Muslim99Muslim99
← Tafsir library

4. An-Nisaa

The Women · Medinan · 176 ayahs

سُورَةُ النِّسَاءِ

Reading Tafsir Ibn 'Uthaymin by Muhammad ibn Salih al-'Uthaymin

Ayahs 31–40 of 176

31

إِن تَجْتَنِبُوا۟ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّـَٔاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلًۭا كَرِيمًۭا

If you avoid the major sins which you are forbidden, We will remove from you your lesser sins and admit you to a noble entrance [into Paradise].

ثم قال تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾، ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا﴾ هنا عدول عن الغَيبة إلى الخطاب، أين الغيبة؟ ومن يفعل ذلك نصليه، وأما ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا﴾ فهذا للخطاب؛ يخاطب الله سبحانه وتعالى العباد بقوله: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا﴾ أي: تبتعدوا عن ﴿كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾. ﴿كَبَائِرَ﴾ جمع (كبيرة). و﴿مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ النهي: هو طلب الكف على وجه الاستعلاء. أي: ما ينهاكم الله عنه ﴿نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ أي: صغائر ذنوبكم. ﴿نُكَفِّرْ﴾ مأخوذ من (الكَفْر) وهو الستر، فالتكفير إذن معناه ستر السيئات، وذلك بالعفو عنها.

وقوله عز وجل: ﴿سَيِّئَاتِكُمْ﴾ جمع (سيئة)، والمراد بها هنا الصغيرة، والدليل على أن المراد بها الصغيرة أنها جاءت في مقابلة الكبائر: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾، وإلا فالأصل أن السيئة عامة للكبيرة وللصغيرة، وهذه من بلاغة القرآن أن يُعرف معنى الكلمة بذكر ما يقابلها، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ [النساء ٧١]. لو قيل: ما معنى ثبات؟

* طالب: فرادى.

* الشيخ: فرادى؟ ما دليلك؟

* الطالب: ﴿جَمِيعًا﴾.

* الشيخ: أنه قُوبل بقوله: ﴿أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ مع أنك لو ذهبت تراجعها في القاموس أو غيره من كتب اللغة لأخذت وقتًا، لكن إذا عرفت أن الله عز وجل يذكر الشيء وما يقابله كما في هذه الآية عرفت أن المراد بالثُّبات أي: الفرادى.

وقوله: ﴿نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾ الْمُدخل الكريم هو الجنة؛ لأنها دار الكرام، دار الفضل، دار الإحسان، دار السلام، وهنا قال: ﴿مُدْخَلًا﴾ ولم يقل: مَدْخلًا؛ لأنه من الرباعي، واسم المكان أو الزمان والمصدر الميمي إذا كان من الرباعي فهو على وزن (مُفْعَل) لا على وزن (مَفْعَل)، ولهذا تقول: أقام الرجل عندنا مُقامًا، أو مَقامًا؟

* طلبة: مُقامًا.

* الشيخ: مُقامًا، وتقول: قام الرجل فينا مَقامًا؛ لأنه من الثلاثي، على هذا ﴿نُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا﴾ صارت بضم الميم؛ لأنها من الرباعي من (أَدْخَل يُدْخِل) ﴿وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾ أي: ندخلكم في مكان دخول كريم بناءً على أن مُدْخَل هنا اسم مكان، ويجوز أن تكون مصدرًا ميميًّا أي: ندخلكم إدخالًا كريمًا، ويجوز أن يراد بها هذا وهذا؛ أي: أن الكرم وصف للإدخال ولمكان الدخول.

فإذا قال قائل: ما هي الكبائر؟ قلنا: الكبائر جمع (كبيرة)، وقد جاءت الأحاديث بِعدّها بثلاث، وأربع، وسبع، وتسع، وتفاوتت الأحاديث في هذا، ومن ثم اختلف العلماء، فقيل: إن الكبائر ما نُص على أنه من الكبائر، وما سوى ذلك فهو من الصغائر، ففي حديث أبي بكرة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ؟» قلنا: بلى يا رسول الله. قال: «الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ». وكان مُتكئًا فجلس وقال: «أَلَا وَشَهَادَةُ الزُّورِ وَقَوْلُ الزُّورِ»متفق عليه؛ البخاري (٥٩٧٦)، ومسلم (٨٧ / ١٤٣) من حديث أبي بكرة الثقفي.. وورد عنه أيضًا: «اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ»متفق عليه؛ البخاري (٢٧٦٦)، ومسلم (٨٩ / ١٤٥) من حديث أبي هريرة. وعدّها، وسئل عن الكبائر فقال: «تِسْع»أخرجه أبو داود (٢٨٧٥) من حديث عمير بن قتادة.، وعدّها؛ ومن ثم اختلف العلماء، فمنهم من قال: ما ورد أنه من الكبائر فهو كبيرة وما لا فهو صغيرة، وقد سئل ابن عباس رضي الله عنهما عن الكبائر هل هي سبع؟ فقال:« هِيَ إِلَى السَّبْعِينَ أَقْرَبُ مِنْهَا إِلَى السَّبْعِ»أخرجه معمر في الجامع (١٩٧٠٢).. وفي رواية أخرى قال: «هِيَ إِلَى السَّبْعِ مئة أقربُ منها إلى السّبْعِ، ولكن لا كبيرةَ …

32

وَلَا تَتَمَنَّوْا۟ مَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بِهِۦ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍۢ ۚ لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌۭ مِّمَّا ٱكْتَسَبُوا۟ ۖ وَلِلنِّسَآءِ نَصِيبٌۭ مِّمَّا ٱكْتَسَبْنَ ۚ وَسْـَٔلُوا۟ ٱللَّهَ مِن فَضْلِهِۦٓ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمًۭا

And do not wish for that by which Allah has made some of you exceed others. For men is a share of what they have earned, and for women is a share of what they have earned. And ask Allah of his bounty. Indeed Allah is ever, of all things, Knowing.

