إِن تَجْتَنِبُوا۟ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّـَٔاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلًۭا كَرِيمًۭا
If you avoid the major sins which you are forbidden, We will remove from you your lesser sins and admit you to a noble entrance [into Paradise].
ثم قال تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾، ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا﴾ هنا عدول عن الغَيبة إلى الخطاب، أين الغيبة؟ ومن يفعل ذلك نصليه، وأما ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا﴾ فهذا للخطاب؛ يخاطب الله سبحانه وتعالى العباد بقوله: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا﴾ أي: تبتعدوا عن ﴿كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾. ﴿كَبَائِرَ﴾ جمع (كبيرة). و﴿مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ النهي: هو طلب الكف على وجه الاستعلاء. أي: ما ينهاكم الله عنه ﴿نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ أي: صغائر ذنوبكم. ﴿نُكَفِّرْ﴾ مأخوذ من (الكَفْر) وهو الستر، فالتكفير إذن معناه ستر السيئات، وذلك بالعفو عنها.
وقوله عز وجل: ﴿سَيِّئَاتِكُمْ﴾ جمع (سيئة)، والمراد بها هنا الصغيرة، والدليل على أن المراد بها الصغيرة أنها جاءت في مقابلة الكبائر: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾، وإلا فالأصل أن السيئة عامة للكبيرة وللصغيرة، وهذه من بلاغة القرآن أن يُعرف معنى الكلمة بذكر ما يقابلها، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ [النساء ٧١]. لو قيل: ما معنى ثبات؟
* طالب: فرادى.
* الشيخ: فرادى؟ ما دليلك؟
* الطالب: ﴿جَمِيعًا﴾.
* الشيخ: أنه قُوبل بقوله: ﴿أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ مع أنك لو ذهبت تراجعها في القاموس أو غيره من كتب اللغة لأخذت وقتًا، لكن إذا عرفت أن الله عز وجل يذكر الشيء وما يقابله كما في هذه الآية عرفت أن المراد بالثُّبات أي: الفرادى.
وقوله: ﴿نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾ الْمُدخل الكريم هو الجنة؛ لأنها دار الكرام، دار الفضل، دار الإحسان، دار السلام، وهنا قال: ﴿مُدْخَلًا﴾ ولم يقل: مَدْخلًا؛ لأنه من الرباعي، واسم المكان أو الزمان والمصدر الميمي إذا كان من الرباعي فهو على وزن (مُفْعَل) لا على وزن (مَفْعَل)، ولهذا تقول: أقام الرجل عندنا مُقامًا، أو مَقامًا؟
* طلبة: مُقامًا.
* الشيخ: مُقامًا، وتقول: قام الرجل فينا مَقامًا؛ لأنه من الثلاثي، على هذا ﴿نُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا﴾ صارت بضم الميم؛ لأنها من الرباعي من (أَدْخَل يُدْخِل) ﴿وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾ أي: ندخلكم في مكان دخول كريم بناءً على أن مُدْخَل هنا اسم مكان، ويجوز أن تكون مصدرًا ميميًّا أي: ندخلكم إدخالًا كريمًا، ويجوز أن يراد بها هذا وهذا؛ أي: أن الكرم وصف للإدخال ولمكان الدخول.
فإذا قال قائل: ما هي الكبائر؟ قلنا: الكبائر جمع (كبيرة)، وقد جاءت الأحاديث بِعدّها بثلاث، وأربع، وسبع، وتسع، وتفاوتت الأحاديث في هذا، ومن ثم اختلف العلماء، فقيل: إن الكبائر ما نُص على أنه من الكبائر، وما سوى ذلك فهو من الصغائر، ففي حديث أبي بكرة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ؟» قلنا: بلى يا رسول الله. قال: «الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ». وكان مُتكئًا فجلس وقال: «أَلَا وَشَهَادَةُ الزُّورِ وَقَوْلُ الزُّورِ»متفق عليه؛ البخاري (٥٩٧٦)، ومسلم (٨٧ / ١٤٣) من حديث أبي بكرة الثقفي.. وورد عنه أيضًا: «اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ»متفق عليه؛ البخاري (٢٧٦٦)، ومسلم (٨٩ / ١٤٥) من حديث أبي هريرة. وعدّها، وسئل عن الكبائر فقال: «تِسْع»أخرجه أبو داود (٢٨٧٥) من حديث عمير بن قتادة.، وعدّها؛ ومن ثم اختلف العلماء، فمنهم من قال: ما ورد أنه من الكبائر فهو كبيرة وما لا فهو صغيرة، وقد سئل ابن عباس رضي الله عنهما عن الكبائر هل هي سبع؟ فقال:« هِيَ إِلَى السَّبْعِينَ أَقْرَبُ مِنْهَا إِلَى السَّبْعِ»أخرجه معمر في الجامع (١٩٧٠٢).. وفي رواية أخرى قال: «هِيَ إِلَى السَّبْعِ مئة أقربُ منها إلى السّبْعِ، ولكن لا كبيرةَ …