Muslim99Muslim99
← Tafsir library

4. An-Nisaa

The Women · Medinan · 176 ayahs

سُورَةُ النِّسَاءِ

Reading Al-Bahr al-Muhit by Abu Hayyan al-Gharnati

Ayahs 31–40 of 176

31

إِن تَجْتَنِبُوا۟ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّـَٔاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلًۭا كَرِيمًۭا

If you avoid the major sins which you are forbidden, We will remove from you your lesser sins and admit you to a noble entrance [into Paradise].

﴿إنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكم سَيِّئاتِكم ونُدْخِلْكم مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾ مُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ ظاهِرَةٌ، لِأنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ الوَعِيدَ عَلى فِعْلِ بَعْضِ الكَبائِرِ، ذَكَرَ الوَعْدَ عَلى اجْتِنابِ الكَبائِرِ. والظّاهِرُ أنَّ الذُّنُوبَ تَنْقَسِمُ إلى كَبائِرَ وسَيِّئاتٍ، وهي الَّتِي عَبَّرَ عَنْها أكْثَرُ العُلَماءِ بِالصَّغائِرِ. وقَدِ اخْتَلَفُوا في ذَلِكَ، فَذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى انْقِسامِ الذُّنُوبِ إلى كَبائِرَ وصَغائِرَ، فَمِنَ الصَّغائِرِ النَّظْرَةُ واللَّمْسَةُ والقُبْلَةُ ونَحْوُ ذَلِكَ مِمّا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ التَّحْرِيمِ، وتُكَفَّرُ الصَّغائِرُ بِاجْتِنابِ الكَبائِرِ. وذَهَبَ جَماعَةٌ مِنَ الأُصُولِيِّينَ، مِنهُمُ الأُسْتاذُ أبُو إسْحاقَ الإسْفَرايِينِيُّ، وأبُو المَعالِي، وأبُو نَصْرٍ عَبْدُ الرَّحِيمِ القُشَيْرِيُّ: إلى أنَّ الذُّنُوبَ كُلَّها كَبائِرُ، وإنَّما يُقالُ لِبَعْضِها صَغِيرَةٌ بِالإضافَةِ إلى ما هو أكْبَرُ مِنها، كَما يُقالُ: الزِّنا صَغِيرَةٌ بِالنِّسْبَةِ إلى الكُفْرِ، والقُبْلَةُ المُحَرَّمَةُ صَغِيرَةٌ بِالنِّسْبَةِ إلى الزِّنا، ولا ذَنْبَ يُغْفَرُ بِاجْتِنابِ ذَنْبٍ آخَرَ، بَلْ كُلُّ ذَنْبٍ كَبِيرَةٌ وصاحِبُهُ ومُرْتَكِبُهُ في المَشِيئَةِ غَيْرَ الكُفْرِ. وحَمَلُوا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ عَلى أنْواعِ الشِّرْكِ والكُفْرِ، قالُوا: ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ (كَبِيرٌ) عَلى التَّوْحِيدِ، وقَوْلُهُ ﷺ: «(مَنِ اقْتَطَعَ حَقَّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ بِيَمِينِهِ فَقَدْ أوْجَبَ اللَّهُ لَهُ النّارَ وحَرَّمَ عَلَيْهِ الجَنَّةَ) فَقالَ لَهُ رَجُلٌ: يا رَسُولَ اللَّهِ وإنْ كانَ يَسِيرًا ؟ قالَ: (وإنْ كانَ قَضِيبًا مِن أراكٍ)» فَقَدْ جاءَ الوَعِيدُ عَلى اليَسِيرِ، كَما جاءَ عَلى الكَثِيرِ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مِثْلُ قَوْلِ هَؤُلاءِ قالَ: كُلُّ ما نَهى اللَّهُ عَنْهُ فَهو كَبِيرَةٌ.

والَّذِينَ ذَهَبُوا إلى انْقِسامِ الذُّنُوبِ إلى كَبائِرَ وصَغائِرَ، وأنَّ الصَّغائِرَ تُكَفَّرُ بِاجْتِنابِ الكَبائِرِ عَلى ما اقْتَضاهُ ظاهِرُ الآيَةِ وعَضَّدَهُ الحَدِيثُ الثّابِتُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِن قَوْلِهِ: (ما مِنِ امْرِئٍ مُسْلِمٍ تَحْضُرُهُ صَلاةٌ مَكْتُوبَةٌ فَيُحْسِنُ وضَوْءَها وخُشُوعَها ورُكُوعَها إلّا كانَتْ كَفّارَةً لِما قَبْلَها مِنَ الذُّنُوبِ ما لَمْ يَأْتِ كَبِيرَةً وذَلِكَ الدَّهْرَ كُلَّهُ) وفي صَحِيحِ مُسْلِمٍ: (الصَّلَواتُ الخَمْسُ والجُمُعَةُ إلى الجُمُعَةِ ورَمَضانُ إلى رَمَضانَ مُكَفِّراتٌ لِما بَيْنَهُنَّ إذا اجْتُنِبَتِ الكَبائِرُ) .

واخْتَلَفُوا في الكَبائِرِ فَقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: هي ثَلاثٌ، القُنُوطُ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ، واليَأْسُ مِن رُوحِ اللَّهِ، والأمْنُ مِن مَكْرِ اللَّهِ. ورُوِيَ عَنْهُ أيْضًا أنَّها أرْبَعٌ: فَزادَ الإشْراكَ بِاللَّهِ. وقالَ عَلِيٌّ: هي سَبْعٌ: الإشْراكُ بِاللَّهِ، وقَتْلُ النَّفْسِ، وقَذْفُ المُحْصَنَةِ، وأكْلُ مالِ اليَتِيمِ، وأكْلُ الرِّبا، والفِرارُ يَوْمَ الزَّحْفِ، والتَّعَرُّبِ بَعْدَ الهِجْرَةِ. وقالَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: الكَبائِرُ سَبْعٌ كَقَوْلِ عَلِيٍّ، في كُلِّ واحِدَةٍ مِنها آيَةٌ في كِتابِ اللَّهِ، وجَعَلَ الآيَةَ في التَّعَرُّبِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلى أدْبارِهِمْ مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الهُدى﴾ [محمد: ٢٥] الآيَةَ وفي البُخارِيِّ: (اتَّقُوا السَّبْعَ المُوبِقاتِ) فَذَكَرَ هَذِهِ إلّا التَّعَرُّبَ، فَجاءَ بَدَلَهُ السِّحْرُ. وقَدْ ذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّ هَذِهِ الكَبائِرَ هي هَذِهِ السَّبْعُ الَّتِي ثَبَتَتْ في البُخارِيِّ. وقالَ ابْنُ عُمَرَ: فَذَكَرَ …

32

وَلَا تَتَمَنَّوْا۟ مَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بِهِۦ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍۢ ۚ لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌۭ مِّمَّا ٱكْتَسَبُوا۟ ۖ وَلِلنِّسَآءِ نَصِيبٌۭ مِّمَّا ٱكْتَسَبْنَ ۚ وَسْـَٔلُوا۟ ٱللَّهَ مِن فَضْلِهِۦٓ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمًۭا

And do not wish for that by which Allah has made some of you exceed others. For men is a share of what they have earned, and for women is a share of what they have earned. And ask Allah of his bounty. Indeed Allah is ever, of all things, Knowing.

﴿ولا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكم عَلى بَعْضٍ﴾ قالَ قَتادَةُ والسُّدِّيُّ: لَمّا نَزَلَ ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١] قالَ الرِّجالَ: إنّا لَنَرْجُوَ أنْ نُفَضَّلَ عَلى النِّساءِ في الحَسَناتِ كالمِيراثِ.

وقالَ النِّساءُ: إنّا لِنَرْجُوَ أنْ يَكُونَ الوِزْرُ عَلَيْنا نِصْفَ ما عَلى الرِّجالِ كالمِيراثِ. وقالَ عِكْرِمَةُ: قالَ النِّساءَ: ودِدْنا أنَّ اللَّهَ جَعَلَ لَنا الغَزْوَ فَنُصِيبُ مِنَ الأجْرِ مِثْلَ ما يُصِيبُ الرِّجالُ. وزادَ مُجاهِدٌ: أنَّ ذَلِكَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ. وأنَّها قالَتْ: وإنَّما لَنا نِصْفُ المِيراثِ، فَنَزَلَتْ. ورُوِيَ عَنْها أنَّها قالَتْ: لَيْتَنا كُنّا رِجالًا، فَنَزَلَتْ.

ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها: أنَّهُ تَعالى لَمّا نَهى عَنْ أكْلِ المالِ بِالباطِلِ، وعَنْ قَتْلِ الأنْفُسِ، وكانَ ما نَهى عَنْهُ مَدْعاةً إلى التَّبَسُّطِ في الدُّنْيا والعُلُوِّ فِيها وتَحْصِيلِ حُطامِها، نَهاهم عَنْ تَمَنِّي ما فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ، إذِ التَّمَنِّي لِذَلِكَ سَبَبٌ مُؤَثِّرٌ في تَحْصِيلِ الدُّنْيا وشَوْقِ النَّفْسِ إلَيْها بِكُلِّ طَرِيقٍ، فَلَمْ يَكْتَفِ بِالنَّهْيِ عَنْ تَحْصِيلِ المالِ بِالباطِلِ وقَتْلِ الأنْفُسِ، حَتّى نَهى عَنِ السَّبَبِ المُحَرِّضِ عَلى ذَلِكَ، وكانَتِ المُبادَرَةُ إلى النَّهْيِ عَنِ المُسَبِّبِ آكَدُ لِفَظاعَتِهِ ومَشَقَّتِهِ، فَبُدِئَ بِهِ، ثُمَّ أتْبَعَ بِالنَّهْيِ عَنِ السَّبَبِ حَسْمًا لِمادَّةِ المُسَبِّبِ، ولِيُوافِقَ العَمَلُ القَلْبِيُّ العَمَلَ الخارِجِيَّ فَيَسْتَوِي الباطِنُ والظّاهِرُ في الِامْتِناعِ عَنِ الأفْعالِ القَبِيحَةِ. وظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى النَّهْيِ أنْ يَتَمَنّى الإنْسانُ لِنَفْسِهِ ما فُضِّلَ بِهِ عَلَيْهِ غَيْرُهُ، بَلْ عَلَيْهِ أنْ يَرْضى بِما قَسَمَ اللَّهُ لَهُ.

وتَمَنِّي ذَلِكَ هو أنْ يَكُونَ لَهُ مِثْلُ ما لِذَلِكَ المُفَضَّلِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وعَطاءٌ: هو أنْ يَتَمَنّى مالَ غَيْرِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: نُهُوا عَنِ الحَسَدِ، وعَنْ تَمَنِّي ما فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَ النّاسِ عَلى بَعْضٍ مِنَ الجاهِ والمالِ، لِأنَّ ذَلِكَ التَّفْضِيلَ قِسْمَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى صادِرَةٌ عَنْ حِكْمَةٍ وتَدْبِيرٍ وعِلْمٍ بِأحْوالِ العِبادِ، وبِما يَصْلُحُ لِلْمَقْسُومِ لَهُ مِن بَسْطٍ في الرِّزْقِ أوْ قَبْضٍ انْتَهى. وهو كَلامٌ حَسَنٌ. وظاهِرُ النَّهْيِ إنَّما يَتَناوَلُ ما فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ. أمّا تَمَنِّي أشْياءَ مِن أحْوالٍ صالِحَةٍ لَهُ في الدُّنْيا وأعْمالٍ يَرْجُو بِها الثَّوابَ في الآخِرَةِ فَهو حَسَنٌ لَمْ يَدْخُلْ في الآيَةِ. وقَدْ جاءَ في الحَدِيثِ (ودِدْتُ أنْ أُقْتَلَ في سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ أُحْيى ثُمَّ أُقْتَلُ) في آخِرِ الآيَةِ: ﴿واسْألُوا اللَّهَ مِن فَضْلِهِ﴾ فَدَلَّ عَلى جَوازِ ذَلِكَ. وإذا كانَ مُطْلَقُ تَمَنِّي ما فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ مَنهِيًّا عَنْهُ، فَأنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِقَيْدِ زَوالِ نِعْمَةِ مَن فُضِّلَ عَلَيْهِ عَنْهُ - بِجِهَةِ الأحْرى. والأوْلى إذْ هو الحَسَدُ المَنهِيُّ عَنْهُ في الشَّرْعِ، والمُسْتَعاذُ بِاللَّهِ مِنهُ في نَصِّ القُرْآنِ. وقَدِ اخْتَلَفُوا إذا تَمَنّى حُصُولَ مِثْلِ نِعْمَةِ المُفَضَّلِ عَلَيْهِ لَهُ مِن غَيْرِ أنْ تَذْهَبَ عَنِ المُفَضَّلِ، فَظاهِرُ الآيَةِ المَنعُ، وبِهِ قالَ المُحَقِّقُونَ، لِأنَّ تِلْكَ النِّعْمَةَ رُبَّما كانَتْ مَفْسَدَةً في حَقِّهِ في الدِّينِ، ومَضَرَّةً عَلَيْهِ في الدُّنْيا، فَلا يَجُوزُ أنْ يَقُولَ: اللَّهُمَّ أعْطِنِي دارًا مِثْلَ دارِ فُلانٍ، ولا زَوْجًا مِثْلَ زَوْجِهِ، بَلْ …

33

وَلِكُلٍّۢ جَعَلْنَا مَوَٰلِىَ مِمَّا تَرَكَ ٱلْوَٰلِدَانِ وَٱلْأَقْرَبُونَ ۚ وَٱلَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَٰنُكُمْ فَـَٔاتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ شَهِيدًا

And for all, We have made heirs to what is left by parents and relatives. And to those whom your oaths have bound [to you] - give them their share. Indeed Allah is ever, over all things, a Witness.

﴿ولا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكم عَلى بَعْضٍ﴾ قالَ قَتادَةُ والسُّدِّيُّ: لَمّا نَزَلَ ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١] قالَ الرِّجالَ: إنّا لَنَرْجُوَ أنْ نُفَضَّلَ عَلى النِّساءِ في الحَسَناتِ كالمِيراثِ.

وقالَ النِّساءُ: إنّا لِنَرْجُوَ أنْ يَكُونَ الوِزْرُ عَلَيْنا نِصْفَ ما عَلى الرِّجالِ كالمِيراثِ. وقالَ عِكْرِمَةُ: قالَ النِّساءَ: ودِدْنا أنَّ اللَّهَ جَعَلَ لَنا الغَزْوَ فَنُصِيبُ مِنَ الأجْرِ مِثْلَ ما يُصِيبُ الرِّجالُ. وزادَ مُجاهِدٌ: أنَّ ذَلِكَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ. وأنَّها قالَتْ: وإنَّما لَنا نِصْفُ المِيراثِ، فَنَزَلَتْ. ورُوِيَ عَنْها أنَّها قالَتْ: لَيْتَنا كُنّا رِجالًا، فَنَزَلَتْ.

ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها: أنَّهُ تَعالى لَمّا نَهى عَنْ أكْلِ المالِ بِالباطِلِ، وعَنْ قَتْلِ الأنْفُسِ، وكانَ ما نَهى عَنْهُ مَدْعاةً إلى التَّبَسُّطِ في الدُّنْيا والعُلُوِّ فِيها وتَحْصِيلِ حُطامِها، نَهاهم عَنْ تَمَنِّي ما فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ، إذِ التَّمَنِّي لِذَلِكَ سَبَبٌ مُؤَثِّرٌ في تَحْصِيلِ الدُّنْيا وشَوْقِ النَّفْسِ إلَيْها بِكُلِّ طَرِيقٍ، فَلَمْ يَكْتَفِ بِالنَّهْيِ عَنْ تَحْصِيلِ المالِ بِالباطِلِ وقَتْلِ الأنْفُسِ، حَتّى نَهى عَنِ السَّبَبِ المُحَرِّضِ عَلى ذَلِكَ، وكانَتِ المُبادَرَةُ إلى النَّهْيِ عَنِ المُسَبِّبِ آكَدُ لِفَظاعَتِهِ ومَشَقَّتِهِ، فَبُدِئَ بِهِ، ثُمَّ أتْبَعَ بِالنَّهْيِ عَنِ السَّبَبِ حَسْمًا لِمادَّةِ المُسَبِّبِ، ولِيُوافِقَ العَمَلُ القَلْبِيُّ العَمَلَ الخارِجِيَّ فَيَسْتَوِي الباطِنُ والظّاهِرُ في الِامْتِناعِ عَنِ الأفْعالِ القَبِيحَةِ. وظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى النَّهْيِ أنْ يَتَمَنّى الإنْسانُ لِنَفْسِهِ ما فُضِّلَ بِهِ عَلَيْهِ غَيْرُهُ، بَلْ عَلَيْهِ أنْ يَرْضى بِما قَسَمَ اللَّهُ لَهُ.