ثم قال تعالى: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ ﴿لَا تَتَمَنَّوْا﴾ (لا) ناهية، وجزم الفعل بها بحذف النون، و﴿مَا فَضَّلَ﴾ مفعول ﴿تَتَمَنَّوْا﴾، فما هو التمني؟ التمني: الطمع فيما يعسر نيله أو يتعذر نيله، هذا التمني، الطمع فيما يتعسر أو يتعذر نيله، كقول الشاعر:

أَلَا لَيْتَ الشَّبَابَ يَعُودُ يَوْمًا ∗∗∗ فَأُخْبِرَهُ بِمَا فَعَلَالْمَشِيــــــــــــبُ

هذا طمع فيما يتعذر نيله، وقول الفقير: يا ليت لي مالًا فأتصدق منه، هذا الطمع فيما يتعسر نيله، وقد يطلق التمني ويراد به الرجاء، مطلق الرجاء بأن يطمع الإنسان في أمر يسهل نيله وإن كان لا يحصله، لكنه يسهل نيله لو شاء الله.

فقوله: ﴿لَا تَتَمَنَّوْا﴾ أي: لا تطمعوا في أمر فضل الله به بعضكم على بعض، وقوله: ﴿فَضَّلَ اللَّهُ﴾ أي: زاد، ﴿بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ سواء كان ذلك في العلم، أو في المال، أو في الولد، أو في الجاه، أو في الملك، أو في غير ذلك، لا تتمنى ما فضل الله به غيرك عليك؛ لأن الفضل بيد من؟ بيد الله يؤتيه من يشاء.

ثم قال: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ﴾ ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا﴾، وذلك النصيب هو ما يعطيهم الله إياه من الثواب على الأعمال الصالحة، ﴿وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ﴾ أي: من الأعمال الصالحة لهن نصيب، كل بحسب ما قدر الله له، فللرجال الجهاد، وللنساء حفظ البيوت، هناك فرق بين الجهاد وحفظ البيوت، لكن من الذي فضل هؤلاء بهذا وهؤلاء بهذا؟ أو من الذي خص هؤلاء بهذا وهؤلاء بهذا؟ هو الله، إذن ما دام الأمر إلى الله، فالله سبحانه وتعالى حكم عدل يعطي كل واحد من الجنسين ما يليق به.

وسيأتي أيضًا بيان ما فضل الله به الرجال في قوله: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ [النساء ٣٤].

فالمهم أن ما فضل الله به بعض الناس على بعض -سواء بسبب الذكورة أو بسبب الغنى أو العلم أو الصحة أو المال أو غير ذلك- فهو من فضل الله، لا تتمنى ما فضل الله به غيرك عليك.

ثم قال: ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾ ﴿اسْأَلُوا﴾ وقراءة: ﴿سَلُوا اللَّهَ﴾ ، كلاهما قراءتان سبعيتان، ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾ أي: من الذي فضل بعضكم على بعض اسألوه، وإذا سألتم الله من فضله أعطاكم، فمثلًا إذا رأيت شخصًا قد فضلك في المال، فلا تتمنَّ هذا المال الذي أعطاه الله هذا الرجل، ولكن اسأل الله من فضله، وجدت رجلًا فضلك في العلم لا تتمنَّ هذا العلم الذي أعطاه الله غيرك، ولكن اسأل الله من فضله وخلِّ علمه يبقى له، وماله يبقى له في المسالة الأولى.

﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾ السؤال هنا سؤال عطاء ولَّا سؤال علم؟

* طلبة: ويش سؤال العطاء؟

* الشيخ: سؤال العطاء أن تسأله، أي طلب منه أن يعطيه مالًا، كما في قوله تعالى: ﴿لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [الذاريات ١٩]، وسأله: استخبره، يعني سؤال علم، يعني يريد أن يخبره، فهل هذا سؤال مال أو سؤال علم؟

* الطلبة: سؤال عطاء.. سؤال مال.

* الشيخ: سؤال عطاء، أي سؤال مال، يعني: اسألوا الله أن يعطيكم، فهو سؤال عطاء، وعدلنا عن قولنا: سؤال المال؛ لأن الإنسان قد يسأل الله غير المال، كالعلم والجاه والذكاء والعقل وما أشبه ذلك.

﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ الجملة هذه استئنافية، والدليل على أنها استئنافية أن همزة (إن) كسرت، وهمزة (إن) تكسر في الابتداء، وعلى هذا فهي جملة استئنافية لبيان قطع التمني، أي: تمني الإنسان ما فضل الله به غيره عليه، يعني: أن ما فضل الله به الغير فهو صادر عن علم بأن هذا المفضل أهل للتفضيل، فالرجال أهل للجهاد، أهل لحماية الأوطان، أهل لحماية الدين، وما أشبه ذلك، بخلاف النساء فإنهن قاصرات.

* في هذه الآية فوائد كثيرة؛ منها: …

33

وَلِكُلٍّۢ جَعَلْنَا مَوَٰلِىَ مِمَّا تَرَكَ ٱلْوَٰلِدَانِ وَٱلْأَقْرَبُونَ ۚ وَٱلَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَٰنُكُمْ فَـَٔاتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ شَهِيدًا

And for all, We have made heirs to what is left by parents and relatives. And to those whom your oaths have bound [to you] - give them their share. Indeed Allah is ever, over all things, a Witness.

ثم قال الله تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ ﴿لِكُلٍّ﴾ جار ومجرور متعلق بـ﴿جَعَلْنَا﴾، وهو المفعول الثاني مقدمًا، و﴿مَوَالِيَ﴾ المفعول الأول.

وقوله: ﴿لِكُلٍّ﴾ هذه من الكلمات التي لا تقع إلا مضافة لفظًا أو تقديرًا، أما لفظًا فهو كثير ﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ﴾ [الحجر ٣٠]، وأما تقديرًا فيُقدَّر مضاف إليه مناسب للمقام، فما هو المناسب في هذا؟ تقدير: ولكل أحد جعلنا موالي، ولكل أحد من الذكور والإناث.

﴿جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾ أي: صيرنا، ﴿مَوَالِيَ﴾ جمع (مولى)، والمولى يطلق على عدة معانٍ، منها الناصر، فإن المولى يطلق على الناصر، مثل قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ﴾ [التحريم ٤] أي: هو ناصره، ويطلق على متولي غيره، يعني الذي يتولى على غيره، مثل: ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ [الأنفال ٤٠].

ويطلق المولى على المعتق، ويطلق على العتيق، صح؟ يطلق على المعتق؛ لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «إِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ»متفق عليه؛ البخاري (٢١٥٥)، ومسلم (٥ / ١٥٠٤) من حديث عائشة.، ويطلق على العتيق؛ لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: «إِنَّ مَوْلَى الْقَوْمِ مِنْهُمْ»أخرجه البخاري (٦٧٦١) من حديث أنس. أي: عتيقهم.

