every nation a witness and we bring you, [O Muhammad] against these [people] as a witness?

﴿فَكَيْفَ إذا جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وجِئْنا بِكَ عَلى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ هو نَبِيُّهم يَشْهَدُ عَلَيْهِمْ بِما فَعَلُوا كَما قالَ تَعالى: ﴿وكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا ما دُمْتُ فِيهِمْ﴾ [المائدة: ١١٧] والأُمَّةُ هُنا مَن بُعِثَ إلَيْهِمُ النَّبِيُّ ﷺ مِن مُؤْمِنٍ بِهِ وكافِرٍ. لَمّا أعْلَمَ تَعالى بِعَدْلِهِ وإيتاءِ فَضْلِهِ أتْبَعَ ذَلِكَ بِأنْ نُبِّهَ عَلى الحالَةِ الَّتِي يَحْضُرُونَها لِلْجَزاءِ ويَشْهَدُ عَلَيْهِمْ فِيها.

و(كَيْفَ) في مَوْضِعِ رَفْعٍ إنْ كانَ المَحْذُوفُ مُبْتَدَأً، التَّقْدِيرُ: فَكَيْفَ حالُ هَؤُلاءِ السّابِقِ ذِكْرُهم، أوْ كَيْفَ صُنْعُهم. وهَذا المُبْتَدَأُ هو العامِلُ في إذا، أوْ في مَوْضِعِ نَصْبٍ إنْ كانَ المَحْذُوفُ فِعْلًا أيْ: فَكَيْفَ يَصْنَعُونَ، أوْ كَيْفَ يَكُونُونَ. والفِعْلُ أيْضًا هو العامِلُ في إذا. ونَقَلَ ابْنُ عَطِيَّةَ عَنْ مَكِّيٍّ: أنَّ العامِلَ في (كَيْفَ) (جِئْنا) . قالَ: وهو خَطَأٌ، والِاسْتِفْهامُ هُنا لِلتَّوْبِيخِ، والتَّقْرِيعِ، والإشارَةُ بِهَؤُلاءِ إلى أُمَّةِ الرَّسُولِ ﷺ . وقالَ مُقاتِلٌ: إلى الكُفّارِ. وقِيلَ: إلى اليَهُودِ والنَّصارى. وقِيلَ: إلى كُفّارِ قُرَيْشٍ. وقِيلَ: إلى المُكَذِّبِينَ وشَهادَتُهُ بِالتَّبْلِيغِ لِأُمَّتِهِ قالَهُ: ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ جُرَيْجٍ، والسُّدِّيُّ، ومُقاتِلٌ. أوْ بِإيمانِهِمْ قالَهُ أبُو العالِيَةِ، أوْ بِأعْمالِهِمْ قالَهُ: مُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ. والظّاهِرُ أنَّ الشَّهادَةَ تَكُونُ عَلى المَشْهُودِ عَلَيْهِمْ. وقِيلَ: عَلى بِمَعْنى اللّامِ، أيْ: وجِئْنا بِكَ لِهَؤُلاءِ، وهَذا فِيهِ بُعْدٌ. وقالَ الزَّجّاجِيُّ: يَشْهَدُ لَهم وعَلَيْهِمْ، وحُذِفَ المَشْهُودُ عَلَيْهِمْ في قَوْلِهِ: ﴿إذا جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ﴾ لِجَرَيانِ ذِكْرِهِ في الجارِّ والمَجْرُورِ فاخْتُصِرَ، والتَّقْدِيرُ: مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ عَلى أُمَّتِهِ. وظاهِرُ المُقابَلَةِ يَقْتَضِي أنْ تَكُونَ الشَّهادَةُ عَلَيْهِمْ لا لَهم، ولا يَكُونُ عَلَيْهِمْ إلّا والمَشْهُودُ عَلَيْهِمْ كانُوا مُنْكِرِينَ مُكَذِّبِينَ بِما شَهِدَ عَلَيْهِمْ بِهِ. ورُوِيَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: كانَ إذا قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ فاضَتْ عَيْناهُ، وكَذَلِكَ حِينَ قَرَأ عَلَيْهِ ابْنُ مَسْعُودٍ ذَرَفَتْ عَيْناهُ وبُكاؤُهُ - واللَّهُ أعْلَمُ - هو إشْفاقٌ عَلى أُمَّتِهِ ورَحْمَةٌ لَهم مِن هَوْلِ ذَلِكَ اليَوْمِ. وظاهِرُ قَوْلِهِ: وجِئْنا بِكَ، أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ. وقِيلَ: حالٌ عَلى تَقْدِيرِ قَدْ أيْ وقَدْ جِئْنا.

42

يَوْمَئِذٍۢ يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَعَصَوُا۟ ٱلرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّىٰ بِهِمُ ٱلْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ ٱللَّهَ حَدِيثًۭا

That Day, those who disbelieved and disobeyed the Messenger will wish they could be covered by the earth. And they will not conceal from Allah a [single] statement.

﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوّى بِهِمُ الأرْضُ﴾ التَّنْوِينُ في (يَوْمَئِذٍ) هو تَنْوِينُ العِوَضِ، حُذِفَتِ الجُمْلَةُ السّابِقَةُ وعُوِّضَ مِنها هَذا التَّنْوِينُ، والتَّقْدِيرُ: يَوْمَ إذْ جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وجِئْنا بِكَ عَلى هَؤُلاءِ شَهِيدًا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَّرُوا وعَصَوُا الرَّسُولَ أيْ: كَفَرُوا بِاللَّهِ وعَصَوْا رَسُولَهُ. والرَّسُولُ: هُنا اسْمُ جِنْسٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ التَّنْوِينُ عِوَضًا مِنَ الجُمْلَةِ الأخِيرَةِ، ويَكُونُ الرَّسُولُ مُحَمَّدًا ﷺ . وأُبْرِزَ ظاهِرًا، ولَمْ يَأْتِ وعَصَوْكَ لِما في ذِكْرِ الرَّسُولِ مِنَ الشَّرَفِ والتَّنْوِيهِ بِالرِّسالَةِ الَّتِي هي أشْرَفُ ما تَحَمَّلَها الإنْسانُ مِنَ اللَّهِ تَعالى، إذْ هي سَبَبُ السَّعادَةِ الدُّنْيَوِيَّةَ والأُخْرَوِيَّةِ، والعامِلَ في: (يَوْمَ) (يَوَدُّ) . ومَعْنى يَوَدُّ: يَتَمَنّى. وظاهَرُ (وعَصَوْا) أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى (كَفَرُوا) . وقِيلَ: هو عَلى إضْمارِ مَوْصُولٍ آخَرَ أيْ: والَّذِينَ عَصَوْا فَهُما فِرْقَتانِ. وقِيلَ: الواوُ واوُ الحالِ أيْ: كَفَرُوا وقَدْ عَصَوُا الرَّسُولَ. وقالَ الحَوْفِيُّ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ (يَوْمَ) مَبْنِيًّا مَعَ إذْ، لِأنَّ الظَّرْفَ إذا أُضِيفَ إلى غَيْرِ مُتَمَكِّنٍ جازَ بِناؤُهُ مَعَهُ. و(إذْ) في هَذا المَوْضِعِ اسْمٌ لَيْسَتْ بِظَرْفٍ، لِأنَّ الظُّرُوفَ إذا أُضِيفَ إلَيْها خَرَجَتْ إلى مَعْنى الِاسْمِيَّةِ مِن أجْلِ تَخْصِيصِ المُضافِ إلَيْها، كَما تُخَصَّصُ الأسْماءُ، ومَعَ اسْتِحْقاقِها الجَرَّ، والجَرُّ لَيْسَ مِن عَلاماتِ الظُّرُوفِ انْتَهى، وهو كَلامٌ جَيِّدٌ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: وعَصَوُا الرَّسُولَ بِضَمِّ الواوِ. وقَرَأ يَحْيى بْنُ يَعْمَرَ وأبُو السَّمّالِ: (وعَصَوُا الرَّسُولَ) بِكَسْرِ الواوِ عَلى أصْلِ التِقاءِ السّاكِنَيْنِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ: تُسَوّى بِضَمِّ التّاءِ وتَخْفِيفِ السِّينِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وهو مُضارِعُ سَوّى. وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ: بِفَتْحِ التّاءِ وتَشْدِيدِ السِّينِ، وأصْلُهُ تَتَسَوّى، فَأُدْغِمَتِ التّاءُ في السِّينِ، وهو مُضارِعُ تَسَوّى. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: (تَسَوّى) بِفَتْحِ التّاءِ وتَخْفِيفِ السِّينِ، وذَلِكَ عَلى حَذْفِ التّاءِ، إذْ أصْلُهُ تَتَسَوّى وهو مُضارِعُ تَسَوّى. فَعَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ تَتَسَوّى وتُسَوّى فَتَكُونُ الأرْضُ فاعِلَةً. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ وجَماعَةٌ: مَعْناهُ لَوْ تَنْشَقُّ الأرْضُ ويَكُونُونَ فِيها، وتَتَسَوّى هي في نَفْسِها عَلَيْهِمْ. والباءُ بِمَعْنى عَلى. وقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناهُ لَوْ تُسَوّى هي مَعَهم في أنْ يَكُونُوا تُرابًا كالبَهائِمِ، فَجاءَ اللَّفْظُ عَلى أنَّ الأرْضَ هي المُسَوِّيَةُ مَعَهم، والمَعْنى: إنَّما هو أنَّهم يَسْتَوُونَ مَعَ الأرْضِ. فَفي اللَّفْظِ قَلْبٌ يَخْرُجُ عَلى قَوْلِهِمْ: أدْخَلْتُ القَلَنْسُوَةَ في رَأْسِي. وعَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ: تُسَوّى مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، فالمَعْنى أنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ذَلِكَ عَلى حَسَبِ المَعْنَيَيْنِ السّابِقَيْنِ. وقِيلَ: المَعْنى لَوْ يُدْفَنُونَ فَتُسَوّى بِهِمُ الأرْضُ كَما تُسَوّى بِالمَوْتى، ومَعْنى هَذا القَوْلِ هو مَعْنى القَوْلِ الأوَّلِ. وقِيلَ: المَعْنى لَوْ تُعْدَلُ بِهِمُ الأرْضُ أيْ: يُؤْخَذُ مِنهم ما عَلَيْها فِدْيَةً.