وتَمَنِّي ذَلِكَ هو أنْ يَكُونَ لَهُ مِثْلُ ما لِذَلِكَ المُفَضَّلِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وعَطاءٌ: هو أنْ يَتَمَنّى مالَ غَيْرِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: نُهُوا عَنِ الحَسَدِ، وعَنْ تَمَنِّي ما فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَ النّاسِ عَلى بَعْضٍ مِنَ الجاهِ والمالِ، لِأنَّ ذَلِكَ التَّفْضِيلَ قِسْمَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى صادِرَةٌ عَنْ حِكْمَةٍ وتَدْبِيرٍ وعِلْمٍ بِأحْوالِ العِبادِ، وبِما يَصْلُحُ لِلْمَقْسُومِ لَهُ مِن بَسْطٍ في الرِّزْقِ أوْ قَبْضٍ انْتَهى. وهو كَلامٌ حَسَنٌ. وظاهِرُ النَّهْيِ إنَّما يَتَناوَلُ ما فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ. أمّا تَمَنِّي أشْياءَ مِن أحْوالٍ صالِحَةٍ لَهُ في الدُّنْيا وأعْمالٍ يَرْجُو بِها الثَّوابَ في الآخِرَةِ فَهو حَسَنٌ لَمْ يَدْخُلْ في الآيَةِ. وقَدْ جاءَ في الحَدِيثِ (ودِدْتُ أنْ أُقْتَلَ في سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ أُحْيى ثُمَّ أُقْتَلُ) في آخِرِ الآيَةِ: ﴿واسْألُوا اللَّهَ مِن فَضْلِهِ﴾ فَدَلَّ عَلى جَوازِ ذَلِكَ. وإذا كانَ مُطْلَقُ تَمَنِّي ما فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ مَنهِيًّا عَنْهُ، فَأنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِقَيْدِ زَوالِ نِعْمَةِ مَن فُضِّلَ عَلَيْهِ عَنْهُ - بِجِهَةِ الأحْرى. والأوْلى إذْ هو الحَسَدُ المَنهِيُّ عَنْهُ في الشَّرْعِ، والمُسْتَعاذُ بِاللَّهِ مِنهُ في نَصِّ القُرْآنِ. وقَدِ اخْتَلَفُوا إذا تَمَنّى حُصُولَ مِثْلِ نِعْمَةِ المُفَضَّلِ عَلَيْهِ لَهُ مِن غَيْرِ أنْ تَذْهَبَ عَنِ المُفَضَّلِ، فَظاهِرُ الآيَةِ المَنعُ، وبِهِ قالَ المُحَقِّقُونَ، لِأنَّ تِلْكَ النِّعْمَةَ رُبَّما كانَتْ مَفْسَدَةً في حَقِّهِ في الدِّينِ، ومَضَرَّةً عَلَيْهِ في الدُّنْيا، فَلا يَجُوزُ أنْ يَقُولَ: اللَّهُمَّ أعْطِنِي دارًا مِثْلَ دارِ فُلانٍ، ولا زَوْجًا مِثْلَ زَوْجِهِ، بَلْ …

34

ٱلرِّجَالُ قَوَّٰمُونَ عَلَى ٱلنِّسَآءِ بِمَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍۢ وَبِمَآ أَنفَقُوا۟ مِنْ أَمْوَٰلِهِمْ ۚ فَٱلصَّٰلِحَٰتُ قَٰنِتَٰتٌ حَٰفِظَٰتٌۭ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ ٱللَّهُ ۚ وَٱلَّٰتِى تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَٱهْجُرُوهُنَّ فِى ٱلْمَضَاجِعِ وَٱضْرِبُوهُنَّ ۖ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا۟ عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا ۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيًّۭا كَبِيرًۭا

Men are in charge of women by [right of] what Allah has given one over the other and what they spend [for maintenance] from their wealth. So righteous women are devoutly obedient, guarding in [the husband's] absence what Allah would have them guard. But those [wives] from whom you fear arrogance - [first] advise them; [then if they persist], forsake them in bed; and [finally], strike them. But if they obey you [once more], seek no means against them. Indeed, Allah is ever Exalted and Grand.

﴿الرِّجالُ قَوّامُونَ عَلى النِّساءِ بِما فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ وبِما أنْفَقُوا مِن أمْوالِهِمْ﴾ قِيلَ: سَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ امْرَأةً لَطَمَها زَوْجُها فاسْتَعْدَتْ، فَقُضِيَ لَها بِالقِصاصِ، فَنَزَلَتْ. فَقالَ: (أرَدْتِ أمْرًا وأرادَ اللَّهُ غَيْرَهُ) قالَهُ: الحَسَنُ، والسُّدِّيُّ، وابْنُ جُرَيْجٍ، والسُّدِّيُّ وغَيْرُهم. فَذَكَرَ التِّبْرِيزِيُّ والزَّمَخْشَرِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ: أنَّها حَبِيبَةُ بِنْتُ زَيْدِ بْنِ أبِي زُهَيْرٍ زَوْجُ الرَّبِيعِ بْنِ عُمَرَ، وأحَدُ النُّقَباءِ مِنَ الأنْصارِ. وطَوَّلُوا القِصَّةَ، وفي آخِرِها: فَرُفِعَ القِصاصُ بَيْنَ الرَّجُلِ والمَرْأةِ، وقالَ أبُو الكَلْبِيُّ: هي حَبِيبَةُ بِنْتُ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَمَةَ زَوْجُ سَعِيدِ بْنِ الرَّبِيعِ. وقالَ أبُو رَوْقٍ: هي جَمِيلَةُ بِنْتُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي أوْفى زَوْجُ ثابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ شَمّاسٍ. وقِيلَ: نَزَلَ مَعَها: ﴿ولا تَعْجَلْ بِالقُرْآنِ مِن قَبْلِ أنْ يُقْضى إلَيْكَ وحْيُهُ﴾ [طه: ١١٤] وفي سَبَبٍ مِن عَيْنِ المَرْأةِ أنَّ زَوْجَها لَطَمَها بِسَبَبِ نُشُوزِها. وقِيلَ: سَبَبُ النُّزُولِ قَوْلُ أُمِّ سَلَمَةَ المُتَقَدِّمُ: لَمّا تَمَنّى النِّساءُ دَرَجَةَ الرِّجالِ عَرَفْنَ وجْهَ الفَضِيلَةِ قِيلَ: المُرادُ بِالرِّجالِ هُنا مَن فِيهِمْ صَدامَةٌ وحَزْمٌ، لا مُطْلَقُ مَن لَهُ لِحْيَةٌ. فَكَمْ مِن ذِي لِحْيَةٍ لا يَكُونُ لَهُ نَفْعٌ ولا ضُرٌّ ولا حُرَمٌ، ولِذَلِكَ يُقالُ: رَجُلٌ بَيِّنُ الرُّجُولِيَّةِ والرُّجُولَةِ. ولِذَلِكَ ادَّعى بَعْضُ المُفَسِّرِينَ أنَّ في الكَلامِ حَذْفًا تَقْدِيرُهُ: الرِّجالُ قَوّامُونَ عَلى النِّساءِ إنْ كانُوا رِجالًا. وأنْشَدَ:

؎أكُلُّ امْرِئٍ تَحْسَبِينَ امْرَأً ونارٍ تُوقَدُ بِاللَّيْلِ نارًا

والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ هَذا إخْبارٌ عَنِ الجِنْسِ لَمْ يَتَعَرَّضْ فِيهِ إلى اعْتِبارِ أفْرادِهِ، كَأنَّهُ قِيلَ: هَذا الجِنْسُ قَوّامٌ عَلى هَذا الجِنْسِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: قَوّامُونَ مُسَلَّطُونَ عَلى تَأْدِيبِ النِّساءِ في الحَقِّ. ويَشْهَدُ لِهَذا القَوْلِ (طاعَتُهُنَّ لَهم في طاعَةِ اللَّهِ) . وقَوّامُ: صِفَةُ مُبالَغَةٍ، ويُقالُ: قَيّامٌ وقَيِّمٌ، وهو الَّذِي يَقُومُ بِالأمْرِ ويَحْفَظُهُ. وفي الحَدِيثِ: (أنْتَ قَيّامُ السَّماواتِ والأرْضِ ومِن فِيهِنَّ) والباءُ في (بِما) لِلسَّبَبِ، و(ما) مَصْدَرِيَّةٌ، أيْ: بِتَفْضِيلِ اللَّهِ. ومَن جَعَلَها بِمَعْنى الَّذِي فَقَدَ أبْعَدَ، إذْ لا ضَمِيرَ في الجُمْلَةِ، وتَقْدِيرُهُ مَحْذُوفًا مُسَوِّغٌ لِحَذْفِهِ، فَلا يَجُوزُ.