ويطلق على متولي الأمور من ملك أو أمير أو وزير أو ما أشبه ذلك، ويسمى ولي الأمر أيضًا.

بقي الإطلاق الأخير الذي هو في هذه الآية المولى: من يتولى مالك من بعدك وهو الوارث، ودليله قوله صلى الله عليه وآله وسلم: «فَمَا بَقِيَ فَلِأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ»متفق عليه؛ البخاري (٦٧٣٧)، ومسلم (٣ / ١٦١٥) من حديث ابن عباس.، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ [الأنفال ٧٥].

﴿جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾ أي: يلون تركته من بعده؛ ولهذا قال: ﴿مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ﴾.

وقوله: ﴿الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ ﴿الْوَالِدَانِ﴾ هذه مبتدأ، ﴿وَالأَقْرَبُونَ﴾ معطوف عليها وهي بيان للموالي، هذا أحد التفسيرين في الآية، وعلى هذا فيكون الوقف على قوله: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ﴾ ﴿الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾.

القول الثاني: أن الوالدان فاعل ﴿تَرَكَ﴾ ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ أي: جعلنا وارثين من المتروك من الوالدين والأقربين.

والمعنيان متلازمان، لكن أيهما أقرب إلى اللفظ؟ يرى بعض العلماء أن الأقرب الثاني وأن تكون ﴿الْوَالِدَانِ﴾ فاعل ﴿تَرَكَ﴾، ﴿وَالْأَقْرَبُونَ﴾ معطوف عليه، والمعنى: لكل أحد من الناس جعلنا موالي -أي وارثين- من الذي ترك الوالدان والأقربون، فعلى هذا يكون الوالدان موروثين أو وارثين؟ على الأخير موروثين، وعلى الأول وارثين، وكما قلت لكم: المعنيان متلازمان؛ لأنه ما من وارث إلا وله موروث، فسواء قلت: ﴿جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ﴾ أي: يلونه مما ترك وهم الوالدان والأقربون، أي الوارثون، أو مما ترك الوالدان والأقربون وهم الموروثون.

وقوله: ﴿الْأَقْرَبُونَ﴾ إنما جاءت باسم التفضيل دون (القريبون)؛ لأنه يبدأ في الأقارب بالأقرب فالأقرب.

* طالب: المولوية تطلق على المشايخ؟

* الشيخ: يمكن تطلق يصح؛ لأنهم يتولون أمور الناس بالعلم.

* طالب: ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾ هل هي عائدة على أول الآية أو عائدة على تفضيل الرجال على النساء؟

* الشيخ: هي عامة.

* الطالب: ما فيه إشكال؟

* الشيخ: ما فيه إشكال؛ لأنه قد يعوض المرأة شيئًا آخر إذا نقصت عن الرجل.

* طالب: شيخ أحسن الله إليك، قوله: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ فيه دليل على أن قتل النفس من الكبائر؟

* الشيخ: الآية قلت: ما عيَّنت كبيرة من …

34

ٱلرِّجَالُ قَوَّٰمُونَ عَلَى ٱلنِّسَآءِ بِمَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍۢ وَبِمَآ أَنفَقُوا۟ مِنْ أَمْوَٰلِهِمْ ۚ فَٱلصَّٰلِحَٰتُ قَٰنِتَٰتٌ حَٰفِظَٰتٌۭ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ ٱللَّهُ ۚ وَٱلَّٰتِى تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَٱهْجُرُوهُنَّ فِى ٱلْمَضَاجِعِ وَٱضْرِبُوهُنَّ ۖ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا۟ عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا ۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيًّۭا كَبِيرًۭا

Men are in charge of women by [right of] what Allah has given one over the other and what they spend [for maintenance] from their wealth. So righteous women are devoutly obedient, guarding in [the husband's] absence what Allah would have them guard. But those [wives] from whom you fear arrogance - [first] advise them; [then if they persist], forsake them in bed; and [finally], strike them. But if they obey you [once more], seek no means against them. Indeed, Allah is ever Exalted and Grand.

ثم قال الله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ﴾ إلى آخره.

﴿الرِّجَالُ﴾ جمع (رجل) وهو جمع تكسير، ورجل هو البالغ من بني آدم الذكور، البالغ من بني آدم الذكور يسمى رجلًا، والذكر يطلق على البالغ وغير البالغ؛ ولهذا جاء في الحديث: «وَمَا بَقِيَ فَلِأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ»متفق عليه؛ البخاري (٦٧٣٧)، ومسلم (٣ / ١٦١٥) من حديث ابن عباس.، مع أنه لو قال: فلأولى ذكر، اكتفي به، ولو قال: لأولى رجل، لخرج بذلك الصغير فلا يكون عاصبًا، لكن جاءت كلمة (ذكر) ليبين أن الكبر ليس بشرط في استحقاق التعصيب، بل ولو كان دون الرجولة.

فإذا قال قائل: إذن ذكر (الرجل) زيادة، زيادة لا معنى لها؟ فالجواب: بلى لها معنى وهو الإشارة إلى أنه -أي الذكر- كان أولى بالتعصيب؛ لأنه رجل يترتب عليه مسؤوليات لا تترتب على المرأة.

﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ ﴿قَوَّامُونَ﴾ جمع (قوّام)، و(قوّام) صيغة مبالغة من (قائم)، فلو قيل في غير القرآن: الرجال قائمون على النساء، لكان المعنى دون كلمة (قوّامون)؛ لأن (قوّامون) صيغة مبالغة تقتضي القوامة على النساء في كل حال.

وقوله: ﴿عَلَى النِّسَاءِ﴾ جمع أيش؟ جمع نسوة، وإن شئت قل: جمع (امرأة)، لكنه من غير اللفظ؛ لأنه أحيانًا يجمع المعنى على غير لفظ المفرد، فـ(إبل) جمعٌ لا واحد له من لفظه؛ جمع (بعير).

ويقول على النساء: ﴿بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ الباء هنا للسببية و(ما) يجوز أن تكون مصدرية ويجوز أن تكون موصولة، فإن جعلتها موصولة صار التقدير: بالذي فضل الله بعضهم على بعض، وحينئذ نحتاج إلى عائد يعود إلى الموصول فيكون العائد محذوفًا تقديره: بما فضل الله به بعضهم على بعض، وحذف العائد المجرور مشهور في اللغة، ومنه قوله تعالى: ﴿يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ﴾ [المؤمنون ٣٣] أي: منه.