والعامِلُ في ﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ﴾، ومَفْعُولُ يَوَدُّ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: تَسْوِيَةَ الأرْضِ بِهِمْ، ودَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: لَوْ تُسَوّى بِهِمُ الأرْضُ. ولَوْ حَرْفٌ لِما كانَ سَيَقَعُ لِوُقُوعِ غَيْرِهِ، وجَوابُهُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرِهِ: لَسُرُّوا …

43

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَقْرَبُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَأَنتُمْ سُكَٰرَىٰ حَتَّىٰ تَعْلَمُوا۟ مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِى سَبِيلٍ حَتَّىٰ تَغْتَسِلُوا۟ ۚ وَإِن كُنتُم مَّرْضَىٰٓ أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوْ جَآءَ أَحَدٌۭ مِّنكُم مِّنَ ٱلْغَآئِطِ أَوْ لَٰمَسْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَلَمْ تَجِدُوا۟ مَآءًۭ فَتَيَمَّمُوا۟ صَعِيدًۭا طَيِّبًۭا فَٱمْسَحُوا۟ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا

O you who have believed, do not approach prayer while you are intoxicated until you know what you are saying or in a state of janabah, except those passing through [a place of prayer], until you have washed [your whole body]. And if you are ill or on a journey or one of you comes from the place of relieving himself or you have contacted women and find no water, then seek clean earth and wipe over your faces and your hands [with it]. Indeed, Allah is ever Pardoning and Forgiving.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وأنْتُمْ سُكارى حَتّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ﴾ رُوِيَ أنَّ جَماعَةً مِنَ الصَّحابَةِ شَرِبُوا الخَمْرَ قَبْلَ التَّحْرِيمِ، وحانَتْ صَلاةٌ، فَتَقَدَّمَ أحَدُهم فَقَرَأ: قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ فَخَلَطَ فِيها فَنَزَلَتْ. وقِيلَ: نَزَلَتْ بِسَبَبِ قَوْلِ عُمَرَ ثانِيًا: اللَّهُمَّ بَيِّنْ لَنا في الخَمْرِ بَيانًا شافِيًا، وكانُوا يَتَحامَوْنَها أوْقاتَ الصَّلَواتِ، فَإذا صَلَّوُا العِشاءَ شَرِبُوها، فَلا يُصْبِحُونَ إلّا وقَدْ ذَهَبَ عَنْهُمُ السُّكْرُ، إلى أنْ سَألَ عُمَرُ ثالِثًا فَنَزَلَ تَحْرِيمُها مُطْلَقًا. وهَذِهِ الآيَةُ مُحْكَمَةٌ عِنْدَ الجُمْهُورِ. وذَهَبَ ابْنُ عَبّاسٍ إلى أنَّها مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ المائِدَةِ. وأعْجَبُ مِن هَذا قَوْلُ عِكْرِمَةَ: إنَّ قَوْلَهُ ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وأنْتُمْ سُكارى﴾ مَنسُوخٌ بِقَوْلِهِ: ﴿إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا﴾ [المائدة: ٦] الآيَةَ أيْ أُبِيحَ لَهم أنْ يُؤَخِّرُوا الصَّلاةَ حَتّى يَزُولَ السُّكْرُ، ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ فَأُمِرُوا بِالصَّلاةِ عَلى كُلِّ حالٍ، ثُمَّ نُسِخَ شُرْبُ الخَمْرِ بِقَوْلِهِ: (فاجْتَنِبُوهُ) ولَمْ يُنْزِلِ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ في إباحَةِ الخَمْرِ فَلا تَكُونُ مَنسُوخَةً، ولا أباحَ بَعْدَ إنْزالِها مُجامَعَةَ الصَّلاةِ مَعَ السُّكْرِ. ووَجْهُ قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ مَفْهُومَ الخِطابِ يَدُلُّ عَلى جَوازِ السُّكْرِ، وإنَّما حَرُمَ قُرْبانُ الصَّلاةِ في تِلْكَ الحالِ، فَنُسِخَ ما فُهِمَ مِن جَوازِ الشُّرْبِ والسُّكْرِ بِتَحْرِيمِ الخَمْرِ.

ومُناسِبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها هي: أنَّهُ لَمّا أمَرَ تَعالى بِعِبادَةِ اللَّهِ والإخْلاصِ فِيها، وأمَرَ بِبِرِّ الوالِدَيْنِ ومَكارِمِ الأخْلاقِ، وذَمَّ البُخْلَ، واسْتَطْرَدَ مِنهُ إلى شَيْءٍ مِن أحْوالِ القِيامَةِ، وكانَ قَدْ وقَعَ مِن بَعْضِ المُسْلِمِينَ تَخْلِيطٌ في الصَّلاةِ الَّتِي هي رَأْسُ العِبادَةِ بِسَبَبِ شُرْبِ الخَمْرِ، ناسَبَ أنْ تَخْلُصَ الصَّلاةُ مِن شَوائِبِ الكَدَرِ الَّتِي يُوقِعُها عَلى غَيْرِ وجْهِها، فَأمَرَ تَعالى بِإتْيانِها عَلى وجْهِها دُونَ ما يُفْسِدُها، لِيَجْمَعَ لَهم بَيْنَ إخْلاصِ عِبادَةِ الحَقِّ ومَكارِمِ الأخْلاقِ الَّتِي بَيْنَهم، وبَيْنَ الخَلْقِ، والخِطابُ بِقَوْلِهِ: يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لِلصّاحِينَ، لِأنَّ السَّكْرانَ إذا عَدِمَ التَّمْيِيزَ لِسُكْرِهِ لَيْسَ بِمُخاطَبٍ، لَكِنَّهُ مُخاطَبٌ إذا صَحا بِامْتِثالِ ما يَجِبُ عَلَيْهِ، وبِتَكْفِيرِهِ ما أضاعَ في وقْتِ سُكْرِهِ مِنَ الأحْكامِ الَّتِي تَقَرَّرَ تَكْلِيفُهُ إيّاها قَبْلَ السُّكْرِ، ولَيْسَ في هَذا تَكْلِيفُ ما لا يُطاقُ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ النّاسِ.

وبالَغَ تَعالى في النَّهْيِ عَنْ أنْ يُصَلِّيَ المُؤْمِنُ وهو سَكْرانُ بِقَوْلِهِ: ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ﴾ لِأنَّ النَّهْيَ عَنْ قُرْبانِ الصَّلاةِ أبْلَغُ مِن قَوْلِهِ: لا تُصَلُّوا وأنْتُمْ سُكارى ومِنهُ: (ولا تَقْرَبُوا الزِّنى) ﴿ولا تَقْرَبُوا الفَواحِشَ﴾ [الأنعام: ١٥١] ﴿ولا تَقْرَبُوا مالَ اليَتِيمِ﴾ [الأنعام: ١٥٢] والمَعْنى: لا تَغُشُّوا الصَّلاةَ. وقِيلَ: هو عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ: لا تَقْرَبُوا مَواضِعَ الصَّلاةِ لِقَوْلِهِ: ﴿ولا جُنُبًا إلّا عابِرِي سَبِيلٍ﴾ عَلى أحَدِ التَّأْوِيلَيْنِ في عابِرِي سَبِيلٍ، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ. ومَواضِعُ الصَّلاةِ هي المَساجِدُ لِقَوْلِهِ: (جَنِّبُوا مَساجِدَكم صِبْيانَكم ومَجانِينَكم) .

والجُمْهُورُ عَلى أنَّ المُرادَ: وأنْتُمْ سُكارى مِنَ الخَمْرِ. وقالَ الضَّحّاكُ: المُرادُ السُّكْرُ مِنَ النَّوْمِ، لِقَوْلِهِ: (إذا نَعَسَ أحَدُكم في …

44

أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ نَصِيبًۭا مِّنَ ٱلْكِتَٰبِ يَشْتَرُونَ ٱلضَّلَٰلَةَ وَيُرِيدُونَ أَن تَضِلُّوا۟ ٱلسَّبِيلَ

Have you not seen those who were given a portion of the Scripture, purchasing error [in exchange for it] and wishing you would lose the way?

﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ﴾ قالَ قَتادَةُ: نَزَلَتْ في اليَهُودِ. وفي رِوايَةٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: في رِفاعَةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ التّابُوتِ. وقِيلَ: في غَيْرِهِ مِنَ اليَهُودِ. ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ شَيْئًا مِن أحْوالِ الآخِرَةِ، وأنَّ الكُفّارَ إذْ ذاكَ يَوَدُّونَ لَوْ تُسَوّى بِهِمُ الأرْضُ ولا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا، وجاءَتْ هَذِهِ الآيَةُ بَعْدَ ذَلِكَ كالِاعْتِراضِ بَيْنَ ذِكْرِ أحْوالِ الكُفّارِ في الآخِرَةِ، وذِكْرِ أحْوالِهِمْ في الدُّنْيا وما هم عَلَيْهِ مِن مُعاداةِ المُؤْمِنِينَ، وكَيْفَ يُعامِلُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ الَّذِي يَأْتِي شَهِيدًا عَلَيْهِمْ وعَلى غَيْرِهِمْ. ولَمّا كانَ اليَهُودُ أشَدَّ إنْكارًا لِلْحَقِّ، وأبْعَدَ مِن قَبُولِ الخَيْرِ. وكانَ قَدْ تَقَدَّمَ أيْضًا ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ ويَأْمُرُونَ النّاسَ بِالبُخْلِ ويَكْتُمُونَ﴾ [النساء: ٣٧]، وهم أشَدُّ النّاسِ تَحَلِّيًا بِهَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ، أخَذَ يُذَكِّرُهم بِخُصُوصِيَّتِهِمْ. وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ﴾ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيارِهِمْ﴾ [البقرة: ٢٤٣] فَأغْنى عَنْ إعادَتِهِ.

والنَّصِيبُ: الحَظُّ. ومِنَ الكِتابِ: يُحْتَمَلُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِـ ﴿أُوتُوا﴾، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لَ نَصِيبًا. وظاهِرُ لَفْظِ ﴿الَّذِينَ أُوتُوا﴾ يَشْمَلُ اليَهُودَ والنَّصارى، ويَكُونُ الكِتابُ عِبارَةً عَنِ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ. وقِيلَ: الكِتابُ هُنا التَّوْراةُ، والنَّصِيبُ قِيلَ: بَعْضُ عِلْمِ التَّوْراةِ، لا العَمَلِ بِما فِيها. وقِيلَ: عِلْمُ ما هو حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ مِنهُ فَحَسْبُ. وقِيلَ: كُفْرُهم بِهِ. وقِيلَ: عِلْمُ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ.

﴿يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ﴾ المَعْنى: يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ بِالهُدى، كَما قالَ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالهُدى﴾ [البقرة: ١٦] .

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: اسْتَبْدَلُوا الضَّلالَةَ بِالإيمانِ. وقالَ مُقاتِلٌ: اسْتَبْدَلُوا التَّكْذِيبَ بِالنَّبِيِّ بَعْدَ ظُهُورِهِ بِإيمانِهِمْ بِهِ قَبْلَ ظُهُورِهِ واسْتِنْصارِهِمْ بِهِ انْتَهى. ودَلَّ لَفْظُ الِاشْتِراءِ عَلى إيثارِ الضَّلالَةِ عَلى الهُدى، فَصارَ ذَلِكَ بَغْيًا شَدِيدًا عَلَيْهِمْ، وتَوْبِيخًا فاضِحًا لَهم، حَيْثُ هم عِنْدَهم حَظٌّ مِن عِلْمِ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، ومَعَ ذَلِكَ آثَرُوا الكُفْرَ عَلى الإيمانِ. وكِتابُهم طافِحٌ بِوُجُوبِ اتِّباعِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهم في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ. وقِيلَ: اشْتِراءُ الضَّلالَةِ هُنا هو ما كانُوا يَبْذُلُونَ مِن أمْوالِهِمْ لِأحْبارِهِمْ عَلى تَثْبِيتِ دِينِهِمْ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

﴿ويُرِيدُونَ أنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ﴾ أيْ: لَمْ يَكْفِهِمْ أنْ ضَلُّوا في أنْفُسِهِمْ حَتّى تَعَلَّقَتْ آمالُهم بِضَلالِكم أنْتُمْ أيُّها المُؤْمِنُونَ عَنْ سَبِيلِ الحَقِّ، لِأنَّهم لَمّا عَلِمُوا أنَّهم قَدْ خَرَجُوا مِنَ الحَقِّ إلى الباطِلِ كَرِهُوا أنْ يَكُونَ المُؤْمِنُونَ مُخْتَصِّينَ بِاتِّباعِ الحَقِّ، فَأرادُوا أنْ يَضِلُّوا كَما ضَلُّوا هم كَما قالَ تَعالى: ﴿ودُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَما كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَواءً﴾ [النساء: ٨٩] وقَرَأ النَّخَعِيُّ: وتُرِيدُونَ بِالتّاءِ بِاثْنَتَيْنِ مِن فَوْقُ، قِيلَ: مَعْناهُ وتُرِيدُونَ أيُّها المُؤْمِنُونَ أنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ أيْ: تَدَّعُونَ الصَّوابَ في اجْتِنابِهِمْ، وتَحْسَبُونَهم غَيْرَ أعْداءِ اللَّهِ. وقُرِئَ: أنْ يَضِلُّوا بِالياءِ وفَتْحِ الضّادِ وكَسْرِها.