والضَّمِيرُ في بَعْضِهِمْ عائِدٌ عَلى الرِّجالِ والنِّساءِ. وذُكِرَ تَغْلِيبًا لِلْمُذَكَّرِ عَلى المُؤَنَّثِ، والمُرادُ بِالبَعْضِ الأوَّلِ الرِّجالُ، وبِالثّانِي النِّساءُ. والمَعْنى: أنَّهم قَوّامُونَ عَلَيْهِنَّ بِسَبَبِ تَفْضِيلِ اللَّهِ الرِّجالَ عَلى النِّساءِ، هَكَذا قَرَّرُوا هَذا المَعْنى. قالُوا: وعَدَلَ عَنِ الضَّمِيرَيْنِ فَلَمْ يَأْتِ بِما فَضَّلَ اللَّهُ عَلَيْهِنَّ لِما في ذِكْرِ بَعْضٍ مِنَ الإبْهامِ الَّذِي لا يَقْتَضِي عُمُومَ الضَّمِيرِ، فَرُبَّ أُنْثى فَضَلَتْ ذَكَرًا. وفي هَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ الوِلايَةَ تُسْتَحَقُّ بِالفَضْلِ لا بِالتَّغَلُّبِ والِاسْتِطالَةِ، وذَكَرُوا أشْياءَ مِمّا فُضِّلَ بِهِ الرِّجالُ عَلى النِّساءِ عَلى سَبِيلِ التَّمْثِيلِ. فَقالَ الرَّبِيعُ: الجُمُعَةُ والجَماعَةُ. وقالَ الحَسَنُ: النَّفَقَةُ عَلَيْهِنَّ. ويَنْبُو عَنْهُ قَوْلُهُ: ﴿وبِما أنْفَقُوا﴾ . وقِيلَ: التَّصَرُّفُ والتِّجاراتُ. وقِيلَ: الغَزْوُ، وكَمالُ الدِّينِ، والعَقْلِ. وقِيلَ: العَقْلُ، والرَّأْيُ، وحِلُّ الأرْبَعِ، …

35

وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَٱبْعَثُوا۟ حَكَمًۭا مِّنْ أَهْلِهِۦ وَحَكَمًۭا مِّنْ أَهْلِهَآ إِن يُرِيدَآ إِصْلَٰحًۭا يُوَفِّقِ ٱللَّهُ بَيْنَهُمَآ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًۭا

And if you fear dissension between the two, send an arbitrator from his people and an arbitrator from her people. If they both desire reconciliation, Allah will cause it between them. Indeed, Allah is ever Knowing and Acquainted [with all things].

﴿وإنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما فابْعَثُوا حَكَمًا مِن أهْلِهِ وحَكَمًا مِن أهْلِها﴾ الخِلافُ في الخَوْفِ هُنا مِثْلُهُ في: ﴿واللّاتِي تَخافُونَ﴾ [النساء: ٣٤] . ولَمّا كانَ حالُ المَرْأةِ مَعَ زَوْجِها إمّا الطَّواعِيَةَ، وإمّا النُّشُوزَ. وكانَ النُّشُوزُ إمّا تَعْقُبُهُ الطَّواعِيَةُ، وإمّا النُّشُوزُ المُسْتَمِرُّ، فَإنْ أعْقَبَتْهُ الطَّواعِيَةُ فَتَعُودُ كالطّائِعَةِ أوَّلًا. وإنِ اسْتَمَرَّ النُّشُوزُ واشْتَدَّ، بُعِثَ الحَكَمانِ.

والشِّقاقُ: المُشاقَّةُ. والأصْلُ شِقاقًا بَيْنَهُما، فاتَّسَعَ وأُضِيفُ. والمَعْنى عَلى الظَّرْفِ كَما تَقُولُ: يُعْجِبُنِي سَيْرُ اللَّيْلَةِ المُقْمِرَةِ. أوْ يَكُونُ اسْتُعْمِلَ اسْمًا وزالَ مَعْنى الظَّرْفِ، أوْ أجْرى البَيْنَ هُنا مَجْرى حالِهِما وعِشْرَتِهِما وصُحْبَتِهِما.

والخِطابُ في: ﴿وإنْ خِفْتُمْ﴾، وفي (فابْعَثُوا) - لِلْحُكّامِ، ومَن يَتَوَلّى الفَصْلَ بَيْنَ النّاسِ. وقِيلَ: لِلْأوْلِياءِ لِأنَّهُمُ الَّذِينَ يَلُونَ أمْرَ النّاسِ في العُقُودِ والفُسُوخِ، ولَهم نَصْبُ الحَكَمَيْنِ. وقِيلَ: خِطابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ. وأبْعَدَ مَن ذَهَبَ إلى أنَّهُ خِطابٌ لِلْأزْواجِ، إذْ لَوْ كانَ خِطابًا لِلْأزْواجِ لَقالَ: وإنْ خافا شِقاقَ بَيْنِهِما فَلْيَبْعَثا، أوْ لَقالَ: فَإنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِكم، لَكِنَّهُ انْتِقالٌ مِن خِطابِ الأزْواجِ إلى خِطابِ مَن لَهُ الحُكْمُ والفَصْلُ بَيْنَ النّاسِ، وإلى أنَّهُ خِطابٌ لِلْأزْواجِ ذَهَبَ الحَسَنُ والسُّدِّيُّ. والضَّمِيرُ في بَيْنِهِما عائِدٌ عَلى الزَّوْجَيْنِ، ولَمْ يُجَرِّدْ ذِكْرَهُما، لَكِنْ جَرى ما يَدُلُّ عَلَيْهِما مِن ذِكْرِ الرِّجالِ والنِّساءِ.

والحَكَمُ: هو مَن يَصْلُحُ لِلْحُكُومَةِ بَيْنَ النّاسِ والإصْلاحِ. ولَمْ تَتَعَرَّضِ الآيَةُ لِماذا يَحْكُمانِ فِيهِ، وإنَّما كانَ مِنَ الأهْلِ، لِأنَّهُ أعْرَفُ بِباطِنِ الحالِ، وتَسْكُنُ إلَيْهِ النَّفْسُ، ويُطْلِعُ كُلٌّ مِنهُما حَكَمَهُ عَلى ما في ضَمِيرِهِ مِن حُبٍّ وبُغْضٍ وإرادَةِ صُحْبَةٍ وفُرْقَةٍ. قالَ جَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ: لا بُدَّ أنْ يَكُونا عارِفَيْنِ بِأحْوالِ الزَّوْجَيْنِ، عَدْلَيْنِ، حَسَنَيِ السِّياسَةِ والنَّظَرِ في حُصُولِ المَصْلَحَةِ، عالِمَيْنِ بِحُكْمِ اللَّهِ في الواقِعَةِ الَّتِي حَكَما فِيها. فَإنْ لَمْ يَكُنْ مِن أهْلِهِما مَن يَصْلُحُ لِذَلِكَ أُرْسِلَ مِن غَيْرِهِما عَدْلَيْنِ عالِمَيْنِ، وذَلِكَ إذا أشْكَلَ أمْرُهُما ورَغِبا فِيمَن يَفْصِلُ بَيْنَهُما. وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: إنَّما هَذا الشَّرْطُ في الحَكَمَيْنِ اللَّذَيْنِ يَبْعَثُهُما الحاكِمُ. وأمّا الحَكَمانِ اللَّذانِ يَبْعَثُهُما الزَّوْجانِ فَلا يُشْتَرَطُ فِيهِما إلّا أنْ يَكُونا بالِغَيْنِ عاقِلَيْنِ مُسْلِمَيْنِ، مِن أهْلِ العَفافِ والسِّتْرِ، يَغْلِبُ عَلى الظَّنِّ نُصْحُهُما. واخْتَلَفُوا في المِقْدارِ الَّذِي يَنْظُرُ فِيهِ الحَكَمانِ، فَذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّهُما يَنْظُرانِ في كُلِّ شَيْءٍ، ويَحْمِلانِ عَلى الظّالِمِ، ويَمْضِيانِ ما رَأيا مِن بَقاءٍ أوْ فِراقٍ، وبِهِ قالَ: مالِكٌ، والأوْزاعِيُّ، وإسْحاقُ، وأبُو ثَوْرٍ. وهو مَرْوِيٌّ عَنْ: عَلِيٍّ، وعُثْمانَ، وابْنِ عَبّاسٍ، والشَّعْبِيِّ، والنَّخَعِيِّ، ومُجاهِدٍ، وأبِي سَلَمَةَ، وطاوُسٍ. قالَ مالِكٌ: إذا رَأيا التَّفْرِيقَ فَرَّقا، سَواءٌ أوافَقَ مَذْهَبَ قاضِي البَلَدِ أوْ خالَفَهُ، وكَّلاهُ أمْ لا، والفِراقُ في ذَلِكَ طَلاقٌ بائِنٌ، وقالَتْ طائِفَةٌ: لا يَنْظُرُ الحَكَمانِ إلّا فِيما وكَّلَهُما بِهِ الزَّوْجانِ وصَرَّحا بِتَقْدِيمِهِما عَلَيْهِ، فالحَكَمانِ وكِيلانِ: أحَدُهُما لِلزَّوْجِ، والآخَرُ لِلزَّوْجَةِ، ولا تَقَعُ الفُرْقَةُ إلّا بِرِضا …