يقول: ﴿بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ ﴿فَضَّلَ﴾ زاد، الفضل هو الزيادة، أي: زاد بعضهم على بعض، والمزيد هو من؟ من المزيد؟ الرجال، والمزيد عليه النساء، إذن ﴿بَعْضَهُمْ﴾ (بعض) هنا تعود على الرجال، ﴿عَلَى بَعْضٍ﴾ تعود على النساء، فما الذي فضل الله به الرجال على النساء؟

* طالب: (...).

* الشيخ: تقتضي بعد: ﴿وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾.

* طالب: (...).

* الشيخ: لا.

* طالب: فضلهم بعضهم.

* الشيخ: يعني بالقوة الظاهرة والباطنة، فبالقوة الظاهرة قوة البدن؛ ولهذا تجد الرجل، بل تجد الذكر حتى من غير بني آدم تجده أقوى من الأنثى وأكبر عضلات وأشد، هذه من القوى الظاهرة، القوى الباطنة: التحمل والصبر والذكاء والعقل وما إلى ذلك.

* طالب: والشجاعة.

* الشيخ: إي نعم، والشجاعة والعزم. المهم أن الله فضل الرجال على النساء بالقوى الظاهرة والقوى الباطنة.

السبب الثاني: قال: ﴿وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ وهذا تفضيل خارجي، ﴿وَبِمَا أَنْفَقُوا﴾ أي: الرجال، ﴿مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ أي: على النساء، فالرجل هو المسؤول عن الإنفاق على المرأة والمرأة ضعيفة لا تستطيع أن تكتسب، فالرجل هو المسؤول.

وقوله: ﴿مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ أي: أموال الرجال، فبسبب التفضيل الجسدي القوة الظاهرة والقوة الباطنة، وبسبب التفضيل الخارجي وهو الإنفاق بالمال صار الرجل أفضل من المرأة.

* طالب: (...)؟

* الشيخ: لا، الوصية مستقلة، يوصي لهولاء ولغيرهم حسب ما يرى المصلحة.

* طالب: النبوة والرسالة (...)؟

* الشيخ: هو الظاهر؛ لأن استعداد الرجل للنبوة والرسالة أكمل من استعداد المرأة.

* * *

* طالب: ﴿بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ …

35

وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَٱبْعَثُوا۟ حَكَمًۭا مِّنْ أَهْلِهِۦ وَحَكَمًۭا مِّنْ أَهْلِهَآ إِن يُرِيدَآ إِصْلَٰحًۭا يُوَفِّقِ ٱللَّهُ بَيْنَهُمَآ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًۭا

And if you fear dissension between the two, send an arbitrator from his people and an arbitrator from her people. If they both desire reconciliation, Allah will cause it between them. Indeed, Allah is ever Knowing and Acquainted [with all things].

ثم قال الله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ﴾ إلى آخره.

﴿الرِّجَالُ﴾ جمع (رجل) وهو جمع تكسير، ورجل هو البالغ من بني آدم الذكور، البالغ من بني آدم الذكور يسمى رجلًا، والذكر يطلق على البالغ وغير البالغ؛ ولهذا جاء في الحديث: «وَمَا بَقِيَ فَلِأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ»متفق عليه؛ البخاري (٦٧٣٧)، ومسلم (٣ / ١٦١٥) من حديث ابن عباس.، مع أنه لو قال: فلأولى ذكر، اكتفي به، ولو قال: لأولى رجل، لخرج بذلك الصغير فلا يكون عاصبًا، لكن جاءت كلمة (ذكر) ليبين أن الكبر ليس بشرط في استحقاق التعصيب، بل ولو كان دون الرجولة.

فإذا قال قائل: إذن ذكر (الرجل) زيادة، زيادة لا معنى لها؟ فالجواب: بلى لها معنى وهو الإشارة إلى أنه -أي الذكر- كان أولى بالتعصيب؛ لأنه رجل يترتب عليه مسؤوليات لا تترتب على المرأة.

﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ ﴿قَوَّامُونَ﴾ جمع (قوّام)، و(قوّام) صيغة مبالغة من (قائم)، فلو قيل في غير القرآن: الرجال قائمون على النساء، لكان المعنى دون كلمة (قوّامون)؛ لأن (قوّامون) صيغة مبالغة تقتضي القوامة على النساء في كل حال.

وقوله: ﴿عَلَى النِّسَاءِ﴾ جمع أيش؟ جمع نسوة، وإن شئت قل: جمع (امرأة)، لكنه من غير اللفظ؛ لأنه أحيانًا يجمع المعنى على غير لفظ المفرد، فـ(إبل) جمعٌ لا واحد له من لفظه؛ جمع (بعير).

ويقول على النساء: ﴿بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ الباء هنا للسببية و(ما) يجوز أن تكون مصدرية ويجوز أن تكون موصولة، فإن جعلتها موصولة صار التقدير: بالذي فضل الله بعضهم على بعض، وحينئذ نحتاج إلى عائد يعود إلى الموصول فيكون العائد محذوفًا تقديره: بما فضل الله به بعضهم على بعض، وحذف العائد المجرور مشهور في اللغة، ومنه قوله تعالى: ﴿يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ﴾ [المؤمنون ٣٣] أي: منه.

يقول: ﴿بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ ﴿فَضَّلَ﴾ زاد، الفضل هو الزيادة، أي: زاد بعضهم على بعض، والمزيد هو من؟ من المزيد؟ الرجال، والمزيد عليه النساء، إذن ﴿بَعْضَهُمْ﴾ (بعض) هنا تعود على الرجال، ﴿عَلَى بَعْضٍ﴾ تعود على النساء، فما الذي فضل الله به الرجال على النساء؟

* طالب: (...).

* الشيخ: تقتضي بعد: ﴿وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾.

* طالب: (...).

* الشيخ: لا.

* طالب: فضلهم بعضهم.

* الشيخ: يعني بالقوة الظاهرة والباطنة، فبالقوة الظاهرة قوة البدن؛ ولهذا تجد الرجل، بل تجد الذكر حتى من غير بني آدم تجده أقوى من الأنثى وأكبر عضلات وأشد، هذه من القوى الظاهرة، القوى الباطنة: التحمل والصبر والذكاء والعقل وما إلى ذلك.