﴿واللَّهُ أعْلَمُ …

45

وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَآئِكُمْ ۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَلِيًّۭا وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ نَصِيرًۭا

And Allah is most knowing of your enemies; and sufficient is Allah as an ally, and sufficient is Allah as a helper.

﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ﴾ قالَ قَتادَةُ: نَزَلَتْ في اليَهُودِ. وفي رِوايَةٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: في رِفاعَةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ التّابُوتِ. وقِيلَ: في غَيْرِهِ مِنَ اليَهُودِ. ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ شَيْئًا مِن أحْوالِ الآخِرَةِ، وأنَّ الكُفّارَ إذْ ذاكَ يَوَدُّونَ لَوْ تُسَوّى بِهِمُ الأرْضُ ولا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا، وجاءَتْ هَذِهِ الآيَةُ بَعْدَ ذَلِكَ كالِاعْتِراضِ بَيْنَ ذِكْرِ أحْوالِ الكُفّارِ في الآخِرَةِ، وذِكْرِ أحْوالِهِمْ في الدُّنْيا وما هم عَلَيْهِ مِن مُعاداةِ المُؤْمِنِينَ، وكَيْفَ يُعامِلُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ الَّذِي يَأْتِي شَهِيدًا عَلَيْهِمْ وعَلى غَيْرِهِمْ. ولَمّا كانَ اليَهُودُ أشَدَّ إنْكارًا لِلْحَقِّ، وأبْعَدَ مِن قَبُولِ الخَيْرِ. وكانَ قَدْ تَقَدَّمَ أيْضًا ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ ويَأْمُرُونَ النّاسَ بِالبُخْلِ ويَكْتُمُونَ﴾ [النساء: ٣٧]، وهم أشَدُّ النّاسِ تَحَلِّيًا بِهَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ، أخَذَ يُذَكِّرُهم بِخُصُوصِيَّتِهِمْ. وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ﴾ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيارِهِمْ﴾ [البقرة: ٢٤٣] فَأغْنى عَنْ إعادَتِهِ.

والنَّصِيبُ: الحَظُّ. ومِنَ الكِتابِ: يُحْتَمَلُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِـ ﴿أُوتُوا﴾، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لَ نَصِيبًا. وظاهِرُ لَفْظِ ﴿الَّذِينَ أُوتُوا﴾ يَشْمَلُ اليَهُودَ والنَّصارى، ويَكُونُ الكِتابُ عِبارَةً عَنِ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ. وقِيلَ: الكِتابُ هُنا التَّوْراةُ، والنَّصِيبُ قِيلَ: بَعْضُ عِلْمِ التَّوْراةِ، لا العَمَلِ بِما فِيها. وقِيلَ: عِلْمُ ما هو حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ مِنهُ فَحَسْبُ. وقِيلَ: كُفْرُهم بِهِ. وقِيلَ: عِلْمُ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ.

﴿يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ﴾ المَعْنى: يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ بِالهُدى، كَما قالَ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالهُدى﴾ [البقرة: ١٦] .

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: اسْتَبْدَلُوا الضَّلالَةَ بِالإيمانِ. وقالَ مُقاتِلٌ: اسْتَبْدَلُوا التَّكْذِيبَ بِالنَّبِيِّ بَعْدَ ظُهُورِهِ بِإيمانِهِمْ بِهِ قَبْلَ ظُهُورِهِ واسْتِنْصارِهِمْ بِهِ انْتَهى. ودَلَّ لَفْظُ الِاشْتِراءِ عَلى إيثارِ الضَّلالَةِ عَلى الهُدى، فَصارَ ذَلِكَ بَغْيًا شَدِيدًا عَلَيْهِمْ، وتَوْبِيخًا فاضِحًا لَهم، حَيْثُ هم عِنْدَهم حَظٌّ مِن عِلْمِ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، ومَعَ ذَلِكَ آثَرُوا الكُفْرَ عَلى الإيمانِ. وكِتابُهم طافِحٌ بِوُجُوبِ اتِّباعِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهم في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ. وقِيلَ: اشْتِراءُ الضَّلالَةِ هُنا هو ما كانُوا يَبْذُلُونَ مِن أمْوالِهِمْ لِأحْبارِهِمْ عَلى تَثْبِيتِ دِينِهِمْ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

﴿ويُرِيدُونَ أنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ﴾ أيْ: لَمْ يَكْفِهِمْ أنْ ضَلُّوا في أنْفُسِهِمْ حَتّى تَعَلَّقَتْ آمالُهم بِضَلالِكم أنْتُمْ أيُّها المُؤْمِنُونَ عَنْ سَبِيلِ الحَقِّ، لِأنَّهم لَمّا عَلِمُوا أنَّهم قَدْ خَرَجُوا مِنَ الحَقِّ إلى الباطِلِ كَرِهُوا أنْ يَكُونَ المُؤْمِنُونَ مُخْتَصِّينَ بِاتِّباعِ الحَقِّ، فَأرادُوا أنْ يَضِلُّوا كَما ضَلُّوا هم كَما قالَ تَعالى: ﴿ودُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَما كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَواءً﴾ [النساء: ٨٩] وقَرَأ النَّخَعِيُّ: وتُرِيدُونَ بِالتّاءِ بِاثْنَتَيْنِ مِن فَوْقُ، قِيلَ: مَعْناهُ وتُرِيدُونَ أيُّها المُؤْمِنُونَ أنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ أيْ: تَدَّعُونَ الصَّوابَ في اجْتِنابِهِمْ، وتَحْسَبُونَهم غَيْرَ أعْداءِ اللَّهِ. وقُرِئَ: أنْ يَضِلُّوا بِالياءِ وفَتْحِ الضّادِ وكَسْرِها.

﴿واللَّهُ أعْلَمُ …

46

مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُوا۟ يُحَرِّفُونَ ٱلْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِۦ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَٱسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍۢ وَرَٰعِنَا لَيًّۢا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًۭا فِى ٱلدِّينِ ۚ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا۟ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَٱسْمَعْ وَٱنظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًۭا لَّهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَٰكِن لَّعَنَهُمُ ٱللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًۭا

Among the Jews are those who distort words from their [proper] usages and say, "We hear and disobey" and "Hear but be not heard" and "Ra'ina," twisting their tongues and defaming the religion. And if they had said [instead], "We hear and obey" and "Wait for us [to understand]," it would have been better for them and more suitable. But Allah has cursed them for their disbelief, so they believe not, except for a few.