36

۞ وَٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا۟ بِهِۦ شَيْـًۭٔا ۖ وَبِٱلْوَٰلِدَيْنِ إِحْسَٰنًۭا وَبِذِى ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَٰمَىٰ وَٱلْمَسَٰكِينِ وَٱلْجَارِ ذِى ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْجَارِ ٱلْجُنُبِ وَٱلصَّاحِبِ بِٱلْجَنۢبِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَٰنُكُمْ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالًۭا فَخُورًا

Worship Allah and associate nothing with Him, and to parents do good, and to relatives, orphans, the needy, the near neighbor, the neighbor farther away, the companion at your side, the traveler, and those whom your right hands possess. Indeed, Allah does not like those who are self-deluding and boastful.

﴿واعْبُدُوا اللَّهَ ولا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا وبِذِي القُرْبى واليَتامى والمَساكِينِ﴾ مُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها: أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ أنَّ الرِّجالَ قَوّامُونَ عَلى النِّساءِ بِتَفْضِيلِ اللَّهِ إيّاهم عَلَيْهِنَّ، وبِإنْفاقِ أمْوالِهِمْ، ودَلَّ بِمَفْهُومِ اللَّقَبِ أنَّهُ لا يَكُونُ قَوّامًا عَلى غَيْرِهِنَّ، أوْضَحَ أنَّهُ مَعَ كَوْنِهِ قَوّامًا عَلى النِّساءِ هو أيْضًا مَأْمُورٌ بِالإحْسانِ إلى الوالِدَيْنِ، وإلى مَن عَطَفَهُ عَلى الوالِدَيْنِ. فَجاءَتْ حَثًّا عَلى الإحْسانِ، واسْتِطْرادًا لِمَكارِمِ الأخْلاقِ. وأنَّ المُؤْمِنَ لا يَكْتَفِي مِنَ التَّكالِيفِ الإحْسانِيَّةِ بِما يَتَعَلَّقُ بِزَوْجَتِهِ فَقَطْ، بَلْ عَلَيْهِ غَيْرُها مِن بِرِّ الوالِدَيْنِ وغَيْرِهِمْ. وافْتَتَحَ التَّوَصُّلَ إلى ذَلِكَ بِالأمْرِ بِإفْرادِ اللَّهِ تَعالى بِالعِبادَةِ، إذْ هي مَبْدَأُ الخَيْرِ الَّذِي تَتَرَتَّبُ الأعْمالُ الصّالِحَةُ عَلَيْهِ. ونَظِيرُ: ﴿وإذْ أخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إسْرائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إلّا اللَّهَ وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا﴾ [البقرة: ٨٣] وتَقَدَّمَ شَرْحُ قَوْلِهِ: ﴿وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا وبِذِي القُرْبى واليَتامى والمَساكِينِ﴾ إلّا أنْ هُنا وبِذِي، وهُناكَ وذِي، وإعادَةُ الباءِ تَدُلُّ عَلى التَّوْكِيدِ والمُبالَغَةِ، فَبُولِغَ في هَذِهِ الآيَةِ لِأنَّها في حَقِّ هَذِهِ الأُمَّةِ، ولَمْ يُبالَغْ في حَقِّ تِلْكَ، لِأنَّها في حَقِّ بَنِي إسْرائِيلَ. والِاعْتِناءُ بِهَذِهِ الأُمَّةِ أكْثَرُ مِنَ الِاعْتِناءِ بِغَيْرِها، إذْ هي خَيْرُ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: وبِالوالِدَيْنِ إحْسانٌ بِالرَّفْعِ، وهو مُبْتَدَأٌ أوْ خَبَرٌ فِيهِ ما في المَنصُوبِ مِن مَعْنى الأمْرِ، وإنْ كانَ جُمْلَةً خَبَرِيَّةً نَحْوَ قَوْلِهِ:

؎فَصَبْرٌ جَمِيلٌ فَكِلانا مُبْتَلى

﴿والجارِ ذِي القُرْبى﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ومُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، والضَّحّاكُ، والسُّدِّيُّ، وابْنُ زَيْدٍ، ومُقاتِلٌ في آخَرِينَ: هو الجارُ القَرِيبُ النَّسَبِ، والجارُ الجُنُبُ هو الجارُ الأجْنَبِيُّ، الَّذِي لا قَرابَةَ بَيْنَكَ وبَيْنَهُ. وقالَ بَلْعاءُ بْنُ قَيْسٍ:

؎لا يَجْتَوِينا مُجاوِرٌ أبَدًا ∗∗∗ ذُو رَحِمٍ أوْ مُجاوِرٌ جُنُبُ

وقالَ نَوْفٌ الشّامِيُّ: هو الجارُ المُسْلِمُ.

* *

﴿والجارِ الجُنُبِ﴾ هو: الجارُ اليَهُودِيُّ، والنَّصْرانِيُّ. فَهي عِنْدَهُ قَرابَةُ الإسْلامِ، وأجْنَبِيَّةُ الكُفْرِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ، هو الجارُ القَرِيبُ المَسْكَنِ مِنكَ، والجُنُبُ هو البَعِيدُ المَسْكَنِ مِنكَ. كَأنَّهُ انْتُزِعَ مِنَ الحَدِيثِ الَّذِي فِيهِ: إنَّ لِي جارَيْنِ فَإلى أيِّهِما أُهْدِي ؟ قالَ: (إلى أقْرَبِهِما مِنكَ بابًا) . وقالَ مَيْمُونُ بْنُ مِهْرانَ: ﴿والجارِ ذِي القُرْبى﴾ أُرِيدَ بِهِ الجارُ القَرِيبُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا خَطَأٌ في اللِّسانِ، لِأنَّهُ جَمَعَ عَلى تَأْوِيلِهِ بَيْنَ الألِفِ واللّامِ والإضافَةِ، وكانَ وجْهُ الكَلامِ: وجارِ ذِي القُرْبى. انْتَهى. ويُمْكِنُ تَصْحِيحُ قَوْلِ مَيْمُونٍ عَلى أنْ لا يَكُونَ جَمْعًا بَيْنَ الألِفِ واللّامِ والإضافَةِ عَلى ما زَعَمَ ابْنُ عَطِيَّةَ بِأنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ذِي القُرْبى بَدَلًا مِن قَوْلِهِ: والجارِ، عَلى حَذْفِ مُضافٍ التَّقْدِيرُ: والجارِ جارِ ذِي القُرْبى، فَحَذَفَ (جارِ) لِدَلالَةِ الجارِ عَلَيْهِ، وقَدْ حَذَفُوا البَدَلَ في مِثْلِ هَذا. قالَ الشّاعِرُ:

؎رَحِمَ اللَّهُ أعْظُمًا دَفَنُوها بِسِجِسْتانَ طَلْحَةِ الطَّلَحاتِ

يُرِيدُ: أعْظُمَ طَلْحَةِ الطَّلَحاتِ. ومِن كَلامِ العَرَبِ: لَوْ يَعْلَمُونَ العِلْمَ الكَبِيرَةِ سَنَةً، …

37

ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِۦ ۗ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَٰفِرِينَ عَذَابًۭا مُّهِينًۭا

Who are stingy and enjoin upon [other] people stinginess and conceal what Allah has given them of His bounty - and We have prepared for the disbelievers a humiliating punishment -

﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ ويَأْمُرُونَ النّاسَ بِالبُخْلِ ويَكْتُمُونَ ما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وأعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذابًا مُهِينًا﴾ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في قَوْمٍ كُفّارٍ. رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، وابْنِ زَيْدٍ، وحَضْرَمِيٍّ: أنَّها نَزَلَتْ في أحْبارِ اليَهُودِ بَخِلُوا بِالإعْلامِ بِأمْرِ مُحَمَّدٍ، وكَتَمُوا ما عِنْدَهم مِنَ العِلْمِ في ذَلِكَ، وأمَرُوا بِالبُخْلِ عَلى جِهَتَيْنِ: أمَرُوا أتْباعَهم بِجُحُودِ أمْرِ مُحَمَّدٍ وقالُوا لِلْأنْصارِ: لِمَ تُنْفِقُونَ عَلى المُهاجِرِينَ فَتَفْتَقِرُونَ ؟ وقِيلَ: نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ. وقِيلَ: في مُشْرِكِي مَكَّةَ.