* طالب: والشجاعة.

* الشيخ: إي نعم، والشجاعة والعزم. المهم أن الله فضل الرجال على النساء بالقوى الظاهرة والقوى الباطنة.

السبب الثاني: قال: ﴿وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ وهذا تفضيل خارجي، ﴿وَبِمَا أَنْفَقُوا﴾ أي: الرجال، ﴿مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ أي: على النساء، فالرجل هو المسؤول عن الإنفاق على المرأة والمرأة ضعيفة لا تستطيع أن تكتسب، فالرجل هو المسؤول.

وقوله: ﴿مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ أي: أموال الرجال، فبسبب التفضيل الجسدي القوة الظاهرة والقوة الباطنة، وبسبب التفضيل الخارجي وهو الإنفاق بالمال صار الرجل أفضل من المرأة.

* طالب: (...)؟

* الشيخ: لا، الوصية مستقلة، يوصي لهولاء ولغيرهم حسب ما يرى المصلحة.

* طالب: النبوة والرسالة (...)؟

* الشيخ: هو الظاهر؛ لأن استعداد الرجل للنبوة والرسالة أكمل من استعداد المرأة.

* * *

* طالب: ﴿بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ …

36

۞ وَٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا۟ بِهِۦ شَيْـًۭٔا ۖ وَبِٱلْوَٰلِدَيْنِ إِحْسَٰنًۭا وَبِذِى ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَٰمَىٰ وَٱلْمَسَٰكِينِ وَٱلْجَارِ ذِى ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْجَارِ ٱلْجُنُبِ وَٱلصَّاحِبِ بِٱلْجَنۢبِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَٰنُكُمْ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالًۭا فَخُورًا

Worship Allah and associate nothing with Him, and to parents do good, and to relatives, orphans, the needy, the near neighbor, the neighbor farther away, the companion at your side, the traveler, and those whom your right hands possess. Indeed, Allah does not like those who are self-deluding and boastful.

ثم قال الله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ...﴾ إلى آخره.

﴿اعْبُدُوا﴾ العبادة: التذلل والتطامن والخضوع والتواضع وما أشبه ذلك، وكلها تدور على الذل، ومنه قولهم: طريق معبَّد؛ يعني مُذلَّلًا للسالكين مهيَّئًا لهم، والمراد بعبادة الله سبحانه وتعالى: القيام بأمره، القيام بأمره هو عبادته.

﴿اعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ (لا) ناهية؛ والشرك أن يساوى غير الله بالله فيجعل ندًّا له، وقوله: ﴿شَيْئًا﴾ نكرة في سياق النهي فتعم: لا تشركوا بالله نبيًّا ولا رسولًا ولا ملكًا ولا غيره، أيّ شيء، ثم النهي عن الشرك يشمل أي نوع من أنواع الشرك، وسيأتي إن شاء الله في استنباط الفوائد ما فيه الكفاية.

﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ معنى ﴿لَا تُشْرِكُوا بِهِ﴾ لا تساووا غيره به فيما هو من حقوق.

﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ عطف حق الوالدين على حق الله عز وجل لأن حق الله أعظم الحقوق، وحق الرسول ﷺ أعظم من حق الوالدين لكنه داخل في حق الله؛ لأن العبادة لا تتم إلا بإخلاص ومتابعة، والمتابعة هي أداء حق الرسول عليه الصلاة والسلام. (الوالدين) تثنية والد، وهما: الأم والأب، ويدخل في ذلك الجد والجدة، ولكن حق الأقرب فالأقرب أولى من الأبعد.

وقوله: ﴿إِحْسَانًا﴾ مصدر أَحْسَنَ يُحْسِنُ، وهل الجار والمجرور متعلق به أو هو متعلق بفعل محذوف دل عليه المصدر؟ فعلى الأول يكون تقدير الكلام: وإحسانًا بالوالدين، ويكون المصدر هنا بمعنى الفعل، وعلى الثاني يكون التقدير: وأحسِنوا بالوالدين إحسانًا، وهذا أقرب أن يكون الجار والمجرور متعلقًا بمحذوف دل عليه المصدر الموجود؛ وذلك لأن عمل المصدر ضعيف فلا يسبقه معموله، فالمصدر لا يعمل فيما قبله، وعلى هذا فنقول: ﴿إِحْسَانًا﴾ مفعول مطلق عامله محذوف: أحسِنوا بالوالدين إحسانًا.

معاملة الوالدين لا تخلو من إحدى حالات ثلاث: إساءة، إحسان، لا إساءة ولا إحسان؛ والمأمور به هو الإحسان، وضده الإساءة، أو لا إساءة ولا إحسان، فلا بد من إحسان بالوالدين.

﴿وَبِذِي الْقُرْبَى﴾ (ذي) بمعنى صاحب، و﴿الْقُرْبَى﴾ بمعنى القرابة، والدليل على أن القربى بمعنى القرابة قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ [الشورى ٢٣]؛ أي: المودة في القرابة، هذا هو الصحيح؛ أي: بسبب القرابة، أي: لا أسألكم عليه أجرًا، ولكن ودُّوني بسبب قرابتي منكم لأنني ابنكم. فهنا ﴿بِذِي الْقُرْبَى﴾ أي: بصاحب القرابة، فنص على الوالدين أولًا وثنَّى بالقرابة؛ وذلك لأنه لا قرابة لك إلا بواسطة الوالدين؛ من الذي وصلك بعمك أو بخالك أو بأخيك أو بأختك إلا الوالدان، فلهذا جُعِلت منزلة القرابة بعد منزلة الوالدين.

﴿وَالْيَتَامَى﴾ جمع يتيم، وهو من مات أبوه قبل أن يبلغ، أي: من مات أبوه قبل أن يبلغ؛ أي الولد، وإنما أمر بالإحسان إلى اليتامى لانكسار قلوبهم بفقد مربيهم وهو الأب، فأما من ماتت أمه دون أبيه فليس بيتيم.