﴿مِنَ الَّذِينَ هادُوا يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ﴾ ظاهِرُهُ الِانْقِطاعُ في الإعْرابِ عَنْ ما قَبْلَهُ، فَيَكُونُ عَلى حَذْفِ مَوْصُوفٍ هو مُبْتَدَأٌ، ومِنَ الَّذِينَ خَبَرُهُ، والتَّقْدِيرُ: مِنَ الَّذِينَ هادُوا قَوْمٌ يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ، وهَذا مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ، وأبِي عَلِيٍّ، وحَذْفُ المَوْصُوفِ بَعْدَ (مِن) - جائِزٌ، وإنْ كانَتِ الصِّفَةُ فِعْلًا كَقَوْلِهِمْ: مِنّا ظَعَنَ، ومِنّا أقامَ أيْ: مِنّا نَفَرٌ ظَعَنَ، ومِنّا نَفَرٌ أقامَ. وقالَ الشّاعِرُ:

؎وما الدَّهْرُ إلّا تارَتانِ فَمِنهُما أمُوتُ وأُخْرى أبْتَغِي العَيْشَ أكْدَحُ

يُرِيدُ: فَمِنهُما تارَةً أمُوتُ فِيها. وخَرَّجَهُ الفَرّاءُ عَلى إضْمارِ مَنِ المَوْصُولَةِ أيْ: مِنَ الَّذِينَ هادُوا مَن يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ، وهَذا عِنْدَ البَصْرِيِّينَ لا يَجُوزُ. وتَأوَّلُوا ما جاءَ مِمّا يُشْبِهُ هَذا عَلى أنَّهُ مِن حَذْفِ المَوْصُوفِ وإقامَةِ الصِّفَةِ مَقامَهُ، قالَ الفَرّاءُ: ومِثْلُهُ قَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ:

؎فَظَلُّوا ومِنهم دَمْعُهُ سابِقٌ لَها ∗∗∗ وآخَرُ يُثْنِي دَمْعَةَ العَيْنِ بِاليَدِ

وهَذا لا يَتَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ المَحْذُوفُ مَوْصُولًا، بَلْ يَتَرَجَّحُ أنْ يَكُونَ مَوْصُوفًا لِعَطْفِ النَّكِرَةِ عَلَيْهِ وهو آخَرُ، إذْ يَكُونُ التَّقْدِيرُ: فَظَلُّوا ومِنهم عاشِقٌ دَمْعُهُ سابِقٌ لَها. وقِيلَ: هو عَلى إضْمارِ مُبْتَدَأٍ، التَّقْدِيرُ: هم مِنَ الَّذِينَ هادُوا، ويُحَرِّفُونَ حالٌ مِن ضَمِيرِ هادُوا، ومِنَ الَّذِينَ هادُوا مُتَعَلِّقٌ بِما قَبْلَهُ، فَقِيلَ: بِـ نَصِيرًا أيْ نَصِيرًا مِنَ الَّذِينَ هادُوا وعَدّاهُ بِـ (مِن) كَما عَدّاهُ في: ﴿ونَصَرْناهُ مِنَ القَوْمِ﴾ [الأنبياء: ٧٧] و﴿فَمَن يَنْصُرُنا مِن بَأْسِ اللَّهِ﴾ [غافر: ٢٩] أيْ: (ومَنَعْناهُ) و(فَمَن يَمْنَعُنا) . وقِيلَ: ﴿مِنَ الَّذِينَ هادُوا﴾ بَيانٌ لِقَوْلِهِ: بِأعْدائِكم، وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ. وقِيلَ: حالٌ مِنَ الفاعِلِ في يُرِيدُونَ، قالَهُ أبُو البَقاءِ. قالَ: ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في أُوتُوا لِأنَّ شَيْئًا واحِدًا لا يَكُونُ لَهُ أكْثَرُ مِن حالٍ واحِدَةٍ، إلّا أنْ يَعْطِفَ بَعْضَ الأحْوالِ عَلى بَعْضٍ، ولا يَكُونُ حالًا مِنَ الَّذِينَ لِهَذا المَعْنى انْتَهى. وما ذَكَرَهُ مِن أنَّ ذا الحالِ إذا لَمْ يَكُنْ مُتَعَدِّدًا لا يَقْتَضِي أكْثَرَ مِن حالٍ واحِدَةٍ - مَسْألَةُ خِلافٍ، فَمِنَ النَّحْوِيِّينَ مَن أجازَ ذَلِكَ. وقِيلَ: مِنَ الَّذِينَ هادُوا بَيانُ ﴿الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ﴾ [النساء: ٤٤] لِأنَّهم يَهُودُ ونَصارى، وقَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ أعْلَمُ بِأعْدائِكُمْ﴾ [النساء: ٤٥] ﴿وكَفى بِاللَّهِ ولِيًّا﴾ [النساء: ٤٥] ﴿وكَفى بِاللَّهِ نَصِيرًا﴾ [النساء: ٤٥] جُمَلٌ تَوَسَّطَتْ بَيْنَ البَيانِ والمُبَيَّنِ عَلى سَبِيلِ الِاعْتِراضِ قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وبَدَأ بِهِ. ويُضَعِّفُهُ أنَّ هَذِهِ جُمَلٌ ثَلاثٌ، وإذا كانَ الفارِسِيُّ قَدْ مَنَعَ أنْ يُعْتَرَضَ بِجُمْلَتَيْنِ، فَأحْرى أنْ يُمْنَعَ أنْ يُعْتَرَضَ بِثَلاثٍ.

﴿يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ﴾ أيْ: كَلِمَ التَّوْراةِ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ، أوْ كَلِمَ القُرْآنِ، وهو قَوْلُ طائِفَةٍ، أوْ كَلِمَ الرَّسُولِ ﷺ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ. قالَ: كانَ اليَهُودُ يَأْتُونَ النَّبِيَّ ﷺ ويَسْألُونَهُ عَنِ الأمْرِ فَيُخْبِرُهم، ويَرى أنَّهم يَأْخُذُونَ بِقَوْلِهِ، فَإذا انْصَرَفُوا مِن عِنْدِهِ حَرَّفُوا الكَلامَ. وكَذا قالَ مَكِّيٌّ: إنَّهُ كَلامُ النَّبِيِّ ﷺ . فَتَحْرِيفُ كَلِمِ التَّوْراةِ بِتَغْيِيرِ اللَّفْظِ، وهو الأقَلُّ لِتَحْرِيفِهِمْ (أسْمَرَ رَبْعَةً) في صِفَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ بِـ (آدَمَ طُوالٍ) …

47

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَٰبَ ءَامِنُوا۟ بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًۭا لِّمَا مَعَكُم مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهًۭا فَنَرُدَّهَا عَلَىٰٓ أَدْبَارِهَآ أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّآ أَصْحَٰبَ ٱلسَّبْتِ ۚ وَكَانَ أَمْرُ ٱللَّهِ مَفْعُولًا

O you who were given the Scripture, believe in what We have sent down [to Muhammad], confirming that which is with you, before We obliterate faces and turn them toward their backs or curse them as We cursed the sabbath-breakers. And ever is the decree of Allah accomplished.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ آمِنُوا بِما نَزَّلْنا مُصَدِّقًا لِما مَعَكم مِن قَبْلِ أنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّها عَلى أدْبارِها أوْ نَلْعَنَهم كَما لَعَنّا أصْحابَ السَّبْتِ وكانَ أمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ ومَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرى إثْمًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤٨] ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أنْفُسَهم بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَن يَشاءُ ولا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ [النساء: ٤٩] ﴿انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ وكَفى بِهِ إثْمًا مُبِينًا﴾ [النساء: ٥٠] ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالجِبْتِ والطّاغُوتِ ويَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾ [النساء: ٥١] ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ ومَن يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا﴾ [النساء: ٥٢] ﴿أمْ لَهم نَصِيبٌ مِنَ المُلْكِ فَإذًا لا يُؤْتُونَ النّاسَ نَقِيرًا﴾ [النساء: ٥٣] ﴿أمْ يَحْسُدُونَ النّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنا آلَ إبْراهِيمَ الكِتابَ والحِكْمَةَ وآتَيْناهم مُلْكًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٥٤] ﴿فَمِنهم مَن آمَنَ بِهِ ومِنهم مَن صَدَّ عَنْهُ وكَفى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا﴾ [النساء: ٥٥] ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نارًا كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهم بَدَّلْناهم جُلُودًا غَيْرَها لِيَذُوقُوا العَذابَ إنَّ اللَّهَ كانَ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ٥٦] طَمَسَ: مُتَعَدٍّ ولازِمٌ. تَقُولُ: طَمَسَ المَطَرُ الأعْلامَ، أيْ: مَحا آثارَها، وطُمِسَتِ الأعْلامُ دَرَسَتْ، وطَمَسَ الطَّرِيقُ دَرَسَ وعَفَتْ أعْلامُهُ، قالَهُ أبُو زَيْدٍ. ومِنَ المُتَعَدِّي: ﴿فَإذا النُّجُومُ طُمِسَتْ﴾ [المرسلات: ٨] أيِ اسْتُؤْصِلَتْ. وقالَ ابْنُ عَرَفَةَ في قَوْلِهِ: ﴿اطْمِسْ عَلى أمْوالِهِمْ﴾ [يونس: ٨٨] أيْ أذْهِبْها كُلِّيَّةً، وأعْمى مَطْمُوسٌ، أيْ: مَسْدُودُ العَيْنَيْنِ. وقالَ كَعْبٌ:

؎مِن كُلِّ نَضّاخَةِ الذِّفْرى إذا عَرِقَتْ عُرْضَتُها طامِسُ الأعْلامِ مَجْهُولُ

والطَّمْسُ والطَّسْمُ والطَّلْسُ والدَّرْسُ كُلُّها مُتَقارِبَةٌ في المَعْنى. الفَتِيلُ: فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ. فَقِيلَ: هو الخَيْطُ الَّذِي في شِقِّ نَواةِ التَّمْرَةِ. وقِيلَ: ما خَرَجَ مِنَ الوَسَخِ مِن بَيْنِ كَفَّيْكَ وأُصْبُعَيْكَ إذا فَتَلْتَهُما. الجِبْتُ: اسْمٌ لِصَنَمٍ ثُمَّ صارَ مُسْتَعْمَلًا لِكُلِّ باطِلٍ، ولِذَلِكَ اخْتَلَفَتْ فِيهِ أقاوِيلُ المُفَسِّرِينَ عَلى ما سَيَأْتِي. وقالَ قُطْرُبٌ: الجِبْتُ الجِبْسُ، وهو الَّذِي لا خَيْرَ عِنْدَهُ، قُلِبَتِ السِّينُ تاءً. قِيلَ: وإنَّما قالَ هَذا لِأنَّ الجِبْتَ مُهْمَلٌ. النَّقِيرُ: النُّقْطَةُ الَّتِي عَلى ظَهْرِ النَّواةِ مِنها تَنْبُتُ النَّخْلَةُ قالَهُ: ابْنُ عَبّاسٍ. وقالَ الضَّحّاكُ: هو البَياضُ الَّذِي في وسَطِها. النُّضْجُ: أخْذُ الشَّيْءِ في التَّهَرِّي وتَفَرَّقُ أجْزائِهِ، ومِنهُ نُضْجُ اللَّحْمِ، ونُضْجُ الثَّمَرَةِ. يُقالُ: نَضِجَ الشَّيْءُ يَنْضَجُ نُضْجًا ونِضاجًا. الجِلْدُ مَعْرُوفٌ.

﴿ياأيُّها الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ آمِنُوا بِما نَزَّلْنا مُصَدِّقًا لِما مَعَكُمْ﴾ دَعا رَسُولُ اللَّهِ أحْبارَ اليَهُودِ مِنهم الأعْمَشِ بْنُ صُورِيا إلى الإسْلامِ وقالَ لَهم: (إنَّكم لَتَعْلَمُونَ أنَّ الَّذِي جِئْتُ بِهِ حَقٌّ) فَقالُوا: ما نَعْرِفُ ذَلِكَ، فَنَزَلَتْ. قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها هو أنَّهُ تَعالى لَمّا رَجّاهم بِقَوْلِهِ: ﴿ولَوْ أنَّهم قالُوا﴾ [النساء: ٤٦] الآيَةَ. خاطَبَ …

48

إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِۦ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَآءُ ۚ وَمَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَقَدِ ٱفْتَرَىٰٓ إِثْمًا عَظِيمًا

Indeed, Allah does not forgive association with Him, but He forgives what is less than that for whom He wills. And he who associates others with Allah has certainly fabricated a tremendous sin.

﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ قالَ ابْنُ الكَلْبِيِّ: نَزَلَتْ في وحْشِيٍّ وأصْحابِهِ، وكانَ جُعِلَ لَهُ عَلى قَتْلِ حَمْزَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنْ يُعْتَقَ، فَلَمْ يُوَفَّ لَهُ، فَقَدِمَ مَكَّةَ ونَدِمَ عَلى الَّذِي صَنَعَهُ هو وأصْحابُهُ، فَكَتَبُوا إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: إنّا قَدْ نَدِمْنا عَلى ما صَنَعْنا، ولَيْسَ يَمْنَعُنا عَنِ الإسْلامِ إلّا أنّا سَمِعْناكَ تَقُولُ بِمَكَّةَ: ﴿والَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ﴾ [الفرقان: ٦٨] الآياتِ وقَدْ دَعَوْنا مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ، وقَتَلْنا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ، وزَنَيْنا، فَلَوْلا هَذِهِ الآياتُ لاتَّبَعْناكَ، فَنَزَلَتْ: ﴿إلّا مَن تابَ وآمَنَ وعَمِلَ﴾ [الفرقان: ٧٠] الآياتِ، فَبُعِثَ بِها إلَيْهِمْ فَكَتَبُوا: إنَّ هَذا شَرْطٌ شَدِيدٌ نَخافُ أنْ لا نَعْمَلَ عَمَلًا صالِحًا، فَنَزَلَتْ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ الآيَةَ، فَبُعِثَ بِها إلَيْهِمْ، فَبَعَثُوا إنّا نَخافُ أنْ لا نَكُونَ مِن أهْلِ مَشِيئَتِهِ، فَنَزَلَتْ: ﴿قُلْ ياعِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٥٣] الآياتِ فَبُعِثَ بِها إلَيْهِمْ، فَدَخَلُوا في الإسْلامِ، فَقُبِلَ مِنهم ثُمَّ قالَ لِوَحْشِيٍّ: (أخْبِرْنِي كَيْفَ قَتَلْتَ حَمْزَةَ) ؟ فَلَمّا أخْبَرَهُ قالَ: (ويْحَكَ غَيِّبْ عَنِّي وجْهَكَ) فَلَحِقَ وحْشِيٌّ بِالشّامِ إلى أنْ ماتَ.

وأجْمَعَ المُسْلِمُونَ عَلى تَخْلِيدِ مَن ماتَ كافِرًا في النّارِ، وعَلى تَخْلِيدِ مَن ماتَ مُؤْمِنًا لَمْ يُذْنِبْ قَطُّ في الجَنَّةِ. فَأمّا تائِبٌ ماتَ عَلى تَوْبَتِهِ فالجُمْهُورُ عَلى أنَّهُ لاحِقٌ بِالمُؤْمِنِ الَّذِي لَمْ يُذْنِبْ، وطَرِيقَةُ بَعْضِ المُتَكَلِّمِينَ أنَّهُ في المَشِيئَةِ. وأمّا مُذْنِبٌ ماتَ قَبْلَ تَوْبَتِهِ فالخَوارِجُ تَقُولُ: هو مُخَلَّدٌ في النّارِ، سَواءٌ كانَ صاحِبَ كَبِيرَةٍ أمْ صاحِبَ صَغِيرَةٍ. والمُرْجِئَةُ تَقُولُ: هو في الجَنَّةِ بِإيمانِهِ ولا تَضُرُّهُ سَيِّئاتُهُ. والمُعْتَزِلَةُ تَقُولُ: إنْ كانَ صاحِبَ كَبِيرَةٍ خُلِّدَ في النّارِ. وأمّا أهْلُ السُّنَّةِ فَيَقُولُونَ: هو في المَشِيئَةِ، فَإنْ شاءَ غَفَرَ لَهُ وأدْخَلَهُ الجَنَّةَ مِن أوَّلِ وهْلَةٍ، وإنْ شاءَ عَذَّبَهُ وأخْرَجَهُ مِنَ النّارِ وأدْخَلَهُ الجَنَّةَ بَعْدُ مُخَلَّدًا فِيها.