وعَلى اخْتِلافِ سَبَبِ النُّزُولِ اخْتَلَفَ أقْوالُ المُفَسِّرِينَ مِنَ المَعْنى بِالَّذِينِ يَبْخَلُونَ. وقِيلَ: هي عامَّةٌ في كُلِّ مَن يَبْخَلُ ويَأْمُرُ بِالبُخْلِ مِنَ اليَهُودِ وغَيْرِهِمْ. والبُخْلُ في كَلامِ العَرَبِ: مَنعُ السّائِلِ شَيْئًا مِمّا في يَدِ المَسْئُولِ مِنَ المالِ، وعِنْدَهُ فَضْلٌ. قالَ طاوُسٌ: البُخْلُ أنْ يَبْخَلَ الإنْسانُ بِما في يَدِهِ، والشُّحُّ أنْ يَشُحَّ عَلى ما في أيْدِي النّاسِ. والبُخْلُ في الشَّرِيعَةِ، هو مَنعُ الواجِبِ. وقالَ الرّاغِبُ: لَمْ يُرِدِ البُخْلَ بِالمالِ، بَلْ بِجَمِيعِ ما فِيهِ نَفْعٌ لِلْغَيْرِ. انْتَهى. ولَمّا أمَرَ تَعالى بِالإحْسانِ إلى الوالِدَيْنِ ومَن ذَكَرَ مَعَهُما مِنَ المُحْتاجِينَ عَلى سَبِيلِ ابْتِداعِ أمْرِ اللَّهِ، بَيَّنَ أنَّ مَن لا يَفْعَلُ ذَلِكَ قِسْمانِ. أحَدُهُما: البَخِيلُ الَّذِي لا يُقْدِمُ عَلى إنْفاقِ المالِ ألْبَتَّةَ حَتّى أفْرَطَ في ذَلِكَ وأمَرَ بِالبُخْلِ. والثّانِي: الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم رِئاءَ النّاسِ، لا لِغَرَضِ أمْرِ اللَّهِ وامْتِثالِهِ وطاعَتِهِ. وذَمَّ تَعالى القِسْمَيْنِ بِأنْ أعْقَبَ القِسْمَ الأوَّلَ: وأعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ، وأعْقَبَ الثّانِيَ بِقَوْلِهِ: ﴿ومَن يَكُنِ الشَّيْطانُ لَهُ قَرِينًا﴾ [النساء: ٣٨] .

والبُخْلُ أنْواعٌ: بُخْلٌ بِالمالِ، وبُخْلٌ بِالعِلْمِ وبُخْلٌ بِالطَّعامِ، وبُخْلٌ بِالسَّلامِ، وبُخْلٌ بِالكَلامِ، وبُخْلٌ عَلى الأقارِبِ دُونَ الأجانِبِ، وبُخْلٌ بِالجاهِ، وكُلُّها نَقائِضُ ورَذائِلُ مَذْمُومَةٌ عَقْلًا وشَرْعًا وقَدْ جاءَتْ أحادِيثُ في مَدْحِ السَّماحَةِ وذَمِّ البُخْلِ، مِنها: (خَصْلَتانِ لا يَجْتَمِعانِ في مُؤْمِنٍ البُخْلُ وسُوءُ الخُلُقِ)، وظاهِرُ قَوْلِهِ: بِالبُخْلِ أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ويَأْمُرُونَ، كَما تَقُولُ: أمَرْتُ زَيْدًا بِالصَّبْرِ، فالبُخْلُ مَأْمُورٌ بِهِ. وقِيلَ: مُتَعَلِّقُ الأمْرِ مَحْذُوفٌ، والباءُ في (بِالبُخْلِ) حالِيَّةٌ، والمَعْنى: ويَأْمُرُونَ النّاسَ بِشُكْرِهِمْ مَعَ التِباسِهِمْ بِالبُخْلِ، فَيَكُونُ نَحْوَ ما أشارَ إلَيْهِ الشّاعِرُ بِقَوْلِهِ:

؎أجْمَعْتَ أمْرَيْنِ ضاعَ الحَزْمُ بَيْنَهُما تِيهَ المُلُوكِ وأفْعالَ المَمالِيكِ

وقَرَأ الجُمْهُورُ: بِالبُخْلِ بِضَمِّ الباءِ وسُكُونِ الخاءِ. وعِيسى بْنُ عَمْرٍو والحَسَنُ: بِضَمِّهِما. وحَمْزَةُ الكِسائِيُّ: بِفَتْحِهِما، وابْنُ الزُّبَيْرِ والسُّدِّيُّ وجَماعَةٌ بِفَتْحِ الباءِ، وسُكُونِ الخاءِ. وهي كُلُّها لُغاتٌ. قالَ الفَرّاءُ: البَخَلُ مُثَقَّلَةً لِأسَدٍ، والبُخْلُ خَفِيفَةً لِتَمِيمٍ، والبُخْلُ لِأهْلِ الحِجازِ. ويُخَفِّفُونَ أيْضًا فَتَصِيرُ لُغَتُهم ولُغَةُ تَمِيمٍ واحِدَةً، وبَعْضُ بَكْرِ بْنِ وائِلٍ يَقُولُونَ البَخْلَ قالَ جَرِيرٌ:

؎تُرِيدِينَ أنْ نَرْضى وأنْتِ بَخِيلَةٌ ∗∗∗ ومَن ذا الَّذِي يُرْضِي الأخِلّاءَ بِالبَخْلِ

وأنْشَدَنِي المُفَضَّلُ:

؎وأوْفاهم أوانَ بَخْلٍ

ويُنْشَدُ هَذا البَيْتُ بِفَتْحَتَيْنِ وضَمَّتَيْنِ: …

38

وَٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَٰلَهُمْ رِئَآءَ ٱلنَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَلَا بِٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ ۗ وَمَن يَكُنِ ٱلشَّيْطَٰنُ لَهُۥ قَرِينًۭا فَسَآءَ قَرِينًۭا

And [also] those who spend of their wealth to be seen by the people and believe not in Allah nor in the Last Day. And he to whom Satan is a companion - then evil is he as a companion.