﴿وَالْمَسَاكِينِ﴾ جمع مسكين، وهو المعدِم من المال، ويدخل فيه هنا الفقير؛ لأن الفقير والمسكين كلمتان إن ذُكِرتا جميعًا اختلف المعنى فيهما جميعًا، وإن انفصلت إحداهما عن الأخرى صارت كل واحدة بمعنى الأخرى، وسُمِّي المعدِم مسكينًا لأن الفقر أسكنه وأذله -نسأل الله لنا ولكم العافية- الإنسان الفقير ذليل، ولهذا لا يطمع أن يصل إلى المرتبة التي وصل إليها الأغنياء إلا إذا كان فيه وصف يصعد به إلى درجة الأغنياء؛ فمثلًا: الإنسان الفقير يعرف نفسه أنه منحط الرتبة عن الأغنياء، لكن لو فُرِض أن هذا الإنسان الفقير شجاع مقدام صار هذا الوصف الذي فيه يرقيه إلى أن يكون في مرتبة الأغنياء أو أكثر، لو فرضنا أن هذا الفقير ذو علم صار في منزلة يرقيه إلى درجة الأغنياء أو أكثر، لكن مجرد كونه آدميًّا وهو فقير لا …

37

ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِۦ ۗ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَٰفِرِينَ عَذَابًۭا مُّهِينًۭا

Who are stingy and enjoin upon [other] people stinginess and conceal what Allah has given them of His bounty - and We have prepared for the disbelievers a humiliating punishment -

طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (٣٧) وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا (٣٨) وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا﴾ [النساء ٣٧- ٣٩].

* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. قال الله تبارك وتعالى في ختام آية الحقوق العشرة: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ قال في ختام هذه الآية: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا﴾ مختالًا في هيئته، فخورًا في لسانه بقوله، والمراد بالفخور: الذي يتحدث بما هو عليه من الصفات افتخارًا على الناس لا إخبارًا بنعمة الله عز وجل، فأما إذا كان إخبارًا بنعمة الله فإنه تحدُّثٌ بنعمة الله وهو مشروع، بيَّن من صفات هذا المختال الفخور قال:

﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ﴾ ﴿الَّذِينَ﴾ يجوز أن تكون بدلًا من ﴿مَنْ﴾ في قول الله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا﴾ باعتبار المعنى؛ لأن (مَن) مفردة اللفظ مجموعة المعنى؛ يعني صالحة للجمع والمفرد؛ ولفظها ﴿مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا﴾ مفرد، ويجوز أن يوصف بالجمع باعتبار المعنى؛ فـ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾ يجوز أن تكون صفة لـ﴿مَنْ﴾، ويجوز أن تكون خبر مبتدأ محذوف؛ التقدير: هم الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل.

وقوله: ﴿بِالْبُخْلِ﴾ فيها قراءتان: ﴿بِالْبُخْلِ﴾ و﴿بِالْبَخَلِ﴾ ، فقوله: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾ ما معنى البخل؟ البخل هو إمساك ما يجب بَذْله، إمساك ما يجب بذله بخل مِن مال أو علم أو جاه أو عمل، كل ما يجب بذله من هذه الأشياء فإنه بخل، ولهذا جاء في الحديث عن النبي ﷺ: «الْبَخِيلُ مَنْ إِذَا ذُكِرْتُ عِنْدَهُ لَمْ يُصَلِّ عَلَيَّ»أخرجه الترمذي (٣٥٤٦) عن الحسين بن علي.. اللهم صلِّ وسلم عليه، هذا بخل بأيش؟ بما يجب من عمل. وما يجب من جاهٍ كالشفاعة الواجبة إذا بَخِل بها الإنسان فإن هذا بُخْل، وما يجب من مال -وأعلاه الزكاة- هذا البخل فيما يجب من المال، والرابع: ما يجب من العِلم، هذا أيضًا بُخْل، وهو من أشد أنواع البخل؛ ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران ١٨٧]، وفي الحديث: «مَنْ سُئِلَ عَنْ عِلْمٍ يَعْلَمُهُ فَكَتَمَهُ أُلْجِمَ بِلِجَامٍ مِنْ نَارٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»أخرجه الترمذي (٢٦٤٩) وابن ماجه (٢٦٦) وأبو داود (٣٦٥٨) من حديث أبي هريرة.، فهذه أنواع البخل، فيه أيضًا البخل بالبدن، خامس، البخل بالبدن؛ إذا وجب عليك إعانة مسلم كإنقاذه من حريق أو غرق أو هدم أو غير ذلك فلم تفعل فإنك تكون من أهل البخل.

إذن تعريف البخل هو منع ما يجب بَذْله من مال أو علم أو عمل أو جاه أو بدن، وإن شئنا أدخلنا كلمة –الأخيرة- بدن بالعمل؛ لأن حقيقة الأمر أنه عمل.

﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ﴾ فيتعدى ضررهم إلى غيرهم، إذا جاءهم من يستشيرهم في أمر فيه بَذْل قالوا: لا، ما له داعٍ، ادخر مالك، ربما تحتاجه في المستقبل؛ بل إذا رأوا من يريد أن ينفق وإن لم يستشرهم ذهبوا يأمرونه بالبخل.

﴿وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ يكتمونه: يسترونه، و﴿مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ يشمل ما آتاهم من فضله من المال أو ما آتاهم الله من فضله من العلم أو غير ذلك، كل ما آتاهم الله من فضله يتسترون به، لماذا؟ لئلَّا يلومهم الناس إذا بخلوا؛ فإنهم إذا كتموا ما …

38

وَٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَٰلَهُمْ رِئَآءَ ٱلنَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَلَا بِٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ ۗ وَمَن يَكُنِ ٱلشَّيْطَٰنُ لَهُۥ قَرِينًۭا فَسَآءَ قَرِينًۭا

And [also] those who spend of their wealth to be seen by the people and believe not in Allah nor in the Last Day. And he to whom Satan is a companion - then evil is he as a companion.