وسَبَبُ هَذا الِاخْتِلافِ تَعارُضُ عُمُوماتِ آياتِ الوَعِيدِ وآياتِ الوَعْدِ، فالخَوارِجُ جَعَلُوا آياتِ الوَعِيدِ عامَّةً في العُصاةِ كافِرِينَ ومُؤْمِنِينَ غَيْرَ تائِبِينَ. وآياتُ الوَعْدِ مَخْصُوصَةٌ في المُؤْمِنِ الَّذِي لَمْ يُذْنِبْ قَطُّ، أوِ المُذْنِبِ التّائِبِ. والمُرْجِئَةُ جَعَلُوا آياتِ الوَعِيدِ مَخْصُوصَةً في الكُفّارِ، وآياتِ الوَعْدِ مَخْصُوصَةً في المُؤْمِنِ تَقِيِّهِمْ وعاصِيهِمْ. وأهْلُ السُّنَّةِ خَصَّصُوا آياتِ الوَعِيدِ بِالكُفْرِ وبِمَن سَبَقَ في عِلْمِهِ أنَّهُ يُعَذِّبُهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ العُصاةِ، وخَصَّصُوا آياتِ الوَعْدِ بِالمُؤْمِنِ الَّذِي لَمْ يُذْنِبْ، وبِالتّائِبِ، وبِمَن سَبَقَ في عِلْمِهِ العَفُوُّ عَنْهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ العُصاةِ. والمُعْتَزِلَةُ خَصَّصُوا آياتِ الوَعْدِ بِالمُؤْمِنِ الَّذِي لَمْ يُذْنِبْ، وبِالتّائِبِ، وآياتِ الوَعِيدِ بِالكافِرِ وذِي الكَبِيرَةِ الَّذِي لَمْ يَتُبْ.

وهَذِهِ الآيَةُ هي الحاكِمَةُ بِالنَّصِّ في مَوْضِعِ النِّزاعِ، وهي جَلَتِ الشَّكَّ، ورَدَّتْ عَلى هَذِهِ الطَّوائِفِ الثَّلاثِ. فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾، والمَعْنى: أنَّ مَن ماتَ مُشْرِكًا لا يُغْفَرُ …

49

أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُم ۚ بَلِ ٱللَّهُ يُزَكِّى مَن يَشَآءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا

Have you not seen those who claim themselves to be pure? Rather, Allah purifies whom He wills, and injustice is not done to them, [even] as much as a thread [inside a date seed].

﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ قالَ ابْنُ الكَلْبِيِّ: نَزَلَتْ في وحْشِيٍّ وأصْحابِهِ، وكانَ جُعِلَ لَهُ عَلى قَتْلِ حَمْزَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنْ يُعْتَقَ، فَلَمْ يُوَفَّ لَهُ، فَقَدِمَ مَكَّةَ ونَدِمَ عَلى الَّذِي صَنَعَهُ هو وأصْحابُهُ، فَكَتَبُوا إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: إنّا قَدْ نَدِمْنا عَلى ما صَنَعْنا، ولَيْسَ يَمْنَعُنا عَنِ الإسْلامِ إلّا أنّا سَمِعْناكَ تَقُولُ بِمَكَّةَ: ﴿والَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ﴾ [الفرقان: ٦٨] الآياتِ وقَدْ دَعَوْنا مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ، وقَتَلْنا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ، وزَنَيْنا، فَلَوْلا هَذِهِ الآياتُ لاتَّبَعْناكَ، فَنَزَلَتْ: ﴿إلّا مَن تابَ وآمَنَ وعَمِلَ﴾ [الفرقان: ٧٠] الآياتِ، فَبُعِثَ بِها إلَيْهِمْ فَكَتَبُوا: إنَّ هَذا شَرْطٌ شَدِيدٌ نَخافُ أنْ لا نَعْمَلَ عَمَلًا صالِحًا، فَنَزَلَتْ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ الآيَةَ، فَبُعِثَ بِها إلَيْهِمْ، فَبَعَثُوا إنّا نَخافُ أنْ لا نَكُونَ مِن أهْلِ مَشِيئَتِهِ، فَنَزَلَتْ: ﴿قُلْ ياعِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٥٣] الآياتِ فَبُعِثَ بِها إلَيْهِمْ، فَدَخَلُوا في الإسْلامِ، فَقُبِلَ مِنهم ثُمَّ قالَ لِوَحْشِيٍّ: (أخْبِرْنِي كَيْفَ قَتَلْتَ حَمْزَةَ) ؟ فَلَمّا أخْبَرَهُ قالَ: (ويْحَكَ غَيِّبْ عَنِّي وجْهَكَ) فَلَحِقَ وحْشِيٌّ بِالشّامِ إلى أنْ ماتَ.

وأجْمَعَ المُسْلِمُونَ عَلى تَخْلِيدِ مَن ماتَ كافِرًا في النّارِ، وعَلى تَخْلِيدِ مَن ماتَ مُؤْمِنًا لَمْ يُذْنِبْ قَطُّ في الجَنَّةِ. فَأمّا تائِبٌ ماتَ عَلى تَوْبَتِهِ فالجُمْهُورُ عَلى أنَّهُ لاحِقٌ بِالمُؤْمِنِ الَّذِي لَمْ يُذْنِبْ، وطَرِيقَةُ بَعْضِ المُتَكَلِّمِينَ أنَّهُ في المَشِيئَةِ. وأمّا مُذْنِبٌ ماتَ قَبْلَ تَوْبَتِهِ فالخَوارِجُ تَقُولُ: هو مُخَلَّدٌ في النّارِ، سَواءٌ كانَ صاحِبَ كَبِيرَةٍ أمْ صاحِبَ صَغِيرَةٍ. والمُرْجِئَةُ تَقُولُ: هو في الجَنَّةِ بِإيمانِهِ ولا تَضُرُّهُ سَيِّئاتُهُ. والمُعْتَزِلَةُ تَقُولُ: إنْ كانَ صاحِبَ كَبِيرَةٍ خُلِّدَ في النّارِ. وأمّا أهْلُ السُّنَّةِ فَيَقُولُونَ: هو في المَشِيئَةِ، فَإنْ شاءَ غَفَرَ لَهُ وأدْخَلَهُ الجَنَّةَ مِن أوَّلِ وهْلَةٍ، وإنْ شاءَ عَذَّبَهُ وأخْرَجَهُ مِنَ النّارِ وأدْخَلَهُ الجَنَّةَ بَعْدُ مُخَلَّدًا فِيها.