﴿والَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم رِئاءَ النّاسِ ولا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ولا بِاليَوْمِ الآخِرِ﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلِ هَذِهِ الآيَةِ في قَوْلِهِ: ﴿كالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النّاسِ ولا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ [البقرة: ٢٦٤] وهُنا: ولا بِاليَوْمِ الآخِرِ، وهُناكَ: واليَوْمِ الآخِرِ. قالَ السُّدِّيُّ، والزَّجّاجُ وأبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ والجُمْهُورُ: هُمُ المُنافِقُونَ نَزَلَتْ فِيهِمْ، وإنْفاقُهم هو إعْطاؤُهُمُ الزَّكاةَ، وإخْراجُهُمُ المالَ في السَّفَرِ لِلْغَزْوِ رِئاءً ودَفْعًا عَنْ أنْفُسِهِمْ، لا إيمانًا ولا حُبًّا في الدِّينِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ومُقاتِلٌ، ومُجاهِدٌ: نَزَلَتْ في اليَهُودِ. وضَعَّفَهُ الطَّبَرِيُّ مِن حَيْثُ إنَّهم يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ. ووَجَّهَ ابْنُ عَطِيَّةَ هَذا القَوْلَ بِأنَّهم لَمْ يُؤْمِنُوا عَلى ما يَنْبَغِي؛ جَعَلَ إيمانَهم كَلا إيمانٍ مِن حَيْثُ لا يَنْفَعُهم. وقِيلَ: هم مُشْرِكُو مَكَّةَ، لِأنَّهم كانُوا يُنْكِرُونَ البَعْثَ. وإنْفاقُ اليَهُودِ هو ما أعانُوا بِهِ قُرَيْشًا في غَزْوَةِ أُحُدٍ وغَزْوَةِ الخَنْدَقِ، وإنْفاقُ مُشْرِكِي مَكَّةَ هو ما كانَ في عَداوَةِ النَّبِيِّ ﷺ وطَلَبِهِمُ الِانْتِصارَ. وفي إعْرابِ ﴿والَّذِينَ يُنْفِقُونَ﴾ وُجُوهٌ، أحَدُها: أنَّهُ مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفُ الخَبَرِ، ويُقَدَّرُ: مُعَذَّبُونَ، أوْ قَرِينُهُمُ الشَّيْطانُ، ويَكُونُ العَطْفُ مِن عَطْفِ الجُمَلِ. والثّانِي: أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى الكافِرِينَ، فَيَكُونُ مَجْرُورًا، قالَهُ: الطَّبَرِيُّ. والثّالِثُ: أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى الَّذِينَ يَبْخَلُونَ، فَيَكُونُ إعْرابُهُ كَإعْرابِ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ. والعَطْفُ في هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ مِن عَطْفِ المُفْرَداتِ. ورِئاءَ مَصْدَرُ راءَ، أوِ انْتِصابُهُ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ، وفِيهِ شُرُوطُهُ فَيَنْبَغِي أنْ يُعْدَلَ عَنْهُ. وقِيلَ: هو مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ قالَهُ: ابْنُ عَطِيَّةَ، ولَمْ يَذْكُرْ غَيْرَهُ. وظاهِرُ قَوْلِهِ: ولا يُؤْمِنُونَ أنَّهُ عَطَفَ عَلى صِلَةِ الَّذِينَ، فَيَكُونُ صِلَةً. ولا يَضُرُّ الفَصْلُ بَيْنَ أبْعاضِ الصِّلَةِ بِمَعْمُولٍ لِلصِّلَةِ، إذِ انْتِصابُ رِئاءَ عَلى وجْهَيْهِ بِـ يُنْفِقُونَ. وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ: ولا يُؤْمِنُونَ في مَوْضِعِ الحالِ، فَتَكُونُ الواوُ واوَ الحالِ أيْ: غَيْرَ مُؤْمِنِينَ، والعامِلُ فِيها يُنْفِقُونَ أيْضًا. وحَكى المَهْدَوِيُّ: أنَّهُ يَجُوزُ انْتِصابُ رِئاءَ عَلى الحالِ مِن نَفْسِ المَوْصُولِ لا مِنَ الضَّمِيرِ في يُنْفِقُونَ، فَعَلى هَذا لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ: ولا يُؤْمِنُونَ مَعْطُوفًا عَلى الصِّلَةِ، ولا حالًا مِن ضَمِيرِ يُنْفِقُونَ، لِما يُلْزَمُ مِنَ الفَصْلِ بَيْنَ أبِعاضِ الصِّلَةِ، أوْ بَيْنَ مَعْمُولِ الصِّلَةِ بِأجْنَبِيٍّ وهو رِئاءَ المَنصُوبُ عَلى الحالِ مِن نَفْسِ المَوْصُولِ، بَلْ يَكُونُ قَوْلُهُ: ولا يُؤْمِنُونَ مُسْتَأْنَفٌ. وهَذا وجْهٌ مُتَكَلَّفٌ. وتُعَلُّقُ رِئاءَ بِقَوْلِهِ: يُنْفِقُونَ واضِحٌ، إمّا عَلى المَفْعُولِ لَهُ، أوِ الحالِ، فَلا يَنْبَغِي أنْ يُعْدَلَ عَنْهُ. وتَكْرارُ لا وحَرْفِ الجَرِّ في قَوْلِهِ: ولا بِاليَوْمِ الآخِرِ مُفِيدٌ لِانْتِفاءِ كُلِّ واحِدٍ مِنَ الإيمانِ بِاللَّهِ، ومِنَ الإيمانِ بِاليَوْمِ الآخِرِ. لِأنَّكَ إذا قُلْتَ: لا أضْرِبُ زَيْدًا وعَمْرًا، احْتَمَلَ أنْ لا تَجْمَعُ بَيْنَ ضَرْبَيْهِما. ولِذَلِكَ يَجُوزُ أنْ تَقُولَ بَعْدَ ذَلِكَ: بَلْ أحَدَهُما. واحْتَمَلَ نَفْيَ الضَّرْبِ عَنْ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما عَلى سَبِيلِ الجَمْعِ، وعَلى سَبِيلِ الإفْرادِ. فَإذا قُلْتَ: لا أضْرِبُ زَيْدًا ولا عَمْرًا، …

39

وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ ءَامَنُوا۟ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ وَأَنفَقُوا۟ مِمَّا رَزَقَهُمُ ٱللَّهُ ۚ وَكَانَ ٱللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا

And what [harm would come] upon them if they believed in Allah and the Last Day and spent out of what Allah provided for them? And Allah is ever, about them, Knowing.

﴿وماذا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وأنْفَقُوا مِمّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ﴾ ظاهِرُ هَذا الكَلامِ أنَّهُ مُلْتَحِمٌ لُحْمَةً واحِدَةً، والمُرادُ بِذَلِكَ: ذَمُّهم وتَوْبِيخُهم وتَجْهِيلُهم بِمَكانِ سَعادَتِهِمْ، وإلّا فَكَلُّ الفَلاحِ والمَنفَعَةِ في اتِّصافِهِمْ بِما ذَكَرَ تَعالى. فَعَلى هَذا الظّاهِرِ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الكَلامُ جُمْلَتَيْنِ، وتَكُونُ لَوْ عَلى بابِها مِن كَوْنِها حَرْفًا لِما كانَ سَيَقَعُ لِوُقُوعِ غَيْرِهِ، والتَّقْدِيرُ: وماذا عَلَيْهِمْ في الإيمانِ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ والإنْفاقِ في سَبِيلِ اللَّهِ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وأنْفَقُوا مِمّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ لَحَصَلَتْ لَهُمُ السَّعادَةُ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ جُمْلَةً واحِدَةً، وذَلِكَ عَلى مَذْهَبِ مَن يُثْبِتُ أنَّ لَوْ تَكُونُ مَصْدَرِيَّةً في مَعْنى: أنْ، كَأنَّهُ قِيلَ: وماذا عَلَيْهِمْ أنْ آمَنُوا، أيْ في الإيمانِ بِاللَّهِ، ولا جَوابَ لَها إذْ ذاكَ، فَيَكُونُ كَقَوْلِهِ:

؎وماذا عَلَيْهِ أنْ ذَكَرْتُ أوانِسا كَغِزْلانِ رَمْلٍ في مَحارِيبِ أقْيالِ

قالُوا: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: وماذا عَلَيْهِمْ، مُسْتَقِلًّا لا تَعَلُّقَ بِهِ بِما بَعْدَهُ، بَلْ ما بَعْدَهُ مُسْتَأْنَفٌ. أيْ: وماذا عَلَيْهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ مِنَ الوَبالِ والنَّكالِ بِاتِّصافِهِمْ بِالبُخْلِ وتِلْكَ الأوْصافِ المَذْمُومَةِ، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ وقالَ: لَوْ آمَنُوا، وحَذَفَ جَوابَ لَوْ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وجَوابُ لَوْ في قَوْلِهِ: ماذا، فَهو جَوابٌ مُقَدَّمٌ انْتَهى. فَإنْ أرادَ ظاهِرَ هَذا الكَلامِ فَلَيْسَ مُوافِقًا لِكَلامِ النَّحْوِيِّينَ، لِأنَّ الِاسْتِفْهامَ لا يَقَعُ جَوابَ لَوْ، ولِأنَّ قَوْلَهم: أكْرَمْتُكَ لَوْ قامَ زَيْدٌ، إنْ ثَبَتَ أنَّهُ مِن كَلامِ العَرَبِ حُمِلَ عَلى أكْرَمْتُكَ دالٌّ عَلى الجَوابِ، لا جَوابٌ كَما قالُوا في قَوْلِهِمْ: أنْتَ ظالِمٌ إنْ فَعَلْتَ. وإنْ أرادَ تَفْسِيرَ المَعْنى فَيُمْكِنُ ما قالَهُ.