ثم قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ﴾ هذا وصف قبيح أيضًا، وعطَفه على ما سبق مع أن الموصوف واحد من أجل إثبات ما سبق، العطف يعني عطف الصفات بعضها على بعض يفيد إثبات ما سبق، وأن هذا أمر زائد عليه، وأنتم تعلمون أن الصفات المتكررة لموصوف واحد يجوز فيها وجهان في اللغة: إسقاط حرف العطف، وإثبات حرف العطف، فمن إثبات حرف العطف قوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (٣) وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى﴾ [الأعلى ١ - ٤] هذه الآية جمعت بين الأمرين: بين حذف حرف العطف، وبين إثباته، الصفة الأولى فيها إسقاط حرف العطف ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى﴾ والصفة الثانية والثالثة فيها إثبات حرف العطف مع أن الموصوف واحد، ولكن التغاير هنا بين المعطوف والمعطوف عليه تغاير صفة لا تغاير ذات، ولكن حرف العطف يفيد إثبات ما سبق، هنا يقول: ﴿وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ﴾ ينفقونها: يبذلونها. و﴿رِئَاءَ النَّاسِ﴾ مفعول من أجله؛ أي: من أجل أن يراهم الناس فيمدحوهم على البذل، وليس ذلك من أجل التقرب إلى الله؛ لقوله: ﴿وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ فلا يؤمنون بالله فيتقربون إليه ولا باليوم الآخر فيرجو ثوابه، بل هم منكرون -والعياذ بالله- لله ولليوم الآخر، وهذا من كان كفره تامًّا، أما من كان كفره ظاهرًا فإنه قد ينفق رئاء الناس، ولكن لا يصل ذلك إلى حد نفي الإيمان بالله واليوم الآخر.

﴿وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ والإيمان بالله يتضمن أربعة أشياء: الإيمان بوجوده، والإيمان بربوبيته، والإيمان بألوهيته، والإيمان بأسمائه وصفاته، وأنه منفرد بذلك؛ الإيمان باليوم الآخر وهو يوم القيامة، وسُمّي يومًا آخر؛ لأنه لا يوم بعده، فكل ما سبقه فإن بعده شيئًا: الدار الأولى البطن، بعده الخروج إلى الدنيا، وبعد الخروج إلى الدنيا البرزخ، ثم اليوم الآخر النهاية، ولهذا نقول: إن الذي يقول عن الميت: إنه حُمل إلى مثواه الأخير نقول: هذه كلمة خطيرة جدًّا مضمونها إنكار البعث؛ لأنه إذا كان القبر مثواه الأخير معناه ما فيه بعده بعث، وهذه الكلمة يكثر ذكرها في الجرائد والمجلات، وعلى ألسنة بعض من يدّعون أنهم مثقفون، لكنها في الواقع غير صحيحة إلا لإنسان لا يؤمن بالبعث.

﴿وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا﴾ إشكال نحوي؛ وهو جرّ الفعل المضارع ﴿وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ﴾، والمعروف أن الجر إنما يكون في الأسماء؟

* طالب: لالتقاء الساكنين.

* الشيخ: هل هذا مجرور أو غير مجرور؟

* الطالب: غير مجرور لكنه..

* الشيخ: غير مجرور، لكنه محرّك بالكسر لالتقاء الساكنين، ولولا الساكن الذي بعده وهو الهمزة؛ همزة الوصل، لولا ذلك لكان مجزومًا. يقول: ﴿وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ﴾.

وإشكال آخر: لماذا لم يقل: ومن يكون الشيطان؟ لأن (من) شرطية و(من) الشرطية تجزم فعلين؛ الأول: فعل الشرط، والثاني: جوابه وجزاؤه، قال الله تعالى: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء ١٢٣].

يقول: ﴿وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا﴾ أي شيطان هو؟ هل واحد معلوم أو المراد به الجنس؟ المراد به الجنس؛ لأن كل واحد من الناس له قرين.

وقوله: ﴿وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا﴾ المراد بالشيطان الذي هو القرين السوء، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ [الزخرف ٣٦] والعياذ بالله يقارنه دائمًا إذا عشى عن ذكر الرحمن، وأعرض عن ذكر الله جاءه الشيطان، فصار يأمره بالمنكر وينهاه عن المعروف.

وقوله: ﴿فَسَاءَ قَرِينًا﴾ الجملة جملة إنشاء للذم، …

39

وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ ءَامَنُوا۟ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ وَأَنفَقُوا۟ مِمَّا رَزَقَهُمُ ٱللَّهُ ۚ وَكَانَ ٱللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا

And what [harm would come] upon them if they believed in Allah and the Last Day and spent out of what Allah provided for them? And Allah is ever, about them, Knowing.

طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا (٣٩) إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا (٤٠) فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا (٤١) يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ [النساء ٣٩ - ٤٢].

* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى موبخًا أولئك القوم الذين يختالون ويفخرون ويبخلون ويأمرون الناس بالبخل أو الذين ينفقون أموالهم رئاء الناس ولا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر، قال موبخًا: ﴿وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ (ماذا) استفهام، لكن هل ماذا كلها استفهام أو (ما) اسم استفهام، و(ذا) بمعنى الذي؟

في هذا قولان لعلماء النحو مع اتفاق الجميع على أن الجملة استفهامية. ﴿وَمَاذَا عَلَيْهِمْ﴾ والمراد بالاستفهام هنا التوبيخ، أيّ شيء عليكم إذا آمنتم؟ الجواب: لا شيء، لا شيء علينا، وكما قال مؤمن آل فرعون: ﴿إِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾ [غافر ٢٨] فلو آمنوا وجربوا، فماذا يكون عليهم؟

وقوله: ﴿وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ ﴿لَوْ﴾ هنا شرطية، وجوابها محذوف دل عليه ما قبله، وقيل: إنها في مثل هذا التركيب لا تحتاج إلى جواب أي ما كان جوابه مذكورًا في غير محله؛ يعني مقدمًا فإنه لا يحتاج إلى جواب، وهذا الذي نرى أنه أصح؛ لأنه ما دام قد تقدم ما يدل عليه أصبح ذكره مستغنى عنه، وحينئذٍ لا حاجة إلى تقديره؛ لأن الأصل عدم التقدير.

وقوله: ﴿آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ سبق الكلام على مثلها فلا حاجة للإعادة.

﴿وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ﴾ لكن أنفقوا مما رزقهم الله إخلاصًا لله لا رئاء الناس، والإنفاق بمعنى (البذل)، والرزق بمعنى (العطاء)، لو بذلوا مما أعطاهم الله على حسب ما يرضي الله عز وجل، وأعظم ما يُنفق هو الزكاة، وما دون ذلك فهو دونها.