وسَبَبُ هَذا الِاخْتِلافِ تَعارُضُ عُمُوماتِ آياتِ الوَعِيدِ وآياتِ الوَعْدِ، فالخَوارِجُ جَعَلُوا آياتِ الوَعِيدِ عامَّةً في العُصاةِ كافِرِينَ ومُؤْمِنِينَ غَيْرَ تائِبِينَ. وآياتُ الوَعْدِ مَخْصُوصَةٌ في المُؤْمِنِ الَّذِي لَمْ يُذْنِبْ قَطُّ، أوِ المُذْنِبِ التّائِبِ. والمُرْجِئَةُ جَعَلُوا آياتِ الوَعِيدِ مَخْصُوصَةً في الكُفّارِ، وآياتِ الوَعْدِ مَخْصُوصَةً في المُؤْمِنِ تَقِيِّهِمْ وعاصِيهِمْ. وأهْلُ السُّنَّةِ خَصَّصُوا آياتِ الوَعِيدِ بِالكُفْرِ وبِمَن سَبَقَ في عِلْمِهِ أنَّهُ يُعَذِّبُهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ العُصاةِ، وخَصَّصُوا آياتِ الوَعْدِ بِالمُؤْمِنِ الَّذِي لَمْ يُذْنِبْ، وبِالتّائِبِ، وبِمَن سَبَقَ في عِلْمِهِ العَفُوُّ عَنْهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ العُصاةِ. والمُعْتَزِلَةُ خَصَّصُوا آياتِ الوَعْدِ بِالمُؤْمِنِ الَّذِي لَمْ يُذْنِبْ، وبِالتّائِبِ، وآياتِ الوَعِيدِ بِالكافِرِ وذِي الكَبِيرَةِ الَّذِي لَمْ يَتُبْ.

وهَذِهِ الآيَةُ هي الحاكِمَةُ بِالنَّصِّ في مَوْضِعِ النِّزاعِ، وهي جَلَتِ الشَّكَّ، ورَدَّتْ عَلى هَذِهِ الطَّوائِفِ الثَّلاثِ. فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾، والمَعْنى: أنَّ مَن ماتَ مُشْرِكًا لا يُغْفَرُ …

50

ٱنظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ ۖ وَكَفَىٰ بِهِۦٓ إِثْمًۭا مُّبِينًا

Look how they invent about Allah untruth, and sufficient is that as a manifest sin.

﴿انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ﴾ هو خِطابٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ . ولَمّا خاطَبَهُ أوَّلًا بِقَوْلِهِ: ﴿ألَمْ تَرَ﴾ [النساء: ٤٩] أيْ ألا تَعْجَبُ لِهَؤُلاءِ الَّذِينَ يُزَكُّونَ أنْفُسَهم ؟ خاطَبَهُ ثانِيًا بِالنَّظَرِ في كَيْفِيَّةِ افْتِرائِهِمُ الكَذِبَ عَلى اللَّهِ، وأتى بِصِيغَةِ يَفْتَرُونَ الدّالَّةِ عَلى المُلابَسَةِ والدَّيْمُومَةِ، ولَمْ يَخُصَّ الكَذِبَ في تَزْكِيَتِهِمْ أنْفُسَهم، بَلْ عَمَّمَ في ذَلِكَ وفي غَيْرِهِ. وأيُّ ذَنْبٍ أعْظَمُ مِمَّنْ يَفْتَرِي عَلى اللَّهِ الكَذِبَ ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ [الأنعام: ٢١] فَمَن أظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلى اللَّهِ.

وكَيْفَ: سُؤالٌ عَنْ حالٍ، وانْتِصابُهُ عَلى الحالِ والعامِلُ فِيهِ يَفْتَرُونَ والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِانْظُرْ؛ لِأنَّ انْظُرْ مُعَلَّقَةٌ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وكَيْفَ يَصِحُّ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ يَفْتَرُونَ ؟ ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ والخَبَرِ في قَوْلِهِ: يَفْتَرُونَ انْتَهى. أمّا قَوْلُهُ: يَصِحُّ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ يَفْتَرُونَ، فَصَحِيحٌ عَلى ما قَرَّرْناهُ؛ وأمّا قَوْلُهُ: ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ والخَبَرُ في قَوْلِهِ يَفْتَرُونَ، فَهَذا لَمْ يَذْهَبْ إلَيْهِ أحَدٌ؛ لِأنَّ كَيْفَ لَيْسَتْ مِنَ الأسْماءِ الَّتِي يَجُوزُ الِابْتِداءُ بِها؛ وإنَّما قَوْلُهُ: كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ في التَّرْكِيبِ نَظِيرُ كَيْفَ يَضْرِبُ زَيْدٌ عَمْرًا، ولَوْ كانَتْ مِمّا يَجُوزُ الِابْتِداءُ بِها ما جازَ أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً في هَذا التَّرْكِيبِ؛ لِأنَّهُ ذَكَرَ أنَّ الخَبَرَ هي الجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: يَفْتَرُونَ، ولَيْسَ فِيها رابِطٌ يَرْبُطُ هَذِهِ الجُمْلَةَ بِالمُبْتَدَأِ، ولَيْسَتِ الجُمْلَةُ نَفْسَ المُبْتَدَأِ في المَعْنى؛ فَلا يَحْتاجُ إلى رابِطٍ. فَهَذا الَّذِي قالَ فِيهِ ويَصِحُّ، هو فاسِدٌ عَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ.

﴿وكَفى بِهِ إثْمًا مُبِينًا﴾ تَقَدَّمَ الكَلامُ في نَظِيرِهِ، وكَفى بِهِ. والضَّمِيرُ في بِهِ، عائِدٌ عَلى الِافْتِراءِ، وهو الَّذِي أنْكَرَ عَلَيْهِمْ. وقِيلَ عَلى الكَذِبِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وكَفى بِزَعْمِهِمْ؛ لِأنَّهُ قالَ: ”كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ“ في زَعْمِهِمْ أنَّهم عِنْدَ اللَّهِ أزْكِياءُ، وكَفى بِزَعْمِهِمْ هَذا إثْمًا مُبِينًا مِن بَيْنِ سائِرِ آثامِهِمْ انْتَهى. فَجَعَلَ افْتِراءَهُمُ الكَذِبَ مَخْصُوصًا بِالتَّزْكِيَةِ، وذَكَرْنا نَحْنُ أنَّهُ في هَذا وفي غَيْرِهِ، وانْتِصابُ إثْمًا عَلى التَّمْيِيزِ، ومَعْنى مُبِينًا؛ أيْ بَيِّنًا واضِحًا لِكُلِّ أحَدٍ.

وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وكَفى بِهِ خَبَرٌ في ضِمْنِهِ تَعَجُّبٌ وتَعْجِيبٌ مِنَ الأمْرِ، ولِذَلِكَ دَخَلَتِ الباءُ؛ لِتَدُلَّ عَلى مَعْنى الأمْرِ بِالتَّعَجُّبِ أنْ يَكْتَفِيَ لَهم بِهَذا الكَذِبِ إثْمًا، ولا يَطْلُبَ لَهم غَيْرَهُ؛ إذْ هو مَوْبِقٌ ومُهْلِكٌ انْتَهى. وفي ما ذُكِرَ مِن أنَّ الباءَ دَخَلَتْ؛ لِتَدُلَّ عَلى مَعْنى الأمْرِ بِالتَّعَجُّبِ نَظَرٌ، وقَدْ أمْعَنّا الكَلامَ في قَوْلِهِ.

﴿وكَفى بِاللَّهِ ولِيًّا﴾ [النساء: ٤٥] فَيُطالَعُ هُناكَ.

﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالجِبْتِ والطّاغُوتِ﴾ [النساء: ٥١] أجْمَعُوا أنَّها في اليَهُودِ. وسَبَبُ نُزُولِها أنَّ كَعْبَ بْنَ الأشْرَفِ، وحُيَيَّ بْنَ أخْطَبَ وجَماعَةً مَعَهُما، ورَدُوا مَكَّةَ يُحالِفُونَ قُرَيْشًا عَلى مُحارَبَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالُوا: أنْتُمْ أهْلُ كِتابٍ، وأنْتُمْ أقْرَبُ إلى مُحَمَّدٍ مِنكم إلَيْنا فَلا …

Commentary: Al-Bahr al-Muhit by Abu Hayyan al-Gharnati. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.