وماذا: يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ كُلُّها اسْتِفْهامًا، والخَبَرُ في عَلَيْهِمْ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ (ما) هو الِاسْتِفْهامَ، و(ذا) بِمَعْنى الَّذِي وهو الخَبَرُ، وعَلَيْهِمْ صِلَةُ ذا. وإذا كانَ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ مِن مُتَعَلِّقاتِ قَوْلِهِ: وماذا عَلَيْهِمْ، كانَ في ذَلِكَ تَفَجُّعٌ عَلَيْهِمْ واحْتِياطٌ وشَفَقَةٌ، وقَدْ تَعَلَّقَتِ المُعْتَزِلَةُ بِذَلِكَ. قالَ أبُو بَكْرٍ الرّازِيُّ: تَدُلُّ عَلى بُطْلانِ مَذْهَبِ الجَهْمِيَّةِ أهَّلِ الجَبْرِ، لِأنَّهم لَوْ لَمْ يَكُونُوا مُسْتَطِيعِينَ لِلْإيمانِ بِاللَّهِ والإنْفاقِ لَما أجازَ أنْ يُقالَ ذَلِكَ فِيهِمْ، لِأنَّ عُذْرَهم واضِحٌ وهو أنَّهم غَيْرُ مُتَمَكِّنِينَ مِمّا دُعُوا إلَيْهِ، ولا قادِرِينَ، كَما لا يُقالُ لِلْأعْمى: ماذا عَلَيْهِ لَوْ أبْصَرَ، ولا يُقالُ لِلْمَرِيضِ ماذا عَلَيْهِ لَوْ كانَ صَحِيحًا. وفي ذَلِكَ أوْضَحُ دَلِيلٍ عَلى أنَّ اللَّهَ قَدْ قَطَعَ عُذْرَهم في فِعْلِ ما كَلَّفَهم مِنَ الإيمانِ وسائِرِ الطّاعاتِ، وأنَّهم مُتَمَكِّنُونَ مِن فِعْلِها انْتَهى كَلامُهُ. وهو قَوْلُ المُعْتَزِلَةِ، والمَذاهِبُ في هَذا أرْبَعَةٌ كَما تَقَرَّرَ: الجَبْرِيَّةُ، والقَدَرِيَّةُ، والمُعْتَزِلَةُ، وأهْلُ السُّنَّةِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والِانْفِصالُ عَنْ شُبْهَةِ المُعْتَزِلَةِ أنَّ المَطْلُوبَ إنَّما هو تَكَسُّبُهم واجْتِهادُهم وإقْبالُهم عَلى الإيمانِ، وأمّا الِاخْتِراعُ فاللَّهُ المُنْفَرِدُ بِهِ انْتَهى. ولَمّا وصَفَهم تَعالى بِتِلْكَ الأوْصافِ المَذْمُومَةِ كانَ فِيهِ التَّرَقِّي مِن وصْفٍ قَبِيحٍ إلى أقْبَحَ مِنهُ، فَبَدَأ …

40

إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍۢ ۖ وَإِن تَكُ حَسَنَةًۭ يُضَٰعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًۭا

Indeed, Allah does not do injustice, [even] as much as an atom's weight; while if there is a good deed, He multiplies it and gives from Himself a great reward.

﴿إنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ وإنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها ويُؤْتِ مِن لَدُنْهُ أجْرًا عَظِيمًا﴾ ﴿فَكَيْفَ إذا جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وجِئْنا بِكَ عَلى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١] ﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوّى بِهِمُ الأرْضُ ولا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٤٢] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وأنْتُمْ سُكارى حَتّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ ولا جُنُبًا إلّا عابِرِي سَبِيلٍ حَتّى تَغْتَسِلُوا وإنْ كُنْتُمْ مَرْضى أوْ عَلى سَفَرٍ أوْ جاءَ أحَدٌ مِنكم مِنَ الغائِطِ أوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فامْسَحُوا بِوُجُوهِكم وأيْدِيكم إنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ [النساء: ٤٣] . المِثْقالُ: مِفْعالٌ مِنَ الثِّقَلِ، ومِثْقالُ كُلِّ شَيْءٍ وزْنُهُ، ولا تَظُنَّ أنَّهُ الدِّينارُ لا غَيْرَ. الذَّرَّةُ: النَّمْلَةُ الصَّغِيرَةُ وقِيلَ: أصْغُرُ ما تَكُونُ إذا مَرَّ عَلَيْها حَوْلٌ، وقِيلَ في وصْفِها الحَمْراءُ. قِيلَ: إذا مَرَّ عَلَيْها حَوْلٌ صَغُرَتْ وجَرَتْ. قالَ:

؎مِنَ القاصِراتِ الطَّرْفِ لَوْ دَبَّ مُحْوِلٌ مِنَ الذَّرِّ فَوْقَ الإتْبِ مِنها لَأثَّرا

وقالَ حَسّانُ:

؎لَوْ يَدُبُّ الحَوْلِيُّ مِن ولَدِ الذَّرِّ ∗∗∗ عَلَيْها لَأنْدَبَتْها الكُلُومُ

وقِيلَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: الذَّرَّةُ رَأْسُ النَّمْلَةِ. وقِيلَ عَنْهُ: أدْخَلَ يَدَهُ في التُّرابِ ورَفَعَها ثُمَّ نَفَخَ فِيهِ، وقالَ: كُلُّ واحِدَةٍ مِن هَؤُلاءِ ذَرَّةٌ. وقِيلَ: كُلُّ جُزْءِ الهَباءِ في الكُوَّةِ ذَرَّةٌ. وقِيلَ: الذَّرَّةُ هي الخَرْدَلَةُ.

السُّكْرُ: انْسِدادُ طَرِيقِ التَّمْيِيزِ بِشُرْبِ ما يُسْكِرُ مِن قَوْلِهِمْ: سَكِرَتْ عَيْنُ البازِي، إذا خالَها النَّوْمُ. ومِنهُ: سَكِرَ النَّهْرُ إذا انْسَدَّتْ مَجارِيهِ وسَكِرْتُهُ أنا. والسُّكْرُ: أيْضًا بِضَمِّ السِّينِ السَّدُّ. قالَ:

؎فَما زِلْنا عَلى الشُّرْبِ ∗∗∗ نُداوِي السُّكْرَ بِالسُّكْرِ

والسَّكَرُ: بِالفَتْحِ ما أسْكَرَ، أيْ مَنَعَ مِنَ التَّمْيِيزِ.

الغائِطُ: ما انْخَفَضَ مِنَ الأرْضِ، وجَمْعُهُ غِيطانُ. ويُقالُ: عَيْطٌ وغَوْطٌ. وزَعَمَ ابْنُ جِنِّي: أنَّ غَيْطًا فَعِيلٌ، إذْ أصْلُهُ عِنْدَهُ غَيِّطٌ مِثْلَ هَيِّنٍ وسَيِّدٍ إذا أخْفَفْتَهُما. والصَّحِيحُ: أنَّهُ فَعْلٌ. كَما أنَّ غَوْطًا فَعْلٌ، لِأنَّ العَرَبَ قالَتْ: غاطَ يَغُوطُ ويَغِيطُ، فَأتَتْ بِهِ مَرَّةً في ذَواتِ الياءِ، ومَرَّةً في ذَواتِ الواوِ. وجَمَعُوا غَوْطًا عَلى أغْواطٍ ويُقالُ: تَغَوَّطَ إذا أحْدَثَ، وغاطَ في الأرْضِ يَغِيطُ ويَغُوطُ غابَ فِيها حَتّى لا يَظْهَرَ إلّا لِمَن وقَفَ عَلَيْهِ. وكانَ الرَّجُلُ إذا أرادَ التَّبَرُّزَ ارْتادَ غائِطًا مِنَ الأرْضِ يَسْتَتِرُ فِيهِ عَنْ أعْيُنِ النّاسِ، ثُمَّ قِيلَ لِلْحَدَثِ نَفْسِهِ: غائِطًا، كَما قِيلَ: سالَ المِيزانُ وجَرى النَّهْرُ.

* *

﴿إنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ﴾ نَزَلَتْ في المُهاجِرِينَ الأوَّلِينَ. وقِيلَ: في الخُصُومِ. وقِيلَ: في عامَّةِ المُؤْمِنِينَ. ومُناسَبَةُ هَذِهِ لِما قَبْلَها واضِحَةٌ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ بِعِبادَتِهِ تَعالى وبِالإحْسانِ لِلْوالِدَيْنِ ومَن ذُكِرَ مَعَهم، ثُمَّ أعْقَبَ ذَلِكَ بِذَمِّ البُخْلِ والأوْصافِ المَذْكُورَةِ مَعَهُ، ثُمَّ وبَّخَ مَن لَمْ يُؤْمِن، ولَمْ يُنْفِقْ في طاعَةِ اللَّهِ، فَكانَ هَذا كُلُّهُ تَوْطِئَةً لِذِكْرِ الجَزاءِ عَلى الحَسَناتِ والسَّيِّئاتِ فَأخْبَرَ تَعالى بِصِفَةِ عَدْلِهِ، وأنَّهُ عَزَّ وجَلَّ لا يَظْلِمُ أدْنى شَيْءٍ، ثُمَّ أخْبَرَ بِصِفَةِ الإحْسانِ فَقالَ.

* *

﴿وإنْ تَكُ …

Commentary: Al-Bahr al-Muhit by Abu Hayyan al-Gharnati. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.