﴿وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا﴾ ﴿كَانَ اللَّهُ بِهِمْ﴾ أي: بما هم عليه من كفر وبما هم عليه لو آمنوا بالله، ففي الجملة هنا ترغيب وترهيب؛ يعني لو آمنوا بالله وصدقوا الله لعلم الله بإيمانهم وأثابهم، ولو بقوا على كفرهم لكان الله بهم عليمًا.

* في هذه الآية الكريمة: توبيخ من لم يؤمن بالله واليوم الآخر؛ لقوله: ﴿وَمَاذَا عَلَيْهِمْ﴾.

* ومن فوائدها أيضًا: أن الإنسان يجب أن يوازن في الأمور بين النافع والضار فينظر ماذا يترتب على إيمانه أو على كفره حتى يختار خير الطريقين.

* ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب الإيمان بالله واليوم الآخر لتوبيخ من لم يؤمن بالله واليوم الآخر، والتوبيخ لا يكون إلا على شيء محرّم.

* ومن فوائدها: فضيلة الإنفاق؛ لقوله: ﴿وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ﴾.

* ومن فوائدها: أن المنفق لا ينفق من كيسه، لكنه منفق مما رزقه الله؛ فالفضل كل الفضل لمن؟ لله عز وجل.

* ومن فوائد هذه الآية: أنها قد تشعر بأن من أنفق أخلف الله عليه؛ لقوله: ﴿أَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ﴾ فالله تعالى سيعطيهم بقدر ما أنفقوا بل أكثر، ويشهد لهذا قوله تبارك وتعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ [سبأ ٣٩] ما معنى يخلفه؟ أي: يعطيكم خلفه، وفي الحديث: «أَنْفِقْ يُنْفَقْ عَلَيْكَ»أخرجه ابن حبان في صحيحه (٦٥٣) من حديث عياض بن حمار..

* ومن فوائدها: بيان مِنّة الله سبحانه تعالى على عباده بما أعطاهم، وأن العطاء عطاؤه.

* …

40

إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍۢ ۖ وَإِن تَكُ حَسَنَةًۭ يُضَٰعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًۭا

Indeed, Allah does not do injustice, [even] as much as an atom's weight; while if there is a good deed, He multiplies it and gives from Himself a great reward.

ثم قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ﴾ أصل الظلم يا إخواني أصل الظلم النقص، هذا أصله؛ لقوله تعالى: ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ [الكهف ٣٣] أي: لم تنقص منه شيئًا، فهذا أصل الظلم، فالله لا ينقص الناس شيئًا ولا ينقص الناس حقهم ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا﴾ [طه ١١٢] ظلمًا بعقوبته على شيء لم يفعله ﴿وَلَا هَضْمًا﴾. أي: نقصًا من ثواب حسناته.

وقوله: ﴿مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ أي: زنة ذرة، والذرة يضرب بها المثل في التحقير، وإلا فإن الله تعالى لا يظلم مثقال ذرة ولا دونه، وما جيء به على سبيل التحقير أو التكثير فإنه لا مفهوم له، كما قيل به في قوله تعالى: ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة ٨٠] قيل: إن المراد بذلك التكثير، وأن الرسول لو استغفر سبع مئة ألف ما غفر له، وحينئذٍ لا يكون له مفهوم، كذلك مثقال ذرة المقصود بها أيش؟ المبالغة في التحقير، وما كان المقصود به المبالغة في التحقير فإنه لا مفهوم له، وعلى هذا لو سألنا سائل هل يظلم الله دون مثقال ذرة؟

قلنا: لا. ﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً﴾ فيها قراءتان: ﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةٌ﴾ ﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً﴾ ويختلف الإعراب على الوجهين؛ ﴿إِنْ تَكُ حَسَنَةٌ﴾ تكون (كان) على هذه القراءة تامة أي: لا تحتاج إلى خبر، والمقصود بـ(كان) التامة مجرد الدلالة على الحدوث لا على صيرورة شيء إلى شيء آخر، وأما (كان) الناقصة فإنها تدل على صيرورة شيء إلى شيء آخر، كان الرجل قائمًا؛ يعني بعد أن لم يكن قائمًا، يقول هنا: ﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةٌ﴾ بالرفع على أن (تك) تامة، وبالنصب على أنها ناقصة، لكن أين اسمها إذا كانت ناقصة؟ مستتر تقديره: هي، ﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً﴾ أي: وإن تك الفعلة التي يفعلها الإنسان حسنة يضاعفها.

وفي ﴿يُضَاعِفْهَا﴾ أيضًا قراءتان: ﴿يُضَعِّفْهَا﴾ و﴿يُضَاعِفْهَا﴾ وهي على القراءتين ساكنة الفاء؛ لأنها جواب الشرط المذكور في قوله: ﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً﴾. ومعنى ﴿يُضَعِّفْهَا﴾ أو﴿يُضَاعِفْهَا﴾ أي: يجزي أكثر من الحسنة، وقد دلّت النصوص على أن الحسنة تكون بعشرة أمثالها إلى سبع مئة ضعف إلى أضعاف كثيرة، وأن السيئة بمثلها ﴿وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ هذا معنى قوله في الحديث: «إِلَى أَضْعَافٍ كَثِيرَةٍ»متفق عليه؛ البخاري (٦٤٩١)، ومسلم (١٣١ / ٢٠٧) من حديث ابن عباس..

﴿يُؤْتِ﴾ معطوفة على يضاعف، ولهذا جاءت مجزومة بحذف الياء.

﴿مِنْ لَدُنْهُ﴾ من عنده. ﴿أَجْرًا﴾ ثوابًا. ﴿عَظِيمًا﴾ ذا عظمة كثيرة لا يتصورها الإنسان.

﴿مِنْ لَدُنْهُ﴾ قلنا: من عنده، والفائدة من ذكر ﴿مِنْ لَدُنْهُ﴾ الإشارة إلى أن هذا الأجر عظيم جدًّا، وذلك لأن العطاء يعظم بعظم المعطِي، ونظير هذا ما علمه الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أبا بكر قال: «قُلِ اللَّهُمَّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا». » إلى قوله: «فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ وَارْحَمْنِي»متفق عليه؛ البخاري (٨٣٤)، ومسلم (٢٧٠٥ / ٤٨) من حديث أبي بكر الصديق..

* * *

* طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا (٤١) يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا (٤٢) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ …

Commentary: Tafsir Ibn 'Uthaymin by Muhammad ibn Salih al-'Uthaymin. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.